معنية برصد انتهاكات حقوق التعبير في حق الأفراد و المؤسسات.

مشروع وزارة التعليم العالي حول الربط بين زيادة دخل أعضاء هيئة التدريس وجودة الأداء تجاهل لواقع الجامعات المصرية

مقدمة

 

شكل الحديث عن أعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية أحد أهم الموضوعات المطروحة علي الساحة منذ منتصف العام الماضي، بداية من الحديث علي المطالبة بزيادة المرتبات، مرورا بالجدل الدائر بين أعضاء المجتمع الأكاديمي والحكومة عن حجم هذه الزيادة وشكلها، ما بين المطالبة بالزيادة في الأجر الأساسي والوعود ببعض الحوافز والبدلات، ثم تصاعد الموجة مع إضراب هيئة التدريس في مارس الماضي، وانتهاءا بطرح الوزير لمشروع ربط الجودة بالأجر، والذي أثار موجة عارمة من ردود الفعل بين الاعتراض الكامل، واللجوء للمفاوضات، وبين فتح الباب للحديث عن جودة التعليم الجامعي، وعلاقته بالمناخ الأكاديمي في الجامعات المصرية.

 

وقد اثار هذا الجدل العديد من الأسئلة حول مشروع وزارة التعليم العالي حول الربط بين زيادة دخل أعضاء هيئة التدريس وجودة الأداء منها:

 

– هل يجوز ربط جودة الأداء في التعليم الجامعي بساعات تواجد عضو هيئة التدريس بالجامعة دون توفير الإمكانيات التي تتطلبها طبيعة عمله؟

 

– هل يجوز ربط جودة الأداء، بتوفير حياة كريمة وأجر عادل لعضو هيئة التدريس؟

 

– هل ما تضمنه المشروع المقترح من واجبات تختلف عما هو وارد بقانون تنظيم الجامعات، وإذا لم تختلف فمن المسئول عن تفعيل الواجبات الواردة بالقانون؟

 

– إذا كان المنطلق الأساسي في المشروع المقترح هو الوصول بأداء عضو هيئة التدريس إلي الجودة المطلوبة، فهل يمكن جعل هذا المبدأ اختياريا لأعضاء هيئة التدريس؟

 

من هنا تحاول هذه الورقة استعراض أهم ملامح هذه القضية، محاولة بلورة موقف حقوقي من كل هذا الجدل الدائر حولها.

 

خلفية

 

قد بدأ الحديث في العام الماضي ( 2007) عند تصاعد الحديث عن مطالبة أعضاء هيئة التدريس في الجامعات المصرية بزيادة مرتباتهم، باعتبارها لا تليق بالمكانة الاجتماعية والأدبية لهم من جهة، ولا تكفي متطلبات المعيشة من جهة أخري، وقد بدا هذا الحديث في بدايته واحد من العديد من الأحاديث التقليدية المطروحة علي الساحة، والتي تعامل معها الكثير آنذاك باعتبارها موجة سوف تصعد وتهبط، مثلها مثل غيرها.

 

وبدأ الجدل داخل نوادي أعضاء هيئة التدريس حول حجم الزيادة المطلوبة، وتوقيتها، وكان الاتجاه السائد أن تكون هذه الزيادة في أساسي الأجر، باعتبار أن هذا هو الشكل المقبول والمنطقي في الزيادة.

 

وجاء المؤتمر الرابع لأعضاء هيئة التدريس في نوفمبر 2007 ليخرج بعدد من التوصيات دارت حول أربعة محاور أساسية، كان علي رأسها المطالب المادية والتي تضمنت الزيادة الفورية في الأجر إلي ضعف الأجر الحالي، ومحور تضمن المطالبة بإصلاح شئون التعليم من خلال زيادة الدعم الحكومي للجامعات، وتقليل الكثافة الطلابية، وتطبيق المعايير العالمية لتقييم أداء عضو هيئة التدريس، وجاء محور آخر حول استقلال الجامعات والحريات والذي دار اغلب مطالبه حول اتخاذ موقف واضح من الأمن وسيطرته علي الجامعة، بينما اختص المحور الرابع بالحديث عن الترقيات[1]

 

بدأت الردود الرسمية للحكومة علي لسان وزير التعليم العالي تتحدث عن اقتراح الزيادة في الأجور الإضافية وربطها ببعض المعايير المتعلقة بالجودة، والتي لم تكن واضحة المعالم آنذاك.

