معنية برصد انتهاكات حقوق التعبير في حق الأفراد و المؤسسات.

“قمع بروح الطوارئ” تقرير حول حرية التعبير في العام 2018

الجزء الثاني

 

استمرت الدولة بأجهزتها المختلفة في انتهاك حرية التعبير خلال العام 2018 وإن كانت وتيرة الانتهاكات أصبحت أقل إذا ما قورنت بالعام الماضي. لا يعبر هذا الانخفاض في كم الانتهاكات عن تغير سياساتي من قبل الدولة تجاه حرية التعبير بقدر ما يبرز الوضع المزري الذي وصلت إليه حالة حرية التعبير نتيجة للخنق المتعمد الذي تمارسه الدولة تجاه هذا الملف في السنوات الماضية على كافة الأصعدة، تشريعيًّا وقضائيًّا وأمنيًّا.

الإعلام.. أجهزة الدولة الرقابية تحكم سيطرتها

 

شهد العام 73 واقعة شملت 102 انتهاك تعرض لها المجتمع الصحفي والإعلامي في تراجع واضح عن العام الماضي والذي شهد 242 انتهاكًا.

يلاحظ تنامي دور المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في الرقابة على الإعلام بالمقارنة بعام 2017، وهو العام الذي صدر في ربعه الثاني قرار بتشكيل المجلس،حيث سجلت المؤسسة 43 انتهاكًا، ارتكبها المجلس بما يمثل نسبة 42% من الانتهاكات التي سجلتها المؤسسة خلال عام 2018، بالمقارنة بـ 4 حالات خلال 8 شهور من عام 2017، وهو ما قد يشير إلى الدور الأساسي الذي أنشئ من أجله المجلس وهو السيطرة الكاملة على الحقل الإعلامي.

ويعد من أبرز قرارت المجلس في هذا العام وقف بث قناة (ltc) في الثامن من ديسمبر بسبب ما وصفه بيان المجلس[11] بالخروقات التي تسيءإلى الإعلام وتستغل الحريات الممنوحة للإعلاميين في ارتكاب جرائم إعلامية بشكل سافر يمثل إهانة لمهنة الإعلام والاستهتار بالقوانين والدستور، وإهانة للمشاهدين. وأضاف بيان المجلس بأن القناة خالفت المعايير والأكواد الصادرة عن المجلس وصدر ضدها العديد من القرارات بشأن وقائع حدثت خلال برامجها. وأضاف البيان أن المجلس كان قد أعطى القناة مهلة لتقنين أوضاعها دون استجابة.

كما أصدر المجلسفي 4 يوليو 2018، قرارًا[12] بوقف النشر في قضية مستشفى سرطان الأطفال 57357 إلى حين انتهاء اللجنة الوزارية من فحص موقفها. وطالب المجلس جميع الأطراف بالتوقف عن الكتابة في الموضوع، ووقف بث البرامج المرئية والمسموعة التي تتناول هذا الموضوع، وأن يكون التعامل مع أي جديد بتقديمه إلى الجهات القضائية أو لجنة التحقيق أو النشر من خلال المجلس. تراجع المجلس عن هذا القرار بعد أن أصدر النائب العام قرارًا[13] يوضح أن قرار المجلس بوقف النشر غير قانوني وهو والعدم سواء، وأعقب ذلك استدعاء رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام للتحقيق في مخالفته للقانون بإصدار هذا القرار.

وتنوعت قرارات المجلس خلال 2018 ما بين وقف برامج ومذيعين، إحالة صحفيين أو مذيعين إلى التحقيق بنقابتهم.

 

المصري اليوم.. تحقيق على خلفية مانشيت صحفي

 

“الدولة تحشد المواطنين لآخر أيام الانتخابات” بهذا المانشيت صدر عدد جريدة المصري اليوم 29 مارس. تعرضت الجريدة على إثر هذا المانشيت لهجوم إعلامي كبير صاحبه بلاغ تقدمت به الهيئة الوطنية للانتخابات بدعوى اتهام الجريدة للدولة بحشد الناخبين للتصويت وهو ما يشكك في العملية الانتخابية برمتها، على حسب وصف بلاغ الهيئة للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.

عقب البلاغ، أحال المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رئيس تحرير جريدة المصري اليوم، آنذاك، محمد سيد صالح، ومحرر خبر إدلاء المرشح الرئاسي في انتخابات 2108، موسى مصطفى موسى بصوته في الانتخابات على الموقع الإلكتروني للجريدة إلى التحقيق في نقابة الصحفيين بناءً على الشكوى التي قدمها رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات إلى المجلس، حسب القرار[14]. وقرر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، تغريم جريدة المصري اليوم 150 ألف جنيه مع إلزام الجريدة بتقديم اعتذار إلى الهيئة الوطنية للانتخابات في نفس المكان ونفس المساحة وهو ما نفذته جريدة المصري اليوم.

من جانبها نشرت المصري اليوم في 29 مارس توضيحًا للمانشيت تحت عنوان: “كلمة المصري اليوم.. الحشد الإيجابي”[15] أكدت فية ما أسمته بالحشد الإيجابي، كما أرسلت رسالة إلى المرشح لانتخابات الرئاسة آنذاك، عبد الفتاح السيسي، أعلنت فية دعمها له وللدولة، كما تنصلت المصري اليوم مما أسمته الفهم المغلوط للمانشيت والذي استخدمه البعض للوشاية بالمصري اليوم.

وفي الرابع من إبريل أصدر مجلس إدارة المصري اليوم قرارًا[16] بإنهاء عمل رئيس تحرير الجريدة، محمد سيد صالح، على أن يستمر كاتبًا رئيسيًّا في الجريدة مع الاحتفاظ بدرجته المالية الحالية حسب القرار، والذي لم يذكر أي أسباب للإقالة إلا أنها من المرجح أن تكون على خلفية الضغوط التي تعرضت لها المصري اليوم عقب مانشيت “حشد الناخبين” فقد أنهي عمل رئيس التحرير بعد 5 أيام فقط من واقعة مانشيت الجريدة الخاصة بالانتخابات.

