معنية برصد انتهاكات حقوق التعبير في حق الأفراد و المؤسسات.

حظر النشر والحق في المعرفة

 

  • حظر النشر والحق في المعرفة

 

تامر موافي

ساعد في جمع المادة القانونية

فاطمة سراج

الرصد والتوثيق

وسام عطا

  • مقدمة

 

شكل التكرار الدوري لقرارات حظر النشر في اﻷعوام اﻷخيرة ظاهرة ملحوظة إلى الحد الذي أصبح معه من المتوقع مسبقا عند إحالة إحدى القضايا المثيرة لاهتمام الرأي العام أن قرارا بحظر النشر فيها سيصدر في وقت قصير وهو توقع غالبا ما صدقه الواقع. في سياق عام تزايدت فيه انتهاكات حقوق اﻹنسان بمعدل كبير يمكن لهذه الظاهرة أن تمر دون أن تحظى بالاهتمام الكافي. ويغلب على فهم حظر النشر ربطه بحرية الصحافة والإعلام على سبيل الحصر. وحتى في هذه الحالة فإن حرية الصحافة واﻹعلام تناقش معظم الوقت بمعزل عن علاقتها الوثيقة بالحق في المعرفة. وبصفة عامة فإنه في حين أن أغلب الحقوق والحريات المختلفة المنطوية تحت العنوان الواسع لحرية التعبير تحظى بمساحة ما من النقاش العام في ظل الانتهاكات المتوالية لها فإن الحق في المعرفة يكاد يغيب بشكل كامل عن هذا النقاش.

ينبع الدافع للعمل على هذه الدراسة أولا من الشعور بالحاجة إلى التعامل مع حظر النشر وتنظيمه بشكل منهجي مع اﻷخذ في الاعتبار أن ذلك لا يمكن أن يتم إلا في إطار العلاقة الحيوية بين حرية النشر في عمومها وبين الحق في المعرفة. وثانيا من الشعور بحاجة ملحة للتأصيل للحق في المعرفة من خلال مسار لا يعتمد فحسب على إقراره في العهود والاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق اﻹنسان أو حتى في الدستور المصري، وذلك في مواجهة الحالة السائدة من التنصل من التزامات الدولة تجاه هذه المصادر دون التفات إلى حقيقة أن أي منها لا ينبع من فراغ وإنما يعكس مصالح أساسية للمجتمع وأفراده وللدولة ومواطنيها.

في هذا السبيل تسعى الدراسة الحالية إلى تطوير مفهوم نظري للحق في المعرفة ينبني على كل من المصلحة العامة للمجتمع والدولة، والمصلحة الفردية للمواطن. ومن خلال ذلك يتم إيضاح موقع السلطة القضائية وممارساتها من هذا الحق وأهمية هذا الموقع. وعلى هذا اﻷساس تحاول الدراسة بناء مفهوم واضح لحظر النشر يتشكل من صفتين أساسيتين له وهما الاستثنائية والظرفية وبناء عليهما يتم إيضاح الشروط اﻷساسية الواجب توافرها في أي قرار لحظر النشر كقيد يمكن تبريره على الحق في المعرفة. وتستخدم الدراسة هذه الشروط كمعايير لتقييم التجرية العملية لتنظيم حظر النشر في الواقع المصري من خلال كل من التشريعات المنظمة لحظر النشر المعمول بها حاليا والممارسة الواقعية لإصدار قرارات حظر النشر في المراحل المختلفة لتعامل السلطة القضائية مع القضايا المنظورة أمامها. وأخيرا تطرح الدراسة عددا من المقترحات والتوصيات التي من شأنها توفير المناخ التشريعي الضروري لفرض استخدام حظر النشر في حدود الشروط السابق إيضاحها.

  • اﻹطار النظري

تعتمد الدراسات المماثلة عادة على استخدام مبادئ حقوق اﻹنسان كما هو منصوص عليها في نصوص عهود ومواثيق واتفاقيات حقوق اﻹنسان الدولية الملزمة كمدخل نظري لها. وعلى الرغم من وجاهة هذا المدخل وحقيقة أن توقيع وتصديق الدول على هذه العهود والمواثيق والاتفاقيات يجعلها ملزمة لها وبالتالي كافية تماما لدعم كل مطالبة بأن تكون تشريعات هذه الدول وممارسات مؤسساتها متفقة بما ورد فيها من نصوص، إلا أننا في هذه الدراسة نختار استخدام مدخل نظري مختلف يفترض عمليا أن هذه النصوص لا وجود لها أو أن الدولة ليست ملزمة بها على خلاف الواقع. وذلك لعدة أسباب نوضحها فيما يلي:

سبق لدراسات عدة صادرة عن مؤسسة حرية الفكر والتعبير وغيرها من المنظمات العاملة في مجال الدفاع عن حقوق اﻹنسان في مصر وكذا عن مؤسسات دولية عدة في مقدمتها اﻷمم المتحدة والهيئات التابعة لها ذات الصلة، أن تناولت تفصيلا كافة نصوص العهود والمواثيق والاتفاقيات التي تنطبق على موضوع الدراسة العام (الحق في المعرفة) والخاص (حدود تقييد هذا الحق والإجراءات المنظمة لذلك)، ومن ثم فإن إعادة التعرض لهذه النصوص لا يضيف جديدا في هذا الشأن.

من جانب آخر وهو اﻷهم، فإننا نشهد في مصر في هذه المرحلة تنصلا صريحا من قبل الدولة من إلزامية العهود والمواثيق والاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق اﻹنسان لها. ويكفي اﻹشارة إلى تصريح الرئيس الحالي “عبد الفتاح السيسي” صراحة بأن “المفهوم الغربي لحقوق اﻹنسان لا يصلح للتطبيق في مصر”! وبرغم أن مثل هذا التنصل لا يسقط بأي حال التزام الدولة المصرية أمام المجتمع الدولي بما سبق لها أن صدقت عليه من معاهدات ذات صلة بحقوق اﻹنسان، فإنه من العبث مخاطبة مسؤولي هذه الدولة بمنطوق هذه المعاهدات إن كان خطابها المعلن هو التنصل منها.

في المقابل نختار في هذه الدراسة استخدام سبيل الاستنتاج المنطقي لإيضاح الحاجة إلى احترام الحق في المعرفة بصفة عامة. ونستخدم لذلك مسارين يتناول أولهما المصلحة العامة ممثلة في الحفاظ على شرعية مؤسسات الدولة، بينما يتناول الثاني المصلحة الفردية لكل مواطن ممثلة في تمكينه من الدفاع عن مصالحه اﻷساسية بما فيها حفظ الحياة والنفس. ونوضح في كل مسار ضرورة حماية الحق في المعرفة لتحقيق الهدف من هذا المسار.

  • الحق في الرقابة على أداء المؤسسات

السيادة للشعب وحده، يمارسها ويحميها، وهو مصدر السلطات

الدستور – مادة 4

تقوم شرعية ممارسة المؤسسات للسلطة في الدولة الحديثة على أن الشعب هو مصدر السلطات وأن هذه المؤسسات تمارس سلطاتها بموجب تفويض مؤقت ومشروط تنظمه وثيقة أساسية هي الدستور وما يتفرع عنها من قوانين. ويمنح الشعب هذه المؤسسات سلطاتها، إما صراحة من خلال انتخاب أعضائها، أو ضمنا كما هو الحال عادة بالنسبة لمؤسسات السلطة القضائية، التي لا ينتخب أعضاؤها. وتتعلق المشروطية المشار إليها في اﻷساس بالتزام ممثلي هذه المؤسسات بشرعية ممارساتهم؛ بمعنى عدم خروجهم عن القوانين المنظمة لها، كون هذه القوانين تعبير عن إرادة الشعب صاحب السلطة اﻷصلي. ولكن هذه المشروطية أيضا تتعلق بقدر كبير برضا الشعب عن أداء مؤسساته، حتى وإن كانت لا تخالف القانون.

من ثم فلا تعتبر أي ممارسة للسلطة مشروعة إلا إذا كانت تعبيرا عن إرادة شعبية. ولا تتمتع أي مؤسسة للدولة بالشرعية إلا إذا كانت ممارساتها تتم وفق إرادة الشعب ممثلة في القوانين الصادرة باسمه، وكذا في رضاه عن أدائها. وعلى ذلك فإن مشروعية الممارسات وشرعية المؤسسات لا تتأكد إلا من خلال توافر الرقابة الشعبية عليها. وفي غياب هذه الرقابة تبقى المشروعية والشرعية في مدار الشك على أفضل تقدير. وينعكس هذا الشك في غياب ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، وفي سلامة ممارساتها، وهو ما يمثل تهديدا دائما للسلام الاجتماعي؛ حيث يميل المواطنون إلى عدم التعاون مع مؤسسات الدولة، ويتزايد إقدامهم على خرق القانون؛ كونه صادر عن مؤسسات لا تمثل إرادتهم، أو تقوم على إنفاذه مؤسسات لا يثقون بالتزامها هي نفسها به. وكذا يظل خطر التصادم بين المواطنين وبين ممثلي مؤسسات الدولة قائما طيلة الوقت؛ لعدم ثقة المواطنين في هذه المؤسسات.

ولا يمكن أن يطمئن المواطنون إلى سلامة ممارسات المؤسسات لسلطاتها دون أن يتوافر لهم إمكان الاطلاع على مسار هذه الممارسات، ويقر في يقينهم أن لا شيء منها يتم في الخفاء. كما أن هذه الطمأنينة لا يمكن لها أن تتحقق إلا إذا كان المعلن من هذه الممارسات مبررا بالقانون، أو بالصالح العام، بشكل واضح لا لبس فيه.

