3 أكتوبر 2026
تابعت مؤسسة حرية الفكر والتعبير بقلق الهجمة الأمنية، التي أدت إلى القبض على 6 صحفيين، يشكلون كامل فريق تحرير منصة “متصدقش”. ورغم محاولات نقابة الصحفيين المستمرة معرفة مكان احتجاز الصحفيين والاتهامات الموجهة لهم وتمكين محاميهم من التواصل معهم، إلا أن الصحفيين الستة لم يصل إليهم محاموهم أو نقابتهم حتى نشر هذه الورقة، بينما ازدادت الحملات الإعلامية المؤيدة لوزارة الداخلية مع كثير من التهديدات للصحفيين ونقابتهم، حيث تبدو الأجهزة الأمنية في حالة استعراض قوة مستمر في مواجهة الصحفيين ونقابتهم، قبل أيام من منتدى إنجازات الحكومة وعلى الأرجح قبل أشهر من تعديل أو تغيير الدستور المصري لضمان بقاء الرئيس في السلطة إلى ما بعد 2030.
أدت الهجمة الأمنية خلال يومي 28 و29 سبتمبر 2026، إلى القبض على ستة صحفيين هم: محمد أشرف أبو عميرة، وعبد الله قدري، وإسلام بركات، وعمر هلال، ومحمد محمود، ومحمد عادل، وهم كامل فريق التحرير العامل داخل مصر بمنصة “متصدقش”. وتهدف هذه الورقة إلى بيان الانتهاكات المصاحبة لهذه الهجمة، ومحاولة تقييم تأثيرها على العمل الصحفي المستقل، إلى جانب استعراض الظروف السياسية المحيطة بها، سواء فيما يتعلق بأوضاع حرية الصحافة، أو بالحماية النقابية للصحافة الرقمية.
- وقائع القبض على فريق ” متصدقش”: ماذا حدث؟
في 30 سبتمبر الماضي، أعلنت منصة ” متصدقش” عن القبض على كل فريق التحرير المكون من ست صحفيين ومدققي معلومات. وكانت الحملة قد بدأت عندما قامت قوة أمنية بالقبض على الصحفيين محمد أشرف وعبدالله قدري في 28 سبتمبر. وبحسب بيان “متصدقش” قامت تلك القوات بمداهمة منزلهما ، والتحفظ على متعلقاتهم الشخصية من هواتف محمولة وأجهزة اللابتوب. كما قامت الحملة بالتعدي على عدد من محتويات المنازل وإتلاف الممتلكات. لم يمر طويلا حتى أعقب ذلك ببيان ثاني أعلنوا من خلالة عن استمرار الحملة الامنية في استهداف أعضاء الفريق، والقبض على صحفيين آخرين هما إسلام بركات من محافظة الغربية و محمد عادل من محافظة بورسعيد ليصل العدد إلى أربعة محررين صحفيين. وأخيرا أعلنت متصدقش في بيان منفصل القبض على آخر عضوين في فريق التحرير وهما محمد محمود وعمر هلال، واقتيادهم جميعاً إلى جهة غير معلومة. [1]
“متصدقش” هي منصة صحفية مستقلة متخصصة فى التحقق من المعلومات والتدقيق فى الأخبار، وتسعى إلى التصدي لتدفق المعلومات الزائفة والمضللة، سواء جاء نشرها عن قصد لخدمة أجندات سياسية أو أيديولوجية، أو عن غير قصد بدافع استقطاب التفاعل وزيادة المتابعين لدى الصفحات والمواقع التي تروّج للشائعات. أُطلقت المنصة في أبريل 2018 وركّزت في مرحلتها الأولى على رصد المحتوى المضلل المتداول في مصر، ثم وسّعت نطاق عملها ليشمل عدداً من الدول العربية. [2] وتجدر الإشارة إلى تعرض محرر بمنصة “متصدقش” إلى الاحتجاز، في أغسطس 2023، قبل أن تفرج قوات الأمن عنه لاحقا. وجاء ذلك على خلفية تغطية صحفية أجرتها المنصة لقضية طائرة خاصة انطلقت من مصر واحتُجزت في زامبيا. [3]