ولم تقف الإجراءات عند قرارات المجلس الأعلى للإعلام، ففي الثاني عشر من شهر إبريل استدعت نيابة أمن الدولة[17] رئيس تحرير الجريدة، و7 مراسلين للجريدة بالمحافظات، هم مراسل القليوبية، محمد محمود خليل، مراسلة المنصورة، غادة عبد الحافظ، مراسلة المنوفية، هند إبراهيم، مراسل كفر الشيخ، مجدي عبد السلام، مراسل البحيرة، حمدي قاسم، مراسل دمياط، عماد الشاذلي، ومراسل الغربية، محمد فايد، بناءً على بلاغ من الهيئة الوطنية للانتخابات يتهمهم فيه بنشر أخبار كاذبة من شأنها الإضرار بالصالح العام، على خلفية تغطية المصري اليوم للانتخابات.

وقررت النيابة إخلاء سبيل رئيس تحرير المصري اليوم _آنذاك_ بكفالة 10 آلاف جنية، كما أمرت بإخلاء سبيل بقية الصحفيين بضمان محل إقامتهم في المحضر رقم599 لسنة 2018 أمن دولة، بعد أن قدم الصحفيون إلى نيابة أمن الدولة صورًا من مراسلات مصادرهم الرسمية التي استقوا منها الأخبار المنشورة في العنوان محل التحقيق. قررت نيابة أمن الدولة لاحقًا حفظ التحقيقات في القضية المشارة إليها.

لم تكن قرارات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام هي الوحيدة اللافتةللنظر في انتهاكات عام 2018 حيث كان منع صحفيين من دخول الأراضي المصرية، واحتجاز صحفيين بالمطار والقبض عليهم لافتًا. حيث منعت سلطات أمن مطار القاهرة في 5 نوفمبر وفد الإعلاميين العراقيين المشارك في مونديال القاهرة للإعلام من دخول الأراضي المصرية بعد احتجازهم دون إبداء أي أسباب للوفد ثم قامت بترحيلهم لاحقًا. كذلك منعت سلطات أمن المطار في 25 مايو الصحفية الأجنبية نيني أوبيني من دخول الأراضي المصرية بعد احتجازها والتحقيق معها داخل المطار عن سبب قدومها إلى مصر، وعن بعض المقالات التي نشرتها أوبيني خلال فترة عملها السابق في مصر، قبل أن تقوم السلطات بمنع دخولها الأراضي المصرية حسب شهادة أوبيني والتي نشرتها على صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك[18] وترجمها إلى العربية موقع مدى مصر.

ونشرت جريدة التايمز تقريرًا عن ترحيل مراسلتها بالقاهرة، بيل ترو بعد أن أوقفتها السلطات المصرية عقب إجرائها لحوار مع أحد أقارب رجل توفيعلى متن مركب هجرة متجة إلى أوروبا. وأضافت التايمز بأن مصادر دبلوماسية أخبرتها بأن ترو أصبحت شخصًا غير مرغوب فيه من قبل السلطات المصرية، والتي أجبرتها على الرحيل إلى لندن في 21 فبراير الماضي، دون أن تبدي السلطات أي أسباب لهذا التصرف. ونشرت التايمز مقالًا لترو، روت خلاله أن 5 أفراد بزي مدني أوقفوها بعد إجراء حوار كانت تجريه، ثم اقتادوها إلى قسم شرطة لم تسمِّه. وأضافت ترو خلال المقال، بأنه جرى استجوابها لمدة تزيد على7 ساعات هُددت خلالهم بإحالتها إلى محاكمة عسكرية.

في مقالها، أكدت “بِل”أنها كانت تعد تقريرًا عن المركب، وكشفت عن أن أحد رواد المقهى الذي أجرت فيه الحوار أخبر الأمن أنها كانت تستقصيعن مركب آخر شكك البعض في تورُّطالسلطات المصرية في إغراقه بالقرب من شاطئ رشيد عام 2016.

وفي السادس عشر من شهر أغسطس الماضي، ألقت سلطات أمن مطار القاهرة القبض على المصورة الصحفية بجريدة الوطن زينب أبو عونة أثناء سفرها إلى العاصمة اللبنانية بيروت، لحضور ورشة تدريبة، وتواجه أبو عونة تهم الانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة، على ذمة القضية رقم 441 لسنة 2018 أمن دولة.

وفي 30 نوفمبر الماضي، احتجزت سلطات أمن المطار الصحفية بمدى مصر، رنا ممدوح عقب عودتها من العاصمة الأردنية عمَّان، عقب مشاركتها في مؤتمر تنظمه مؤسسة أريج للصحافة الاستقصائية وقام جهاز الأمن الوطني بالمطار باستجواب الصحفية وسحب جواز سفرها وإبلاغها بأنها على قوائم التفتيش. وذكرت ممدوح في تصريحات لموقع مدى مصر، تأكدت المؤسسة من صحتها بالاتصال التليفوني بالصحفية، بأنها تعرضت خلال سفرها للأردن للاحتجاز، وتم إعادة حقائبها من الطائرة وإعادة تفتيشها، وهو الأمر الذي استغرق ساعة ونصفًا، أقلعت الطائرة خلالها، دون ان يسمح لها بالسفر. وتضيف رنا، بعد التفتيش أخبرني ضابط برتبة عميد أنه يجب عليَّ في أي وقت أريد أن أسافر فيهأن أحضر إلى المطار قبل موعد الرحلة بـ 3 ساعات على الأقل، وأن أتوجه إلى مكتب الضابط وأخبره بأني “تفتيش”. وأضافت رنا:

“عدت من جديد للمطار قبل الموعد وكانت الإجراءات أصعب وأشد تعقيد، حيث خضعت لنفس الإجراءات وبدأ التفتيش هذة المرة للبحث عن ورقة أو مفكرة وكان موظف الجمارك يبحث عن قصاصات الورق ويقرأها. تقول رنا بأن الاستجواب كان يركز عن عملها والموضوعات التي تكتب عنها وعن أسباب سفرها للأردن، وماهية مؤتمر أريج ومن يموله وكيف يختارون الصحفيين”.

