الصحفيون من التحقيق إلى المحاكمة
(دراسة حالة)
المحتوى
منهجية
مقدمة
تمهيد: السياق العام المرتبط بالإحالة إلى المحاكمة
أولًا: الإطار القانوني الناظم لبدء المحاكمة
ثانيًا: قضايا الصحفيين في مرحلة التحقيق
ثالثًا: الإحالة إلى المحاكمة وأثرها على المركز القانوني للصحفيين
خاتمة وتوصيات
منهجية
اعتمدت هذه الورقة على منهج دراسة الحالة بهدف تحليل انتقال أربعة من قضايا الصحفيين من مرحلة التحقيق إلى مرحلة المحاكمة، من خلال تتبع المسار الإجرائي لكل قضية، وتحليل ما إذا كانت الإحالة قد أحدثت تغيرًا فعليًا في المركز القانوني للصحفيين، أو في ضمانات الدفاع، أو في أوضاع احتجازهم بعد انتقال القضايا إلى محكمة الموضوع. وتتناول الورقة أربع قضايا لصحفيين أُحيلوا إلى المحاكمة، هي قضايا خالد ممدوح، وحمدي الزعيم، وأشرف عمر، وياسر أبو العلا. واختيرت هذه الحالات لأنها تمثل قضايا انتقلت بالفعل من مرحلة التحقيق إلى المحاكمة، بما يتيح تتبع الآثار القانونية والإجرائية المترتبة على هذا الانتقال.
كما اعتمدت الورقة على مقابلات شبه مهيكلة مع خمسة من محامي القضايا محل الدراسة، أُجريت عن بُعد عبر أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي خلال شهري يونيو ويوليو 2026، إلى جانب التواصل مع عدد من أفراد أسر الصحفيين. وتناولت المقابلات مسار كل قضية منذ القبض وحتى الإحالة إلى المحاكمة، وطبيعة التحقيقات، وتطور الاتهامات، وإجراءات تجديد الحبس، وأثر الإحالة على أوضاع الصحفيين وضمانات الدفاع، بالإضافة إلى تقييم المحامين لما إذا كانت الإحالة قد أحدثت تغيرًا عمليًا في مراكز موكليهم القانونية.
وإلى جانب المقابلات، اعتمدت الورقة على مراجعة وتحليل مجموعة من المصادر القانونية والحقوقية. وشمل ذلك النصوص التشريعية المنظمة للحبس الاحتياطي والإحالة إلى المحاكمة، وفي مقدمتها قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950، وقانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، والدستور المصري، إلى جانب عدد من المعايير الدولية ذات الصلة بالحق في الحرية والمحاكمة العادلة، خاصة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والتعليق العام رقم (35) الصادر عن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان.
مقدمة
شهد عاما 2025 و 2026 موجة واسعة من إحالة عدد من قضايا أمن الدولة العليا إلى المحاكم الجنائية، بعد سنوات متفاوتة من الحبس الاحتياطي، شملت عددًا من الصحفيين الذين ظلوا رهن الاحتجاز لفترات طويلة قبل انتقال قضاياهم إلى مرحلة المحاكمة. ولم تحظ مرحلة ما بعد الإحالة إلى المحاكمة بقدر كاف من الدراسة والتحليل، وهو ما تحاول هذه الورقة تحقيقه.
وتنقل قرارات الإحالة قضايا الصحفيين إلى مرحلة مختلفة يفترض أن تتغير فيها الجهة المختصة بنظر القضية، وأن تتسع فيها ضمانات الدفاع، وأن تخضع قرارات استمرار الاحتجاز لرقابة محكمة الموضوع. غير أن انتقال الدعوى إلى المحكمة لا يعني بالضرورة تحقق هذه الآثار في التطبيق العملي، وهو ما يطرح تساؤلًا حول مدى انعكاس الإحالة على المركز القانوني للصحفيين المحبوسين.
وجاءت إحالة قضايا الصحفيين محل هذه الورقة في سياق موجة أوسع من إحالات قضايا نيابة أمن الدولة العليا إلى المحاكم الجنائية، والتي بدأت بصورة ملحوظة منذ أواخر عام 2024. ووفقًا لرصد نشره موقع “زاوية ثالثة”، أحالت نيابة أمن الدولة العليا 138 قضية إلى المحاكمة خلال الفترة من أكتوبر 2024 وحتى يناير 2025، شملت أكثر من ثمانية آلاف متهم، ووصف الموقع هذه الإحالات بأنها الأكبر من نوعها منذ عام 2013. كما توزعت القضايا المحالة على سنوات مختلفة بين 2017 و2024، بما يشير إلى أن هذه الموجة شملت التصرف في عدد من القضايا التي ظلت قيد التحقيق لفترات ممتدة. وفي هذا السياق الأوسع، جاءت إحالة عدد من قضايا الصحفيين التي تتناولها هذه الورقة.[1]
لذلك، تستعرض الورقة السياق الذي جاءت فيه موجة إحالة قضايا الصحفيين إلى المحاكمة، ثم تتناول الإطار القانوني المنظم للانتقال من مرحلة التحقيق إلى مرحلة المحاكمة، قبل أن تحلل أربع قضايا لصحفيين أُحيلوا إلى المحاكمة.
تمهيد: السياق العام المرتبط بالإحالة إلى المحاكمة
ظل ملف الصحفيين المحبوسين حاضرًا على أجندة المنظمات الحقوقية ونقابة الصحفيين على مدار السنوات الأخيرة. وفي هذا السياق، رصدت مؤسسة حرية الفكر والتعبير وجود ما لا يقل عن 16 صحفيًا محبوسًا احتياطيًا، تجاوز بعضهم عامين دون الإحالة إلى المحاكمة، إلى جانب استخدام ما يعرف بـ”إعادة التدوير” لإبقاء بعض الصحفيين رهن الاحتجاز على ذمة قضايا جديدة. وانصبت مطالب نقابة الصحفيين والمنظمات الحقوقية على إنهاء الحبس الاحتياطي المطول والإفراج عن الصحفيين، باعتبار أن الأزمة الأساسية تمثلت في استمرار التحقيقات لسنوات دون الوصول إلى مرحلة المحاكمة.[2]
وامتدت بعض القضايا التي بدأت خلال الفترة من 2020 إلى 2024 إلى سنوات دون حسم، فيما ظل صحفيون رهن الحبس الاحتياطي على ذمة التحقيقات. وفي بعض الحالات، فصلت عدة سنوات بين القبض على الصحفي وإحالته إلى المحاكمة. ومع عام 2025، شهد هذا المسار تحولًا مع إحالة عدد من هذه القضايا المعلقة إلى المحاكم الجنائية.