وبشكل عام تشهد مصر موجات متكررة من القبض على الصحفيين، وحتى في فترات الهدوء التي قد تتأثر ببعض الظروف الدولية، تبقى مصر واحدة من أسوأ الدول في سجل احترام حرية الصحافة. وفي تصنيفها العالمي لحرية الصحافة لعام 2026، وضعت منظمة «مراسلون بلا حدود» مصر في المرتبة 169 من أصل 180 دولة. إذ استمرت السلطات في استخدام اتهامات من بينها «نشر الأخبار الكاذبة» والانضمام إلى جماعة إرهابية، إلى جانب الإحالة إلى نيابة أمن الدولة العليا والاحتجاز لفترات مطولة بحق صحفيين، والاختفاء القسري، ومصادرة الأجهزة الشخصية دون إذن قضائي معلن. وقد وصفت لجنة حماية الصحفيين هذا النمط بأنه نمطا لإسكات الصحفيين. [4]
- الفجوة بين الخطاب الرسمي والممارسات: استعراض القوة أم الحوار؟
تكشف واقعة القبض على فريق منصة “متصدقش” عن فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي بشأن مواجهة المعلومات المضللة والحوار حول حرية الإعلام، وبين الممارسات الفعلية العدائية تجاه الصحافة المستقلة. ففي 29 سبتمبر 2026، وخلال اجتماعه مع رئيس الوزراء ومجلسي الوزراء والمحافظين، شدد الرئيس عبد الفتاح السيسي على أهمية الحوار وتبادل وجهات النظر، وحذر من تنوع الأدوات المستخدمة للإضرار بالدولة، ومن بينها مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أهمية وعي المواطنين في مواجهة هذه التحديات. [5] وجاءت هذه التصريحات في اليوم التالي لبدء القبض على فريق المنصة.
ولا يقتصر هذا التناقض على الخطاب الرئاسي، ففي 20 أغسطس 2026، أي قبل نحو خمسة أسابيع من حملة القبض، وجّه وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان رسالة إلى الصحفيين والإعلاميين، وصفها بأنها “فضفضة” ضرورية، دعا فيها إلى النهوض بأوضاع المهنة، وفتح المجال أمام الحوار وتعدد الآراء، وأكد أن “حرية الرأي والتعبير والنقد حق أصيل”، وأن القانون وإجراءاته يجب أن يكونا الملجأ لحماية الحقوق والواجبات. [6]
وبينما يقدم الخطاب الرسمي مواجهة المعلومات المضللة وحماية حرية الرأي باعتبارهما هدفين متكاملين، اتجهت الممارسة إلى القبض على صحفيين يعملون في أحد المجالات المرتبطة مباشرة بالتحقق من المعلومات، مع اتهامهم بنشر أخبار «مغلوطة ومفبركة». وتأتي هذه الواقعة في سياق سياسي تتصاعد فيه الدعوات إلى تعديل الدستور أو وضع دستور جديد، وفي مثل هذه اللحظات تزداد أهمية المنصات التي تقدم صحافة قائمة على التحقق من المعلومات، لما توفره للجمهور من مرجعية مستقلة في نقاش عام شديد الحساسية. ومن ثم تثير الحملة على “متصدقش” مخاوف من أن تكون جزءًا من توجه أوسع لتضييق المجال العام أمام الأصوات الناقدة والمنصات المستقلة، في ظل هيمنة الإعلام الحكومي والمملوك لأجهزة سيادية على غالبية وسائل الإعلام.