 

وجاء رد أعضاء هيئة التدريس رافضا لمنطق الزيادة في الأجر المتغير، ومطالبا بالزيادة غير المشروطة في الأجر الأساسي، وهنا كان الحديث حول آليات العمل للمطالبة بزيادة المرتبات. والتي انتهت بالدعوة لإضراب مارس 2008، وربما كانت السمة الأساسية في هذه المرحلة هو وجود انقسام بين جمهور الأساتذة وبين الموقف الرسمي لنوادي أعضاء هيئة التدريس، والمتمثل في رئيس النادي.

 

وتبلور هذا الخلاف أكثر في الإضراب عندما أعلن رئيس نادي جامعة القاهرة في كل الجرائد الرسمية ليلية الإضراب أن الإضراب كان قد الغي نتيجة استجابة الحكومة للمطالب مما يجعل منه غير ذا معني، مما أثار حالة من البلبلة بين الرأي العام وبين أعضاء هيئة التدريس أنفسهم، وخاصا معا انهيال التصريحات من الحكومة بحظر الإضراب، ومعاقبة من سينضم إليه من أعضاء هيئة التدريس.

 

وبالرغم من هذا كان الإضراب في اليوم الثاني ( 23 مارس)، استطاع تحقيق أقدار متفاوتة من النجاح في الجامعات المختلفة جاء علي رأسها جامعة القاهرة. وقد جاء بيان اللجنة التنسيقية للإضراب مطالبا، بأربعة مطالب، جاء علي رأسها، الزيادة الفورية في الأجر الأساسي بحيث يتضاعف الراتب الفعلي الإجمالي لأعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم بنسبة 100% وذلك كخطوة أولي لتحقيق الزيادة المقترحة في المؤتمر الرابع.[2]

 

وجاء رد الفعل الحكومي متحديا لكل هذا من خلال التجاهل التام له، والتعليقات التي جاءت علي لسان رؤساء الجامعات بفشل الإضراب واستمرار العمل كأي يوم دراسي عادي بالجامعة.

 

وبعد ذلك بقليل بدأت تصريحات وزير التعليم العالي حول المشروع المقترح \”الربط بين الزيادة في دخل أعضاء هيئة التدريس وجودة الأداء\”، والتي أثارت موجات عارمة من الردود، بين الرفض التام، وبين التفاوض علي مضمونها.

 

فقد جاء بعض ردود الفعل ليناقش تفاصيل معايير الجودة، معترضا علي بعضها ومعدلا للبعض الآخر، أو مطالبا بتحسين امكانات الجامعات بشكل عام لكي تتمكن من تحقيق مثل هذه المعايير، وقد تمثل هذا الرأي عدد من مجالس أقسام الكليات المختلفة.[3]

 

استمر الجدل داخل نوادي أعضاء هيئة التدريس بين الرفض التام، والتفاوض علي المضمون والذي انتهي بقبول المشروع قبولا مبدئيا مع المطالبة بعدد من التعديلات وذلك في المؤتمر العام الأخير لنوادي أعضاء هيئة التدريس في 5 يونيو من العام الحالي[4].

 

مشروع وزارة التعليم العالي، تجاهل لواقع الجامعات المصرية:

 

واقع الجامعات المصرية:

 

على الرغم من أن المحكمة الدستورية العليا قد استقرت على أن \” التعليم – كان ولا زال من أكثر المهام خطرا، وأعمقها اتصالا بآمال المواطنين وطموحاتهم، وأوثقها ارتباطا بمصالح الجماعة ومقاييس تقدمها وكان على الدولة بالتالي أن تهيمن على عناصره الرئيسية، وأن توليه رعايتها وأن توفر لدور التعليم – وبقدر طاقتها – شرايين الحياة الجوهرية التي لا تقوم إلا بها، وأن يكون إنفاقها على التعليم، تعبيرا عن اقتناعها بان ثماره عائدة في منتهاها إليها ، وان اجتنائها بيد مواطنيها . فليس التعليم حرثا في البحر، بل هو نبض الحياة وقوامها ، لا تستقيم بغيره شئونها ولا زال متطلبا كشرط مبدئي لمواجهة المواطنين لمسؤولياتهم مع تنوعها وشمولها ، ليكون اضطلاعهم بها منتجا وفعالا \”[5] .