لم يعد الملف يقتصر على صحفيين محبوسين على ذمة التحقيق، وإنما أصبح يشمل أيضًا صحفيين أُحيلت قضاياهم إلى محاكم الجنايات.[3] ولم يكن هذا التحول في مسار القضايا منفصلًا عن البيئة القانونية التي جرت في ظلها ملاحقة الصحفيين خلال السنوات الأخيرة، والتي أتاحت التعامل مع وقائع مرتبطة بالنشر والتعبير من خلال نصوص قانونية تتجاوز نطاق جرائم النشر التقليدية. وفي هذا السياق، اعتمدت ملاحقة عدد من الصحفيين على توجيه اتهامات مثل “الانضمام إلى جماعة إرهابية”، و”نشر أخبار وبيانات كاذبة”، و”إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي”.
ويكشف ذلك عن تعارض في الإطار القانوني المنظم لهذه الوقائع؛ فرغم أن الدستور المصري يحظر، كأصل عام، توقيع عقوبات سالبة للحرية في الجرائم التي تقع بطريق النشر أو العلانية، لا تزال نصوص متفرقة في قوانين العقوبات ومكافحة الإرهاب وجرائم تقنية المعلومات تتيح الحبس في وقائع قد يكون جوهرها نشر رأي أو معلومة أو مادة صحفية. وتكمن أهمية هذه النصوص في أنها تسمح بإعادة توصيف الفعل الصحفي خارج نطاق جرائم النشر، وربطه باتهامات تتعلق بالأمن القومي أو الإرهاب أو نشر أخبار كاذبة، بما يفتح الطريق أمام الحبس الاحتياطي ثم الإحالة إلى المحاكم الجنائية.
ويأتي ذلك في سياق عام متراجع لحرية الصحافة، إذ وضعت منظمة “مراسلون بلا حدود” مصر في المرتبة 169 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026،[4] وأشارت إلى تدهور المؤشر القانوني واستخدام تشريعات الأمن القومي ومكافحة الإرهاب في تقييد العمل الصحفي. وفي مواجهة هذا التحول، لم تتوقف مطالب نقابة الصحفيين عند صدور قرارات الإحالة. ففي يناير 2025، تقدم نقيب الصحفيين المصري، خالد البلشي، بمذكرة إلى النائب العام طالب فيها بالإفراج عن الصحفيين المحبوسين احتياطيًا، خاصة من تجاوزوا الحد الأقصى للحبس الاحتياطي، وذلك استكمالًا لمخاطبات سابقة وجهتها النقابة إلى الجهات المعنية. مع استعداد النقابة لضمان مثولهم أمام المحكمة.[5]
كما عقدت لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، في 27 فبراير من العام نفسه، اجتماعًا مع عدد من أسر الصحفيين المحبوسين لبحث أوضاعهم وسبل دعمهم والمطالبة بالإفراج عنهم، وشارك في الاجتماع أفراد من أسرتي أشرف عمر وحمدي الزعيم، وهما من الحالات التي تتناولها هذه الورقة.[6] وشملت تحركات النقابة كذلك متابعة بعض الحالات بصورة فردية. ففي حالة ياسر أبو العلا، تقدمت النقابة ببلاغ إلى النائب العام عقب القبض عليه واختفائه في مارس 2024، طالبت فيه بالكشف عن مكانه وتمكين أسرته من زيارته والسماح لمحاميه بالتواصل معه.
وعلى مستوى ملف الصحفيين المحبوسين بوجه عام، أكدت لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، في يوليو 2024، بأن اللجنة تلقت شكاوى من أسر صحفيين محبوسين وتواصلت بشأنها مع النائب العام، وأن بعض هذه الشكاوى جرى حلها، بينما ظل بعضها الآخر دون حل.[7] واستمر الموقف نفسه خلال عام 2026، حين أكدت النقابة أن إحالة أغلب القضايا إلى المحاكمة لا تلغي حقها في المطالبة بإخلاء سبيل الصحفيين ومحاكمتهم وهم خارج أماكن الاحتجاز. وتشير هذه التحركات إلى أن دور النقابة في ملف الصحفيين المحبوسين شمل إصدار البيانات والمطالبة بالإفراج، كما شمل مخاطبة الجهات القضائية، والتواصل مع أسر بعض الصحفيين، والتدخل في بعض الحالات للمطالبة بضمان التواصل مع الدفاع.[8]
أولًا: الإطار القانوني الناظم لبدء المحاكمة
يمر سير الدعوى الجنائية في القانون المصري بمرحلتين رئيسيتين: مرحلة التحقيق، ثم مرحلة المحاكمة. ويترتب على أمر الإحالة انتهاء مرحلة التحقيق وانتقال الدعوى إلى مرحلة المحاكمة، بحيث تنتقل القضية من سلطة التحقيق إلى محكمة الموضوع. ولا يقتصر هذا الانتقال على تغيير الجهة المختصة بنظر الدعوى، وإنما يترتب عليه تغير في طبيعة الإجراءات والضمانات التي تحكم مرحلة المحاكمة. ففي مرحلة التحقيق يكون الهدف جمع الأدلة وتحديد ما إذا كانت الدعوى صالحة للمحاكمة، بينما تقوم مرحلة المحاكمة على مناقشة هذه الأدلة في مواجهة علنية بين سلطة الاتهام والدفاع، وصولًا إلى الفصل في الاتهام بحكم قضائي.[9]
ويكتسب هذا الانتقال أهمية خاصة في ضوء موجة إحالة عدد من قضايا الصحفيين إلى المحاكمة خلال عامي 2025 و2026، إذ لم يعد الجدل يدور حول مشروعية الحبس الاحتياطي أو مدته فقط، وإنما امتد إلى ما إذا كانت الإحالة قد أحدثت أثرًا فعليًا في المركز القانوني للصحفيين، أم استمر الاحتجاز و القيود الإجرائية بعد انتقال الدعوى إلى المحكمة.