يتضح مما سبق أن ضمان السلم الاجتماعي، وهو المبرر اﻷول لوجود الدولة، ودورها الرئيسي، لا يمكن له أن يتحقق إلا بتوافر أكبر قدر ممكن من المعلومات للمواطنين عن أداء وممارسات مؤسسات الدولة بسلطاتها الثلاث؛ التشريعية والتنفيذية والقضائية. وتنفرد ضرورة شفافية ممارسات اﻷخيرة بأهمية خاصة؛ أولا كون ممثليها بخلاف غيرها ليسوا منتخبين، وثانيا لأن السلطة القضائية تمثل الملجأ اﻷخير للمواطنين كسبيل للانتصاف إذا ما تم التعدي على حقوقهم ومصالحهم؛ خاصة إن كان مصدر هذا التعدي هو ممثلي السلطتين التشريعية والتنفيذية، فالسلطة القضائية هي الحارس للدستور في مواجهة أي تشريع قد يخالف نصوصه، وهي في الوقت نفسه القادرة على كبح جماح أي تعسف في استخدام السلطة من قبل ممثلي السلطة التنفيذية. وأخيرا فإن السلطة القضائية هي التجسيد الرئيسي لوجود القانون كفاعل في الحياة اليومية للمواطنين، ويمثل أداؤها الفيصل بين تحقق حماية القانون لحياة وسلامة المواطنين ومصالحهم، وبين غياب هذه الحماية. وهو ما يُشيع شعورا بعدم اﻷمن على النفس والمصالح، يلجئ المواطنين إلى تحقيق هذا اﻷمن بوسائل خارج إطار القوانين.

  • الحق في المعرفة في مجتمع ديموقراطي

يتكرر في أدبيات حقوق اﻹنسان كثيرا الحديث عن “المجتمع الديموقراطي”. بصفة خاصة عند التعرض لما يمكن فرضه من قيود على حق من الحقوق بشكل استثنائي. في هذه الحالة يشترط في القيد أن يكون مبرره مقبولا في “مجتمع ديموقراطي.” ولكن ما المقصود بالمجتمع الديموقراطي هنا؟ وهل الديموقراطية هدف في ذاتها بحيث يُتصور أن كل مجتمع هو بالضرورة يسعى للاتصاف بها؟

الحقيقة أن الديموقراطية ليست هدفا في حد ذاتها وإنما هي إطار يضمن تحقق أهداف أكثر التصاقا بكل إنسان. فالديموقراطية يفترض أن تكون المنظومة التي يمكن من خلالها أن يشارك كل شخص بشكل فعال في تحديد قواعد اﻹدارة اليومية لشئون مجتمعه بما يسمح له بالدفاع عن حقوقه ومصالحه. وفي أدبيات حقوق اﻹنسان يُعرف المجتمع الديموقراطي بأنه ذلك الذي يحترم حقوق وحريات أفراده. ويفترض هذا التعريف أن الجميع يدركون أن حياة البشر لا تستقيم دون حماية حقوقهم. فلا يمكن تصور أن تكون حياة أحدنا محتملة إن كان حقه في الحياة مهددا بشكل دائم، أو أن حقه في اﻷمن على نفسه وعلى أسرته إلخ لا يوجد ضامن له. كما يفترض هذا التعريف أن الجميع يدركون أن الحقوق جميعها مرتبطة ببعضها البعض، فلا يمكن أن يتحقق أحدها دون تحقق اﻵخر. لا يمكنك أن تأمن على حياتك إن لم يكن ثمة ضامن لحقك في الغذاء والكساء والمأوى، وهذه لا تتحقق بشكل مستدام للغالبية العظمى من البشر إن لم يكن حق كل منهم في العمل مضمونا. ويمكننا إن نتتبع مثل هذه العلاقات بين كافة الحقوق الواردة في العهدين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية وبالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

في هذه السلسلة المترابطة من الحقوق ليس ثمة هرمية أو تدرج ومن العبث تقسيمها إلى مجموعة من الحقوق اﻷساسية في مقابل مجموعة أخرى من الحقوق الثانوية. فغياب أي حلقة في السلسلة يكسرها ومن ثم تصبح في مجملها بلا قيمة. فإذا وفر مجتمع ما ﻷفراده حقوقهم في الغذاء والكساء والعلاج عند المرض وحرمهم في الوقت نفسه من حقهم في حرية الرأي والتعبير أو في المشاركة السياسية في إدارة مجتمعهم، لم يكن ثمة أي ضامن لاستدامة تمتعهم بالمجموعة اﻷولى من الحقوق، التي يمكن أن تنتزع منهم في أي وقت، دون أن يكون لديهم القدرة على الدفاع عنها. فعندما تغيب حرية التعبير، يكون على المرء أن يشهد حقوقه وهي تنتزع منه في صمت. وعندما لا يكون بإمكانه المشاركة السياسية، فإن حكامه لن يكونوا ملزمين بأخذ آثار ما يختارونه من سياسات على حياته في اعتبارهم. ومن هذا المنطلق تجعل المادة 5 في الدستور المصري من “احترام حقوق اﻹنسان وحرياته” أحد مقومات النظام السياسي.

في عالم تدير شؤون بلدانه دول جميعها مركزية، بقدر أو بآخر، تتم الممارسات التي تشكل إطار الحياة اليومية للناس، وتُتخذ القرارات التي تحدد مصائرهم، في أروقة مؤسسات الدولة. ولا يمكن ﻷي منا أن يأمل في الدفاع عن حقوقه ومصالحه إن لم تُتح له سبل التأثير في العمل اليومي لهذه المؤسسات. ومن العبث تخيل أن نأمل في ذلك إن لم يكن متاحا لنا معرفة شيء عن هذا العمل.

على جانب آخر تتصف الدولة في مجتمع ديموقراطي بأنها دولة قانون. والمقصود بذلك أنها دولة تنظم أمورها قوانين معلنة ومعروفة للكافة. وفي حين تتولى السلطة التشريعية (ممثلة عادة في مجلس نيابي منتخب) مهمة تشريع القوانين فإن السلطة القضائية هي الموكلة بإنفاذها. وبخلاف كونها مخاطبة بالقوانين وملزمة باحترامها تؤدي السلطة التنفيذية من خلال بعض مؤسساتها (المؤسسة اﻷمنية على وجه التحديد) دورا مساعدا للسلطة القضائية في إنفاذ القانون. وهذا يعني أن القانون كفاعل حي في الحياة اليومية للناس يتمثل قبل أي شيء آخر في ممارسات السلطة القضائية قبل وبعد غيرها. فقد يخرق الأفراد القانون عمدا أو سهوا أو جهلا وقد تسيء السلطة التنفيذية استخدامه وربما تنتج السلطة التشريعية نفسها قوانين معيبة تخالف الدستور ولكن تبقى السلطة القضائية في النهاية هي وحدها الموكلة بفرض وجود القانون في الواقع المعاش من خلال تعامل ممثليها مع ذلك كله سواء في تناولهم وتحقيقهم فيه أو في أحكامهم النهائية بخصوصه.

من ثم فإن السلطة القضائية موكلة بدور محوري في تحقيق اتصاف مجتمع ما بأنه ديموقراطي (يحترم الحقوق والحريات وتنظم شؤونه القوانين). وممارسات السلطة القضائية هي بالضرورة المرآة الحقيقية التي تعكس إلى أي مدى يمكن أن نصف مجتمعا ما بأنه ديموقراطي. ولا يمكن لهذا أن يتحقق إن لم تكن هذه الممارسات علنية وشفافة. فكل ممارسة للسلطة القضائية تحاط بالسرية والكتمان هي تغييب للوجود الفاعل للقانون في حياة المجتمع. فبالنسبة لرجل الشارع لا يتمثل القانون في نصوصه ذات اللغة الفنية الصعبة التي تطويها مجلدات يستعصي عليه فك شفراتها؛ وإنما يتمثل القانون في الطريقة التي يقوم ممثلو السلطة القضائية بتطبيقه بها بصفة يومية.

  • حظر النشر بين المفهوم والتطبيق العملي

  • مفهوم حظر النشر

حظر النشر هو باﻷساس فعل استثنائي وظرفي. والمقصود أنه يؤدي إلى تجريم أفعال هي من حيث القاعدة مباحة؛ وبالتالي فهو “استثناء” على هذه القاعدة. وهي يقوم بذلك نتيجة لظروف محيطة باﻷفعال التي يحظرها؛ وبالتالي فهو لا يتعلق بهذه اﻷفعال في ذاتها. وينبغي أن يكون هذان العاملان حاضرين في أي محاولة لتعريف حظر النشر أو لتقييم تطبيقه العملي سواء من خلال القوانين المنظمة له أو من خلال ممارسته بواسطة السلطة التي تمنحها هذه القوانين لممثلي السلطة القضائية.

  • أولا: الطبيعة الاستثنائية لحظر النشر

الحاجة إلى تبرير حظر النشر بضرورة تفرضه: حظر النشر ليس فعلا اعتياديا تقود إليه مسببات تتكرر بصفة مستمرة في الواقع اليومي وإنما هو وضع تفرضه الضرورة نتيجة أسباب خاصة تطرأ على الواقع ولا تنتمي إلى مساره المعتاد. وعلى عكس القاعدة التي يفترض أنها مبررة بذاتها أو أنها ناتجة عن الأوضاع المعتادة والمتعارف عليها فإن كل استثناء عليه أن يثبت ضرورته. وبالتالي ينبغي أن تفرض القوانين المنظمة لحظر النشر على من يمارسه تقديم تبريرات تفصيلية له تثبت كونه ضروريا وهذا يعني بصفة خاصة إثبات استحالة وجود بديل غير استثنائي له يحقق الضرورة الموجبة له.

حظر النشر رخصة ولا يجوز اعتباره حقا: ينبغي ألا ينظر إلى حظر النشر على أنه “حق.” فأي استثناء لا يمكن له أن يكون حقا. وإنما هو رخصة تستخدم اضطرارا. وفي حين أن اﻷصل في الحقوق هو إطلاقها فإن الأصل في كل رخصة هو تقييدها. وهذا يتحقق بأن تكون مشروطة أولا وأن تكون محدودة النطاق ثانيا. وثالثا تستدعي طبيعة الرخصة ألا تكون تقديرية. ففي حين أن صاحب الحق له تقدير متى وكيف يمارس حقه فإن الرخصة تمنح استثناءً ولا يحق لمن يمارسها أن يقدر هو نفسه متى وكيف يستخدمها.