 

يعاني التعليم الجامعي في مصر من إهمال لسنوات طويلة أدت إلي الحالة التي يشكو منها المجتمع بأكمله، وذلك نتيجة طبيعية لغياب أو تجاهل الحكومة المصرية لوضع استراتيجيات شاملة لإصلاح التعليم الجامعي في إطار المنظومة التعليمية، التي تسهم في تكوين الفرد والمجتمع.

 

وقد أشار تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003: \”تتأثر نوعية التعليم العالي نتيجة انخفاض الأنفاق ومن ثم الموارد المتاحة للطلاب وأعضاء هيئة التدريس، فلقد جاء التوسع الكمي في نشر التعليم العالي على حساب نوعية التعليم وجودته، فالمكتبات الجامعية في جامعات كثيرة دون المستوي، والمعامل أصبحت قديمة ولا تتسع الأعداد المتزايدة من الطلاب، والفصول تكدست فتباعدت المسافة بين الطلاب والأساتذة.

 

بالإضافة إلي ذلك يعاني أعضاء هيئة التدريس في عدد كبير من الجامعات العربية من انخفاض حاد في المرتبات لا يسمح لهم بالتفرغ للتعليم، ناهيك عن البحث\”[6]

 

وهناك العديد من التقرير والدراسات التي تشير إلي ما آل إليه التعليم العالي في مصر، كما هناك أيضا العديد من الدراسات والتقارير طرحت الحلول للخروج من الأزمة، إلا أن السياسات الحكومية اتجاه التعليم العالي ما زالت مستمرة في إصدار القرارات والسياسات التي تزيد من الأوضاع سوءا.

 

حيث جاء رؤية وزارة التعليم العالي تحت عنوان \”الربط بين زيادة دخل أعضاء هيئة التدريس وجودة الأداء\”، في تنفيذ نص المادة 95 من قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972 التي تنص على أن : \” على أعضاء هيئة التدريس أن يتفرغوا للقيام بالدروس والمحاضرات والتمرينات العملية وأن يسهموا في تقدم العلوم والآداب والفنون بإجراء البحوث والدراسات المبتكرة والإشراف على ما يعده الطلاب منها، والإشراف على المعامل وعلى المكتبات وتزويدها بالمراجع \”.

 

لتعرض من خلالها عددا من المعايير التي اعتبرتها معايير لجودة أداء الأستاذ الجامعي، ثم حددت عدد من الآليات التي تراقب بها هذه الجودة من قبل الإدارة الجامعية، ثم اعتبرت تحقيق هذه المعايير شرطا لزيادة الأجور، من خلال عقد يتم بين عضو هيئة التدريس والكلية أو القسم العلمي، التابع له، ومن خلال التزامه بشروط هذا التعاقد تقدم له مكافآت وبدلات تصل إلي 2000 جنية للأستاذ و 1600 لأستاذ المساعد، و 1200 للمدرس.

 

ونحاول في هذا الجزء من الورقة مناقشة رؤية وزارة التعليم العالي في ضوء :

 

1- طرح أهم ما تضمنته وثيقة العمل الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة في المؤتمر العالمي للتعليم العالي تحت عنوان \”التعليم العالي في القرن الحادي والعشرين الرؤية والعمل\”، لما لها من أهمية بموضع الورقة.

 

2-رؤية وزارة التعليم العالي: علاقة مفقودة بين ربط الدخل بجودة الأداء.

 

3- فلسفة ومضمون المشروع وما يحتويه من معايير للجودة، خارج السياق.