طلب ضابط الأمن الوطني من رنا التوجه إلى مكتب الأمن الوطني بالعباسية لاسترداد جواز سفرها، ومعرفة أسباب وضعها على قوائم التفتيش.

تقدمت الصحفية عضو نقابة الصحفيين بمذكرة رسمية إلى نقيب الصحفيين وأعضاء مجلس النقابة بخصوص سلسلة الانتهاكات التي تعرضت لها خلال سفرها، والتي تضمنت التحفظ على جواز سفرها، والتحقيق معها بالمطار بدون أسباب ومصادرة مذكرات خاصة بها.

وعلى مستوى آخر، أصدرت اللجنة القضائية المختصة بإدارة أموال جماعة الإخوان المسلمين، في 11 سبتمبر 2018، قرارًا بالتحفظ على جريدة المصريون وموقعها الإلكتروني، دون أن تبدي اللجنة أسبابًا لذلك القرار.

يذكر أن قوة من أفراد تابعين للجنة إدارة أموال الجماعة مصحوبين بقوة من الشرطة، قد داهموا مقر جريدة المصريون، في 24 سبتمبر 2018، وقاموا بالتحفظ على المقر ومحتوياته وتسليم أخبار اليوم إدارة الجريدة. كان موقع جريدة المصريون الإلكتروني قد تم حجبه ضمن حملة حجب المواقع الإلكترونية، والتي تقوم بها جهة حكومية غير معروفة إلى الآن.

وعلى مستوى الإجراءات التأديبية التي تتخذها المؤسسات الإعلامية تجاه صحفييها، قررت إدارة المصري اليوم فصل الصحفية هدير فرغلي، من عملها بالمؤسسة، بناءً على شكوى من مديرها يتهمها بالتغيب بدون علم الإدارة، ما أدى إلى الإضرار بالعمل، بحسب شهادة الصحفية لمؤسسة حرية الفكر والتعبير[19]. وأضافت فرغلي أنها لم تكن تعلم أي شيء عن تلك الشكاوي، وأنه لم يجرِ التحقيق معها لإثبات أو نفي الادعاء، وفور علمها بالقرار قدمت تظلمًا وشكوى ضد مديرها المباشر تسرد فيها الوقائع الحقيقية لتغيبها عن العمل، إلا أن إدارة الموارد البشرية لم تقم بالتحقيق، وأصدرت قرارًا بفصلها عن العمل في 28 أغسطس 2018.

ورصدت مؤسسة حرية الفكر والتعبير واقعة منع صحفية من أداء عملها في بورسعيد، حيث مُنعت مراسلة الفجر في بورسعيد، نيرة الجابري، من دخول النادي المصري وتغطية أخباره، على خلفية تقرير نشرته المراسلة يتحدث عن عدم سداد مستحقات بعض اللاعبين وانقطاعهم عن التدريب بسبب إعطائهم شيكات بدون رصيد. وقالت الجابري:

“عقب نشر التقرير فوجئت بمكالمات تهديد وسباب من أحد أعضاء مجلس إدارة النادي المصري، أصدر مجلس إدارة النادي المصري قرارًا بمنعي من دخول النادي أو أيٍّ من فروعه، ومنعي من تغطية أخبار النادي وفرقه المختلفة[20]“.

ولم تكن الجابري الصحفية الوحيدة التي تعرضت للمنع من دخول النادي، فقد أصدر مجلس إدارة النادي المصري قرارًا[21] بمنع دخول مراسل اليوم السابع ببورسعيد أحمد وجيه من دخول النادي أيضًا دون إبداء أسباب، ويسبب الصحفي في شهادته للمؤسسة، لكتابتهتقارير عن فشل المجلس إداريًّا وتدخلهم في عمل المدير الفني للنادي المصري، ما أثر سلبًا على مستوى فريق الكرة في كافة المنافسات التي يخوضها. وأضاف وجيه أن ظهوره في حلقة بقناة الحدث وانتقاد المجلس تلفزيونيًّا كان له أثر كبير في القرار. وقال وجيه:

“المجلس لم يكتفي بقرار المنع من دخول النادي بل أصدر قرارًا لكل العاملين بالنادي واللاعبين بعدم التعامل نهائيًّا معي، ورصد غرامة مالية قدرها 10 آلاف جنيهًا لأي لاعب يدلي بتصريحات لي”.

وفي سياق منفصل داهمت مباحث المصنفات مقر موقع مصر العربية، وهو أحد المواقع المحجوبة، وألقت القبض على عادل صبري، رئيس تحرير الموقع. وذلك بعد يومين من صدور قرار المجلس الأعلى للإعلام، في الأول من إبريل 2018، بتغريم موقع مصر العربية 50 ألف جنيه، على خلفية شكوى مقدمة من الهيئة الوطنية للانتخابات بسبب نشر الموقع لتقرير بعنوان “نيويورك تايمز: المصريون يزحفون للانتخابات من أجل 3 دولارات”. وأمرت نيابة الدقى بحبس عادل صبري، على ذمة المحضر رقم 4861 لسنة 2018 جنح الدقي، والذي اتُّهم فيه بنشر أخبار كاذبة، والتحريض على تعطيل أحكام الدستور، والانضمام إلى جماعة محظورة، والتحريض على التظاهر.

أخلي سبيل صبري على ذمة هذه القضية لاحقًا إلا أنه لم يفرج عنه حيث تم استدعاؤه للتحقيق معه على ذمة القضية رقم 441 لسنة 2018 أمن دولة بتهمة الإنضمامإلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة. ولا يزال صبري محبوسًا على ذمة هذه القضية حتى كتابة التقرير.

