معنية برصد انتهاكات حقوق التعبير في حق الأفراد و المؤسسات.

هل حان الوقت لتنظيم جهود حماية الحرية الأكاديمية ؟

في العدد الثالث من نشرة الحرية الأكاديمية تطرقت الافتتاحية إلى الصورة العامة لقضايا الحرية الأكاديمية على مدار العام الماضي، في محاولة لتحفيز شرائح مختلفة من المجتمع الأكاديمي للعمل والاشتباك مع هذه القضايا الملحة. ويمكن القول أن ثمة إدراكا متزايد في أوساط أعضاء هيئة التدريس والباحثين والطلاب بأهمية التنسيق والنقاش العام حول ما يمكن تقديمه لحماية وتعزيز الحرية الأكاديمية، ويبدو ذلك جليا بالنظر إلى مجموعة من التطورات في اﻵونة اﻷخيرة:

أولا: تناول الموافقة الأمنية على سفر أساتذة الجامعات: أبرزت قضية المدرس المساعد خلود صابر، التي تلقت إخطارا ﻹنهاء منحتها لعدم موافقة الأمن، تضامنا واسعا داخل المجتمع اﻷكاديمي. فمن ناحية، عملت مجموعة 9 مارس لاستقلال الجامعات على مخاطبة إدارة جامعة القاهرة ﻹعلان رفضها لهذا القرار والمطالبة باحترام استقلالية الجامعة عن المؤسسات الأمنية، ومن ناحية أخرى تصدى أساتذة جامعات بالكتابة والتدوين عن هذه القضية سواء في الصحف أو من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، أبرزها مقال الدكتور محمد أبو الغار بعنوان “ثورة يشعلها اﻷمن في الجامعات”. وبلا شك أسهم هذا التناول والضغط الفعال في قضية خلود صابر في استجابة جامعة القاهرة، والتي قررت في 15 فبراير 2016، سحب اﻹنذار بالعودة إلى العمل واستمرار خلود صابر في منحتها الدراسية.

منحت هذه المعركة زخما متزايدا للحديث عن الحرية الأكاديمية وإشكالية حمايتها ورفع الوعي بها، وألقى ذلك ظلالا ايجابية للغاية على الاحتفال السنوي الذي تنظمه مجموعة العمل على استقلال الجامعات، في 9 مارس، حيث وضعت قضايا الحرية الأكاديمية كأولوية للعمل والنقاش بين الحاضرين، وهم مجموعة متنوعة من أعضاء هيئة التدريس من جامعات مختلفة. وقد خرج هذا اللقاء بمجموعة من المقترحات الجديرة بالاهتمام، كإصدار تقرير من مجموعة 9 مارس بشأن حالة الحرية الأكاديمية، وتنظيم مؤتمر تطرح به أوراق بحثية لتناول جوانب وقضايا مختلفة تندرج تحت إطار الحرية الأكاديمية، ومخاطبة إدارات الجامعات لإلغاء موافقة الأمن على سفر أعضاء هيئة التدريس.

ثانيا: تناول أوضاع الباحثين الأجانب على خلفية قضية جوليو ريجيني: اختفى الباحث الايطالي في 25 يناير 2016، ووجد مقتولا في 4 فبراير وعلى جثته آثار تعذيب، ومنذ تلك اللحظة تثار شكوك كبيرة لدى زملائه ووسائل اﻹعلام حول ارتباط جريمة قتله بالعمل البحثي الذي كان يقوم به لدراسة النقابات العمالية، وهو مسجل كباحث زائر في الجامعة الأمريكية بالقاهرة. ومرة أخرى باتت قضية الحرية الأكاديمية مطروحة بقوة في المجتمع الأكاديمي، وخاصة داخل الجامعة الأمريكية. ومن أبرز ما كتب من قبل أساتذة الجامعات، في هذا السياق، مقال للدكتور خالد فهمي بعنوان “مقتل جوليو ريجيني ومأساة البحث العلمي في مصر”، حمل إشارة مهمة تربط بين خفوت الأصوات المدافعة عن الحرية الأكاديمية، في مقابل ازدياد وتيرة تدخل الأجهزة اﻷمنية في العمل البحثي والأكاديمي.

وأدت حادثة مقتل ريجيني إلى تسليط الضوء حول دور الجامعة الأمريكية في حماية الباحثين المقيدين بها، حيث جاءت ردود فعل إدارة الجامعة حول مقتل جوليو ريجيني غير ملائمة لخطورة هذه القضية،في بادىء اﻷمر، خاصة أنه لها آثار كبيرة على عمل الباحثين. وبادرت مجموعة من الطلاب والأساتذة بإثارة القضية وفتحوا نقاش مع إدارة الجامعة، أفضى إلى تشكيل لجنة تتلقى المقترحات ووجهات النظر المختلفة لتعزيز الحرية الأكاديمية، باﻹضافة إلى مبادرة مجموعة من الأساتذة والطلاب لتنظيم نقاشات مختلفة لرفع الوعي بالحرية الأكاديمية.

ولم يقتصر هذا الاهتمام على المجتمع اﻷكاديمي فقط، بل تعداه إلى وسائل اﻹعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث بدا أن هناك حالة جديدة تتشكل، يتزايد فيها الوعي بمعدل غير مسبوق، بقضايا ومفهوم الحرية الأكاديمية.

تدفع هذه التطورات الإيجابية كافة المهتمين إلى طرح الأسئلة حول سبل التشبيك والتنسيق المشترك بين أعضاء المجتمع اﻷكاديمي والمؤسسات البحثية والحقوقية بشأن حماية الحرية الأكاديمية، وربما ينبغي دراسة امكانية تأسيس “لجنة لحماية الحرية الأكاديمية”، تعمل على تنظيم هذه الجهود المتفرقة، وتحاول الحفاظ على استمرارية الحركة المدافعة عن حقوق الباحثين وأعضاء هيئة التدريس والطلاب في البحث والنشر والتدريس والتعلم. ولم يعد السؤال المطروح كيف نجد مدخلا للحديث عن الحرية الاكاديمية أو كيف نواجه عدم اهتمام أعضاء المجتمع الأكاديمي بهذه الحقوق، ولكن الصحيح أن هناك مداخل متعددة وازدياد ملحوظ في الاهتمام، يحتاج إلى آلية للتنسيق بين كافة المهتمين، لتجميع هذه الجهود وتوحيدها.

ولا أزعم أن هذا المقترح يمثل طريقا وحيدا للتنسيق، ولكن على الأقل نحن بحاجة إلى الاتفاق على طريقة تمكن أبرز الفاعلين في قضايا الحرية الأكاديمية من النقاش والعمل المشترك. وهذا تحدي ينبغي مواجهته سريعا.

*محمد عبد السلام، باحث ومسئول ملف الحرية الأكاديمية بمؤسسة حرية الفكر والتعبير.

Subscribe To AFTE Email List
No Thanks
Thanks for signing up.
We respect your privacy. Your information is safe and will never be shared.
Don't miss out. Subscribe today.
×
×

WordPress Popup Plugin