 

أولاً: وثيقة العمل الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة في المؤتمر العالمي للتعليم العالي باريس أكتوبر 1998:

 

تطرح وثيقة العمل الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة في المؤتمر العالمي للتعليم العالي في باريس أكتوبر 1998، تحت عنوان\”التعليم العالي في القرن الحادي والعشرين الرؤية والعمل\”[7]، أربع محاور أساسية هيمنت على الجهد التأملي للمؤتمرات الإقليمية التحضيرية، وهي الملاءمة، والجودة، والإدارة والتمويل، والتعاون، وعلى الرغم من أهمية هذه المحاور إلا أننا سوف نركز على المحور الخاصة بالجودة وهو ما يعنينا في هذا الجزء.

 

الجودة لا تنفصل عن الملاءمة الاجتماعية:

 

إذ أن الحرص على الجودة وتطبيق سياسات تقوم على نهج \”ضمان الجودة\” يفترضان السعي إلي تحسين كل عنصر من عناصر المؤسسة، وكذلك تحسين المؤسسة ككيان عام يعمل بوصفه نظاما متماسكا.

 

وتتوقف جودة التعليم العالي على ما يلي:

 

– جودة مستوي العاملين، التي تفترض مكانة اجتماعية ومالية لائقة توفر لهم، وإصرارا على الحد من أوجه عدم المساواة في صفوفهم مثل تلك المرتبطة بالجنس، وحرصا على إدارة شؤونهم وفقا لمبدأ الجدارة، وتدريبا مستمرا يزودون به كي ينهضوا بدورهم في مجتمع متحول، وحوافز وبنى تشجع الباحثين على أن يعملوا متضافرين ضمن فرق متعددة التخصصات تعنى بمشروعات بحثية تدرس الموضوع الواحد من جوانب شتى وعلى أن يهجروا بذلك عادات البحث العلمي الانفرادي المنعزل.

 

– جودة مستوي البرامج: مما يستلزم عناية خاصة بتحديد أهداف التدريب في ارتباط مع احتياجات عالم العمل واحتياجات المجتمع، وتطويع الأساليب التربوية بغية زيادة فعالية الطلاب وتنمية روح المبادرة لديهم، وتوسيع نطاق وسائل التدريب وزيادة مرونتها من أجل استغلال الإمكانيات التى توفرها التكنولوجيات الجديدة والمعلومات والاتصال ومراعاة خصائص السياقات المختلفة، والانخراط في السياق الدولي، وتكوين الشبكات التي تربط بين البرامج والمدرسين.

 

– جودة مستوي الطلاب الذين يشكلون المادة الأولية للتعليم العالي، مما يتطلب إيلاء عناية خاصة للمشكلات المتصلة بالتحاقهم وفقا لمعايير الجدارة (القدرات والحافز)، وتطبيق سياسات إرادية لصالح الفئات المحرومة، وإجراء مشاورات مع التعليم الثانوي والأجهزة المعنية بالانتقال من التعليم الثانوي إلي التعليم العالي، كي يتسنى من ثم توفير سلسلة تربوية حقيقية.

 

– جودة مستوي البني الأساسية والبيئية الداخلية والخارجية، دون إغفال البني الأساسية المرتبطة باستخدام وتنمية التكنولوجيات الجديدة للمعلومات والاتصال، والتي لن يتسنى بدونها تكوين الشبكات وإتاحة وسائل التعليم عن بعد وتوفير إمكانيات الجامعة المجازية.

 

وتعتبر مؤسسة حرية الفكر والتعبير أن ما تضمنته رؤية العمل السابقة مرجعية وأداة معيارية يمكن الاعتماد عليها في موضوع جودة التعليم العالي،

 

ثانيا: رؤية وزارة التعليم العالي: علاقة مفقودة بين ربط الدخل بجودة الأداء:

 

استطاعت ورقة الوزير أن تبعد ساحة النقاش من المطالبة بالحق في أجر عادل من خلال الزيادة في الأجر الأساسي لأعضاء هيئة التدريس، إلي النقاش حول معايير الجودة وكيفية تحقيقيها، وهو ما لا نري له منطق من الأساس، حيث أن معايير جودة الأداء الجامعي مطلوبة، ومؤسسة حرية الفكر والتعبير تتفق حول أهمية تطوير العملية التعليمية وجودتها، ولكنها ليست ذات صلة بحصول الأستاذ الجامعي علي أجر عادل يتناسب مع وظيفته، هذا من جهة، ومن جهة أخري فأن تحقيق هذه الجودة لا يقع علي عاتق الأستاذ الجامعي وحده، بل هو مسئولية العديد من الأطراف، يأتي علي رأسها الجامعة ذاتها، والمناخ العام السائد بها الذي يتيح أو يعيق تحقيق مثل هذه الجودة، والطالب الذي يجب إعداده جيدا في مرحلة التعليم ما قبل الجامعي، وأخيرا الأستاذ الجامعي ومتطلبات دوره.