محدودية وحصرية نطاق حظر النشر: من طبيعة أي استثناء أن يكون نادرا في تكراره ومحدودا في نطاقه قياسا إلى القاعدة. ومن ثم فينبغي على القوانين المنظمة لحظر النشر كاستثناء على القاعدة إذا عددت حالات الضرورة التي توجبه أن تفصلها على وجه الحصر وأن تلتزم بأن تكون هذه الحالات تفصيلية وليست عامة. وهذا يؤدي إلى ضرورة تجنب اﻹبهام في نصوص القانون التي تعدد هذه الحالات، فكل إبهام هو تعميم وتكرار بقدر التفسيرات المتاحة له. ولا يجوز للقوانين المنظمة لحظر النشر أن تفرضه على مجالات عمل بأكملها أو على أصناف من الممارسات في عمومها ﻷنها بذلك تنقل الاستثنائية إلى هذه المجالات والممارسات دون أن يكون ذلك من طبيعتها هي نفسها. وعلى جانب آخر ينبغي أن تنص القوانين المنظمة لحظر النشر صراحة على حدود تطبيقه التي تتحقق من خلالها الضرورة الموجبة له حصرا دون أن يمتد هذا التطبيق إلى ما لا توجبه الضرورة. فلا يتصور بأي حال أن تكون كافة المعلومات المتعلقة بقضية ينظرها القضاء مما توجب الضرورة حظر نشرها. وهذا يعني أنه لا يجوز للقانون أن يبيح حظر النشر حول أي قضية بإطلاق، وإنما يحدد ما يجوز حظر نشره استثناءً أو يفرض على قرارات حظر النشر الصادرة أن تحدد ذلك وفق مقتضيات الواقع مع حظر أن يكون أي قرار بحظر النشر شموليا لقضية أو لموضوعها أو ما شابه ذلك.

رفع الضرر الناتج عن حظر النشر: حظر النشر هو استثناء على حق. وهذا يعني أنه يترتب عليه ضرر يطول أصحاب هذا الحق. وبالتالي لا يجوز أن يحرم أصحاب الحق المتضررين من تقييده من الحق في معارضة اﻹجراء الذي ترتب عليه هذا الضرر أو المطالبة بتعويضهم عن هذا الضرر. وبصفة خاصة لا يجوز مطلقا ألا يكون ثمة سبيل لمعارضة ووقف تنفيذ وإلغاء أي ممارسة استثنائية من شأنها تقييد حق مما يترتب عليه الإضرار بمصالح أصحاب هذا الحق.

  • ثانيا: الطبيعة الظرفية لحظر النشر

الظروف الموجبة للاستثناء بطبيعتها طارئة: وهذا يعني أنه لا يمكن ربط استثناء بظروف اعتيادية. بمعنى آخر يؤدي ربط أي استثناء بظروف اعتيادية إلى تحويله إلى قاعدة وفي حال الاستثناء على حق فإن مثل ذلك يؤدي إلى تفريغ الحق من محتواه.

التعميم في مقابل التخصيص: على عكس الحاجة إلى تخصيص الشروط اللازم توافرها لتبرير حظر النشر وحصر نطاقها كما بينا في القسم السابق فإن ظرفية الحالات الموجبة له تفرض عمومية في ترتيب إجراءاته وعواقب مخالفته. بمعنى أن القوانين المنظمة لحظر النشر ينبغي أن تكون عمومية فيما تفرض من إجراءات تطبيقه بحيث يكون لهذه اﻹجراءات أن تتناسب مع الظروف الخاصة بكل حالة وينبغي على القوانين في شأن ذلك أن تلزم أصحاب مسؤولية التطبيق بأن تكون إجراءاتهم وبصفة خاصة فيما يتعلق بنطاق الحظر في الحد اﻷدنى الكافي لمراعاة الظروف التي أوجبت حظر النشر.

تجريم مخالفة حظر النشر: يترتب على فرض حظر للنشر تشريع وتوقيع عقوبات على خرقه وهو ما ينطوي على تجريم فعل لا يشكل في اﻷصل جريمة. وتوجب الطبيعة الظرفية لفعل الحظر التفريق بين “مخالفة” خرقه وبين الأفعال التي تعد جرائم بطبيعتها؛ مثل القتل وإحداث الإصابات البدنية أو السرقة والاختلاس والاستيلاء على المال العام. ومن ثم فإن العقوبات التي يمكن للقوانين المنظمة لحظر النشر فرضها على المخالفين له ينبغي ألا يكون بينها عقوبات سالبة للحرية.

تقدير الضرر الناشئ عن مخالفة حظر النشر: ترتبط كل حالة لحظر النشر بالظروف التي أوجبتها وهي مما لا يمكن تعميمه ومن ثم فإن تقدير الضرر عن مخالفة حظر النشر إن وقعت متعلق بهذه الظروف ولا يمكن أن يتم خارج سياقها ومن ثم لا ينبغي للقوانين المنظمة لحظر النشر أن تفرض عقوبات مبنية على تقديرات افتراضية ﻷضرار مفترضة لظروف غير معروفة للمشرع نفسه. وفي المقابل فإن أي ضرر ينجم عن مخالفة حظر النشر هو بالضرورة مجرم ومعاقب عليه في قوانين أخرى إن أمكن التدليل عليه واثبات تعلق القصدية الجنائية به ومن ثم فلا حاجة في اﻷساس إلى ترتيب عقوبات إضافية عليه وهو ما يشكل ازدواجا في العقوبة.

  • ثالثا: حول مصدر المعلومات وحظر نشرها

أحد الشروط التي ينبغي توافرها لمنع قرارات حظر النشر من التحول إلى قيد مطلق على الحق في حرية التعبير إضافة إلى كونه دائما قيد على حق المعرفة، أنه لا يجوز لجهة أن تطلب أو أن تفرض حظرا لنشر معلومة ليست هي على وجه التحديد مصدرها بحيث يكون باﻹمكان القول بأنها سر تتطلب ضرورة أداء هذه الجهة لعملها الحفاظ عليه، إلى حين إتمام هذا العمل.

في هذا اﻹطار فإن كل ما لم تكن جهة من جهات الدولة هي مصدره (وثائق، أوامر داخلية، تحقيقات، إلخ) لا يجوز من حيث المبدأ فرض حظر النشر عليه كونه ليس ملكا لمؤسسات الدولة باﻷساس بل هو ملك لمصدره أيا كان هذا المصدر. وحال وصوله إلي غير هذا المصدر من الأفراد أصبح نشره داخل في نطاق حريتهم في التعبير وإيصال المعلومات إلى اﻵخرين.

  • التطبيق العملي لحظر النشر في مصر

المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة، حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية، وينظم القانون ضوابط الحصول عليها وإتاحتها وسريتها، وقواعد إيداعها وحفظها، والتظلم من رفض إعطائها،كما يحدد عقوبة حجب المعلومات أو إعطاء. معلومات مغلوطة عمدًا…

الدستور المصري – مادة 68

تلزم المادة رقم 68 من تعديلات دستور 2012 الصادرة في عام 2014 الدولة بتوفير وإتاحة المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية للمواطنين بشفافية، وتلزم المشرع (السلطة التشريعية ممثلة في مجلس النواب) بإصدار قانون يحدد ضوابط الحصول على المعلومات وإتاحتها وسريتها إلخ وينظم سبل التظلم من رفض إعطائها بل ويعاقب على حجبها. وفي انتظار صدور هذا القانون فإن الترسانة التشريعية المصرية الضخمة تخلو بشكل تام من أية نصوص تتناول بشكل مستقل وواضح تنظيم الحق في الوصول إلى المعلومات الرسمية. وبدلا من ذلك تعج هذه الترسانة بالنصوص التي تعاقب على نشر المعلومات في عدد كبير من الحالات وتمنح صراحة أو ضمنا قضاة المنصة وجهات التحقيق حقا تقديريا مطلقا في حظر النشر بشكل مباشر أو بجعل جلسات المحاكمة سرية.

  • المواد القانونية المنظمة لحظر النشر

  • أولا – ما هو إجراء حظر النشر

أرسى قانون الإجراءات الجنائية مبدأين من أهم المبادئ القانونية المتعلقة بسير العدالة وهما مبدأ علانية جلسات المحاكمة و سرية التحقيقات الابتدائية. حيث نصت المادتان (75 و268) من القانون علي اعتبار إجراءات التحقيق ذاتها والنتائج التي تسفر عنها من الأسرار، ويجب علي أعضاء النيابة العامة، ومساعديهم، ومن يتصلون به أو يحضرونه بسبب وظيفتهم أو مهنتهم عدم إفشائها.

بالإضافة إلى وجوب أن تكون جلسات المحاكمة علنية، مع إجازته للمحكمة أن تأمر بسماع الدعوى كلها أو بعضها في جلسة سرية، أو منع فئة معينة من حضور جلساتها.

وفقاً للمادتين نجد أننا أمام إجرائين لحظر نشر أي معلومات أو بيانات متعلقة بدعوي خلال مرحلتيها المرحلة الأولي وهي مرحلة التحقيقات الابتدائية التي  تجريها النيابة العامة، والمرحلة الثانية وهي مرحلة المحاكمة التي تتم أمام قاض.

ابتغي المشرع من مبدأ سرية التحقيقات الابتدائية في نصوص قانون الإجراءات الجنائية ضمان سير التحقيق في مجراه الطبيعي، وعدم المساس بمصالح الأفراد بغير مقتضى. واعتبار إجراءات التحقيق ذاتها والنتائج التي تسفر عنها من الأسرار، وذلك وفقاً لما جاءت به المذكرة الإيضاحية للقانون.

