مؤسسة حقوقية مصرية تعمل على دعم وتعزيز حرية التعبير

تقرير لجنة تقصي الحقائق حول وقائع الانتهاكات الجنسية والتجاوزات الإدارية بمؤسسة حرية الفكر والتعبير

يلخص هذا التقرير ما انتهت اليه لجنة مستقلة لتقصي الحقائق حول ادعاءات بشأن وقوع انتهاكات جنسية وتجاوزات إدارية في مؤسسة حرية الفكر والتعبير. وتمتعت اللجنة بكافة الصلاحيات اللازمة للتحقيق في كل ما قد يرد لها من ادعاءات وإصدار توصيات تتضمن الإقرار بكافة أشكال الانتهاكات التي يمكن ان تكون قد وقعت للنساء داخل المؤسسة، وتوصيات أخرى بشأن ما تحتاجه المؤسسة من سياسات وقواعد وأسس عملية من أجل إحداث تغييرات تمنع تكرار مثل هذه الانتهاكات في المستقبل، والعمل على خلق بيئة عمل أكثر أماناً وعدلا للنساء، إضافة الى اتخاذ إجراءات بحق من يثبت ارتكابهم لأي انتهاكات أو تجاوزات. وبدأت اللجنة عملها في أوائل شهر أغسطس ٢٠٢٠ بتكليف من مجلس الأمناء الاستشاري للمؤسسة، وانتهت منه في أوائل شهر يناير ٢٠٢١، وقدمت ملخصًا لتحقيقاتها وكل توصياتها لمجلس الأمناء من أجل تنفيذها.

مقدمة:

مع بداية موجة جديدة من الحراك المناهض للعنف الجنسي في مصر في يوليو 2020، ظهرت الكثير من الكتابات والبوح العلني بشأن وقائع عنف جنسي وتمييز في دوائر المجتمع المدني والجماعات السياسية.

وقام المدير السابق لوحدة الأبحاث بمؤسسة حرية الفكر والتعبير (محمد ناجي) بنشر إقرار على أحد مواقع التواصل الاجتماعي يفيد ارتكابه لانتهاكات جنسية ضد عدد من الناجيات والضحايا، وقد عبر عن رغبته لإدارة المؤسسة في التحقيق معه في هذه الوقائع بعد نشرها، وذلك قبل أن يتقدم باستقالته التي رفضتها الإدارة. وعقب هذا الإقرار نشرت إحدى الناجيات وقائع انتهاكات جنسية قالت إنها تعرضت لها على يد محمد ناجي، وقد أصدرت المؤسسة لاحقًا قرارًا بفصله من العمل بتاريخ 9 يوليو 2020 بسبب هذه الانتهاكات.

وفي سياق آخر، وجّهت إحدى العاملات السابقات في مؤسسة حرية الفكر والتعبير اتهامات للمدير السابق للمؤسسة (محمد الطاهر) عبر مواقع التواصل الاجتماعي بتعنيفها لفظيًا لأسباب ترتبط بالتمييز على أساس النوع الاجتماعي، ووجهت نفس الناجية اتهامات للمؤسسة بغياب سياسات ثابتة لمكافحة التمييز القائم على النوع الاجتماعي ومحاسبة المسؤولين عن العنف الجنسي ضد النساء بصوره المختلفة.

وبناء على هذه الوقائع قرر مجلس الأمناء الاستشاري للمؤسسة تشكيل لجنة مستقلة لتقصي الحقائق والتحقيق في وقائع الانتهاكات الجنسية والتجاوزات الإدارية، وكذلك البحث في أسباب وجود بيئة غير آمنة وغير منصفة للنساء داخل المؤسسة، وإصدار التوصيات اللازمة لعلاج هذه المشكلات ومعاقبة من يثبت في حقه أي انتهاكات.

وتشكلت لجنة تقصي الحقائق بتاريخ 29 يوليو 2020 بعد مشاورات عديدة مع ناشطات نسويات وقيادات في المجتمع المدني، وضمت في عضويتها فريدة القلعجي، ومايكل رؤوف، وسلمى النقاش، وهم ناشطون في المجتمع المدني وخبراء في قضايا النوع الاجتماعي والعنف الجنسي، وذلك لوضع توصيات ملزمة للمؤسسة بتحسين بيئة العمل لضمان عدم تكرار الانتهاكات المتعلقة بالتمييز القائم على النوع الاجتماعي، وجبر ضرر الناجيات والضحايا، وكذا توقيع العقوبات على المتورطين في هذه الانتهاكات إذا لزم الأمر، من خلال قواعد عمل وضوابط اللجنة التي أعدها مجلس الأمناء الاستشاري للمؤسسة، والتي تمت مراجعتها وتعديلها واعتمادها من قبل أعضاء اللجنة الثلاثة.