 

وبذلك يكون كلا المشروعان ( الأجر العادل – والجودة) مشروعان هامان من أجل إصلاح منظومة التعليم الجامعي، ولكن في الوقت ذاته لا يمكن جعل احدهما مترتبا علي الآخر، أو شرطا لحدوثه، وهو ما يذكرنا مرة أخري أن مطالب أساتذة الجامعات بدأت بالزيادة الفورية غير المشروطة في الأجر الأساسي.

 

حق أعضاء هيئة التدريس في أجر عادل:

 

يتضح من مسودة وزارة التعليم العالي أنها تتجاهل وضع تدني أجور أعضاء هيئة التدريس في الجامعات المصرية[8] ومطالبهم بزيادة الأجور، وتعتبر فكرة ربط الزيادة المالية التي يطالب بها أعضاء هيئة التدريس بجودة التعليم الجامعي هي جوهر المشروع المقترح من وزارة التعليم العالي ، وفى ذات الوقت تعتبر هذه الفكرة السبب الرئيسي لرفض المشروع ، وذلك انطلاقا من أن زيادة الأجر حق لأعضاء هيئة التدريس يتمتع باستقلالية عن جودة التعليم التي هي حق للطلاب . وممارسة أى من الحقين مرتبط بالالتزام الدستوري للدولة بكفالة كل منهما . لذلك يعتبر اشتراط زيادة أجور أعضاء هيئة التدريس بتحقيق جودة التعليم ، تحللا من جانب الدولة من التزاماتها بكفالة الحق في التعليم وتطويره الواردة في نصوص الدستور ، كما يعد ذلك أيضا من قبيل الالتفاف على مطالب أعضاء هيئة التدريس الخاصة بالحق في اجر عادل .

 

فالمادة ( 18 ) من الدستور تنص على أن \” التعليم حق تكفله الدولة،……. وتشرف على التعليم كله، وتكفل استقلال الجامعات ومراكز البحث العلمي، وذلك كله بما يحقق الربط بينه وبين حاجات المجتمع والإنتاج \”.

 

ومعركة حق أعضاء هيئة التدريس في اجر عادل ليست معركة معزولة عن السياق الاجتماعي والسياسي الذي يعيشه المجتمع المصري الآن ولكنها جزء من معركة الحد الأدنى للأجر التي تخوضها قطاعات المهنيين والعاملين باجر في مصر الآن كرد فعل على الارتفاع غير المسبوق للأسعار مع ثبات هيكل الأجور كما هو دون أى تغيير.

 

ولعل تدني أجور أعضاء هيئة التدريس، هو أحد العوامل التي ساهمت في البحث عن مصدر أخر لزيادة الدخل حتى يتثنى لهم العيش في ظل حياة تحافظ على كرامتهم، وهو ما يؤدي إلي عدم قدرة أعضاء هيئة التدريس الالتزام بالواجبات المنصوص عليه في قانون الجامعات (المواد من 95 حتى المادة 104).

 

ثالثاًً: فلسفة ومضمون المشروع وما يحتويه من معايير للجودة، خارج السياق.

 

بدأت فلسفة المشروع على أساس التفرقة بين أعضاء هيئة التدريس في إطار واضح للتمييز حيث تنص القواعد على أن عضو هيئة التدريس الذي لن يوقع عقداً مع الجامعة سوف يلزمه المجلس الأعلى للجامعات من خلال البحث في الضوابط والآليات التي تلزم أعضاء هيئة التدريس بأداء واجباتهم الواردة في قانون تنظيم الجامعات والمتضمنة نص المادة 95 من القانون.