كما أجاز المشرع للمحكمة أن تأمر بسماع الدعوى كلها أو بعضها في جلسة سرية، مراعاة للنظام العام أو محافظة علي الآداب، ويجدر التنبيه إلى أنه يتعين علي المحكمة بيان الأسانيد التفصيلية لذلك، كاستثناء علي مبدأ علانية جلسات المحكمة.

  • ثانياً:- الفرق بين قرار حظر النشر الصادر من النائب العام والصادر من القاضي

يُعنى قرار حظر النشر الصادر من النيابة العامة بشكل رئيسي وأساسي بإجراءات التحقيق الأولية التي تتم من قبلها والمتعلقة بحظر نشر كافة المعلومات بأسماء وشخوص المتهمين وأقوال الشهود والاتهامات والوقائع والنتائج التي أسفر التحقيق عنها كل تلك المعلومات تعتبر من المعلومات السرية التي أوجب القانون الحفاظ عليها وعدم إفشائها. وهنا يجب توضيح الفرق بين سرية التحقيقات الواجبة خارجياً وداخلياً. فخارجياً، وهي الخاصة بالجمهور، يظل حظر النشر قائماً علي العامة إلي أن ينتهي التحقيق الابتدائي بتصرف النيابة العامة في الدعوى وفقاً لنصوص مواد قانون الإجراءات الجنائية.

وسرية التحقيقات وعدم علانيتها للجمهور لا تؤدي بأي حال إلى بطلان إجراءات التحقيق، وعدم البطلان لا يمنع من إمكان تقييم النتائج التي يسفر عنها من قبل محكمة الموضوع، إذا كانت العلانية قد أثرت علي ذات الإجراء.

  • ثالثاً: مدد سريان حظر النشر .

نطاق سريان حظر النشر متعلق بالمرحلتين اللتين تمر بهما الدعاوي؛ فالأولى، وهي الخاصة بالتحقيق الابتدائي، الذي يتم بمعرفة النيابة العامة، يمتد نطاق سريان الحظر فيها إلي حين التصرف في التحقيق من قبلها، سواء بحفظه، أو إحالته إلي المحكمة. فمجرد اتخاذ إي إجراء في التحقيق، ينتهي حظر النشر ويدخل نطاق حظر النشر هنا إلي محكمة الموضوع.

أما المرحلة الثانية، وهي مرحلة المحاكمة، فسريان حظر النشر فيها يتعلق بالقرار الذي يصدره القاضي فيما يخص جلسات المحاكمة. فيمكن للمحكمة هي وشأنها أن تصدر قرارا بحظر نشر وقائع جلسة معينة من جلسات المحاكمة أو جلسات المحاكمة جميعها. وينتهي نطاق حظرها بمجرد صدور حكمها في الدعوى. إلا إذا أصدرت قراراً بحظر نشر الحكم أيضاً.

  • رابعاً:-حظر النشر بقوة القانون.

حدد قانون العقوبات، في مادته (171) من الباب الرابع عشر في الكتاب الثاني “الجنايات والجنح المضرة بالمصلحة العمومية” الجرائم التي تقع بواسطة الصحف وغيرها، وسائل النشر وطرق العلانية ومنها الكتابات والرسوم والصور و …..ألخ، وطرق العرض ومنها التوزيع أو العرض، بحيث يستطيع أن يراها من يكون في الطريق العام أو مكان مطروق أو بيعت أو عرضت للبيع في أي مكان. وفي المواد التالية في قانون العقوبات تتم اﻹشارة إلى هذه المادة بعبارات مثل “بإحدى الطرق المبينة سالفة الذكر” والمقصود هنا “بأحد طرق العلانية التي تم تفصيلها في المادة (171).

ونص القانون علي حظر نشر أي معلومات في دعاوى معينة و دون الحاجة إلى أي إجراء استثنائي واعتبار تلك الدعاوي ممنوع النشر عنها  تلقائياً وفقاً لنصوص المواد ومنها :-

-حظر النشر في دعاوى الطلاق أو التفريق أو الزنا

عاقب قانون العقوبات في مادته (193) بالحبس لمدة لا تزيد علي ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد عن عشرة آلاف، كل من نشر بإحدى الطرق المبينة سالفة الذكر أخبارًا بشأن التحقيقات أو المرافعات في دعاوى الطلاق أو التفريق أو الزنا، والحكمة في حظر النشر في تلك الدعاوي كما يوضح الخبراء القانونيون هي الحرص علي سمعة الزوجين أولا، وثانيا أن هذه الدعاوى، كما يرى المشرع “ذات طبيعة عائلية ينطوي نشر ما جري فيها من تحقيقات أو مرافعات علي طرح خصوصيات الأفراد علي الجمهور، وحيث لا توجد مصلحة عامة يمكن أن تتحقق من وراء النشر.”

ويلاحظ أن مصادرة حرية النشر في هذه الدعاوي قد تقرر مباشرة بموجب القانون، أي دون أن تتوقف هذه المصادرة علي قرار من سلطة التحقيق أو من المحكمة.

-حظر نشر في دعاوي الجرائم الماسة بأمن الدولة من جهة الخارج

نصت المادة (85) من قانون العقوبات في فقرتها الرابعة علي اعتبار سراًً من أسرار الدفاع كل من الأخبار والمعلومات المتعلقة بالتدابير والإجراءات التي تتخذ لكشف الجرائم المنصوص عليها في الباب الأول بقانون العقوبات الخاص بالجنايات والجنح المضرة بأمن الحكومة من جهة الخارج، والتحقيقات التي تمت بها أو محاكمة مرتكبيها، ومع ذلك يجوز للمحكمة التي تتولي المحاكمة أن تأذن بإذاعة ما تراه من مجرياتها.

– حظر نشر الجلسات السرية للمحاكم

نصت المادة (189) من قانون العقوبات على: “يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن خمسة ألاف جنيه ولا تزيد علي عشرة ألاف جنيه أو بأحدي هاتين العقوبتين كل من نشر بإحدى الطرق ما جري في الدعاوي المدنية والجنائية التي قررت المحاكم سماعها في جلسة سرية.”

وهو ما يعني حظر نشر أي معلومات أو بيانات تخص جلسة من جلسات محاكمة جعل القاضي جلساتها سرية. وقصد الشارع هنا إعطاء رخصة حظر النشر بقوة القانون للجلسات كاستثناء علي مبدأ علانية الجلسات ومبدأ أن الأحكام تصدر باسم الشعب. فللقاضي، من تلقاء نفسه أو بناءً علي طلب أحد الخصوم، أن يقرر سماع الدعوي، كلها أو بعضها، في جلسة سرية؛ محافظةً علي النظام العام، أو مراعاة للآداب. ومتي قررت المحكمة جعل الجلسة سرية، يقتصر حضورها علي الخصوم ومحاميهم، ويسمح بوجود الشهود والخبراء والمترجمين في حدود المهمة المنوطة بهم والوقت المحدد لأدائها فقط.

كم حدد المشرع نطاق الحظر بكل ما جري في جلسات المحاكمة، ويشمل كل أو جزء من أوجه المرافعات التي حصلت فيها، أو نشر أقوال الدفاع والاتهام و الشهود، أو الإجراءات التي تمت في الجلسات. ولا عبرة بما يصدر من حكم بالبراءة في الدعوى التي نشر ما جري فيها خرقا للحظر في ملاحقة من ارتكبه.

وعلينا هنا التطرق للتاريخ التشريعي لتلك المادة التي كانت تحظر النشر في الدعاوي المتعلق جرائمها بالسب والقذف وإفشاء الأسرار ، والجرائم التي تقع بواسطة الصحف وغيرها ، بهدف كما جاء بالمذكرة الإيضاحية للقانون لأن نشر المرافعات في هذه الجرائم هو ترديد لها ومضاعفة لآثارها بلا مبرر، ثم طرأ تعديل تشرعي بها في عام1982 رفع المشرع الحد الأقصى لعقوبة الغرامة، ثم جاء في عام 1995 وشدد من عقوبة الحبس إلى أن جاء تعديل عام 2006 فحذف منه العبارة التي توجب حظر النشر في تلك الدعاوي.

كما أوضحت المادة(189) في فقرتها الأخيرة  بأن لا عقاب علي مجرد نشر موضوع الشكوي أو علي مجرد نشر الحكم، ومع ذلك ففي الدعاوي التي لا يجوز فيها إقامة الدليل علي الأمور المدعي بها، يعاقب علي إعلان الشكوي أو علي نشر الحكم بالعقوبات المنصوص عليها في الفقرة الأولي، ما لم يكن نشر الحكم أو الشكوي قد حصل بناءً علي طلب الشاكي أو بإذنه.

-حظر نشر المرافعات القضائية والأحكام

كثير منا لا يعرف نص المادة (190) من قانون العقوبات التي تنص علي” يجوز للمحاكم نظراً لنوع وقائع الدعوى أن تحظر في سبيل المحافظة علي النظام العام أو الآداب نشر المرافعات القضائية أو الأحكام كلها أو بعضها بإحدى الطرق المبينة في نص المادة (171).”

فترجع أسباب حظر نشر المرافعات والأحكام إلي أنه من قبيل الدعاوي التي تحظر المحكمة نشر مجرياتها حفاظاً علي النظام العام أو حفاظاً علي الآداب فحظر المحكمة  ينصب  أيضاً علي المرافعات وعلي الحكم في الدعاوي كله أو بعضه والمراد ببعض الحكم الشق الخاص بالوقائع مثلاً.

– حظر نشر ما جري في المداولات السرية للمحاكم

عاقبت المادة (191) كل من نشر ما جري في المداولات السرية للمحاكم، والمقصود بالمداولات هنا تبادل الرأي بين القضاة ابتغاء الوصول إلي قرار فاصل في النزاع المطروح عليها ويلاحظ أنه لا عبرة بمكان حدوث المداولات فالنشر معاقب عليه وإن حدثت خارج حجرة المداولات بالمحكمة لأن المداولات السرية بالمحاكم إنما قصد بها المداولات أيا كان مكانها لا المداولات التي تدور في حجرة المداولات المحكمة دون غيرها .