وعلى صعيد آخر، هاجمت الهيئة العامة للاستعلامات، الجهة الرسمية المانحة لتصاريح العمل للصحفيين الأجانب، وسائل الإعلام والصحفيين الأجانب، سواء من خلال بيانات رسمية تعترض فيها على مضمون تقارير الإعلام الأجنبي، أو من خلال الحملة والبروباجندا الداخلية التي يقودها رئيس الهيئة ضياء رشوان بالظهور المستمر على قنوات فضائية للتنديد بالإعلام الأجنبي، حتى أنه شارك في حلقة من برنامج تلفزيوني تحمل عنوان “لماذا يستهدف الإعلام الأجنبي مصر؟”، في 12 يناير 2018. ويقترن ظهور رئيس هيئة الاستعلامات بتغذية معاداة الأجانب في مصر، وتصوير الصحفيين اﻷجانب العاملين في مصر باعتبارهم جزءًا من مؤامرة ضد استقرار الدولة، وأحيانًا ما تصل اتهامات يلقيها مقدموبرامج في قنوات مؤيدة للسلطة الحالية إلى قيام الصحفيين الأجانب بدعم الإرهاب.

وأصدرت الهيئة العامة للاستعلامات عدة بيانات، خلال الربع الأول من العام 2018، وجهت فيها انتقادات إلى وسائل إعلام أجنبية بتعمد نشر معلومات مغلوطة وارتكاب أخطاء مهنية، وكانت البداية في 7 يناير 2018، عبر بيان ضد صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، على خلفية قضية نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، ثم بيان ضد هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، في 24 فبراير 2018، توجه فيه انتقادات إلى تقرير نشرته بي بي سي، حوى مجموعة من المقابلات مع ضحايا وذويهم، ممن تعرضوا للتعذيب والاختفاء القسري. وليست هذه المرة الأولى التي توجه فيها هيئة الاستعلامات اتهامات بتزييف الحقائق ونشر معلومات مغلوطة إلىبي بي سي، فقد حدث ذلك خلال العام الماضي 2017 على خلفية حادث الواحات.

وطالب رئيس هيئة الاستعلامات بمقاطعة “بي بي سي” من قبل المسئولين الرسميين وذلك حتى تقدم اعتذارًا عما نشرته، على خلفية تقرير نشرته الشبكة الإنجليزية تناول قضايا الاختفاء القسري والتعذيب في مصر. لذلك، يبدو أن السلطات المصرية تحاول إرسال تهديدات ومضايقات مستمرة إلى وسائل الإعلام الأجنبية، والتي لا تملك الأجهزة الأمنية في مصر أن تسيطر على محتواها على عكس الإعلام المحلي،إذ أن عمليات شراء واسعة لقنوات تلفزيونية وصحف قد جرت في مصر، إضافة إلى تأسيس شركات تدور حولها شبهات الارتباط بأجهزة أمنية، وأدى ذلك إلى تحكم السلطة الحالية في الإعلام المصري، بشكل غير مسبوق.

وانضم إلى الهجوم على الإعلام الأجنبيجهات صحفية أخرى، حيث صرح حاتم زكريا، السكرتير العام لنقابة الصحفيين، وعضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام فىإحدى المقابلات عن أزمة السلطات المصرية مع هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) أنه سيوجه “رسائل عتاب إلى مكتب القناة كما قد يلجأ إلى استدعاء رئيس مكتب القناة للتحقيق”. وأوضح زكريا أنه “قد يكون حجب الموقع حلًّاللتعامل مع مثل هذه الأزمات” حيث أن السلطات المصرية مستاءة مما وصفه بـ”الأخبار الكاذبة” التي بثتها الإذاعة تجاه الدولة المصرية، وقال إنها تؤثر في سمعتها وشكلها أمام المجتمع الخارجي، تزامنًا مع اقتراب إجراء انتخابات الرئاسة المصرية، إلى جانب حرب مصر ضد العناصر الإرهابية في شمال سيناء”.

وفي نفس السياق أصدر حسين زين، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، قرارًا بتعليق أى تعاون إعلاميمع هيئة “بي بي سي” حتى إشعار آخر، ويشمل التعليق كل أنواع التعاون الإعلامى من بروتوكولات أو اتفاقيات.

ومن ناحية أخرى،في 28 فبراير 2018،أصدر النائب العام، قرارًا بتكليف المحامين العموم ورؤساء النيابات بالاستمرار في متابعة وسائل الإعلام المختلفة ومواقع التواصل الاجتماعي لضبط ما يصدر عنها من أخبار وبيانات وإشاعات كاذبة، من شأنها الإضرار بالمصلحة العامة للدولة، وكذلك خاطب القرار الجهات المسئولة عن الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، لإبلاغ النيابات بهذه البيانات.

وفي 12 مارس 2018، أعلنت النيابة العامة عن أرقام يمكن للمواطنين من خلالها في كافة المحافظات إبلاغ النيابات عن الأخبار والبيانات التي تضر بمصلحة الدولة.

جاء قرار النيابة العامة في الفترة التي تُجرى فيها الانتخابات الرئاسية، وبالترامن مع عدة تصريحات للرئيس السيسي توعَّد فيها ما أطلق عليها “قوى الشر” (وهو نفس التعبير الذي استخدمته النيابة العامة في بيانها) واعتبر أن حرية الرأي لا تشمل تناول المؤسسات الأمنية في الإعلام والثقافة بما وصفها “باﻹساءة”.

ويحمل قرار النيابة العامة (بمتابعة وسائل التواصل الاجتماعي لضبط ما يصدر بها من أخبار وبيانات وإشاعات كاذبة) إشكاليات كثيرة، منها عدم وضوح المصطلحات، وعدم ارتباطها بالقانون كما هو مفترض أن يصدر عن جهة قضائية. كما أن القرار وما تلاه من إتاحة أرقام البيانات، يجعل من كل تعبير عن الرأي جريمة محتملة. كذلك، فإن النيابة كجهة تحقيق، تجاوزت دورها المحدد قانونيًّا، بحيث تقوم بدور جهات الضبط والتحري. وعلى اﻷرجح، يمثل القرار بداية لشرعنة ممارسات مراقبة مستخدمي التواصل الاجتماعي، والتفتيش في آرائهم، سواء من قبل جهات أو مواطنين، فالقرار بمثابة محكمة تفتيش على أفكار وضمائر المواطنين، وخاصة ممن يوجهون انتقادات إلى السلطة الحالية.