تقرير اللجنة

عمل اللجنة:

أجرت لجنة تقصي الحقائق عدد 32 مقابلة وجلسة تحقيق مع العاملات والعاملين بمؤسسة حرية الفكر والتعبير، وكذلك مع عدد من العاملات والعاملين السابقين، للوقوف على جذور الأوضاع التي عززت وجود ثقافة متسامحة مع التمييز والعنف الجنسي منذ تأسيس المؤسسة وحتى الآن. واستمعت اللجنة خلال تلك المقابلات إلى شكاوى عديدة، وشكلت نسبة الشكاوى المرتبطة بالانتهاكات على أساس النوع الاجتماعي 61% في مقابل 39% للشكاوى المتعلقة بمشكلات إدارية داخلية. وكما يوضح الرسم التوضيحي رقم 1، تضمنت الشكاوى التي وردت للجنة موضوعات متعددة مثل التعنيف اللفظي، أداءات غير مريحة، التنمر، سوء استخدام السلطة والتحرش الجنسي. مع الأخذ في الاعتبار أنه لم يتم التحقيق في كل الوقائع المشار إليها في الرسم التوضيحي، ولكن تم تصنيفهم بناءً على نوع الشكوى التي تلقتها اللجنة. وقد سلمت لجنة تقصي الحقائق تقريرًا مكونًا من 54 (أربع وخمسين) صفحة لمجلس الأمناء الاستشاري للمؤسسة يحتوي على تفاصيل التحقيقات التي أجرتها اللجنة بالقدر الذي سمحت بها قيود الخصوصية والسرية التي اختارها مقدمات ومقدمو الشكاوى.

وقد حققت اللجنة في أربع وقائع رئيسية تتعلق بالتعنيف اللفظي ضد بعض العاملات من أحد العاملين بالمؤسسة، وصدور تصرفات ذكورية وغير مريحة من أحد العاملين ضد زميلته، والاستغلال الوظيفي من أحد العاملين ضد زميل له في المؤسسة. وقد حققت اللجنة في هذه الوقائع بناء على طلب المبلغات والمبلغين وبعد أن قررت اللجنة أن هذه الوقائع تدخل في نطاق اختصاصها.

إلا أن هذه الوقائع الأربعة لم تكن جل ما استمعت إليه لجنة تقصي الحقائق، فقد شارك عدد من العاملات والعاملين السابقين والحاليين بالمؤسسة العديد من الوقائع مع اللجنة، وقد شملت هذه الوقائع اتهامات بالتحرش الجنسي ضد بعض العاملين، تمييز ضد النساء داخل مكان العمل، تنمر ضد النساء والأشخاص ذوي الهويات الجندرية المتنوعة وضد الأعضاء الجدد في فريق العمل، ومخالفات إدارية مختلفة. وقد قررت اللجنة عدم التحقيق في هذه الشكاوى والاستماع إليها فقط على سبيل الاستدلال لعدد من الأسباب، منها: رغبة المبلغات أو المبلغين في عدم تحريك شكاوى ضد المشكو في حقهم والتأكيد للجنة على قيامهم بالإدلاء بأقوالهم بغرض مساعدة اللجنة على فهم بيئة العمل داخل المؤسسة وإصدار التوصيات المناسبة لتحسينها، كما قررت اللجنة أن بعض الوقائع التي أدلى بها بعض أفراد فريق العمل لا تدخل في نطاق اختصاصها، أو أنها لا تشكل انتهاكًا من الأصل، أو أن إدارة المؤسسة قد اتخذت فيها إجراءات سابقة بالفعل.