وتخضع الوقائع محل “البحث” لقانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950، باعتباره القانون الساري وقت القبض على الصحفيين والتحقيق معهم وإحالتهم إلى المحاكمة.[10] أما قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025، فقد تم تأجيل العمل به ليبدأ في الأول من أكتوبر 2027، ومن ثم لا يسري على هذه الوقائع.
وبالنسبة للصحفيين، لا يقتصر الإطار القانوني المنظم لهذه المرحلة على قانون الإجراءات الجنائية وحده. فقد نصت المادة (41) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 على حظر الحبس الاحتياطي في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو وسائل الإعلام، باستثناء الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في أعراض الأفراد. ويعكس هذا النص توجهًا تشريعيًا يقوم على أن الأصل في قضايا النشر هو محاسبة الصحفي دون اللجوء إلى الحبس الاحتياطي.[11] إلا أن الوقائع محل البحث لم تُحقق باعتبارها جرائم نشر فقط، وإنما اقترنت باتهامات أخرى، مثل الانضمام إلى جماعة إرهابية أو تمويلها أو المشاركة في تحقيق أغراضها، وهو ما أخرجها عمليًا من نطاق الضمانات الخاصة التي قررها قانون تنظيم الصحافة والإعلام، وأخضعها للإجراءات المطبقة في قضايا أمن الدولة.
ويترتب على انتقال الدعوى إلى المحكمة أثر آخر يتعلق باستمرار الحبس الاحتياطي. فبمجرد صدور أمر الإحالة، لا يبقى قرار الحبس خاضعًا لسلطة التحقيق، وإنما ينتقل النظر فيه إلى المحكمة المختصة التي ستباشر نظر الدعوى. ولهذا أوجبت المادة (143)،[12] من قانون الإجراءات الجنائية أنه إذا صدر أمر الإحالة قبل انتهاء مدة الحبس الاحتياطي، تعرض النيابة أمر الحبس على المحكمة المختصة خلال خمسة أيام من إعلان أمر الإحالة، وإلا وجب الإفراج عن المتهم. ويعني ذلك أن استمرار الحبس بعد الإحالة لا يتم تلقائيًا، وإنما يخضع لرقابة المحكمة المختصة.[13]
إلا أن التطبيق العملي لهذا النص أثار خلافًا قانونيًا يتعلق بحدود سلطة المحكمة بعد الإحالة. فبينما تنظم المادة (143)، [14]انتقال النظر في الحبس إلى المحكمة، تمنح المادة (380)،[15] لمحكمة الجنايات سلطة الأمر بالقبض على المتهم أو حبسه احتياطيًا أو الإفراج عنه أثناء نظر الدعوى. وقد ثار خلاف حول العلاقة بين النصين؛ إذ اتجه رأي إلى أن المحكمة، بعد الإحالة، تمارس سلطتها في الحبس استنادًا إلى المادة (380)، بينما رأى اتجاه آخر أن هذه السلطة تظل مقيدة بالضوابط والحدود الزمنية التي قررتها المادة (143)، لأن الحبس الاحتياطي يظل إجراءً سابقًا على صدور حكم بالإدانة، ولا تتغير طبيعته القانونية بمجرد انتقال القضية إلى المحكمة.[16]
ولا يقتصر أثر هذا الخلاف على تفسير النصوص، بل يمتد إلى حدود رقابة المحكمة على استمرار الحبس بعد الإحالة. فانتقال الدعوى إلى المحكمة لا ينشئ في ذاته مبررًا جديدًا لاستمرار الاحتجاز، وإنما يظل الحبس خاضعًا لمبرراته القانونية ورقابة المحكمة المختصة.[17]
ويتفق ذلك مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة. فتنص المادة (9)، [18]من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن الأصل هو محاكمة المتهم وهو طليق، وأن الحرمان من الحرية قبل صدور الحكم يجب أن يظل استثناءً تبرره ضرورة حقيقية، مع كفالة الحق في المحاكمة خلال مدة معقولة أو الإفراج إلى حين الفصل في الدعوى. كما يؤكد التعليق العام رقم (35) للجنة المعنية بحقوق الإنسان أن استمرار الاحتجاز لا يجوز أن يكون نتيجة تلقائية لطول الإجراءات أو انتقال القضية من مرحلة إلى أخرى، وإنما يجب أن يستند في كل مرة إلى أسباب محددة يمكن للمحكمة مراجعتها.[19]
كما لا تتعلق الضمانات المترتبة على الإحالة بالحبس وحده، وإنما تمتد إلى حقوق الدفاع. فمع انتقال الدعوى إلى محكمة الموضوع، يصبح من المفترض أن يتمكن الدفاع من الاطلاع على ملف القضية وأدلة الاتهام قبل بدء المحاكمة بوقت كاف، وأن تتوافر له فرصة حقيقية لإعداد مرافعته ومناقشة أدلة الإثبات أمام المحكمة. ويؤكد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، في المادة (14)،[20] هذا الحق باعتباره أحد المقومات الأساسية للمحاكمة العادلة.
ولا يغير من هذا التحليل صدور قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025، إذ لا يسري على الوقائع محل الدراسة التي خضعت جميعها لقانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950. ومع ذلك، أدخل القانون الجديد عددًا من التعديلات على تنظيم الحبس الاحتياطي مقارنة بالقانون القائم، من بينها خفض الحد الأقصى لمدة الحبس الاحتياطي من ستة إلى أربعة أشهر في الجنح، ومن ثمانية عشر إلى اثني عشر شهرًا في الجنايات، ومن سنتين إلى ثمانية عشر شهرًا في الجرائم المعاقب عليها بالسجن المؤبد أو الإعدام. كما نظم القانون تدابير يمكن اتخاذها بدلًا من الحبس الاحتياطي، واستحدث تنظيمًا للتعويض عن الحبس الاحتياطي في حالات محددة. وبذلك يعكس القانون الجديد اتجاهًا تشريعيًا نحو إعادة تنظيم بعض جوانب الحبس الاحتياطي والحد من مدده، رغم عدم سريانه على الحالات محل هذا البحث.[21]
كما تكشف الملاحظات التي أبدتها نقابة الصحفيين وعدد من المنظمات الحقوقية بشأن بعض نصوصه، ولا سيما ما يتعلق بضمانات الدفاع والاطلاع على أوراق الدعوى، أن الجدل لم يعد يقتصر على مشروعية الحبس الاحتياطي، وإنما امتد إلى الضمانات التي يفترض أن تصاحب الانتقال من التحقيق إلى المحاكمة.[22]
ويبين هذا الإطار أن الآثار القانونية للإحالة لا تقف عند انتقال الدعوى إلى المحكمة، وإنما تمتد إلى ما يفترض أن يصاحب ذلك من ضمانات تتعلق باستمرار الحبس وحقوق الدفاع وسير المحاكمة. وعلى هذا الأساس ينتقل المحور التالي إلى دراسة التطبيق العملي في القضايا محل البحث.