 

الإبداع.. الدولة تستهدف الهامش

 

رصدت مؤسسة حرية الفكر والتعبير خلال عام 2018، 23 واقعة انطوت على 43 انتهاكًا تنوع مابين حبس احتياطي وأحكام بالحبس، ومنع العرض، ومنع دخول مُبدعين لمصر أو ترحيلهم. وتصدرت الهيئات القضائية القائمة بأكبر عدد من الانتهاكات، حيث كانت مسئولة عن 17 انتهاكًا، جاء بعدها مؤسسات حكومية متمثلة في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وجهاز الرقابة على المصنفات الفنية وقاموا بارتكاب 9 انتهاكات، وتساوت الهيئات القضائية العسكرية مع الجهات الأمنية في ارتكاب كلٍّمنهم لـ7 انتهاكات.

كان الانتهاك الأكثر تكرارًا هو الحبس الاحتياطي، حيث تعرض له 10 أفراد في 3 وقائع مختلفة، من بينهم حبس المدون الساخر شادي أبو زيد، حيث ألقت قوات الأمن القبض عليه في فجر يوم ٦ مايو ٢٠١٨ من منزله

وتم عرضه على نيابة أمن الدولة العليا والتي قامت بالتحقيق معه وحبسه احتياطيًّا على ذمة القضية رقم 621 لسنة ٢٠١٨ حصر أمن الدولة العليا، ووجهت إليه اتهامات بنشر أخبار كاذبة والانضمام إلى جماعة أسست على خلاف القانون. ولا يزال أبو زيد، المراسل السابق لبرنامج أبلة فاهيتا، قيد الحبس الاحتياطي على ذمة القضية. وأيضًا نشرت وزارة الداخلية في 4 سبتمبر عن طريق صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك بيانًا من مديرية أمن القاهرة[22]، أعلنت فيه عن “ضبط ٨ أشخاص قاموا بتصوير مقطع فيديو بالمخالفة لأحكام القانون دون تصريح، يتضمن الادعاء بتعاطيهم المواد المخدرة والإتجار فيها، والترويج لها عبر شبكة المعلومات الدولية الإنترنت”. وأضاف البيان أن قطاع الأمن العام قام بتشكيل فريق بحث مشترك مع أجهزة البحث الجنائي بالقاهرة، وبإجراء التحريات وجمع المعلومات أمكن تحديد هوية الأشخاص المشار إليهم. وجهت إليهم النيابة اتهامات تصوير مقطع فيديو لمشهد تمثيلي لهم أثناء القبض على تجار مخدرات على مواقع التواصل الاجتماعي بقصد الشهرة، دون الحصول على موافقات أمنية، وحيازة أسلحة نارية وبيضاء، وقرر قاضي المعارضات بمحكمة جنح دار السلام حبسهم احتياطيًّا على ذمة التحقيقات.

لم يكتفِ القضاء المدني بملاحقة المبدعين، ولكن شهد العام تصاعد وتيرة محاكمة مبدعين أمام القضاء العسكري، فأصدر القضاء العسكري أحكامًا بالإدانة في واقعتين، الأولى هي القضية الشهيرة بـ”مسرحية نادي الصيد” والتي صدر فيها قرار ضد جميع المتهمين وعددهم 6 بالحبس لمدة شهرين مع إيقاف التنفيذ في 25 يوليو، وفي القضية الخاصة بالشاعر جلال البحيري وديوانه الذي لم يُنشر، قررت المحكمة العسكرية، في 31 يوليو، سجنه هو ومالك دار النشر لمدة 3 سنوات وتغريمهم 10 آلاف جنيه.

 

مسرحية نادي الصيد.. بعض الفن يغضب الرئيس

 

لا تسمحوا بالإساءة، لو حد أساء للجيش والشرطة، ده في الآخر بيسييء لكل المصريين، وهنا مبقتش حرية رأي”، بهذه الكلمات وجه الرئيس السيسي خطابه إلى الإعلام وأجهزة الدولة، ليحثهم على التصدي للإساءة للجيش والشرطة “بالقانون” لأنها وبحسب تعبيره “خيانة عظمى”[23]. كان هذا في خطابه الذي ألقاه من محافظة مطروح في 1 مارس 2018، وهو نفس اليوم الذي تقدم فيه المحامي سمير صبري بثلاثة بلاغات عاجلة إلى النائب العام ونيابة أمن الدولة العليا والمدعي العام العسكري ضد ديوان شعر لجلال البحيري بعنوان “خير نسوان الأرض”، وأغنية للفنان رامي عصام باسم “بلحة”، ومسرحية بعنوان “سليمان خاطر” قصة وإخراج أحمد الجارحي لإساءتهم إلى الرئيس والقوات المُسلحة.[24] أصدرت المحكمة العسكرية حكمين في بلاغين منهم.

فقررت المحكمة في 31 يوليو 2018 في القضية رقم 4 لسنة 2018 جنح إدارة المدعي العام العسكري بسجن كلٍّ من الشاعر جلال البحيري، ومالك دارنشر الديوان لمدة ثلاث سنوات وتغريمهم 10 آلاف جنيه لكل منهم. بينما في القضية التي عُرفت إعلاميًّا بـ”مسرحية نادي الصيد” فقد قررت محكمة القضاء العسكري حبسهم شهرين مع إيقاف التنفيذ في الدعوى التي حملت رقم 12 لسنة 2018 جنح عسكرية.