 

وإذا حولنا مناقشة المشروع الحالي باعتباره مشروع للجودة، سيظل يحمل الكثير من المشكلات الجوهرية التي تجعله عاجز حتى عن عرض تصور عن الجودة.

 

ويمكن لنا عرض ذلك من خلال:

 

أ‌- مشكلات شروط الجودة التي عرضها المشروع:

 

1- أغلب المهام التي وضعها المشروع كضمان للجودة، هي في حقيقة الأمر جزءا من المهام الرئيسية الروتينية للأستاذ الجامعي، ولا يمكن اعتبارها بأي حال من الأحوال مهام أضافية اختيارية يمكن أن يقوم بها أو لا، وهي واردة في قانون تنظيم الجامعات.

 

نذكر منها:

 

– البند الثاني في المهام البحثية الذي يتناول حضور المحاضرات العامة والندوات بالقسم مع المشاركة الفعالة بها، وهو ما أكدت عليه المادة 99 من قانون تنظيم الجامعات حيث نصت على \”على أعضاء هيئة التدريس المشاركة في أعمال المجالس واللجان التي يكون أعضاء فيها. وعليهم المشاركة في أعمال المؤتمرات العلمية للقسم وللكلية أو المعهد\”.

 

– البند الثاني في المهام الخاصة بالنشاط الجامعي الذي يشير إلي نشاط من خلال الاتحادات والمشاركة في الأنشطة الثقافية والرياضية والاجتماعية، وكذلك المشاركة في المعسكرات الطلابية والرحلات، وهو ما تضمنته المادة 96 التي تنص على \”على أعضاء هيئة التدريس التمسك بالتقاليد والقي الجامعية …….. وعليهم ترسيخ وتدعيم الاتصال المباشر بالطلاب ورعاية شئونهم الاجتماعية والثقافية والرياضية\”، كذلك تحكم طريقة مشاركة أعضاء هيئة التدريس في الاتحادات الطلابية نصوص مواد الباب الثامن من اللائحة التنفيذية من قانون تنظيم الجامعات.(نصوص المواد).

 

– كذلك البند الثالث في النشاط الجامعي يتناول مشاركة عضو هيئة التدريس في وضع الخطط الاستراتيجية والتنفيذية والدراسة الذاتية لكلية، والمساهمة البناءة في أنشطة القسم العلمي التابع له.فقد تناولت المادة 49 من قانون تنظيم الجامعات تشكيل المؤتمر العلمي للكلية أو المعهد وأكدت على حضور جميع أعضاء هيئة التدريس في الكلية أو المعهد المؤتمر العلمي للكلية، كما تناولت المادة 50 من القانون على \” يختص المؤتمر العلمي للكلية أو المعهد بتدارس ومناقشة كافة شئون التعليم والبحث العلمي في الكلية أو المعهد، وتقييم النظم المقررة في شأنها ومراجعتها وتجديدها بما يحقق انطلاقها لملاحقة التقدم العلمي والتعليمي ومطالب المجتمع وحاجاته المتطورة\”.

 

وما سبق يؤكد على أن ما تتضمنه مسودة وزارة التعليم العالي هي تكرار للعديد من النصوص الواردة بقانون تنظيم الجامعات، وهو يدعوا إلي البحث عن تفعيل هذه النصوص.

 

1- هناك بعض المهام التي يطالب بها المشروع هي في الحقيقة مستحيلة التنفيذ في ظل الوضع الحالي للجامعات، لا لشيء غير عدم وجود امكانات متاحة لتحقيق مثل هذه المهام، وهي تخصيص ساعات لمقابلة الطلاب، هل يمكن تحقيقها في ظل عدم وجود مكان ملائم يجلس فيه الأستاذ في أغلب الكليات، وفي ظل العدد الهائل من الطلاب، الذي يصل إلي الآلاف في دفعات بعض الكليات، مما يجعل تواصل الأستاذ مع طلابه أمرا أقرب إلي المستحيل.

 

وفي المقام ذاته، يأتي المطالبة باستخدام طرق تدريس حديثة ومراجع الكترونية، ويأتي السؤال ذاته أين هذه الامكانات التي يمكن أن يستخدمها.