وبوجه عام ترى لجنة تقصي الحقائق أن بيئة العمل داخل مؤسسة حرية الفكر والتعبير تعاني من غياب الضمانات التي تحمي النساء من التمييز والعنف بصوره المختلفة، حيث لم تتبن المؤسسة منذ نشأتها سياسة واضحة لمناهضة العنف الجنسي ومحاسبة مرتكبيه. أيضًا تَبين للجنة أن المؤسسة تعاني من غياب اللوائح الإدارية التي من شانها ضبط بيئة العمل وجعلها عادلة وقائمة على المحاسبة والشفافية لكل العاملات والعاملين. وقد رصدت لجنة تقصي الحقائق انخفاض عدد العاملات بالمؤسسة من 60% عام 2011 إلى 20% في السنوات الأخيرة، وهو ما يعكس تحول بيئة العمل بالمؤسسة إلى بيئة طاردة للنساء. أيضًا رصدت اللجنة وجود مناخ تسوده روح “الشللية والعصبوية” بين بعض أفراد فريق العمل، وتفشي ممارسات غير مهنية بين العاملين كالشتائم والمزاح غير اللائق داخل مكان العمل، وخلط واضح بين العلاقات الشخصية وعلاقات العمل. وترى لجنة تقصي الحقائق أن مؤسسة حرية الفكر والتعبير عليها اتخاذ إجراءات فورية وحاسمة للتحول نحو نموذج للعمل خاضع للمحاسبة خاصة فيما يتعلق بقضايا العنف الجنسي والتمييز ضد النساء. وفي هذا الصدد فقد رصدت لجنة تقصي الحقائق عدة أنماط للانتهاكات داخل المؤسسة حرية الفكر والتعبير (برجاء الرجوع لملحق التعريفات في صفحة رقم 7 للمصطلحات التي اعتمدتها اللجنة):

  1. التجاوزات الإدارية

استخدمت اللجنة مصطلح التجاوزات الإدارية لوصف المشكلات التي تنمّ عن إخلال بقيم المهنية والاحترافية، وكل الأفعال التي تشكل تجاوزًا لمعايير الشفافية والنزاهة والاحترام المتبادل بين أعضاء فريق العمل، ولا تضم هذه التجاوزات أي أفعال قائمة على التمييز أو العنف على أساس النوع الاجتماعي. وتشمل التجاوزات الإدارية التي وثقتها لجنة تقصي الحقائق في إطار فحص بيئة العمل بالمؤسسة: التعنيف اللفظي الموجّه لعموم العاملين/العاملات من قبل أشخاص في مواقع قيادية داخل المؤسسة؛ وغياب اللوائح المنظمة لعلاقة العاملين ببعضهم البعض من ناحية وعلاقتهم بالإدارة من ناحية أخرى؛ وغياب سياسة واضحة للتعيين منذ قيام المؤسسة وحتى وقت قريب؛ وعدم وجود لوائح فعالة للتحقيق في المخالفات الإدارية ومجازاة المخالفين. ورصدت اللجنة سلوكيات غير مقبولة داخل المؤسسة مثل استخدام الألفاظ النابية داخل مكان العمل بين بعض أعضاء الفريق وأثناء الاجتماعات؛ والعصبوية ضد الأعضاء الجدد في فريق العمل من قبل الأعضاء القدامى؛ والتعليقات ذات الطابع الجنسي بين بعض العاملين والعاملات؛ والصياح الغاضب أثناء اجتماعات فريق العمل؛ ورفض التقيد بقواعد الحضور والانصراف من قبل بعض العاملين. أيضا تبين للجنة أن بعض العاملين في المؤسسة تربطهم علاقات قرابة مع بعض من يتولون أو تولوا مواقع قيادية في المؤسسة. وبالرغم من أن مشاركة العاملات والعاملين بالمؤسسة لهذه التفاصيل لم يكن بغرض تقديم شكاوى ضد أفراد بعينهم، وإنما بهدف توضيح بيئة العمل داخل المؤسسة للجنة، فإن لجنة تقصي الحقائق ترى وجوب تبني آليات رادعة من جانب الإدارة ضد هذه التصرفات والسلوكيات غير المقبولة، التي تخلق بيئة عمل سلبية تعزز العصبوية والانفلات وغياب المحاسبة، ومن ثم تضعف إمكانيات التخلص من التمييز بكافة أشكاله.