  • خامساً:- أوجه النشر التي يحظر النشر عنها

أوجه النشر التي يحظر نشر معلومات عنها في أي دعوي أو نطاق السرية المفروضة علي المعلومات فمرحلة التحقيق الابتدائي أو المحاكمة لا تختلف كثيراً فتتفق حظر نشر أي معلومات تخص شخص المتهم الاسم أو الوظيفة أو عنوانه أو أي معلومة قد تكشف عن هويته، الاتهامات التي توجه له من قبل سلطة التحقيق ، أقوال الشهود أو أسمائهم ، وقائع الدعوي ، أسماء المشتبه بهم ، النتائج التي توصلت إليه التحقيقات ، الإجراءات والتصرفات التي تقوم بها النيابة للوصول للحقيقة ، أما بالنسبة إلي جلسات المحكمة فكل ما يدور داخل جلسات المحكمة من سماع تلاوة أمر الإحالة ، وسماع الشهود ، ومرافعات القضائية ، وشهادة الخبراء وما يتخذ من المحكمة من إجراءات خلال الجلسات،

  • سادساً:- حيثيات قرارات حظر النشر

الأصل في المحاكمة هي العلانية والاستثناء هو جعل الجلسات سرية. وهذا الأصل ليس مجرد سمة تميز مرحلة المحاكمة، ولكنه في المقام الأول ضمانة أساسية من ضمانات العدالة، ولهذا عنيت المواثيق الدولية بالنص علي وجوب العلانية، وقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته (10) علي “لكل إنسان علي قدم المساواة التامة مع الآخرين، الحق في أن تنظر قضيته محكمة مستقلة ومحايدة، نظراً منصفاً وعلنياً، للفصل في حقوقه والتزاماته وفي أية تهمة جزائية توجه إليه.”

حيث أن الحق في النظر العلني للقضايا ضمان أساسي لعدالة واستقلالية التقاضي، وهو وسيلة لحماية الثقة العامة في نظام العدالة، يجب أن تكون جلسات المحاكمة مفتوحة أمام الجمهور العام، فللجمهور الحق في أن يعرف كيف تدار العدالة والأحكام التي ينتهي إليها النظام القضائي.

لذلك فقد حرص القانون علي بيان السبب الداعي إلي سرية الجلسات وحظر النشر بما أتي بها كاستثناء علي مبدأ العلانية, فاشترط لتقرير السرية أن تكون لازمة لرعاية النظام العام أو للمحافظة علي الآداب، والفكرتان من المرونة بحيث تتسعان لكل حالة يقع التعارض الحقيقي فيها بين مصلحة عامة تقدر المحكمة خطرها وخطر مساس العلانية بها، وبين المصلحة التي كانت محل اعتبار من جانب المشرع عندما استوجب العلانية.

فلذلك يجب علي المحكمة إذا قررت نظر الدعوي في جلسة سرية أن تفصح عن السبب الذي دعاها إلي ذلك ، ولا يشترط أن تذكر السبب مفصلاً، بل يكفيها الإشارة إلي تعلقه بالنظام العام أو بالآداب علي أن هذا لا يعني أن سلطة المحكمة تحكمه، وأن ما تقرره في هذا الخصوص يجب التسليم به دون تعقيب.

  • سابعاً:- ما هي وسائل الطعن علي قرارات حظر النشر

لا يبين القانون في أي من نصوصه سبيلا واضحا للطعن على قرارات حظر النشر سواء في مرحلة التحقيقات أو في مرحلة المحاكمة. وبالنسبة للأخيرة فإن غياب نص قانوني يوضح سبيلا للطعن على قرار القاضي بسماع بعض من الدعوى أو كلها في جلسات سرية، يؤول عمليا إلى عدم وجود أي سبيل لهذا الطعن. وينعكس ذلك على قرارات حظر الطعن في مرحلة التحقيقات بدورها. فإبهام تصنيف دور النيابة العامة تجاه التحقيقات التي تجريها بين كونه دورا إداريا أو قضائيا، يؤدي إلى محاولات للطعن على قرارات النائب العام بحظر النشر في قضايا تباشر النيابة التحقيق فيها، أمام المحكمة اﻹدارية. وعمليا فإن كل الدعاوى من هذا النوع حكم فيها بعدم الاختصاص، إذ انحازت المحكمة اﻹدارية إلى الرأي القائل بكون قرار حظر النشر هنا قد صدر عن هيئة قضائية.

  • قراءة للنصوص القانونية المنظمة لحظر النشر

يمكن من خلال العرض السابق ﻷهم النصوص القانونية المنظمة لحظر النشر في التحقيقات والدعاوى القضائية أن نخرج بعدة ملاحظات رئيسية تتدرج من من المبدأ التشريعي الحاكم لها نزولا إلا الصياغة واستخدام المفردات المختلفة.

  • أولا: المبدأ التشريعي الحاكم

من حيث المبدأ تتجه عناية المشرع في أغلب ما استعرضناه من نصوص إلى حماية مجريات التحقيق أو نظر الدعوى القضائية من عامل خارجي دخيل عليها هو إتاحة تفاصيلها “للعامة” من خلال نشر هذه التفاصيل بأي من سبل العلانية التي اهتم المشرع بتعدادها بشكل جامع مانع في المادة 171 من قانون العقوبات. وبخلاف اﻹشارة إلى أن اﻷصل في جلسات المحاكمات هو العلانية فإن فحوى النصوص يغيب عنه بصفة عامة اعتبار معرفة الجمهور بمجريات ما تقوم به سلطات التحقيق والهيئات القضائية حقا لهذا الجمهور. وعلى العكس من ذلك تشيع في هذه النصوص روح التوجس الميالة إلى اعتبار أن كل ما ينشر عن التحقيق أو الدعوى هو أقرب إلى التأثير سلبا على مجرياتهما. وبالتالي فإن المبدأ التشريعي الحاكم لمواد القانون التي عرضناها يقلب بالفعل العلاقة بين الحق واستثناء تقييده بأن يجعل الاستثناء (تقييد الحق في المعرفة) هو اﻷصل.

  • ثانيا: سرية التحقيقات وحظر النشر

حسب قانون الإجراءات الجنائية فإن التحقيقات سرية ويعاقب من يطلع عليها بحكم وظيفته أو علاقة ما له بها في حال أفشى ما علمه عنها بأي من سبل العلانية. ومع ذلك تعاقب مادة في قانون العقوبات على نشر أي شيء بشأن التحقيقات إذا أجرتها سلطة التحقيق في غيبة الخصوم أو إذا أصدرت قرارا بحظر النشر فيها. فهل يعد هذا تناقضا؟

في الواقع ليس ثمة تناقض بين الحالتين. فما تتعلق به السرية في الحالة اﻷولى يختلف عما يتعلق به حظر النشر في الحالة الثانية. فالسرية تتعلق بما تقوم به سلطة التحقيق من إجراءات لمحاولة الوصول إلى الحقيقة فيما يخص موضوع التحقيقات. وهي تشمل معلومات لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال من اتصل مباشرة بهذه التحقيقات. وهذا يعني أن السرية لا تشمل ما يمكن معرفته عن موضوع القضية خارج غرف التحقيق. وهذا تحديدا ما تتدخل المادة في قانون العقوبات للتعامل معه فهي تتيح لسلطة التحقيق حظر النشر (بشأن) القضية التي تجري التحقيقات فيها، وهذا يشمل عمليا ما هو متاح أو يمكن الوصول إليه من معلومات خارج غرف التحقيق.

الفارق بين الحالتين في الواقع هو بين توفير السرية المطلوبة لتحقيق الهدف من التحقيقات في الحالة اﻷولى وبين حظر تناول القضية موضع التحقيق في اﻷساس. ولا يوجد عمليا ما يبرر الحالة الثانية بأي حال. فحسب ما سبق أن أشرنا إليه فإنه لا يحق لجهة ما أن تطلب حظر نشر ما ليس صادرا عنها من معلومات. وفي حين أن ما يتم في داخل غرفة التحقيقات يمكن اعتبار التحقيق نفسه مصدرا له، بما في ذلك أي أسئلة وجهها المحقق وأي إجابات تلقاها، بخلاف توجيهات المحقق للجهات المعاونة له بالبحث في أحد اﻷدلة أو استدعاء شاهد بعينه إلخ، فغير ذلك من المعلومات المتعلقة بشأن القضية موضع التحقيق ليس مصدرها التحقيقات ذاتها وإنما هي معلومات متاحة من مصادر عدة. ولا يمكن القول أن المعرفة بها يمكن أن تؤثر سلبا على سعي المحقق للوصول إلى الحقيقة.

  • ثالثا: التشريعات المصرية ومبدأ استثنائية الحظر

1 – الحاجة إلى تبرير حظر النشر بضرورة تفرضه: كما سبق اﻹشارة في فقرة سابقة تنحو التشريعات التي استعرضناها إلى تبرير حظر النشر بالمصلحة لا الضرورة. وهي في ذلك تغفل كليا المصلحة اﻷساسية للمجتمع في المعرفة ولا تحاول إقامة توازن بين هذه المصلحة وبين المصلحة التي يفترض حمايتها بفرض حظر النشر. فحسب منطوق النصوص يترك لجهة التحقيق أو للقاضي تقدير ما إذا كان الحظر محبذا لتحقيق أهداف شديدة العمومية دون أن يكون أيهما مطالبا بإثبات أن النشر ذو علاقة مباشرة بالمصالح المهددة وأنه بالضرورة وحتما سيسبب إضرارا بها وأخيرا أنه لا بديل عن حظر النشر لدرء الضرر المتخيل.