ترجع قضية نادي الصيد إلى منتصف فبراير 2018 حين قامت فرقة بعرض مسرحية عن سليمان خاطر، وهو أحد عناصر قوات الأمن المركزي المصري، حُكم عليه من محكمة عسكرية بالأشغال الشاقة المؤبدة بسبب واقعة حدثت في منتصف الثمانينيات أثناء فترة تجنيده،

كان من المُقرر أن يتم عرض المسرحية لمدة 3 أيام، ولكن تم إلغاء العرض الأخير بعد أن تصاعدت بعض الأصوات التي اعتبرتها مسيئة إلى القوات المسلحة. وفي مداخلة تلفزيونية مع الإعلامي أحمد موسى، نفى أحمد الجارحي مخرج المسرحية نيته في الإساءة إلى الجيش، وأكد أنه تم اجتزاء بعض المقاطع من المسرحية وتم استخدامها في غير سياقها لتبدو كإهانة.[25] يذكر أن المسرحية كانت عُرضت قبل عامين فيقصر ثقافةالأنفوشي بالإسكندرية في مهرجان تابع لوزارة الثقافة.

بعد أيام قليلة من مداخلة الجارحي، وتحديدًا في 1 مارس، أُلقي القبض عليه وعلى وليد عاطف المؤلف مع 4 آخرين من المُشاركين في المسرحية، وتم اتهامهم بنشر أخبار كاذبة وارتداء زي عسكري بدون تصريح، تعرض فريق العمل للحبس الاحتياطي لفترة على ذمة القضية قبل أن يتم إحالتها إلى المحكمة التي حكمت في 25 يوليو بحبسهم شهرين مع إيقاف التنفيذ.

واستمر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في تدخله في كل مايعرض على الشاشات، فقرر المجلس وقف برنامج “إس إن إل بالعربي” ووفقًا لبيان منشور على الموقع الرسمي للمجلس في 11 فبراير فإن القرار تم اتخاذه لأن البرنامج “دأب على استخدام الألفاظ والعبارات والإيحاءات الجنسية التي لا تليق بالعرض على المشاهدين وتخالف المعايير الأخلاقية والمهنية”.[26]

بينما رفض جهاز الرقابة على المصنفات الفنية إعطاء تصريح لفيلم “بائع البطاطا المجهول” والذي كان من المقرر عرضه ضمن فعاليات مهرجان زاوية للأفلام القصيرة، ولكن نشرت الصفحة الرسمية لسينما زاوية منشورًا جاء فيه: “نعتذر عن عدم عرض فيلم بائع البطاطا المجهول اليوم ضمن مهرجان زاوية للأفلام القصيرة لعدم حصوله على تصريح الرقابة، ولكنه مازال ضمن المسابقة والأفلام المختارة ومؤهل للفوز بأيٍّ من الجوائز”[27]. فبعد أن توجهت إدارة السينما إلى جهاز الرقابة على المصنفات الفنية للحصول على تصريحات عرض الأفلام، رفضت الرقابة إعطاء تصريح لفيلم “بائع البطاطا المجهول” للمخرج رشدي أحمد.

ومن أبرز سمات العام، منع وإيقاف عروض مسرحية على مسارح جامعات حكومية، فرصدت المؤسسة إيقاف 4 عروض مسرحية من العرض في جامعات مختلفة، بعضها لأسباب سياسية وبعضها لأسباب دينية، وفي بعض الأحيان دون إبداء أي أسباب.

قبل يوم واحد من عرض مسرحية “ميراثالريح”، ومع الاستعدادات الأخيرة لفريق مسرح كلية العلوم بجماعة الإسكندرية قبل المشاركة في المهرجان الذي يقام في الجامعة كل سنة، علم فريق المسرح أنه تقرر إلغاء عرضهم لأنه “يثير المشاعر الدينية والفتنة الطائفية” بحسب ما أخبر وكيل كلية العلوم، الطالب الذي رفض ذكر اسمه[28]، فبعد أن حصل فريق المسرح على كل الموافقات والتوقيعات اللازمة، رفضت إدارة الكلية والعميد عرض المسرحية في 22 إبريل 2018 وذلك لاحتوائها على بعض الجمل التي تتحدث عن الديانة المسيحية، وبالرغم من الوعود الشفهية التي حصل عليها الفريق، فإنه حتى الآن لم يتمكنوا من عرض المسرحية.

كما تم إلغاء عرض مسرحية “إنهم يعزفون” لفريق مسرح كلية زراعة بسابا باشا بالإسكندرية بسبب تعنت بعض الأفراد من الإدارة بالكلية، وبالرغم من حصولهم على كافة التصاريح اللازمة من رعاية الشباب فإنه تم إلغاء عرضهم دون إبداء أي أسباب[29].وفي كلية تربية نوعية بجامعة طنطا، تم إلغاء العرض المسرحي “الجدار” بالرغم من حصول النص على الموافقة الموقَّعة من إدارة الكلية، وقبل عرض المسرحية بأيام قررت إدارة الكلية سحب الموافقة لاحتواء المسرحية على محتوى سياسي متعلق بالقضية الفلسطينية.

ورفض الأمن المصري إعطاء تأشيرة دخول لفريق عمل الفيلم السوري “يوم أضعت ظلي” والذي تم عرضه في الدورة الثانية لمهرجان الجونة، كما قامت قوات الأمن بترحيل الممثل الفلسطيني علي سليمان في 19 سبتمبر من مطار الغردقة إلى خارج البلاد بعد وصوله إلى مصر للمشاركة كعضو لجنة تحكيم في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة بنفس المهرجان. ونشر سليمان على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك:

“حيث وبكل أسف تعامل معي الظابط المسؤول في المطار بشكل لا إنساني وتم ترحيلي على نفس الطائرة التي وصلت بها من اسطنبول دون إعطائي حتى الحق بالسؤال عن سبب منعي من دخول مصر الحبيبة.”