ثانيًا: قضايا الصحفيين في مرحلة التحقيق
في قضية خالد ممدوح، ألقي القبض عليه من منزله في 16 يوليو 2024، قبل أن يظهر أمام نيابة أمن الدولة العليا في 21 يوليو بعد انقطاع الاتصال به. كما كشفت المتابعة القانونية عن اختلاف بين تاريخ القبض الفعلي والتاريخ المثبت بمحضر الشرطة، إذ أثبت الأخير وقوع القبض بعد أربعة أيام من التاريخ الذي أكدته إفادات الأسرة والدفاع. وعقب ظهوره، جرى التحقيق معه على ذمة القضية رقم “1282 لسنة 2024 حصر نيابة أمن الدولة العليا”، ووجهت إليه النيابة اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية، ارتكاب إحدى جرائم تمويل جماعة إرهابية، ونشر أخبار وبيانات كاذبة. وقررت حبسه احتياطيًا لمدة 15 يومًا على ذمة التحقيقات، قبل أن يتواصل تجديد حبسه على ذمة القضية.[23]
وسلكت قضية أشرف عمر مسارًا إجرائيًا قريبًا، إذ ألقي القبض عليه من منزله في 22 يوليو 2024، قبل ظهوره أمام نيابة أمن الدولة العليا بعد نحو يومين، حيث جرى التحقيق معه على ذمة القضية رقم “1568 لسنة 2024 حصر أمن الدولة العليا”. ووجهت إليه خلال مرحلة التحقيق اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية، ونشر أخبار وبيانات كاذبة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن يتواصل تجديد حبسه احتياطيًا على ذمة القضية.[24]
وبعد نحو 16 شهرًا من الحبس الاحتياطي، صدر في 15 نوفمبر 2025 قرار بإحالته إلى المحاكمة الجنائية. وقيدت الدعوى بعد الإحالة برقم “11846 لسنة 2025 جنايات التجمع الخامس”، والمقيدة برقم “2240 لسنة 2025 كلي القاهرة الجديدة”، وبرقم “1568 لسنة 2024 حصر أمن الدولة”. كما تغير نطاق الاتهامات الواردة في أمر الإحالة. إذ أسقطت الاتهامات السابقة المتعلقة بالانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وأحيل أشرف باتهامي “مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها” و”ارتكاب جريمة من جرائم تمويل الإرهاب بالأموال والبيانات والمعلومات”، وفق ما أعلن محاميه خالد علي.[25]
أما حمدي الزعيم، فقد أعيد القبض عليه في يناير 2021 عقب سنوات من قضية سابقة كان قد أخلي سبيله فيها مع إخضاعه لتدابير احترازية. ووفقًا لإفادة أحد أفراد أسرته، تعرض للاختفاء القسري لمدة اثني عشر يومًا قبل ظهوره أمام نيابة أمن الدولة العليا،حيث جرى التحقيق معه على ذمة القضية رقم “955 لسنة 2020 حصر أمن دولة عليا”، التي وجهت إليه اتهامات الانضمام إلى جماعة إرهابية والاشتراك في اتفاق جنائي الغرض منه ارتكاب جريمة إرهابية. وقررت حبسه احتياطيًا. واستمر تجديد حبسه على ذمة القضية حتى تجاوز عامين من الحبس الاحتياطي في يناير 2023، دون إخلاء سبيله، قبل أن يُحال إلى المحاكمة في 5 يناير 2025، بعد نحو أربع سنوات من الحبس الاحتياطي.[26]
وفي قضية ياسر أبو العلا، ألقي القبض عليه من منزله في 10 مارس 2024، قبل أن يتعرض للاختفاء القسري لمدة شهر كامل، وهي أطول مدة اختفاء بين الحالات الأربع وفقًا لإفادة الدفاع. وبعد ظهوره أمام نيابة أمن الدولة العليا، وجرى التحقيق معه على ذمة القضية رقم “1568 لسنة 2024 حصر أمن دولة عليا” وجهت إليه اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية، ونشر أخبار كاذبة، واستخدام أحد المواقع الإلكترونية لارتكاب الجريمة، وقررت حبسه احتياطيًا. واستمر تجديد حبسه على ذمة القضية حتى إحالته إلى المحاكمة الجنائية خلال عام 2025، وقيدت القضية بعد الإحالة برقم “11846 لسنة 2025 جنايات التجمع الخامس”. كما صدر ضده لاحقًا حكم غيابي بالسجن المؤبد في قضية أخرى، رغم كونه محبوسًا بالفعل على ذمة القضية محل الدراسة، وهو ما يعكس خصوصية هذه الحالة دون أن يغير من مسارها الإجرائي الأساسي.[27]
تكشف الحالات الأربع أن الاختلافات بين الوقائع لم تغير من البناء الإجرائي العام الذي سبق إحالة الصحفيين إلى المحاكمة. ففي جميع القضايا بدأت الملاحقة بالقبض، أعقبها في ثلاث حالات انقطاع الاتصال بالمقبوض عليهم أو تعرضهم للاختفاء القسري لفترات متفاوتة، قبل ظهورهم أمام نيابة أمن الدولة العليا والتحقيق معهم على ذمة قضايا تضمنت اتهامات متقاربة، كان أبرزها الانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار أو بيانات كاذبة، ثم صدور قرارات بحبسهم احتياطيًا. ويكتسب هذا التشابه أهميته لأنه يبين أن الإحالة إلى المحاكمة لم تكن نقطة البداية في مسار الملاحقة، وإنما جاءت في مرحلة متأخرة من إجراءات بدأت منذ لحظة القبض.