- مجرمون بلا جريمة.. كيف نفهم بيان وزارة الداخلية؟
أصدرت وزارة الداخلية المصرية، فى 1 أكتوبر، بيانا قالت فيه أنها كانت ترصد نشاط منصة “متصدقش” المتخصّصة في تدقيق المعلومات، في إطار متابعتها لـ”مخططات جماعة الإخوان الإرهابية الرامية للنيل من حالة الاستقرار البلاد”.واتهمت المنصة بأنها “واحدة من اللجان الإعلامية للإخوان”، وأنها “تُدار من الخارج” وتعاونها من داخل مصر “عناصر إخوانية” تقوم بـ”إعداد ونشر الأخبار المغلوطة والمفبركة مقابل تمويل مالي”. كما سلّطت الداخلية الضوء، في بيانها، على أنّ 5 من الصحافيين الستة المقبوض عليهم غير مقيّدين في جداول نقابة الصحافيين المصريين، وأنها شرعت في الإجراءات القانونية بحقهم، موضحةً أنها أعلمت نقيب الصحفيين بشأن الإجراءات المتخذة في حق الصحفي النقابي الوحيد. [7]
داهمت قوات الأمن منازل الصحفيين، وصادرت أجهزة إلكترونية، من دون أن تُطلع الأسر على أذون الضبط والتفتيش، وإن أماكن احتجاز الصحفيين تظل مجهولة لأسرهم ومحاميهم حتى الآن. وفي حالة الصحفي محمد أشرف أبو عميرة، تعرض المنزل لاقتحام عنيف وتعرضت هواتف والديه للكسر بالإضافة إلى أجهزة الكترونية أخرى. وحتى الآن لم يظهر الصحفيين أمام جهات التحقيق. بينما أجرى نقيب الصحفيين اتصالات يطالب فيها بالكشف عن أماكن احتجازهم، بل وتقدم ببلاغ للنائب العام وشكوى لوزير الداخلية. وهو ما يثير سؤالًا مباشرًا حول معنى “تقنين الإجراءات” و”الإحاطة في حينه” التي يتحدث عنها بيان الوزارة، في ضوء المادة 54 من الدستور التي تكفل إبلاغ المقبوض عليه بأسباب القبض، وتمكينه من الاتصال بأسرته ومحاميه، وتقديمه إلى سلطة التحقيق خلال 24 ساعة. [8]
ولم يكتفِ بيان الداخلية باتهام الصحفيين بنشر أخبار كاذبة، وإنما حسم مسبقًا انتمائهم إلى “اللجان الإعلامية لجماعة الإخوان” وأدوارهم ومصدر تمويلهم، قبل أن يظهروا أمام جهة تحقيق. كما أن وصف “متصدقش” بأنها منصة “تختلق الأخبار المغلوطة والمفبركة” لم يصاحبه في البيان ذكر خبر واحد محدد باعتباره مفبركًا، أو بيان أين وقع التحريف، رغم أن هذا هو جوهر الاتهام. والأهم أن أرشيف المنصة يقدم صورة أكثر تعقيدًا من الرواية التي قدمتها الوزارة؛ إذ نشرت “متصدقش” على مدار سنوات تدقيقات وتصحيحات لمعلومات روجتها جهات وشخصيات محسوبة على جماعة الإخوان نفسها، كما تناولت قبل القبض على فريقها بساعات موضوعات تتعلق بتصريحات وزير الخارجية وأعداد اللاجئين، وتعيينات النيابة العامة، و قضية استيلاء على المال العام.