وفي 8 نوفمبر وأثناء استعداد المطرب “حمو بيكا” وفرقته الموسيقية لإقامة حفل غنائي على أحد الشواطئ، قام الفنان “هاني شاكر”، نقيب المهن الموسيقية، بتحرير محضر رقم 13812 لسنة 2018 بقسم الدخيلة، ضد حمو بيكا، واتهم شاكر بيكا بالغناء دون ترخيص وتلويث الذوق العام[30]. وبناءً على البلاغ، قامت قوة من مديرية أمن الإسكندرية بإلغاء الحفل. وفي 5 ديسمبر نشرت نقابة الموسيقيين بيانًا بمنع حفل آخر كان من المقرر أن يتم في الإسماعيلية لعدم حصول بيكا على عضوية النقابة و”حفاظًا أيضًا على الذوق العام”.[31]

من ناحية أخرى، يعتبر ما يميز هذا العام فيما يتعلق بملف حرية الإبداع هو اتجاه السلطة نحو قمع مساحات التعبير الهامشية والبعيدة عن بؤرة المركز، وكذلك مساحات الإنتاج المحدود ماليًّا من خلال استحداث لجان وهيئات رقابية جديدةحيث قررت وزارة الثقافة في مارس 2018 إنشاء فروعللرقابة المركزية على المصنفات الفنية في 7 محافظات جديدة في قصور الثقافة للسيطرة على المساحات البعيدة عن المركز. ومنذ صدور القرار الخاص بإنشاء فروعللرقابة على المصنفات الفنية، في مارس 2018، لم تعلن الوزارة بشكل رسمي حتى الآن عن أية تفاصيل أو آليات تخص تنفيذ القرار، كما لم تنشر الجريدة الرسمية، أية تفاصيل تخص إنشاء مقرات للإدارة المركزية للمصنفات الفنية بالمحافظات. ويتماشى عدم إتاحة الوزارة معلومات عن هذه القرارات التي تؤثر بشكل مباشر على عمل المبدعين مع سياسة الدولة في احتكار المعلومات، وهو مايجعلنا عاجزين عن فهم تبعات القرار بشكل تفصيلي.

إلا أن جريدة اليوم السابع، المقربة من السلطة الحالية، بعد تواصلها مع متخصصين داخل وزارة الثقافة، نشرت تقريرًا نقلًا عن مصادرها بشأن اختصاصات عمل الفروع، وآليات العمل داخل فروع الرقابة الجديدة. وجاء بتقرير اليوم السابع أن الرقابة سيكون اختصاصها تنظيم الأشرطة السينمائية، والأغاني، والمسرحيات، والمونولوجات، والأسطوانات، وأشرطة التسجيل الصوتي طبقًا للقانون، وأضاف التقرير أن قصور الثقافة فى المحافظات السبع التي أعلنت عنها وزيرة الثقافة، ستخصص مكاتب خاصة للرقابة على المصنفات، وأنه من الممكن ندب موظفي الرقابة من الإدارة المركزية بالقاهرة لهذه المحافظات، أو استغلال بعض من موظفيقصور الثقافة للعمل فيرقابة المصنفات من خلال إعدادهم عن طريق تقديم دورات تدريبية لهم للعمل فى الرقابة، وأن قرار الوزيرة جاء تسهيلًاللعمل الرقابيفى محافظات الجمهورية بدلًامن الاعتماد الكامل على الإدارة المركزية فى القاهرة.

كما وجهت الدولة قبضتها نحو مسارح الهواة، وضيقت على قصور الثقافة بالمحافظات، بالإضافة إلى اشتراطها على أي جهة لتنظيم حفل أن تكون شركة لا يقل رأسمالها عن نصف مليون جنيه، وهو ما تضمنه قرار رئيس مجلس الوزراء بشأن تشكيل لجنة دائمة لإدارة الحفلات والمهرجانات.

واقتحمت قوة أمنية مكونة من 4 أفراد من الحماية المدنية، في 31 أغسطس 2018، المسرح الخاص بقصر ثقافة بني سويف، بدعوى إجراء التفتيش المعتاد الخاص باحتياطات الأمن والسلامة، كما أوقفت التحضيرات الخاصة بكرنفال الموسيقاالعربية والغناء، وكذلك منعت قوة الحماية المدنية العرض العام للجمهور، والذي كان من المنتظر أن يتم مساء نفس اليوم.

وتؤكد الشهادات التي حصلت عليها مؤسسة حرية الفكر والتعبير بعد تواصلها مع القائمين على المهرجان، أن قوة الحماية المدنية امتنعت عن إبراز هويات أفرادها أمام العاملين بقصر الثقافة، كما احتجزت مدير قصر ثقافة بني سويف في مقر الحماية المدنية، وتحفظت على هويات العاملين لعدد من الساعات. كذلك أجرت قوة الحماية المدنية تحريات جنائية عن أحد العمال الملتحين بدعوى انضمامه إلى جماعة “إرهابية”، كما ضغطت القوة على مدير قصر ثقافة بني سويف للتوقيع على إقرار يفيد أن قصر ثقافة بني سويف غير آمن لإقامة أي من أنشطته أو استقبال الزوار، وذلك على الرغم من حصولهم على كافة التصاريح اللازمة.

وفي نفس السياق أوقفت قوة أمنية فعاليات مهرجان سواسية السينمائي الأول للأفلام القصيرة والوثائقية بالسويس. قبل بدء فعاليات المهرجان بساعة، دخلت قوة أمنية سينما رينيسانس، وحررت محضرًا لإخطار السينما بمنع عرض أي من الأفلام على شاشاتها وعدم استضافة المهرجان دون ذكر أسباب المنع، وهو ما اضطر إدارة المهرجان لنقل الفعاليات إلى إحدى قاعات الأفراح بمحافظة السويس.

تدخلت قوات الأمن مرة أخرى، وقطعت التيار الكهربائي عن القاعة بالتزامن مع كلمة المهرجان الافتتاحية، والتي كان يلقيها النائب عبد الحميد كمال. أكمل النائب كلمته وأعلن ختام فعاليات المهرجان وسلمت اللجنة الجوائز للأفلام الفائزة على أضواء التليفونات المحمولة.