  1. التنمُّر

استخدمت اللجنة مصطلح التنمر للإشارة إلى الأفعال التي تُشعر أحد الأفراد بالترهيب أو الإهانة مثل نشر شائعات عن فرد بعينه؛ والمعاملة غير العادلة؛ والتسفيه المستمر من شأن الأشخاص. ويمكن أن يقع التنمر في مكان العمل عن طريق البريد الإلكتروني أو الهاتف أو وجها لوجه أو من خلال المخاطبات. وقد جاءت عدة شكاوى وإفادات متعلّقة بالتنمّر داخل المؤسسة. وشملت هذه الوقائع مضايقة بعض العاملين واستهدافهم و”التحفيل” على بعض الأشخاص على حد تعبير بعض من قابلتهم اللجنة، وتعمُّد التحدث بصوت عال بجوار نفس الشخص بشكل متكرر أثناء العمل بهدف تشويشه وتعطيله، التعليق بصورة غير لائقة حول المظهر الشخصي لبعض العاملين ووصف آخرين بالغباء أو بأنهم “فلاحين”. كما تعمد أحد العاملين القيام بمضايقة زميلته بشكل عمدي لمجرد قيامها بعملها في مراقبة التزام أعضاء الفريق بقواعد استخدام مكان العمل. وقد تبين للجنة تقصي الحقائق حدوث وقائع التنمر بشكل متكرر ضد الأعضاء الجدد في فريق العمل، كما رصدت حدوث وقائع التنمر والسخرية من قبل بعض الأعضاء القدامى في فريق العمل كوسائل لمقاومة وضع إدارة المؤسسة لقواعد ولوائح تعزز من مناخ المهنية والاحترافية والمحاسبة.

  1. العنف الجنسي والتمييز القائمان على النوع الاجتماعي

ويشمل العنف الجنسي والتمييز القائمان على النوع الاجتماعي الصور المختلفة للتحرش الجنسي البدني أو اللفظي أو بالإشارة؛ أو إصدار تعليقات ذات طبيعة جنسية؛ أو الاستغلال الجنسي؛ في ظل غياب الموافقة بين الطرفين. ويشمل العنف على أساس النوع الاجتماعي أيضًا التعنيف اللفظي الموجّه ضد بعض الأطراف بناءً على هويتهم الجندرية؛ وإقصاء البعض من عملية الإدارة بناء على ذات الهوية؛ علاوة على اختلال تقسيم مهام العمل في بعض المناسبات بصورة تستهدف النساء من أجل إثقالهن بأعباء تزيد من عرقلة عملهن واستخدام ذلك ضدهن فيما بعد، وغيرها من صور التعنيف والتمييز القائم على النوع.

وفي هذا السياق، وبالإضافة إلى الوقائع الخاصة بمحمد ناجي فقد وردت إلى اللجنة شكاوى وإفادات من خمس نساء ممن عملن سابقًا أو يعملن حاليًا في المؤسسة بخصوص تلقيهن لعروض جنسية، أو ملاحقة واهتمام غير مرغوب فيهما أو تحرش جنسي بالنظر وتفحص أجسادهن في سياق العمل من بعض زملائهن من الرجال، لكنهن فضّلن عدم تحريك شكاواهن في هذه الوقائع وسردها إلى اللجنة فقط بهدف شرح بيئة العمل داخل المؤسسة من أجل إصلاحها في المستقبل ووضع قواعد لمحاسبة المسؤولين عن هذه التصرفات.

وفيما يتعلّق بالشكاوى الواردة ضد محمد ناجي الذي تمّ فصله بناءً على اعترافه بارتكابه انتهاكات جنسية ضد أكثر من امرأة، فقد أشار البعض في تعليقاتهم إلى اللجنة علي منشوره على أحد مواقع التواصل الاجتماعي أنه ربما يكون قد أقدم على هذا التصريح والاعتراف بالانتهاكات التي ارتكبها بعدما سمع بوجود بعض الشهادات التي يتم تجميعها ضده، والتي تسرد وقائع الانتهاكات التي ارتكبها ضد ناجيات وضحايا مختلفات- فقد صدر منه هذا البيان العلني على خلفية قيام موجة قوية من المواجهة والنشر العلني وفي بعض الأحيان بعد تقديم نساء لبلاغات إلى السلطات الرسمية ضد مرتكبي وقائع العنف الجنسي من تحرش واعتداء وغيرها من الجرائم المتعلقة بالعنف القائم على النوع، لذا قد تكون هذه الظروف المحيطة هي ما دفعته للاعتراف بما قام به من أفعال ضد مجموعة من النساء اللاتي التقى بهن خلال فترة عمله في المؤسسة، وكذلك من دوائر صداقاته وعلاقاته الشخصية، وربما أثرت حركة مناهضة العنف الجنسي عليه وجعلته يعترف بالأخطاء والانتهاكات التي ارتكبها بهدف التغيير والإصلاح، على الرغم من أن الدلائل أمام اللجنة توضح أنها ليست المرة الأولى لمحمد ناجي أن يعتذر عن أفعال انتهاكات جنسية ضد نساء مختلفات، مما يثير الشك في جدية هذا الاعتذار من منطلق الإصلاح.  وهناك عدد من العاملات اللاتي قابلن اللجنة وذكرن أن الانتهاكات التي ارتكبها محمد ناجي ضد فتيات قابلهن من قبل سواء عن طريق عمله أو دوائره الشخصية لم تكن خفيّة على أفراد المؤسسة، وأن محمد ناجي كان شخص له سلطة اجتماعية في سياق المؤسسة بالإضافة إلى ترقيته في المناصب حتى أصبح مدير وحدة الأبحاث قبل أن يتم فصله من العمل. كل هذه الدلائل تشير إلى أنه في حالة وجود سياسة لمناهضة التحرش في أماكن العمل وآلية للشكاوى الداخلية، ربما كانت قد لجأت إليها بعض الناجيات/الضحايا من قبل وربما كان قرار عقابه قد اتخذ في فترات سابقة على العام الحالي. ومن هنا ترى اللجنة ضرورة توجه الإدارات السابقة بالاعتذار إلى المتعاملين مع المؤسسة وجمهورها العام على غياب مثل هذه السياسات التي كانت ستوفر حماية للأطراف الأضعف مثل المتطوعين والمتطوعات وجمهور المتعاملين والمتعاملات مع المؤسسة.