بجانب ذلك، حتى وإن كانت المنصة غير مرخصة، فإن ذلك لا يبرر القبض على صحفييها أو حبسهم احتياطيًا. فإنشاء المواقع الإلكترونية وإدارتها يخضع بموجب المادة (6) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، وهو ما يتعارض مع المادة 70 من الدستور التي تنص على أن الصحف “تصدر بمجرد الإخطار”. وتقرر المادة (105) من القانون نفسه عقوبات على إنشاء المواقع أو إدارتها دون ترخيص، تتمثل في الغرامات المالية والغلق والمصادرة، وهي جزاءات ذات طبيعة تنظيمية لا تبرر حملة أمنية على فريق تحرير كامل، ولا تحجب الأسئلة الأساسية حول السند القانوني للقبض وغياب الكشف عن أماكن الاحتجاز. [9]
كما أن الترخيص ليس إجراءً يسيرًا يمكن للمواقع المستقلة استيفاؤه. فالقانون ولائحة التراخيص تشترطان كيانًا قانونيًا مصريًا، ورأس مال لا يقل عن مئة ألف جنيه، ورسمًا قدره خمسون ألف جنيه، وتقديم بيانات عن مصادر التمويل والهيكل التحريري. وفي التطبيق، تكشف تجارب مواقع مثل “مدى مصر” و”المنصة” و”فكّر تاني” و”مصر 360″ عن طلبات ظلت بلا رد لسنوات، أو رُفضت بأسباب عامة مثل “عدم وضوح” مصادر التمويل، بينما يعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تراخيص وتقنين أوضاع لمواقع وتطبيقات متنوعة. ولا ينشر المجلس إحصاءات عن إجمالي الطلبات المقدمة أو المرفوضة أو المعلقة، أو متوسط مدد البت فيها، بما يصعب معه التحقق من عدالة تطبيق النظام. [10]
وأشار بيان وزارة الداخلية إلى أن المنصة “تُدار من الخارج” وتتلقى “تمويلًا ماليًا”، بما يوحي بأن هذين الأمرين في حد ذاتهما مؤشر على الإدانة. غير أن عمل مؤسسة صحفية من خارج البلاد، أو مع صحفيين مقيمين في دول مختلفة، ليس جريمة في القانون المصري ولا في المعايير الدولية. فالمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تكفل حرية التماس المعلومات ونقلها بغض النظر عن الحدود، ولم يخلُ المشهد الإعلامي من مؤسسات تعمل بصورة مشروعة خارج بلدانها. كما أن “متصدقش” منصة معلنة، أُطلقت في 2018 ووسّعت عملها ليشمل عدة دول عربية، ولم يكن طابعها العابر للحدود سرًّا. أما التمويل، فتنظمه قواعد الترخيص نفسها التي تشترط الإفصاح عن مصادره، ولا يُعد في ذاته دليلًا على نشر أخبار مفبركة. ولم يقدم البيان أي دليل على وجود علاقة بين التمويل المزعوم ومحتوى بعينه، واكتفى بربط الأمرين ربطًا إنشائيًا قبل أي تحقيق قضائي. [11
- إخفاء قسري واحتجاز دون ضمانات قانونية: أين النائب العام؟
رحلة بحث طويلة تخطت الـ ١٠٠ ساعة استمرت ولم يستدل على مكان فريق تحرير منصة “متصدقش” مما يجعلهم طبقاً للقانون مختفين قصراً وقد اوضحت المنصة تفصيلا في بيانها على صفحة الفيسبوك[12] “حتى مساء الجمعة، وقت نشر هذا البيان، لم يتمكن الفريق القانوني أو محامو نقابة الصحفيين من التواصل مع أي من أعضاء هيئة التحرير المحتجزين، منذ مساء الإثنين والثلاثاء الماضيين”. بحسب الاتفاقية الدولية لحماية المختفين قسرا طبقاً المادي الأولى منه أن تحظر الاتفاقية حظراً مطلقاً تعريض أي إنسان للاختفاء القسري. ولا يجوز للدولة أن تحتج بأي ظرف استثنائي لتبرير هذه الممارسة، سواء كان حرباً قائمة أو تهديداً بحرب، أو اضطراباً سياسياً داخلياً، أو أي حالة طوارئ أخرى.[13]
تنص المادة ٥٤ من الدستور تضع ضمانات واضحة لمن تُقيَّد حريته، وتصف الحرية الشخصية بأنها حق طبيعي مصون لا يجوز المساس به. فلا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته بأي صورة إلا بأمر قضائي مسبب تقتضيه ضرورة التحقيق، باستثناء حالة التلبس. وتوجب المادة على السلطات إبلاغ الشخص فور تقييد حريته بأسباب ذلك، وإحاطته بحقوقه كتابةً، وتمكينه فوراً من الاتصال بأسرته أو محاميه، وعرضه على سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة.