عقب إلغاء فعاليات المهرجان، أصدرت الصفحة الرسمية لمهرجان “سواسية” بيانًا أكد فيه حصول المهرجان على الموافقات الأمنية والتصاريح المطلوبة، والتي كان من بينها تصريح الهيئة المركزية للرقابة على المصنفات الفنية عن كل فيلم تقدم للمسابقة، حيث أجازت الرقابة على المصنفات الفنية عرض سبعة عشر فيلمًا، فيما استبعدت فيلمًا واحدًا. وأكد البيان على التنسيق منذ البداية مع الدكتورة إيناس عبد الدايم وزير الثقافة، ورئيس اللجنة العليا لتنظيم إقامة المهرجانات والاحتفالات.

وقف فعاليات مهرجان سواسية السينمائي هو التطبيق الثاني لقرار رئيس مجلس الوزراء المصري بتشكيل لجنة عليا دائمة لتنظيم إقامة الحفلات والمهرجانات والتي سنتناولها فيما بعد. بينما تمثلت الحالة الأولى في وقف مهرجان “أوسكار إيجيبت للأفلام الروائية والقصيرة” بعد بلاغ من إدارة الرقابة على المصنفات الفنية ضد القائمين على المهرجان لإقامتهم مهرجانات سينمائية دورية دون الحصول على ترخيص من اللجنة العليا للمهرجانات.

وكانت الجريدة الرسمية قد نشرت بتاريخ 11 يوليو 2018، قرارًا لرئيس مجلس الوزراء رقم 1238 لسنة 2018 بشأن تنظيم المهرجانات أو الاحتفالات. احتوى القرار على قيود جديدة على حرية المبدعين في إقامة المهرجانات والاحتفالات.

تكشف اختصاصات اللجنة عن دورها في الرقابة على الإبداع، كونها ليست لجنة إدارية تقوم على تنسيق اﻹجراءات فقط. وتوضح المادة الرابعة من قرار رئيس مجلس الوزراء اختصاصات اللجنة العليا، ومن ضمنها دراسة طلبات تنظيم الحفلات والمهرجانات، ثم متابعة تنفيذها وتقييمها، وتقديم تقارير دورية عن كل مهرجان أو احتفال تتضمن توصيات اللجنة بهذا الشأن إلى وزير الثقافة.

ويمنع قرار رئيس مجلس الوزراء تنظيم أو إقامة أية مهرجانات أو احتفالات، إلا بعد حصول منظميها على ترخيص من لجنة يرأسها وزير الثقافة وتضم ما لا يقل عن 15 عضوًا ممثلين لوزارات وجهات متعددة، وهي الخارجية، الداخلية، المالية، السياحة والآثار، الطيران المدني، الشباب والرياضة، التنمية المحلية، وممثلًا للأمانة العامة لمجلس الوزراء، بالإضافة إلى رؤساء النقابات الفنية الثلاث (نقابة المهن الموسيقية – نقابة المهن السينمائية – نقابة المهن التمثيلية) ورؤساء النقابات الأدبية.

ويضع القرار شروطًا تتعلق بالمحتوى المقدم في الاحتفال أو المهرجان، فضلًا عن شروط متعلقة بالإجراءات القانونية المنظِّمة لطلب الترخيص. حيث يحتوي القرار على ضابط عام وهو أن تكون الجهة المتقدمة للحصول على الترخيص هي جهة منشأة وفقًا للقوانين المصرية، حاصلة على التراخيص اللازمة لمزاولة نشاطها. وذلك يعني أنه لا يحق للأفراد غير الممثلين من خلال كيانات قانونية التقدم بطلب للحصول على ترخيص ﻹقامة المهرجانات أو الاحتفالات. وباﻹضافة إلى هذا الضابط العام، تطرق القرار إلى ضابطين آخرين، يتعلق الأول منهما بالجمعيات الأهلية، حيث اشترط أن يكون للجمعية الأهلية نشاط ملموس لخدمة المجتمع في مجال تخصص المهرجان المراد ترخيصه. ويتيح هذا النص للجنة العليا للمهرجانات أن ترفض منح الترخيص للجميعات التي لا تمارس نشاطًا مستمرًّا في مجال المهرجان الذي تنوي تنظيمه. أما الضابط الثاني، فيتعلق بالشركات، والتي نص القرار ألا يقل رأس مال الشركة المنظمة للمهرجان أو الاحتفال عن 500 ألف جنيه مصري. وقد أغفل القرار التباين الشديد في نوعية وتكاليف تنظيم المهرجانات، حيث ساوى القرار بين الأشكال المختلفة للفنون والأنشطة الثقافية، دون النظر إلى التكلفة الفعلية لمهرجانات تستهدف عددًا قليلًا من الحضور أو تقوم على أنشطة بسيطة التكلفة.

من ناحية أخرى، برز دور لجنة الدراما، المشكلة من قبل المجلس الأعلى للإعلام، على مدار عام 2018 حيث مارست سلطات واسعة في التقييد على الدراما التلفزيونية خاصة خلال شهر رمضان.فبخلاف تصريحات أعضائها الأخلاقية المتعالية، فقد نشرت لجنة الدراما تقارير عديدة _مستقاة من 4 لجان أخرى_ترصد خلالها مخالفات الدراما التلفزيونية، كما فرضت اللجنة غرامات مالية على المخالفين وطالبت بحذف المشاهد المخالفة للمعايير التي وضعتها.

واجه المجلس الأعلى للإعلام أزمة عقب تقديم لجنة الدراما استقالتها في يونيوالماضي، جاءت استقالة اللجنة اعتراضًا على عدم تنفيذ العقوبات التي فرضتها على الأعمال المخالفة في رمضان، وعلى الرغم من قبول المجلس لاستقالة اللجنة وإعلانه تشكيلًا جديدًا مطلع يوليو الماضي، فإنه عجز حتى الآن عنإتمام المهمة لعدم قبول أي من المعروض عليهم تشكيل اللجنة بسبب الغضب الذي أثارته لجنة محمد فاضل وممارساتها ضد المبدعين.

ذات صلة

Subscribe To AFTE Email List
No Thanks
Thanks for signing up.
We respect your privacy. Your information is safe and will never be shared.
Don't miss out. Subscribe today.
×
×

WordPress Popup Plugin