2 – حظر النشر رخصة ولا يجوز اعتباره حقا: النصوص التي استعرضناها واضحة في جعلها حظر النشر حقا لجهة التحقيق أو للقاضي وليس رخصة مشروطة. ففي جميع الحالات يملك كلاهما أن يصدر اﻷمر بحظر النشر من تلقاء نفسه ولا يحتاج إلى العودة إلى غيره في ذلك، وهو غير مطالب بتقديم مبررات محددة وإنما يفترض القانون أن حظره للنشر سيكون ﻷسباب عامة ومبهمة وليس عليه إلا اﻹشارة إليها. كما أنه في حالة قاضي المنصة لا معقب على قراره ولا سبيل للطعن عليه، وفي حالة قرارات النائب العام بحظر النشر فرغم عدم وضوح النصوص في الصفة التي بها يصدر قرارات حظر النشر (قضائية أم إدارية) فعمليا لا معقب على قراراته تلك.

3 –محدودية وحصرية نطاق حظر النشر: تتباين النصوص التي استعرضناها من حيث وضوح نطاق حظر النشر الذي تسمح به. ففي حالة قانون اﻹجراءات الجنائية وما يتعلق بسرية التحقيقات يمكن استنتاج أن نطاق أي حظر للنشر محدود بما يدور في غرف التحقيق وما يتم تداوله بين القائمين عليه والمتصلين به من معلومات حول تفاصيله وإجراءاته، وهذا واضح من اختصاص هؤلاء بالعقوبات في حال نشرهم ما توصل إليه علمهم من أسرار التحقيقات. في المقابل فإن المادة في قانون العقوبات والمتعلقة بمرحلة التحقيق نفسها تطلق نطاق الحظر مستخدمة لفظ “بشأن” الذي ينطوي على توسع وشمولية غير محدودين! و الجدير بالملاحظة أن المادة اﻷخيرة هي تحديدا ما يستند إليه النائب العام في إصدار قرارات حظر النشر. مما يجعل كل ذكر للقضية أو إشارة إلى موضوعها واقع نظريا تحت طائلة العقوبات التي تقررها.

4 – رفع الضرر الناتج عن حظر النشر: لا يرد في النصوص التي استعرضناها أية إشارة إلى سبل قانونية لمعارضة ما تصدره جهات التحقيق أو قاضي المنصة من قرارات بحظر النشر (أو سرية جلسات المحاكمة)، أو الطعن عليها. ولا تنطوي النصوص بأي حال على تصور أفراد أو جهات متضررة من هذه القرارات ومن ثم فلا سبيل إلى مطالبة أحد بجبر الضرر الناشئ عنها.

  • رابعا: التشريعات المصرية وظرفية حظر النشر

1 – الظروف الموجبة للاستثناء بطبيعتها طارئة: توجب التشريعات المصرية حظر النشر في عديد من أصناف القضايا التي ينتجها الواقع الاعتيادي بصفة دورية ولا يشكل أي منها ظرفا طارئا يستوجب استثناءً عاما. وبالرغم من إمكان القبول بمعاملة استثنائية لقضايا اﻷحوال الشخصية وغيرها مما يمكن إثبات تعارض الحق في المعرفة فيه مع الحق في الخصوصية للأفراد، فإن هذه المعاملة لا ينبغي أن تتسع لتمثل استثناءً عاما على الحق في المعرفة يلغيه بشكل كامل. فالتوازن بين الحقين يمكن تحقيقه بتحديد نطاق المعلومات التي من شأنها المس بالخصوصية في نطاق هذه القضايا لتشمله السرية بدلا من أن يمتد حظر النشر فيها إلى كل ما يتعلق بالقضية.

2 – التعميم في مقابل التخصيص: على عكس مبدأ تعميم اﻹجراءات في مقابل تخصيص الظروف الموجبة لكل حالة لحظر النشر فإن التشريعات المصرية تعتمد مبدأ تخصيص اﻹجراءات وتفصيلها في مقابل تعميم الظروف الموجبة لحظر النشر.فهي تفرض معنى محدد لا يتغير لحظر النشر ولا تدرج فيه بحسب كل ظرف موجب له. وهي تفصل عقوبات محددة لحظر النشر بغض النظر عن خصوصية الظروف التي توجبه. بينما تعمم في حالات السماح بحظر النشر بحيث لا يمكن القول بأنه تمليه ظروف بعينها ينبغي أخذها بالاعتبار.

3 – تجريم مخالفة حظر النشر: تنحو التشريعات المصرية بوضوح إلى اعتبار خرق حظر النشر جريمة لا مخالفة وترتب على ذلك عقوبات منها ما هو سالب للحرية. وينبغي هنا إيضاح الفارق بين الجريمة والمخالفة. فالجريمة تنتج ضررا مباشرا فالقتل ينتج سلب الحياة والسرقة تنتج فقد الممتلكات دون توسط بين الفعل ونتيجته. أما المخالفة فتلحق بسياج احترازي وضع لتجنب إمكانية وقوع الضرر. فالمخالفة المرورية لا تحدث بذاتها الضرر الذي أنشئت للاحتراز منه. وإنما تجعل وقوع هذا الضرر ممكنا. وفي حال وقوعه فعليا يتعلق العقاب بالضرر والجريمة اللاحقة به (القتل الخطأ مثلا في حال دهس أحد المارة). وقياسا على ذلك فإن حظر النشر هو إجراء احترازي يستهدف حصر إمكانية حدوث الضرر وخرقه يجعل هذه اﻹمكانية قائمة ولكنه لا يحدث الضرر بذاته. وفي حال حدوث الضرر فثمة قوانين تعاقب على ذلك.

4 – تقدير الضرر الناشئ عن مخالفة حظر النشر: يرتبط هذا العامل بالسابق عليه، والملاحظ كما أوضحنا أن التشريعات المصرية تنتهج عمومية في تقرير العقوبات على خرق حظر النشر دون مواءمة ذلك للظروف الموجبة للحظر في كل حالة. وإضافة إلى أن الضرر كما أسلفنا هو في حال خرق النشر يلحق باﻹجراء الاحترازي ولا يتعلق بالهدف منه، فإن هذا الضرر نفسه يتعلق بظروف إنشاء الإجراء الاحترازي ووضوح نطاقه وما يترتب عليه ومن ثم فإن تقدير الضرر المعاقب عليه ينبغي أن يأخذ في الاعتبار ذلك كله. وبأي حال فإن خرق حظر النشر كمخالفة لا يجوز فيه تقرير عقوبات سالبة للحرية، كونه يقع على أمر معنوي (اﻹجراء الاحترازي) ومن غير المقبول بإطلاق تقرير عقوبة تقع على الجسد مقابل فعل يقع على أمر معنوي.

  • قرارات حظر النشر في قضايا الرأي العام

  • عرض رصدي لقرارات حظر النشر في الفترة من منتصف 2013 وحتى منتصف 2016

قام فريق وحدة الرصد والتوثيق في مؤسسة حرية الفكر والتعبير برصد 37 حالة لحظر النشر في قضايا يتم التحقيق فيها أو ينظرها القضاء في فترة اﻷعوام الثلاثة الممتدة من منتصف عام 2013 وحتى منتصف العام الحالي 2016. من بين هذه الحالات كانت 24 حالة ناتجة عن قرار بحظر النشر أصدره النائب العام مما يمثل حوالي ثلثي الحالات المرصودة، في مقابل 13 حالة نتج حظر النشر فيها عن قرارات لقضاة. ولكن اثنتين من الحالات اﻷخيرة كان قرار حظر النشر فيهما صادر عن قضاة تحقيق، مما يرفع عدد حالات حظر النشر في مرحلة التحقيقات إلى 26 حالة مقابل 11 حالة في مرحلة المحاكمة.

شهد النصف الثاني من عام 2013، ست حالات لحظر النشر بمعدل حالة واحدة لكل شهر. كانت خمس حالات منها متعلقة بمرحلة التحقيقات، حالتان أصدر قرار حظر النشر فيهما قضاة التحقيق وثلاثة أصدر القرار النائب العام حينها المستشار هشام بركات. في حين أصدرت إحدى دوائر محكمة جنايات القاهرة قرارا واحدا بحظر النشر في قضية معروضة أمامها.

في المقابل كان عدد الحالات التي صدر فيها قرار بحظر النشر خلال عام 2014، تسع حالات، مما ينخفض بمعدل هذه القرارات إلى قرار واحد لكل شهر ونصف الشهر. وأصدرت النيابة العامة ست من هذه القرارات (خمسة أصدرها النائب العام المستشار هشام بركات مباشرة وواحد صدر عن نيابة شرق القاهرة). في حين أصدرت دائرتان لمحكمة جنايات القاهرة قرارين بحظر النشر، ودائرة بمحكمة جنح أول المحلة قرارا، في قضايا منظورة أمام كل منها.

ارتفع عدد القضايا التي تم حظر النشر بشأنها في عام 2015 إلى 15 قضية، أصدرت النيابة العامة 11 قرارا منها، في ظل كل من المستشار هشام بركات حتى اغتياله في منتصف ذلك العام (7 قرارات)، ثم القائم بأعمال النائب العام المستشار علي عمران (ثلاث قرارات) ثم النائب العام المستشار نبيل عبد الصادق (قرار واحد). في حين حظرت دوائر بمحكمة جنايات القاهرة النشر في قضيتين، وحظرت دائرة بجنايات الجيزة وأخرى بجنايات بورسعيد قرارا واحدا لكل منهما بحظر النشر في قضايا في مرحلة المحاكمة.

أخيرا شهد النصف اﻷول من العام الحالي (2016) سبع حالات لحظر النشر حتى منتصف العام. كان أربع منها بموجب قرارات للنائب العام، المستشار نبيل عبد الصادق، فيما أصدرت الدائرة 21 إرهاب بمحكمة جنايات الجيزة (إحدى الدوائر المنشأة بموجب قانون مكافحة اﻹرهاب) قرارين بحظر النشر في قضية تنظرها، وأصدر قاضي التحقيق المنتدب في قضية التمويل اﻷجنبي لمنظمات المجتمع المدني قرارا بحظر النشر في القضية.