وقد سعت اللجنة إلى الاستماع إلى الناجيات/الضحايا في وقائع العنف الجنسي التي ارتكبها محمد ناجي لجبر ضررهن ولكن لم تتمكن من التواصل مع أيّ منهن ولم تتلق شكاوى ضده حيث اتفق أعضاء اللجنة على أنه لا يحق لهم التحقيق في شكوى إلا إذا وردت إليها بصورة مباشرة حتى تتمكن من الاستماع للشاكيات وكذلك للمشكو في حقهم، مع معرفة اللجنة بإدانة هذا الشخص بناء على اعترافه الواضح الذي بني على أساسه قرار رفض استقالته وفصله من المؤسسة.

وقد وقعت حادثة تحرش جنسي صريح في إحدى ورش العمل الخاصة بالفريق والتي انعقدت خارج القاهرة في سنة 2018 وتحرّش أحد العاملين بالمؤسسة بمرؤوسته التي كانت حديثة التعيين في سياق حفلة جمعت أفراد الفريق. وبالرغم من قيام إدارة المؤسسة بالتحقيق في الواقعة وإصدار الجزاءات الإدارية ضد المتحرش، إلا أن الناجية من هذه الواقعة وإحدى الشاهدات قد تعرضن لمضايقات بسبب إثارتهن لإشكالية غياب سياسة لمكافحة التحرش الجنسي داخل المؤسسة، حيث تعامل معهن جزء من فريق العمل وإدارة المؤسسة باعتبارهن مثيرات للمشاكل وكانت هناك محاولات لاستبعادهن من المشاركة في صياغة سياسة مكافحة التحرش التي عكفت المؤسسة على تبنيها بعد هذه الواقعة.

ورصدت اللجنة واقعة تمييز ضد أحد العاملين من ذوي الهويات الجندرية المتنوعة حيث ثبت تعامل اثنين من أعضاء فريق العمل مع هذا الشخص بشكل عدواني بسبب ميوله الجنسية، وقد أعلن الشخص المذكور عدم رغبته في التحقيق في الواقعة أو تحريك اتهامات ضدهما. وقد وردت عدة شكاوى من عدد من العاملات بالمؤسسة بخصوص تعرضهن للتعنيف اللفظي والتوبيخ الدائم من قبل أحد الأشخاص القياديين بالمؤسسة بشكل متكرر.

الشكاوى التي حققت فيها اللجنة:

تسلمت اللجنة شكاوى في أربع وقائع طلبت الشاكيات والشاكين التحقيق فيها، واعتبرت اللجنة أن هذه الوقائع تدخل في نطاق عملها وصلاحيتها. وقد طلبت المبلغات والمبلغون في ثلاث من هذه الوقائع عدم الإفصاح عن أسمائهن/أسمائهم أو عن تفاصيل الوقائع التي قمن بالإدلاء بها أمام اللجنة، على أن تصدر التوصيات وقرارات الإدانة في هذه الوقائع داخلياً في حالة ثبوتها. أما عن الواقعة الرابعة فهي التي وردت بشأنها شكوى من العاملة السابقة بالمؤسسة أمنية فراج ضد المدير التنفيذي السابق للمؤسسة محمد الطاهر، حيث اتهمته أمنية بتعنيفها لفظيًا أثناء تعامله مع واشرافه على التحقيقات في واقعة تحرش جنسي تعرضت لها أمنية على يد أحد العاملين في المؤسسة عام 2018. كما تم اقصاء أمنية وزميلة لها في المؤسسة من المشاركة في وضع سياسة التحرش الجنسي بعد هذه الواقعة. وبعد السماع لأقوال الشاكية والشهود والعديد من الموظفين الذين شاركوا مع اللجنة العديد من المواقف التي تعامل معهم فيها محمد الطاهر بالترهيب والصراخ الكثير والنهر الدائم، وبعد التأكد من أن هذا التعنيف اللفظي كان أحيانا يوجّه لبعض النساء بصورة خاصة ومن ثم اتخذ صورة تمييزية على أساس النوع، قررت لجنة تقصي الحقائق إدانة محمد الطاهر بالتعنيف اللفظي.

وللمزيد من المعلومات عن واقعة التعنيف اللفظي، تشهد اللجنة على مصداقية رصد أمنية فراج للواقعة التي نشرتها علنًا بتاريخ 9 يوليو 2020.[1]

قرارات اللجنة

وبناء على كل ما تقدم من واقع المقابلات والتحقيقات التي أجرتها، فقد أصدرت لجنة تقصي الحقائق القرارات الآتية:

  1. صياغة وتبني سياسة مناهضة التحرش الجنسي وجميع أشكال العنف القائم على النوع في مكان العمل، ومناهضة التمييز، على أن تنتهي صياغة هذه السياسة قبل نهاية شهر أبريل 2021 على حد أقصى، وأن تكون هذه السياسة من بين الأوراق الرسمية التي يوقّع عليها كل العاملين والعاملات بالمؤسسة مع عقود العمل كي يلتزموا بها كأحد شروط العمل في المؤسسة.
  2. على مؤسسة حرية الفكر والتعبير إنشاء آلية داخلية دائمة من عدد من العاملين لتلقي الشكاوى والتحقيق في الوقائع المتعلقة بالعنف أو التمييز على أساس النوع الاجتماعي أو التجاوزات الإدارية بما يحفظ خصوصية العاملات والعاملين، على أن تعرض التحقيقات الداخلية ذات الصلة بالعنف أو التمييز على أساس النوع الاجتماعي على إحدى الخبيرات في مجال قضايا النوع الاجتماعي من خارج فريق عمل المؤسسة للإشراف على الإجراءات التي تتم في هذا النوع من التحقيقات، وتحدد السياسة الداخلية لمكافحة العنف الجنسي الترتيبات العملية لهذا الأمر. ويحق للخبيرة الخارجية تلقي الشكاوى مباشرة وبشكل سري من العاملين والعاملات وللخبيرة سلطة التعامل مع الشكاوى بالطريقة التي تراها الأنسب.
  3. يكون شغل كل الوظائف الخالية عن طريق إعلانات عامة وليس عن طريق الترقي.
  4. ألا يقل تمثيل النساء داخل الهيئة التنفيذية “والتي تشمل المدير التنفيذي ومديري الوحدات” عن ٤٠% من إجمالي أعضاء الهيئة التنفيذية.