– الحبس الاحتياطي قبل الإحالة
لا يهدف هذا الجزء إلى تقييم مشروعية الحبس الاحتياطي في ذاته، وإنما إلى تتبع العلاقة بين استمرار احتجاز الصحفيين واستمرار التحقيقات التي بررت هذا الاحتجاز قبل إحالة القضايا إلى المحاكمة. فالحبس الاحتياطي، بوصفه أحد إجراءات التحقيق، يفترض أن يرتبط بتطور إجراءات التحقيق وجمع الأدلة. ومن ثم، يصبح من المهم بحث ما إذا كانت التحقيقات استمرت طوال فترة الحبس، أم أن الاحتجاز امتد بينما ظلت التحقيقات في حالة جمود نسبي.
وتكشف الحالات الأربع عن نمط متقارب؛ إذ اقتصرت التحقيقات الموضوعية، في أغلبها، على جلسة التحقيق الأولى التي أعقبت ظهور الصحفيين أمام نيابة أمن الدولة العليا، بينما انحصرت الإجراءات اللاحقة في جلسات تجديد الحبس الاحتياطي على مدى أشهر، وفي بعض الحالات سنوات، قبل صدور قرارات الإحالة إلى المحاكمة.
ففي قضية خالد ممدوح، أفاد المحامي مختار منير بأنه لم يخضع لأي تحقيقات موضوعية جديدة بعد جلسة التحقيق الأولى، وأن الإجراءات اللاحقة اقتصرت على تجديد الحبس حتى صدور أمر الإحالة في نوفمبر 2025. وأضاف أن الدفاع، بعد اطلاعه على أوراق القضية عقب بدء المحاكمة، لم يجد – بحسب تقديره – أدلة جديدة بخلاف تحريات قطاع الأمن الوطني، التي يرى الدفاع أنها لا تكفي وحدها كدليل على الاتهامات الموجهة، وهو ما استند إليه في الدفع بعدم كفاية الأدلة وطلب إخلاء سبيله. كما يرى منير أن إحالة القضية لا ترتبط، في هذه الحالة، بقرب بلوغ الحد الأقصى للحبس الاحتياطي، وإنما تعكس توجهًا أوسع نحو إحالة عدد من قضايا أمن الدولة إلى المحاكمة.
وفي قضية ياسر أبو العلا، قدم الدفاع وصفًا قريبًا للمسار نفسه، مشيرًا إلى أن التحقيقات لم تشهد تطورًا ملحوظًا بعد جلسة التحقيق الأولى، بينما استمرت قرارات تجديد الحبس حتى صدور أمر الإحالة. إلا أن الدفاع يختلف في تفسير توقيت الإحالة، إذ يرجح ارتباطها بقرب بلوغ الحد الأقصى للحبس الاحتياطي، مع التأكيد على أن هذا الترجيح لا يكفي، في حد ذاته، لإثبات علاقة سببية بين الأمرين.
أما قضية حمدي الزعيم، فتمثل الحالة الأطول بين القضايا محل الدراسة؛ إذ استمر حبسه الاحتياطي قرابة أربع سنوات قبل الإحالة إلى المحاكمة في يناير 2025. ووفقًا لإفادة الدفاع، لم تشهد هذه الفترة تحقيقات جوهرية جديدة، بينما ظلت طلبات إخلاء السبيل ترفض تباعًا رغم الاستناد إلى حالته الصحية وطول مدة الاحتجاز، بما جعل جلسات تجديد الحبس الإجراء الأكثر حضورًا في مسار القضية، حتى صدور أمر الإحالة.
وتكشف قضية أشرف عمر بعدًا مختلفًا نسبيًا؛ فبرغم أن مدة حبسه الاحتياطي كانت أقصر من بقية الحالات، فإن قرار الإحالة أعاد صياغة الاتهامات باستبعاد ثلاث منها والإبقاء على تهمة تمويل جماعة إرهابية، مع إضافة تهمة المشاركة في تحقيق أغراضها، وفقًا لما أعلنه الدفاع. ويشير ذلك إلى أن الإحالة لم تقتصر على نقل الدعوى إلى المحكمة، وإنما تضمنت إعادة تحديد نطاق الاتهام، دون أن ينعكس ذلك على وضعه من حيث استمرار الاحتجاز، الذي تواصل بعد الإحالة مع تأجيل نظر الدعوى أكثر من مرة، كان آخرها إلى أكتوبر 2026 لسماع ضابط التحريات.[28]
وتشير المقارنة بين الحالات الأربع إلى ملاحظتين أساسيتين. الأولى، أن استمرار الحبس الاحتياطي لم يقترن، في أغلب القضايا، باستمرار التحقيق بالوتيرة نفسها، إذ اقتصرت التحقيقات على بدايتها بينما استمرت قرارات تجديد الحبس لفترات طويلة. والثانية، أن اختلاف تفسير الدفاع لتوقيت الإحالة – بين من يربطه بسياسة أوسع لإحالة قضايا أمن الدولة، ومن يربطه بقرب بلوغ الحدود القصوى للحبس الاحتياطي – لا يغير من النتيجة المشتركة التي تكشفها الوقائع، وهي أن الإحالة جاءت بعد فترات احتجاز ممتدة لم تشهد، وفقًا لإفادات الدفاع، تطورًا مماثلًا في إجراءات التحقيق.
ولا تحسم هذه الملاحظات مدى سلامة الاتهامات أو كفاية الأدلة، إذ يظل ذلك من اختصاص محكمة الموضوع، لكنها تفسر الخلفية الإجرائية التي انتقلت منها القضايا إلى مرحلة المحاكمة. ومن ثم، فإن السؤال يصبح ما إذا كانت هذه الإحالة قد أحدثت، بعد سنوات من الحبس والتحقيق، تغيرًا فعليًا في المركز القانوني للصحفيين وضمانات دفاعهم، وهو ما يتناوله الجزء التالي.