على عكس ما تنص عليه تلك المادة، نشر موقع المصري اليوم في مساء 2 أكتوبر، خبرا يفيد أن فريق متصدقش قد تم التحقيق معه في الأول من أكتوبر، وقررت النيابة حبس الصحفيين لمدة ١٥ يوما على ذمة التحقيقات. وقد أفادت مقررة لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، اليوم، أن نيابة أمن الدولة العليا نفت صحة هذا الخبر مؤكدة أن الصحفيين الستة لم يتم التحقيق معهم بعد.
وتشير بعض التقديرات القانونية إلى أن وزارة الداخلية قد تكون اعتمدت على مواد قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة [14]2015، للحصول على أمر من النيابة العامة بالتحفظ على الصحفيين الستة، لحين استكمال جمع الاستدلالات، ومن ثم التحقيق معهم أمام النيابة، وذلك وفق نص المادة (40) من قانون مكافحة الإرهاب. إلا أن هذا الاحتمال يتضمن كذلك عرض المتحفظ عليهم على النيابة أو سلطة التحقيق المختصة، ويكون للمتهمين التظلم من أوامر التحفظ، وفق المادة (44) من القانون. كما تنظم المادة (41) من القانون ذاته قيام مأمور الضبط القضائي بإبلاغ كل من يتحفظ عليه وفقاً للمادة (40) من هذا القانون بأسباب ذلك، ويكون له حق الاتصال بمن يرى إبلاغه من ذويه بما وقع والاستعانة بمحام، وذلك دون الإخلال بمصلحة الاستدلال.
وتكشف هذه الضبابية في معرفة الواقع القانوني المتعلق باحتجاز الصحفيين الستة عن أزمة كبيرة لدى النيابة العامة، التي ينبغي لها أن تجلي حقيقة الأمر أمام الرأي العام، وأن تمكن فريق الدفاع ونقابة الصحفيين من معرفة مكان احتجاز الصحفيين والتواصل معهم وتقديم المساعدة القانونية لهم. وقد دفع ذلك نقابة الصحفيين إلى التقدم بطلبين موجهين إلى النائب العام ونيابة أمن الدولة العليا، اليوم[15]، لاستيضاح حقيقة قرار حبس صحفيي “متصدقش”. ولفتت النقابة إلى عدم إخطارها حتى تاريخه بمكان احتجاز الزملاء أو بموعد التحقيقات معهم، ورغم أن أحدهم عضو بنقابة الصحفيين والخمسة الآخرين متدربون صحفيون. وسبق للنقابة أن تقدمت بخطاب في 30 سبتمبر، لإبلاغها بموعد التحقيقات ليتسنى حضورها.
وأكدت النقابة أن وفدها المكون من عضوي مجلس النقابة، محمود كامل وإيمان عوف، و4 محامين من الإدارة القانونية، قد توجه إلى نيابة أمن الدولة العليا في اكتوبر الجاري، ولكنهم لم يخطروا بإجراء أي تحقيقات مع صحفيي “متصدقش”.
وتلزم المادة (69) من قانون إنشاء نقابة الصحفيين، رقم 76 لسنة 1970، النيابة العامة أن تخطر مجلس النقابة أو مجلس النقابة الفرعية بأي شكوى ضد أي صحفي تتصل بعمله الصحفي قبل الشروع في التحقيق معه بوقت مناسب. إذا اتهم الصحفي بجناية أو جنحة خاصة بعمله الصحفي، وللنقيب أو لرئيس النقابة الفرعية أن يحضر التحقيق بنفسه أو بمن ينيبه عنه.
