معنية برصد انتهاكات حقوق التعبير في حق الأفراد و المؤسسات.

براءة “ناجي” نقطة ضوء في قلب الحملة المسعورة ضد بيوت الفن وحرية الإبداع

في الوقت الذي تشُن فيه جهات تنفيذية مختلفة بالدولة حملة منظمة للنيل من مساحات إبداعية حرة تتمثل في بيوت للإبداع الفني والأدبي تم اقتحامها ووقف نشاطها تعللًا بمبررات واهية. بدأت بالـ”تاون هاوس” ومسرح روابط ثم اتجهت لدار “ميريت” للنشر. وبعد الحكم على، إسلام البحيري، بالحبس لمدة عام بتهمة ازدراء الأديان. جاء حكم محكمة جنح بولاق أبو العلا ببراءة الكاتب، ‫أحمد ناجي، من تهمة خدش الحياء العام، بعد نشره فصلًا من روايته، استخدام الحياة،‬ في عدد مجلة أخبار الأدب. ليعطي المدافعين عن حرية الإبداع أملًا في استمرار كفاحهم من أجل تهيئة مناخ يساعد على الإبداع وينمِّيه بدلًا من أن يخنقه ويحاربه خلف ستار التابوهات والأفكار الاجتماعية المحافظة والبالية، أو رغبات سلطوية قمعية تخشى الدور الرسالي للفن والإبداع في إثراء حركة تطور الشعوب والدول. وإنماء التفكير والخيال وتحرير العقول.

رغم كل ما حملته قضية “ناجي” من فجاجة تُعبِّر عن تربُّص واضح بالمبدعين والفنانين من خلال أشكال متعددة من الرقابة أصبح أكثرها خطورة على المبدع اليوم، الرقابة المجتمعية، التي تفرض على المُبدِع نوع من الرقابة الذاتية التي قيَّدت بشكل واضح الأقلام المتمردة صاحبة الأفكار غير التقليدية، وجعلتها حبيسة ثقافة مجتمعية محافظة ومتشددة إزاء الخطوط الحمراء الثلاث الدين، الجنس، والسياسة. وفي ظل مناخ معادٍ بدرجة كبيرة للأصوات المختلفة وخاصة التي يمكن عرضها في قوالب فنية وإبداعية أكثر قدرة على الوصول للجمهور. جاء الحكم لينتصر من جديد للخيال والحق في حرية التعبير الفني كما كفلها دستور (2014م).

إن مؤسسة حرية الفكر والتعبير تؤكد أن الحكم ببراءة الكاتب الروائي، أحمد ناجي، وطارق الطاهر، رئيس تحرير مجلة أخبار الأدب، يُمثِّل انتصارًا للمادة (67) من الدستور المصري التي جاءت حاسمة وواضحة في حماية الحق في الإبداع وحرية التعبير الفني، حيث جعل الحق مُطلقًا، ولم يترك أمر تنظيمه للقانون، حتى أنه حصر الحالات التي يخرج فيها العمل من نطاق الإبداع كالتحريض على العنف والتمييز بين المواطنين. لذا فقد كانت تطمح المؤسسة في قبول هيئة المحكمة للدفع بعدم دستورية المادة (178) من قانون العقوبات، والتي تثدَّم بها فريق دفاع “ناجي”، وإحالتها للمحكمة الدستورية للبت في مدى دستوريتها، نظرًا لما تُمثِله من تقييد لنص المادة (67)، وذلك في إطار الدور المنوط بالسلطات القضائية والتشريعية في تنقية التشريعات المختلفة التي تُمثِّل أبوابًا خلفية لانتهاك الدستور، وأهمها المادة (178) من قانون العقوبات والتي حوكم على إثرها “ناجي” بتهمة خدش الحياء العام. والتي اتسمت بالمطاطية الشديدة وتركت أهواء الأشخاص هي الفيصل في تحديد ما هو المقصود “بالحياء العام”؟!! وكيف يكون “خدشه”؟!!.

ولا ترى المؤسسة أن تقييد حرية الإبداع يتمثل في إشكاليات الإطار التشريعي والدستوري فقط، وإنما أيضًا في الحملة التي يتزعمها جناح معادٍ لحرية الإبداع في أجهزة الدولة، كاستهداف بيوت الفن والإبداع في الأيام الأخيرة، إلى جانب القرارات المتوالية من قبل وزير العدل، بمنح سلطة الضبطية القضائية لممثلي نقابات المهن التمثيلية، السينمائية، والموسيقية. بهدف محاصرة المبدعين والفنانين غير المحميين بمظلة النقابة. ومحاربة أشكال الفنون المستقلة التي انتشرت بقوة منذ اندلاع انتفاضة يناير 2011م وحتى اليوم. في ظل دور شديد السلبية لوزارة الثقافة ووزيرها الحالي، الدكتور حلمي النمنم، الذي تفاءل كثيرين في عهده بدور أكبر للوزارة في حماية حرية الإبداع والتعبير الفني، باعتباره أحد المدافعين قبل تولي منصب الوزير، عن حرية الإبداع وضرورة تحريرها من كافة القيود المجتمعية والعراقيل القانونية والمعوقات الرقابية.

لذا تشدد المؤسسة على أن الجماعة الثقافية والإبداعية المصرية، أمامها اليوم، الكثير من المعارك التي يجب أن تكون جاهزة بشكل جيد للتصدي لها، بداية من التعاون والضغط على مجلس النواب المنعقد -قريبًا- لإجراء التعديلات والتنقيحات التشريعية المطلوبة لمزيد من حماية الفنانين والمبدعين وتشجيعهم للقيام بدورهم المجتمعي المنوط بهم. ومرورًا بضرورة الدفاع عن دور الفن المستقل واحتضانه لا تجريمه ومناصبته العداء من خلال ترقية بعض الفنانين لرتبة ضباط؛ يحق لهم تحرير المحاضر ووقف نشاط زملائهم المبدعين -فقط- لكونهم ليسوا أعضاء بالنقابة التي لم يفرض القانون على أحد الاشتراك بها، وانتهاءً بإعادة هيكلة منظومة الثقافة في مصر وعلى رأسها -بالطبع- وزارة الثقافة، كي تستعيد جماعة المثقفين في مصر دور وزارتهم كداعم للتطور الثقافي، لا كمُتفرِّج على حركة التطور الثقافي ومعاركها من أجل تحرير قيودها والتغلب على كل آفات الجهل والمحافظة والرجعية والبيروقراطية والأداء السلطوي باعتبارهم الأخطار الحقيقية على العمل الإبداعي في أي مجتمع متحضر.

إن المؤسسة ورغم ترحيبها الشديد بحكم البراءة بحق ناجي والطاهر؛ إلا أنها تراه خطوة أولى يجب أن يتبعها خطوات أكثر في سبيل ترسيخ مناخ داعم للحق في حرية الإبداع والتعبير الفني، من خلال حركة ثقافية فنية تستطيع أن تُشكِّل ضغطًا من أجل امتلاك إرادة سياسية ومجتمعية لإقرار ليس الحق فقط وإنما ثقافة قبول الاختلاف وتشجيعه باعتباره عاملًا مساعدًا في إثراء تجربة تطوُّر الأمم. وتؤكد مؤسسة حرية الفكر والتعبير، أنها سوف تواصل جهودها من أجل دعم الحق في حرية الإبداع والتعبير الفني ودعم كل المدافعين عنه والمساعدة قدر الإمكان في الارتقاء بمنظومة الثقافة والإبداع في مصر.

ذات صلة