  5. على إدارة المؤسسة صياغة وإقرار سياسة مالية تتضمن سياسة المشتريات، سياسات صرف النقدية وتسوية العهد…إلخ، وسياسة للموارد البشرية تتضمن شروط التعيين، الإجازات، المكافآت، الجزاءات والعقوبات، آليات شكاوى العاملين/ات في المؤسسة، وآليات التقييم الدوري للعاملين/ات في المؤسسة بما فيها أفراد الإدارة التنفيذية، وكذلك إتاحة فرص التدريب والتطوير العلمي للعاملين والعاملات بالمؤسسة من خلال السفر وحضور المؤتمرات والتدريبات وكذلك دعم بناء القدرات من جانب المؤسسة، على أن يتم تعليق هذه السياسات في مكان مرئي داخل المؤسسة حتى يكون الجميع على إطلاع دائم عليها.
  6. منع المدراء التنفيذيين السابقين للمؤسسة من تولي أية مناصب في المسؤولية القانونية للمؤسسة أو في مجلس الأمناء الاستشاري.
  7. على مؤسس مؤسسة حرية الفكر والتعبير ومديرها التنفيذي الأسبق وممثلها القانوني لعدة سنوات عماد مبارك، تقديم اعتذار مكتوب علني[2]، بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن المؤسسة ككيان اعتباري، لكل العاملات والعاملين السابقات/ين والحاليات/ين بالمؤسسة، عن عدم تبني سياسة مكافحة العنف الجنسي طوال السنوات الماضية وعن غياب سياسات واضحة للمحاسبة والشفافية ولوائح إدارية فعالة.
  8. يقدم المدير التنفيذي السابق محمد الطاهر اعتذارا علنيًا مكتوبا لكافة العاملات/ين في مؤسسة حرية الفكر والتعبير اللاتي عملن/الذين عملوا أثناء فترة إدارته عن وقائع التعنيف اللفظي التي تعرضن/وا لها على يده.
  9. يقدم المدير التنفيذي السابق محمد الطاهر اعتذارًا علنيًا للعاملة السابقة بالمؤسسة أمنية فراج عن العنف اللفظي الذي بدر منه في حقها في أكثر من اجتماع جمع بينهما اثناء تعامله مع شكوى تحرش جنسي تقدمت بها أمنية ضد أحد العاملين بالمؤسسة عام 2018.
  10. صياغة وإقرار لائحة واضحة لدور مجلس الأمناء بالمؤسسة، متضمنة الحالات التي يمكن فيها لجوء العاملين أو العاملات في المؤسسة إليه بصورة مباشرة، وأن يطلع عليها كافة العاملات والعاملين بالمؤسسة.
  11. تعيين خبير/ة في فض النزاعات الداخلية وخاصة التي تحدث في مكان العمل لتحسين مناخ المؤسسة العام وإيجاد طرق لحل الأزمات الواقعة في فريق العمل الحالي ومساعدته على تخطيها حتى يعود دولاب العمل إلى مستوى الإنتاجية المطلوب، دون عرقلة ناجمة عن توتر العلاقات داخل بيئة العمل.
  12. الفصل الكامل بين ما يتم من أعمال محاماة خاصة بالمؤسسة بموجب تعاقد المحامين مع المؤسسة من جهة والأعمال الشخصية الخاصة بالمحامين أنفسهم أو بمكاتبهم/ن الخاصة إن وجدت من جهة أخرى.
  13. على مؤسسة حرية الفكر والتعبير تلقي طلبات جبر ضرر الناجيات وضحايا الانتهاكات الجنسية التي تعرضن لها على يد أي من العاملين بالمؤسسة في سياق عملهن أو تطوعهن بالمؤسسة، على أن تقوم بدراسة هذه الطلبات والتفاعل معها بشكل إيجابي ومناقشتها مع الضحايا والناجيات ومجلس الأمناء وإصدار قرارات فيها وفقًا لإمكانيات المؤسسة.