- الصحافة الرقمية مهددة ونقابة الصحفيين أيضا
جاء القبض على صحفيي منصة “متصدقش” في توقيت كانت فيه قضية الحماية النقابية للصحفيين الرقميين تشهد نقاشًا متصاعدًا ومستمرا داخل نقابة الصحفيين. وكانت النقابة قد بدأت منذ فترة خطوات لتفعيل المادة 12 من قانونها وفتح جدول المنتسبين أمام الصحفيين الرقميين الذين لا يستوفون شروط القيد في جداولها الأخرى، بما يوفر لهم قدرًا من الحماية النقابية إلى حين تعديل التشريع بما يسمح بعضوية كاملة. وفي الوقت نفسه، كان صحفيون رقميون يطالبون علنًا بحقهم في الحماية النقابية، باعتبار أن اشتراط العمل في صحيفة ورقية معتمدة يحرم عددًا من الممارسين الفعليين للمهنة من مظلة النقابة. [16]
وتكتسب واقعة القبض على صحفيي «متصدقش» دلالة خاصة في هذا السياق؛ إذ إن أحد المقبوض عليهم مقيد بنقابة الصحفيين، بينما يعمل الآخرون في مجال الصحافة الرقمية دون أن يكونوا مقيدين بها، وهو ما يعيد إلى الواجهة السؤال الذي كانت النقابة تناقشه بالفعل: من هو الصحفي الذي تستحق ممارسته المهنية الحماية النقابية. وتبرز في هذا السياق مفارقة تتعلق بالحماية النقابية ذاتها. فقد أعلنت وزارة الداخلية في بيانها أنها أعلمت نقيب الصحفيين بالإجراءات المتخذة بحق الصحفي النقابي الوحيد بين المقبوض عليهم، غير أن هذا الإخطار لم يتحول إلى حماية فعلية، إذ لم يتمكن أحد من الوصول إليه أو معرفة مكان احتجازه -حتى تاريخ صدور الورقة- شأنه شأن زملائه غير المقيدين بالنقابة. وبذلك لم يغير القيد النقابي من وضعه شيئًا، ما يطرح تساؤلًا عن جدوى الإخطار كضمانة إذا لم يعقبه كشف عن مكان الاحتجاز وتمكين من حق الدفاع.
خاتمة وتوصيات
إن مؤسسة حرية الفكر والتعبير تشدد على خطورة القبض على كامل فريق تحرير منصة “متصدقش”، وما أحاط به من انتهاكات لضمانات القبض والاحتجاز وقرينة البراءة، على حرية الصحافة وحق الجمهور في الحصول على معلومات موثوقة. وتحذر المؤسسة من أن استهداف منصة متخصصة في التحقق من المعلومات يتناقض مع الخطاب الرسمي المعلن عن مواجهة المعلومات المضللة، ويرسخ مناخًا من الترهيب يدفع الصحفيين، وخاصة العاملين في الصحافة الرقمية المستقلة، إلى الرقابة الذاتية.
ولذلك خلصت المؤسسة إلى مجموعة من التوصيات، كما يلي:
- على النيابة العامة إصدار بيان مفصل يشمل الكشف الفوري عن أماكن احتجاز صحفيي “متصدقش”، وتمكينهم من التواصل مع ذويهم ومحاميهم، وعرضهم على جهة التحقيق، مع ضمان سلامتهم الجسدية وحصولهم على المعاملة الإنسانية اللائقة أثناء الاحتجاز.
- على النيابة العامة إصدار قرار بالإفراج دون قيد أو شرط عن الصحفيين الستة وفتح تحقيق مستقل وشفاف في وقائع اقتحام منازل صحفيي “متصدقش” والاعتداء على محتوياتها وإتلاف الممتلكات، وإعادة الهواتف وأجهزة الحاسوب المصادرة، وعدم الاطلاع على محتواها إلا بإذن قضائي.