من بين 37 حالة هي ما تم رصده تتعلق 13 حالة بقضايا تدور الاتهامات فيها حول فساد سياسي أو إداري أو قرارات موضع جدل للقيادة السياسية أو تسبب حرجا لها. وتتراوح هذه القضايا بين الخاص كاتهام مسؤولين سابقين أو حاليين بالفساد أو استغلال السلطة، إلى قضايا واسعة النطاق كالتحقيق مع الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات حول تصريحاته بشأن حجم الفساد في الجهاز الحكومي وتورط جهات سيادية فيه، وكقضايا التظاهر على خلفية قرار نقل السيادة على جزيرتي تيران وصنافير إلى المملكة العربية السعودية. وقضية تزوير الانتخابات الرئاسية التي عقدت في عام 2012 ونتج عنها تولي الرئيس اﻷسبق محمد مرسي الحكم.

احتلت قضايا اﻹرهاب المرتبة الثانية من حيث عدد حالات حظر النشر فيها، وبلغ عدد هذه الحالات 11 حالة، أصدرت النيابة العامة 9 من قرارات حظر النشر بشأنها في حين أصدرت المحاكم اثنين من هذه القرارات. وشملت القضايا التحقيق أو المحاكمة في جرائم اغتيال النائب العام السابق المستشار هشام بركات واغتيال ضباط شرطة ومهاجمة كمائن للشرطة واختطاف ضابط شرطة وقضية خاصة بخلية إرهابية وقضيتان خاصتان بتنظيمين إرهابيين هما أجناد مصر وبيت المقدس. في حين تضم القائمة القضية الغامضة تحت رقم 250 والتي لا يعرف على أي وجه طبيعة الاتهامات فيها أو شخص المتهمين ونوع الوقائع التي تتعرض لها!

في مرتبة تالية تأتي القضايا من نوعين، اﻷول يخص قضايا متهم فيها قضاة أو أعضاء بالنيابة العامة والثاني يخص قضايا المتهم فيها ضباط شرطة، وشهدت الفترة المشار إليها أربع حالات لحظر النشر في كل نوع منهما. أكبرها التحقيقات المجراة مع النائب العام اﻷسبق طلعت عبد الله و75 من القضاة على خلفية اتهامهم بالتعاون مع جماعة اﻹخوان المسلمين والرئيس اﻷسبق محمد مرسي. في حين شملت أيضا قضايا اتهم فيها قضاة بتلقي رشاوي،وأخرى متعلقة بالاتجار باﻵثار وحرق أحراز. وشملت القضايا المتهم فيها ضباط شرطة قضية مقتل الناشطة شيماء الصباغ عضو حزب التحالف الاشتراكي أثناء مشاركتها في وقفة سلمية ومقتل محام داخل قسم المطرية وقضيتي أحداث إستاد بورسعيد واقتحام نقابة الصحفيين.

شملت قائمة حظر النشر أيضا ثلاثة من القضايا التي يحاكم فيها أعضاء في جماعة اﻹخوان المسلمين المحظور نشاطها وفي مقدمتهم الرئيس اﻷسبق محمد مرسي والمرشد العام للجماعة محمد بديع. ومن بين القضايا الثلاث قضيتا تخابر مع جهات أجنبية بخلاف قضية التعدي على المتظاهرين في أحداث قصر الاتحادية في أكتوبر عام 2013.

في المؤخرة تأتي قضية وحيدة يمكن تصنيفها تحت قائمة الحفاظ على اﻵداب العامة أو حماية الحق في الخصوصية للمتداخلين فيها وهي قضية نشر مدرب كاراتيه لمقاطع فيديو تصور ممارسته الجنس مع عدد من النساء، وإن كانت تجدر اﻹشارة إلى أن هذه القضية تنفرد بحظر النشر فيها بين عدد من القضايا المشابهة تم التحقيق فيها ونظرتها المحاكم، منها قضايا شغلت الرأي العام مثل قضية حمام باب البحر التي اتهم فيها عدد من مرتادي حمام عمومي بممارسة الفجور (مصطلح قانوني يشير للعلاقات المثلية التي لا يجرمها القانون المصري صراحة) والتي انتهت المحكمة فيها إلى تبرئة المتهمين. في المقابل تشير المعلومات إلى أن القضية محظور النشر فيها تناولت زوجات ضباط شرطة.

  • قراءة لقرارات حظر النشر في ثلاث أعوام

الملاحظات اﻷولى إحصائية وتتعلق بالأرقام في مجملها وعلاقاتها ببعضها البعض وفي المقدمة تبرز ظاهرة تزايد معدل صدور قرارات حظر النشر في اﻵونة اﻷخيرة، إلى حد أصبح معه أمرا متوقعا في كل مرة تحظى قضية فيها باهتمام الرأي العام، أن يصدر قرار بحظر النشر فيها. وتتواكب هذه الزيادة الكبيرة في عدد قرارات حظر النشر مع تزايد حدة الاحتقان السياسي في مصر في أعقاب عزل الرئيس اﻷسبق محمد مرسي في تلازم لا يمكن معه تجنب الربط بينهما بأي حال، ومن ثم لا يمكن للاستخدام السياسي ألا يكون مطروحا كعامل هام وراء هذه الظاهرة.

الملاحظة الإحصائية التالية تتعلق بالنسبة الغالبة لقرارات حظر النشر الصادرة عن النائب العام وقضاة التحقيق في مقابل تلك التي أصدرتها دوائر المحاكم.وينبغي الالتفات إلى أن قرارات حظر النشر هذه تختلف من حيث اتساع نطاقها وفق المادة التي تعتمد عليها في قانون العقوبات عن تلك التي تصدرها المحاكم. فاﻷخيرة تنحصر سلطتها في حظر النشر كما ينص على ذلك القانون في نطاق مجريات الجلسات التي أمرت بأن تكون سرية، ولا يمنح القانون قاضي المنصة الحق في حظر نشر ما يتعلق بالقضية فيما عدا ذلك. في حين تسمح الصياغة التعميمية لسلطة التحقيق (النيابة العامة أو قضاة التحقيق) بحظر نشر أي شيء يتعلق بالقضية التي يتم التحقيق فيها.

إذا انتقلنا إلى أنواع القضايا التي صدرت قرارات حظر للنشر بشأنها فإن الملاحظة اﻷولى أن ما كان منها ينتمي إلى التصنيفات التي ينص القانون صراحة على حظر النشر فيها لا يمثله إلا عدد محدود. فقضايا الزنا يمثلها قضية. وقضايا تهديد أمن البلاد من الخارج (التخابر) يمثلها قضيتان. ويلاحظ أنه بالنسبة لقضايا الطلاق والزنا واثبات النسب المنصوص على حظر النشر فيها بإطلاق، لا يطبق فيها هذا الحظر عمليا بل إن بعضها كان حديث الصحف ووسائل اﻹعلام بصفة شبه يومية، في حين أن القضية الوحيدة الصادر بشأنها حظر للنشر وتنتمي إلى هذا النوع من القضايا، تصادف أن وقائعها ربما تمس بعض ضباط الشرطة. وهو ما لا يترك مجالا واسعا للخيار حيال تحديد السبب الحقيقي لحظر النشر فيها.

في المقابل فإن الغالبية العظمى من القضايا التي صدر بشأنها قرارات بحظر النشر لا تقع بأي حال تحت التصنيفات التي ينص القانون على حظر النشر فيها. ولا يبقى إلا محاولة ربطها بالسببين العامين الذين يجعل القانون منهما مبررا لاستخدام سلطة التحقيق أو قاضي المنصة الحق في حظر النشر أو سرية جلسات المحاكمة وهما اﻵداب العامة والأمن القومي. ومن السهل إدراك أن السبب اﻷول لا صلة له بأي من القضايا المشار إليها، في حين يحتاج تصنيف هذه القضايا في باب حماية اﻷمن القومي إلى لي عنق المفهوم بشكل عنيف رغم مطاطيته واتساعه ﻷي شيء يحمل عليه. فمن الصعب فهم أن يكون حظر النشر في قضية يحاكم فيها قاض بتهمة تلقي رشوة هو ﻷغراض حماية الأمن القومي، وكذا إذا كانت تهمة الارتشاء موجهة ﻷحد الوزراء أو إذا كانت الواقعة هي حرق أحراز بمقر إحدى النيابات!

السبيل الوحيد لتوظيف حماية اﻷمن القومي كمبرر لقرارات حظر النشر في غالبية القضايا المشار إليها هو تحديدا اعتبار كل ما يمثل حرجا للسلطة التنفيذية ورأسها وللمؤسسات ذات السيادة ومؤسسة القضاء هو مما يدخل في باب تهديد اﻷمن القومي. وفي واقع اﻷمر تشير دلائل عدة إلى أن تلك هي فلسفة هذه القرارات.

في ظل ما تكشفه أنماط قرارات حظر النشر إذًا تبدو محاولة تقييمها وفق معايير الاستثنائية والظرفية عبثية تماما. فقرار حظر النشر هو القاعدة طالما كانت القضية تشغل الرأي العام لكونها على وجه التحديد تتعلق بالشأن العام. ولا ضرورة يمكن تلمسها ﻷي من قرارات حظر النشر اللهم ضرورة حماية السلطة التنفيذية من كشف ما يسبب لها حرجا. سواء كان ذلك فساد فردي أو مؤسسي إداري أو سياسي، أو كان تقصيرا فادحا (قضايا اﻹرهاب بصفة خاصة).