ثالثًا: الإحالة إلى المحاكمة وأثرها على المركز القانوني للصحفيين
تظهر إفادات الدفاع في القضايا محل الدراسة أن أولى الإشكاليات التي صاحبت هذه المرحلة تمثلت في توقيت علم الدفاع بقرار الإحالة وتمكينه من الاطلاع على أوراق القضية. ففي قضية خالد ممدوح، أفاد المحامي مختار منير أن الدفاع لم يعلم بقرار الإحالة إلا عند إعلان موكله به، ولم يتمكن من استخراج صورة من ملف الدعوى إلا بعد انعقاد الجلسة الأولى للمحاكمة، الأمر الذي اضطره إلى طلب التأجيل للاطلاع وإعداد الدفاع. وأضاف أن مراجعة أوراق القضية، بعد الحصول عليها، لم تكشف – بحسب تقديره – عن أدلة مادية أو فنية جديدة تدعم الاتهامات، وإنما استندت بصورة أساسية إلى تحريات قطاع الأمن الوطني، وهو ما شكل محور دفوع الدفاع أمام المحكمة.
ويظهر نمط مشابه في قضية حمدي الزعيم. فوفقًا لإفادة الدفاع، لم يعلم فريق الدفاع بقرار الإحالة إلا عند حضور موكله إلى النيابة لإعلانه به، كما لم يحصل على صورة من ملف القضية إلا بعد انعقاد أولى جلسات المحاكمة. وخلال هذه المرحلة، استمرت طلبات إخلاء السبيل دون استجابة، بينما ظل حمدي الزعيم محبوسًا أثناء نظر الدعوى، رغم تمسك الدفاع بطول مدة احتجازه وحالته الصحية. كما أشار الدفاع إلى أنه لم يجد في ملف القضية أدلة مادية أو فنية جديدة تربط موكله بالاتهامات، وأن أمر الإحالة تضمن تعديلًا في أحد الاتهامات بإحلال تهمة “الاشتراك في اتفاق جنائي” محل اتهام ” نشر أخبار وبيانات كاذبة”، دون أن ينعكس ذلك على وضعه من حيث استمرار الاحتجاز.
وتدعم إفادة الدفاع في قضية ياسر ابو العلا النمط ذاته. فبحسب محاميه، لم يحصل الدفاع على صورة من أوراق القضية إلا بعد انعقاد الجلسة الأولى للمحاكمة، كما لم يترتب على الإحالة أي تغيير في وضع الصحفي من حيث استمرار احتجازه، إذ ظل محبوسًا بعد انتقال الدعوى إلى المحكمة. وأشار الدفاع كذلك إلى استمرار الصعوبات التي واجهت التواصل مع موكله أثناء جلسات المحاكمة المنعقدة داخل مجمع بدر، في ظل استخدام القفص الزجاجي، وهو ما انعكس – بحسب تقديره – على فعالية التواصل بين المتهم ومحاميه وإعداد الدفاع أثناء سير المحاكمة.
أما أشرف عمر، فتكشف قضيته جانبًا مختلفًا من آثار الإحالة. فعند إصدار أمر الإحالة، أعادت النيابة صياغة الاتهامات الموجهة إليه، واستبعدت عددًا من الاتهامات التي واجهته بها أثناء التحقيق، وأبقت على تهمة “تمويل جماعة إرهابية”، وأضافت تهمة “مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها”. ويعكس ذلك أن أمر الإحالة لا يقتصر على نقل الدعوى إلى المحكمة، وإنما يحدد أيضًا نطاق الاتهامات التي ستباشر المحكمة نظرها. ومع ذلك، لم يقترن هذا التعديل بأي تغير في وضعه من حيث الحرية، إذ استمر احتجازه بعد الإحالة، كما تأجلت جلسات محاكمته أكثر من مرة، كان آخرها إلى 12 أكتوبر 2026 لسماع ضابط التحريات، بما يعني أن انتقال الدعوى إلى المحكمة لم يؤدِ، في هذه الحالة أيضًا، إلى إنهاء القيود التي صاحبت مرحلة التحقيق.
ولا تستخلص أهمية هذه الوقائع من كل قضية على حدة، وإنما من المقارنة بينها. فعلى الرغم من اختلاف مدد الحبس، وطبيعة الاتهامات، وبعض الإجراءات الخاصة بكل قضية، تكشف الحالات الأربع عن ثلاثة مؤشرات مشتركة صاحبت الانتقال إلى المحاكمة.
أولها، أن الإحالة لم تقترن في أكثر من حالة بتمكين الدفاع من الاطلاع على ملف الدعوى قبل بدء المحاكمة، إذ لم يحصل محامو خالد ممدوح، وحمدي الزعيم، وياسر أبو العلا على صور من أوراق القضايا إلا بعد انعقاد الجلسة الأولى، وهو ما اضطرهم إلى طلب التأجيل للاطلاع وإعداد الدفاع. ويثير ذلك تساؤلات حول مدى تحقق الضمانات التي يفترض أن ترافق الانتقال إلى مرحلة المحاكمة، خاصة أن المادة (14/3/ب)،[29] من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تكفل لكل متهم “الوقت والتسهيلات الكافية لإعداد دفاعه”، كما يؤكد التعليق العام رقم (32) الفقرة رقم (33) الصادر عن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أن هذه الضمانة تقتضي تمكين الدفاع من الاطلاع على المواد التي تستند إليها سلطة الاتهام قبل بدء المحاكمة بوقت يسمح بإعداد دفاع فعال، لا أن يقتصر ذلك على ما بعد افتتاح جلسات المحاكمة.