- يجب أن توقف وزارة الداخلية حملاتها الإعلامية تجاه صحفيي “متصدقش” وأن تلتزم بدورها القانوني بعرض المتهمين على جهات التحقيق، دون محاولة التأثير على قرارها، مع التوقف عن استخدام اتهامات نشر الأخبار الكاذبة والانضمام إلى جماعة إرهابية ضد الصحفيين بسبب عملهم.
- على مجلس نقابة الصحفيين الالتزام بحماية الصحافة الرقمية المستقلة، وتوفير مظلة الحماية النقابية لجميع الصحفيين الرقميين.
[1] “صعيد أمني ضد "متصدقش".. القبض على صحفيين آخرين وارتفاع العدد إلى 4"، متصدقش، 30 سبتمبر 2026، https://shorter.me/_8Zk9 "بيان من فريق منصة متصدقش للتحقيقات والتحقق من الأخبار"، متصدقش، 29 سبتمبر 2026، https://shorter.me/yyaIc [2] “ التعريف بمنصة متصدقش"، متصدقش، https://matsda2sh.com/page/12074/%D9%85%D9%86-%D9%86%D8%AD%D9%86 [3] “"متصدقش": اعتقال عضو فريق التحرير كريم أسعد.. و"الصحفيين" تطالب بالإفراج عنه"، المنصة، 20 أغسطس 2023، https://manassa.news/node/12824 [4] “ Egypt”, Reporters Without Borders, https://rsf.org/en/country/egypt?utm_source [5] دينا النجار، "من 21 ألف شائعة إلى الذكاء الاصطناعي.. 10 سنوات من تحذيرات الرئيس السيسي بشأن تزييف الوعي"، الشروق، 30 سبتمبر 2026، https://shorter.me/B3ylc عمرو جلال، "الرئيس يجتمع مع مجلسى الوزراء والمحافظين وقادة الجيش والشرطة والعمد والمشايخ"، الأخبار، 29 سبتمبر 2026، https://shorter.me/EQUSO [6] إيمان علي، "وزير الدولة للإعلام: نواجه الشائعات ونحمى حرية الرأي بالقانون"، اليوم السابع، 20 أغسطس 2026، https://shorter.me/4O2Lc [7] " بيان وزارة الداخلية"، الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية، 1 أكتوبر 2026، https://shorter.me/p_qh2 [8] الدستور المصري، https://shorter.me/nuUQb [9] “قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 180 لسنة 2018"، https://manshurat.org/node/31481 [10] رحمة سامي، "إدارة موقع بلا ترخيص.. الإعلام الرقمي تحت الهيمنة السياسية"، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، 23 يوليو 2026، https://afteegypt.org/research/research-papers/2026/07/23/41594-afteegypt.html [11] المرجع السابق. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، https://www.ohchr.org/ar/instruments-mechanisms/instruments/international-covenant-civil-and-political-rights “ التعريف بمنصة متصدقش"، متصدقش، مرجع سابق. [12]https://www.facebook.com/matsda2sh/posts/pfbid0HRqCih9Fiat4b8XWZAfxmWNC1UVErzHTKqcdPNNiyLkSHXYMuzS4bQoPB54wit4Xl [13]https://www.ohchr.org/ar/instruments-mechanisms/instruments/international-convention-protection-all-persons-enforced [14] https://manshurat.org/node/14679 [15] https://www.almasryalyoum.com/news/details/4373814 [16] محمد نابليون، عفاف عبد المنعم، "صحفيو المواقع الإلكترونية يطالبون بحقهم في القيد بالنقابة.. والبلشي: حق مشروع وغضبهم مبرر"، المنصة، 24 يوليو 2024، https://manassa.news/news/18634