  • منهج لتنظيم حظر النشر في إطار حماية الحق في المعرفة

يستند اﻹطار، الذي سنحاول إيضاحه فيما يلي، لتنظيم حظر النشر بما يحقق حماية حقيقية للحق في المعرفة، إلى ما سبق عرضه في القسم اﻷول من هذه الدراسة، تحت عنوان “اﻹطار النظري،” والقسم الثاني منها تحت عنوان “استثنائية حظر النشر وظرفيته.” ويهدف باﻷساس إلى تجنب إخفاقات التجربة العملية لتطبيق حظر النشر في الواقع المصري سواء على مستوى التشريع أو الاستخدام العملي كما تعرضنا لها في القسم السابق.

لا يمكن أن يتحقق للحق في المعرفة الضمانات القانونية اللازمة إن لم يتبنى المشرع المصري مدخلا مختلفا عما اعتاده لتنظيم حظر النشر. فالملاحظ في التشريعات المصرية أن مدخلها دائما لتنظيم حظر النشر هو حماية مصلحة ما مما تعتبره باﻷساس مصدرا متوقعا للتعدي عليها. بمعنى أن النشر في ذاته ينظر إليه على أنه فعل تدخلي يطرأ على أي موضوع. وأن هذا التدخل يمكن فقط “التسامح” معه طالما لم يكن ثمة شك في إمكان تضرر مصلحة ما بسببه. هذا المدخل لا يعترف في اﻷساس بحق المواطنين في المعرفة. ولا ينظر إلى النشر على أنه الأداة الرئيسية وغالبا الوحيدة لتمتع المواطنين بهذا الحق.

المدخل البديل الذي ينبغي للمشرع المصري استخدامه يبدأ بالتسليم بحق المواطنين في المعرفة كمبدأ عام وثابت. وأن هذا الحق لا سبيل إلى حمايته إن لم يتح الوصول الكامل إلى المعلومات كافة. ويأتي تنظيم حظر النشر في هذا اﻹطار على أنه الطارئ الذي يتدخل استثناءً في حالات محدودة ومحددة بسبب ضرورة لا سبيل إلى تجنبها. وبالتالي فإن تنظيم القيد الطارئ على الحق ينبغي أن يكون على هامش تنظيم حماية هذا الحق وليس مستقلا عنه. وهنا فإن القانون المنظم لحرية الوصول إلى المعلومات والذي ألزم الدستور البرلمان الحالي بإصداره هو المكان الصحيح للتعامل مع تنظيم حظر النشر.

  • الحاجة إلى مفوضية للمعلومات

لا تنص المادة رقم 68 على إنشاء مفوضية للمعلومات ولكن تجارب دول أخرى ذات ظروف مشابهة لمصر أظهرت قدرا من الجدية في السعي لحماية الحق في المعرفة وحرية الوصول للمعلومات أظهرت أن وجود مثل هذا الكيان عامل هام في إنجاح تجاربها. وتتمثل الحاجة إلى مفوضية للمعلومات في بلد لم تنم فيه ثقافة حرية المعرفة بسبيل طبيعي عبر تجربته التاريخية في أن مؤسساته العادية لا تمتلك تاريخا أو خبرة تراكمية في التعامل مع قضايا الحق في المعرفة. ومن ثم فثمة حاجة إلى كيان متخصص يكون من أدواره وضع قواعد جديدة ومراكمة خبرة في هذا المجال.

ينبغي لمفوضية المعلومات أن تتمتع باستقلالية كاملة تجعلها محصنة ضد الضغط عليها من قبل سلطات الدولة التي من المنطقي توقع أن تصطدم مصالحها بالدور الذي ستؤديه المفوضية. وينبغي أن تتمتع قراراتها باﻹلزام لكافة السلطات كذلك.ويقع في إطار أدوار هذه المفوضية الفصل في المطالبات بإلزام جهات الدولة بنشر معلومات تمتنع عن نشرها دون مسوغ قانوني كاف. كما يقع فيه متابعة أداء مؤسسات الدولة فيما يتعلق بالتزامها باﻹتاحة الدورية للمعلومات الخاصة بعملها والتي ينبغي أن ينص القانون على مبادرة هذه المؤسسات بنشرها دون الحاجة إلى طلب خاص.

 

  • تنظيم حظر النشر

 

في ظل قانون منظم للحق في المعرفة والوصول إلى المعلومات وفي وجود مفوضية للمعلومات يكون باﻹمكان تنظيم حظر النشر مع الالتزام بوضوح بصفتي الاستثنائية والظرفية السابق تفصيلهما في القسم الثاني من هذه الدراسة. وبناء على هاتين الصفتين فإن أي قانون لتنظيم حظر النشر ينبغي أولا أن يسقط كافة المواد بقوانين سابقة التي تعرضت للأمر. وأن ينص صراحة على أن اﻷصل في المعلومات هو اﻹتاحة دون تقييد، ثم أن يضع القواعد العامة للشروط الواجب توافرها في الحالات الاستثنائية التي يمكن لحظر النشر فيها أن يكون مقبولا.

في اﻹطار المتخصص الذي ركزت عليه هذه الدراسة وهو حظر النشر فيما يتصل بأعمال السلطة القضائية في إنفاذ القانون في مراحل التحقيق في القضايا ونظرها أمام المحاكم فإن أي قانون لتنظيم حظر النشر ينبغي أولا ألا يمنح ﻷي من ممثلي السلطة القضائية حقا غير مقيد في حظر النشر في أي مرحلة من مراحل التعامل مع القضايا. فينبغي التعامل مع حظر النشر على أنه رخصة مشروطة ومقيدة ومؤقتة زمانيا ومحدودة في نطاقها. فقبل أي شيء لابد ممن يستخدم رخصة حظر النشر أن يقدم أدلة كافية على الضرورة الموجبة لها ويفصل اﻷضرار التي لا يمكن درأها إلا بحظر النشر، ثم بناء على هذا التفصيل يتم تحديد المدى الزمني لحظر النشر والنطاق الذي سيمتد إليه ولا ينبغي ﻷي منهما أن يكون مطلقا أو مفتوحا. فلا يكون حظر النشر مؤبدا ولا يمتد ليشمل كل ما يتعلق بأي قضية تحت أي ظرف من الظروف وإنما ينبغي تحديد الجوانب المحظور النشر بشأنها على سبيل الحصر.

كل قرار بحظر النشر يصدر عن سلطة التحقيق أو عن قاضي المنصة ينبغي إتاحة سبل معارضته بطريقة ينظمها القانون. وفيما يتعلق بقرارات قاضي المنصة بجعل جلسة أو أكثر من جلسات المحاكمة سرية فينبغي أن يكون من حق طرفي الدعوى المنظورة معارضة القرار في حينه ويعامل في هذه الحالة معاملة طلب رد الدائرة أو أحد قضاتها. بمعنى أنه يتم وقف نظر الدعوى إلى حين فصل دائرة بمحكمة أعلى في طلب معارضة قرار سرية الجلسات.

سواء كان قرار حظر النشر مستوفيا لشروط الضرورة أو لم يكن فينبغي أن يتاح لكل متضرر منه السعي بسبل ينظمها القانون لجبر أي ضرر وقع عليه نتيجة لهذا القرار ويكون الفصل في مثل هذه الدعاوى مبنيا على إثبات الضرر وليس على صحة القرار.

ينبغي أن يعامل القانون المنظم لحظر النشر حالات خرقه على أنها مخالفات لا جرائم، ولا ينبغي بأي حال أن تقرر عقوبات سالبة للحرية بشأنها. وينبغي أن ينص صراحة على أن مخالفة خرق حظر النشر ينظر فيها في إطار كونها تعد على إجراء احترازي ولا اعتداد في ذلك بالغرض الذي نشأ الإجراء ﻷجله ولا وزن له في تحديد العقوبة. وذلك لا يعفي من أنه في حال وقع ضرر يمكن إثبات أن خرق الحظر تسبب فيه للمصلحة المرعية بقرار حظر النشر فإنه يجوز إقامة الدعوى بهذا الشان وفق القوانين ذات الصلة.

لا يجوز ﻷي قانون منظم لحظر النشر أن يشمل أصنافا بكاملها من القضايا يحظر النشر فيها بإطلاق، فحتى قضايا اﻷحوال الشخصية وما شابهها من المتعلق بالحياة الخاصة للأفراد يبقى من جوانبها ما تتحقق المصلحة العامة بإتاحة المعرفة بها للمواطنين، ويمكن للقانون أن يشمل بالسرية المعلومات المتعلقة بهذه القضايا والتي من شأنها الكشف عن أشخاص المتداخلين بها، بينما تبقى موضوعاتها وتصرف جهات التحقيق والقضاء بشأنها متاحة للنشر.

ينبغي أن ينص القانون المنظم لحظر النشر صراحة على عدم جواز حظر النشر في قضايا الشأن العام بإطلاق ويدخل فيها كل قضايا الفساد الفردي أو المؤسسي، اﻹداري أو السياسي. وعلى عدم جواز حظر النشر في أي قضايا يتهم فيها مسؤولون فيما يخص وظائفهم ﻷن مثل هذه القضايا تتعلق تحديدا بأعمال باشرها هذا المسؤول بتوكيل من المواطنين بشكل مباشر (الانتخاب) أو غير مباشر ومن ثم فالاطلاع على تفاصيل هذه القضايا هو حق أصيل للمواطنين لا يمكن نقضه تحت أي ذريعة كانت.

1- الحظر والرقابة علي النشر في القانون الجنائي المصري (دراسة تأصيلية تحليلية) صـ34.
2- شرح قانون العقوبات صبري الراعي المجلد الثاني صـ938 .
3- موسوعة شرح قانون العقوبات للمستشار صبري الراعي المجلد الثاني صـ 943
4- دليل المحاكمات العادلة إصدار منظمة العفو الدولية ,الحق في النظر العلني للقضايا صـ84 .
5- شرح وتعليق علي قانون الإجراءات الجنائية موسوعة المستشار صبري الراعي صـ109 المجلد الثالث .
ذات صلة

Subscribe To AFTE Email List
No Thanks
Thanks for signing up.
We respect your privacy. Your information is safe and will never be shared.
Don't miss out. Subscribe today.
×
×

WordPress Popup Plugin