ولا تقود هذه الملاحظات إلى القول إن الإحالة إلى المحاكمة كانت إجراءً شكليًا لا يترتب عليه أي أثر قانوني، إذ انتقل الاختصاص بالفعل من نيابة أمن الدولة العليا إلى محكمة الموضوع، وأصبحت الأخيرة هي الجهة المختصة بنظر الدعوى والفصل في طلبات إخلاء السبيل. غير أن المقارنة بين الحالات الأربع تشير إلى أن الانتقال القانوني للاختصاص لم يصاحبه، في أغلب الحالات، انتقال مماثل في المركز القانوني الفعلي للصحفيين. فقد ظل الصحفيون رهن الاحتجاز بعد الإحالة، وتأخر تمكين الدفاع من الاطلاع على أوراق الدعوى في أكثر من حالة، كما استمرت المحاكمات مع بقاء المتهمين محبوسين، وهو ما جعل الأثر العملي للإحالة أقل اتساعًا مما يفترضه تنظيمها القانوني.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية في ضوء المعايير الدولية السابق استعراضها، والتي تشترط أن يظل استمرار الحبس قبل صدور الحكم خاضعًا لمبررات محددة ورقابة قضائية، لا أن يترتب تلقائيًا على استمرار نظر الدعوى. وفي الحالات محل الدراسة، تكشف إفادات الدفاع أن انتقال القضايا إلى المحاكمة لم يقترن بإنهاء احتجاز أي من الصحفيين الأربعة، وإنما استمر احتجازهم أثناء نظر الدعاوى أمام محكمة الموضوع.[30]
تكشف الحالات الأربع أن الإحالة إلى المحاكمة لم تُنهِ الجدل الذي صاحب مرحلة التحقيق، بل نقلته إلى مرحلة جديدة. فبدلًا من أن ينصرف الخلاف إلى مشروعية استمرار التحقيق أو مبررات الحبس الاحتياطي، أصبح يدور حول مدى قدرة الدفاع على ممارسة حقوقه أمام المحكمة، ومدى اختلاف أوضاع الصحفيين بعد انتقال قضاياهم إلى محكمة الموضوع. وهو ما يشير إلى أن انتقال الدعوى إلى المحكمة لم يكن، في حد ذاته، كافيًا لإحداث التغيير الذي يفترضه القانون في المركز القانوني للمتهم.
خاتمة وتوصيات
تكشف الحالات التي تناولتها هذه الورقة أن إحالة قضايا الصحفيين إلى المحاكمة لم تمثل، في حد ذاتها، تحولًا جوهريًا في أوضاعهم القانونية أو الإجرائية. فرغم انتقال الدعوى من مرحلة التحقيق إلى محكمة الموضوع، استمر احتجاز الصحفيين في جميع الحالات محل الدراسة، وتأخر إطلاع الدفاع على أوراق الدعوى في أكثر من قضية، كما امتدت إجراءات المحاكمة مع تأجيلات متكررة. ويشير ذلك إلى أن انتقال الاختصاص إلى المحكمة لم ينعكس، في التطبيق العملي، بالقدر الذي يفرضه القانون على ضمانات الدفاع أو على أوضاع الصحفيين المحتجزين.
وتبرز أهمية هذه النتيجة في أنها تنقل النقاش من مسألة الإحالة بوصفها إجراءً قانونيًا إلى آثارها العملية. فالقيمة الحقيقية للإحالة لا تتمثل في نقل الدعوى من سلطة التحقيق إلى المحكمة فحسب، وإنما في الضمانات التي يفترض أن تترتب على هذا الانتقال، وفي مقدمتها المراجعة القضائية الفعلية لاستمرار الحبس، وتمكين الدفاع من الاطلاع على أوراق الدعوى وإعداد دفاعه، وبدء المحاكمة خلال مدة معقولة.
- وفي ضوء ما سبق توصي مؤسسة حرية الفكر والتعبير بما يلي:
- إصدار قرارات بالإفراج الفوري عن الصحفيين المحالين إلى المحاكمة الذين تجاوزوا الحد الأقصى للحبس الاحتياطي، مع اتخاذ التدابير القانونية الكفيلة بضمان مثولهم أمام المحكمة.
- تمكين الدفاع من الاطلاع على أوراق الدعوى فور صدور أمر الإحالة، ومنحه الوقت والتسهيلات الكافية لإعداد دفاعه قبل بدء المحاكمة، بما يتفق مع الضمانات المقررة في الدستور المصري والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
- ضمان أن تخضع قرارات استمرار الحبس بعد الإحالة لمراجعة قضائية فعلية تستند إلى مبررات قانونية مسببة، مع عدم اعتبار الإحالة سببًا قائمًا بذاته لاستمرار الاحتجاز.
- مراجعة ممارسات النيابة العامة التي تؤدي إلى توجيه اتهامات تتجاوز نطاق جرائم النشر إلى الصحفيين بسبب عملهم المهني، بما يكفل اتساق التطبيق العملي مع الضمانات التي قررها الدستور وقانون تنظيم الصحافة والإعلام.
[1] طارق جمال حافظ، "إحالات بالجملة: محاكم الإرهاب المصرية في مواجهة أكثر من 8 آلاف متهم"، زاوية ثالثة، 10 فبراير 2025، https://zawia3.com/referrals/. [2] المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، "مداواة الانتهاكات بالمزيد منها: مصر تطلق أكبر موجة من المحاكمات السياسية لآلاف المعتقلين"، بيان صحفي، 4 مايو 2025، تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026.https://eipr.org/press/2025/05/%D9%85%D8%AF%D8%A7%D9%88%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%87%D8%A7%D9%83%D8%A7%D8%AA-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B2%D9%8A%D8%AF-%D9%85%D9%86%D9%87%D8%A7-%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D8%AA%D8%B7%D9%84%D9%82-%D8%A3%D9%83%D8%A8%D8%B1-%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%A2%D9%84%D8%A7%D9%81 [3] المرصد المصري للصحافة والإعلام، التقرير الفصلي عن حالة حرية الصحافة والإعلام في مصر (الربع الثالث 2025)، القاهرة، 2025.https://eojm.org/monitoring_and_docum/%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D8%A7-3/ [4] Reporters Without Borders (RSF), 2026 World Press Freedom Index: Press Freedom at a 25-Year Low, May 2026, https://rsf.org/en/2026-rsf-index-press-freedom-25-year-low. [5] جاسر الضبع، "مع اقتراب اليوم العالمي لحرية الصحافة.. 