ملحق

تعريفات للمصطلحات التي اعتمدتها اللجنة

  • التجاوزات الإدارية: استخدمت اللجنة تعبير “التجاوزات الإدارية” من أجل توصيف كل الشكاوى والمشكلات التي تنمّ عن إخلال بقيم المهنية والاحترافية، وكل الشكاوى أو الأفعال التي تتجاوز قواعد العمل الإدارية التي تشمل على سبيل المثال المعاملات غير المهنية التي تسيء إلى العاملين والعاملات بالمؤسسة مثل التعنيف اللفظي الموجّه لعموم العاملين/العاملات وليس الموجّه للنساء والأطراف ذوي الهويات الجندرية المتنوعة (لأن هذا النوع من التعنيف يصنّف كانتهاك أو عنف قائم على النوع)، كذلك التجاوزات المرتبطة بالإدارة المالية لموارد المؤسسة، والأفعال التي أخلّت بسير العمل داخل المؤسسة مثل التجاوزات المتعلقة بتعاملات زملاء وزميلات العمل مع بعضهم البعض وتجاوزهم حدود الاحترافية في تعاملاتهم اليومية.
  • التنمّر والتحرّش في أماكن العمل: يعرّف موقع الحكومة البريطانية التحرش والتنمّر في أماكن العمل بأنه سلوك من شأنه أن يُشعر الفرد بالترهيب أو الإهانة في مكان العمل، وبعض الأمثلة لمثل هذا السلوك تتضمن نشر شائعات مغرضة عن فرد ما، المعاملة غير العادلة، التسفيه المستمر من شأن الأشخاص، وحرمان الأفراد من فرص التدريب والترقي ويمكن أن يحدث سلوك التنمر والتحرش في مكان العمل عن طريق البريد الالكتروني، الهاتف، وجها لوجه، ومن خلال المخاطبات[3].
  • العنف الجنسي (تعريف منظمة الصحة العالمية)[4]: العنف الجنسي يعني ‘أي علاقة جنسية، أو محاولة للحصول على علاقة جنسية، أو أيّة تعليقات أو تمهيدات جنسية، أو أيّة أعمال ترمي إلى الاتجار بجنس الشخص أو أعمال موجّهة ضدّ جنسه باستخدام الإكراه بقترفها شخص آخر مهما كانت العلاقة القائمة بينهما وفي أيّ مكان. ويشمل العنف الجنسي الاغتصاب، الذي يُعرّف بأنّه إدخال القضيب، أو أي جزء من الجسد أو أداة خارجية أخرى، في الفرج أو الشرج بالإجبار أو الإكراه’.
  • الاغتصاب[5] (تعريف بعض المنظمات النسوية المصرية): الاغتصاب هو كل فعل نشأ عنه إيلاج أو إجبار على الإيلاج، سواء كان بالأعضاء الجنسية أو غيرها، أو بأي أداة أخرى، عبر المهبل أو الشرج، أو إيلاج عضو جنسي عبر الفم، مهما كان الإيلاج طفيفاً، ضد المجني عليه سواء كان ذكراً أو أنثى، بغير رضاه.
  • العنف القائم على النوع الاجتماعي والذي قد لا يتخذ طابعًا جنسيا ولكنه يشمل بطبيعة الحال الانتهاكات الجنسية أيضًا، وفقا لتعريف صندوق الأمم المتحدة للسكان كالآتي[6] (وهو التعريف المتاح أيضًا في قاعدة مصطلحات الأمم المتحدة): أي عمل من أعمال العنف البدني أو النفسي أو الاجتماعي (بما في ذلك العنف الجنسي) والذي يتم ممارسته أو التهديد بممارسته (مثل العنف أو التهديد أو القسر أو الاستغلال…)…ولا يكون للشخص المعرض للعنف المبني على أساس النوع الاجتماعي الخيار في الرفض أو الالتجاء إلى خيارات أخرى دون تبعات اقتصادية أو جسدية أو نفسية أو اجتماعية شديدة.
  • العاملين (الأفراد) ذوي الهويات الجندرية المتنوعة: يعرّف ويكي الجندر مفهوم الهوية الجندرية كالآتي ” هوية جندرية هي تجربة وإحساس الفرد الذاتية الداخلية حول جندره، ويمكن أن تتوافق أو تختلف مع الجنس المُعطى للفرد عند ولادته. تمتلك معظم المجتمعات مجموعة من التصنيفات الجندريةالتي تُستخدم كأساس لتكوين الهوية المجتمعية للفرد بالنسبة إلى أفراد آخرين من المجتمع. وهناك أيضًا خصائص جندرية ملزمة للذكور والإناث تنقسم من خلال الثنائية الجندرية. تضمن هذه الخصائص التوقعات المرتبطة بالذكورة والأنوثة في جميع النواحي ومنها: الهوية الجندرية. (بالإنجليزية: Gender Identity)”[7] وهو التعريف الذي استخدمت على أساسه اللجنة وصف الأفراد ذوي الهويات الجندرية المتنوعة في تقريرها.
[1] بوست أمنية فراج: https://www.facebook.com/omnia.farrag1/posts/3738935729467533
[2] قررت اللجنة أن تكون الاعتذارات العلنية منشورة على منصات التواصل الاجتماعي الرسمية لمؤسسة حرية الفكر والتعبير.
[3] موقع الحكومة البريطانية (ترجمة غير رسمية): https://www.gov.uk/workplace-bullying-and-harassment
[4]  منظمة الصحة العالمية: https://www.who.int/ar/news-room/fact-sheets/detail/violence-against-women
[5] ورقة تعريفية: الممارسات المختلفة من العنف الجنسي ضد النساء، نظرة للدراسات النسوية، 15 يناير 2014: http://www.nazra.org/node/283
[6] الاستراتيجية الإقليمية لصندوق الأمم المتحدة للسكان لمناهضة العنف المبني على النوع الاجتماعي في المنطقة العربية (2014-2017): https://arabstates.unfpa.org/sites/default/files/pub-pdf/2013_ArabGBVStrategy_Arabic.pdf
[7] ويكي الجندر: هوية جندرية - ويكي الجندر (genderiyya.xyz).