78 صحفيًا يطالبون النقابة بحملة للإفراج عن المحبوسين"، المنصة، 22 أبريل 2026.https://manassa.news/news/31491 [6]محمد الخولي، "في يوم للتضامن معهم.. "البلشي" يدعو للإفراج الفوري عن الصحفيين المحبوسين"، المنصة، 29 يوليو 2024، آخر تحديث 30 يوليو 2024، https://almanassa.com/news/18700. [7]تقرير "نقابة ميتر" في الفترة من أبريل 2024 وحتى يونيو 2024 من العام الثاني من المدة القانونية لمجلس نقابة الصحفيين (التحضير للمؤتمر العام السادس في صدارة المشهد النقابي)"، نقابة ميتر، 6 أغسطس 2024، https://www.neqaba.net/تقرير-نقابة-ميتر-في-الفترة-من-أبريل-2024-و/. [8] "نقيب الصحفيين يتقدم بطلب للنائب العام للإفراج عن الزملاء المحالين للمحاكمة"، اليوم السابع، 13 يناير 2025. https://www.youm7.com/story/2025/1/13/%D9%86%D9%82%D9%8A%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D9%81%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%8A%D8%AA%D9%82%D8%AF%D9%85-%D8%A8%D8%B7%D9%84%D8%A8-%D9%84%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%A6%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D9%84%D9%84%D8%A5%D9%81%D8%B1%D8%A7%D8%AC-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B2%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%86/6844673 [9] منشورات قانونية، "قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950"، آخر تعديل 5 سبتمبر 2020، تاريخ الاطلاع 1 سبتمبر 2026، https://manshurat.org/node/14676. [10] قانون الإجراءات الجنائية المصري رقم 150 لسنة 1950، المواد 143 و380. [11] جمهورية مصر العربية، قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 180 لسنة 2018، الجريدة الرسمية، العدد 34 (مكرر هـ)، 27 أغسطس 2018، المادة 41، منشورات قانونية، تاريخ الاطلاع: 15 يوليو 2026، https://manshurat.org/node/14675 [12] عبد العال فتحي، "وفقًا لقانون الإجراءات الجنائية.. تعرف على صلاحيات محكمة الجنايات"، النقابة العامة للمحامين المصرية، 25 مايو 2021، تاريخ الاطلاع: 15 يوليو 2026، https://egyls.com/%D9%88%D9%81%D9%82%D8%A7%D9%8B-%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B9%D8%B1%D9%81/، [13] مؤسسة حرية الفكر والتعبير، "الحبس الاحتياطي في التشريع المصري"، تحليلات تشريعية، 30 ديسمبر 2021، تاريخ الاطلاع: 10 يوليو 2026، https://afteegypt.org/legislations/legislative-analysis/2021/12/30/27880-afteegypt.html. [14] المادة (134) من قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950. [15] المصدر السابق () [16] أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية، الكتاب الأول، دار النهضة العربية، طبعات متعددة (آخرها 2014 وما بعدها).https://books.google.com.eg/books/about/%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%B7_%D9%81%D9%8A_%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86_%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AC%D8%B1.html?id=k-H6zwEACAAJ&redir_esc=y [17] شريف هلالي، "15 توصية من دام حتى لا يتحول الحبس الاحتياطي إلى عقوبة"، مصر 360، 23 يوليو 2024، تاريخ الاطلاع 16 يوليو 2026، https://masr360.net/2024/07/23/15-%D8%AA%D9%88%D8%B5%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%AF%D8%A7%D9%85-%D8%AD%D8%AA%D9%89-%D9%84%D8%A7-%D9%8A%D8%AA%D8%AD%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A8%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%8A/. [18] United Nations, International Covenant on Civil and Political Rights, adopted December 16, 1966, entered into force March 23, 1976, 999 U.N.T.S. 171, art. 9, accessed July 16, 2026, https://www.ohchr.org/en/instruments-mechanisms/instruments/international-covenant-civil-and-political-rights [19] United Nations Human Rights Committee, General Comment No. 35: Article 9—Liberty and Security of Person, CCPR/C/GC/35 (December 16, 2014), accessed July 16, 2026, https://digitallibrary.un.org/record/786613 [20] United Nations, International Covenant on Civil and Political Rights, adopted December 16, 1966, entered into force March 23, 1976, 999 U.N.T.S. 171, art. 14(3)(b), accessed July 15, 2026, https://www.ohchr.org/en/instruments-mechanisms/instruments/international-covenant-civil-and-political-rights [21] قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950، المادة 143؛ وقانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025، المواد 114، 124، 528. [22] صحيح مصر، "نقابة الصحفيين في مواجهة لجنة «قانون الإجراءات الجنائية» الجديد.. لماذا يرفض خالد البلشي 41 مادة من القانون الجديد؟"، 12 سبتمبر 2024، تاريخ الاطلاع: 15 يوليو 2026، https://saheeh.news/ar/node/3455 [23]مختار منير، محامي خالد ممدوح، إفادة مقدمة إلى الباحثة، يونيو 2026. [24] المنصة، "تسلسل زمني | ما دفعه أشرف عمر ثمنًا لكاريكاتير"، 17 مايو 2026، آخر تحديث 27 يوليو 2026. https://manassa.news/stories/31815 [25] إبراهيم قاسم وأمنية الموجي، "إحالة 12 متهما للمحاكمة بتهمة مشاركة جماعة إرهابية وتلقى تمويل"، اليوم السابع، 24 نوفمبر 2025،https://www.youm7.com/story/2025/11/24/%D8%A5%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9-12-%D9%85%D8%AA%D9%87%D9%85%D8%A7-%D9%84%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D8%A9-%D8%A8%D8%AA%D9%87%D9%85%D8%A9-%D9%85%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9-%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%AA%D9%84%D9%82%D9%89-%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84/7209381?utm_source=chatgpt.com [26] إفادة مقدمة إلى الباحثة من أحد أفراد أسرة الصحفي (حمدي الزعيم)، يونيو 2026. [27]مقابلة أجرتها الباحثة مع أحد أعضاء هيئة الدفاع عن الصحفي ياسر أبو العلا، يوليو 2026؛ ومتابعة الباحثة إجراءاتوفي ضوء ما سبق توصي مؤسسة حرية الفكر والتعبير بما يلي: القضية. [28] مؤسسة حرية الفكر والتعبير، "نيابة أمن الدولة تقرر حبس رسام الكاريكاتير والمترجم أشرف عمر 15 يومًا على ذمة التحقيق"، 25 يوليو 2024، تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026، https://afteegypt.org/legal-profiles-2/legal-news/2024/07/25/37903-afteegypt.html [29] انظر: اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، التعليق العام رقم 32، المادة 14: الحق في المساواة أمام المحاكم والهيئات القضائية وفي محاكمة عادلة، 23 أغسطس 2007، الوثيقة رقم CCPR/C/GC/32، الفقرة 33. [1, 2, 3] [30] انظر أيضاً: الجمعية العامة للأمم المتحدة، مجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن، القرار 43/173، ديسمبر 1988، المبدأ 11 والمبدأ 39.