 

2- بعض المهام هي في حقيقة الأمر ليست من متطلبات وظيفة الأستاذ الجامعي، مثل المشاركة في المشروعات الخدمية مثل محو الأمية، وتطوير المشروعات الصناعية.

 

3- بعض هذه المتطلبات تفوق قدرة الأستاذ الجامعي مثل تطوير المعامل والبنية الأساسية بالقسم، فهي في الحقيقة مهمة الجامعة وليست مهمة الأستاذ.

 

4- لا تراعي مهام الجودة المعروضة الفروق النوعية بين التخصصات، فأغلبها يركز علي الحصول علي براءات الاختراع، وخدمة الصناعة، علي حساب التخصصات النظرية والأدبية.

 

5- بعض هذه المهام في حقيقة الأمر غير متاحة لبعض الأساتذة، مثل الأشراف علي الأسر والاتحادات والتي يمنع منها بعض الأساتذة اللذين يحملون وجهات نظر أو توجهات سياسية معارضة.

 

ب‌- آليات مراقبة الجودة:

 

أشار المقترح المقدم أن هذه المعايير سوف يتم التعامل معها من خلال عقد يتم بين عضو هيئة التدريس والجامعة، تضمن التزامه بالمعايير المحددة التي تم اعتبارها معايير للجودة، وأن توقيع هذا العقد سوف يتم بشكل اختياري، وهو في حقيقة الأمر أمر مثير للتعجب لعدة أسباب:

 

1- إذا كنا نتحدث عن الجودة، فيجب أن تكون هذه الجودة ملزمة لكل أعضاء المجتمع الأكاديمي، باعتبارها المعايير العلمية والتربوية التي يمكن من خلالها رفع كفاءة التعليم الجامعي، وليست أمر اختياري يعرض علي الأستاذ الجامعي القيام به من أجل الحصول علي بضعة جنيهات شهريا.

 

2- أشار المقترح إلي أن غير المشتركين في هذا النظام ( من يرفض توقيع العقد) ، سوف يبحث المجلس الأعلى للجامعات عن وسيلة ونظام آخر يلزمه بتحقيق الواجبات المحددة بالقانون، والتي هي في حقيقة الأمر تتداخل بشكل كبير مع المعايير التي يفترضها المقترح، وبالتالي فأن الأستاذ الجامعي يكون في النهاية ملزما بالقيام بها أما بأجر إضافي أو بدون اجر.

 

3- تعتبر مراقبة الالتزام بمثل هذه المعايير أمر يثير العديد من علامات الاستفهام في ظل الوضع الحال للجامعات، الذي يعاني العديد من المشكلات المتعلقة بالشفافية، والانقسام بين الإدارة الجامعية وأعضاء المجتمع الأكاديمي، والصراعات بين الأساتذة، بل هو في حقيقة الأمر وسيلة فعالة في تعميق هذه الصراعات، والفساد والاستبداد الإداري.

 

خــلاصــة

 

من المؤكد أنه لا يمكن علاج مشاكل التعليم الجامعي في مصر دفعة واحدة بعدما عاني من إهمال لسنوات طويلة أدت إلي الحالة التي يشكو منها المجتمع بأكمله وأصبح يمثل خطراً حقيقيا.

 

كما أن أي محاولة لعلاج مشاكل التعليم الجامعي يجب أن تأتي متوازنة في تناولها لكل عناصر العلاج المؤثر دون إغفال لعنصر أو سبق زمني لعنصر على أخر[9]، وهو ما يفتقده المشروع المقترح من وزارة التعليم العالي.

 

يبقي التأكيد علي عدد من النقاط الأساسية:

 

1- يعد هذا المشروع وسيلة لهدم مبدأ تكافؤ الفرص بين أعضاء هيئة التدريس لصالح من ينالون رضا الإدارة الجامعية.

 

2- يثير هذا المشروع تساؤلات حول نية الحكومة إلغاء فكرة التعيين الحكومي والاتجاه نحو العقود المؤقتة لأعضاء هيئة التدريس، وهو ما يرتبط بقضية خصخصة التعليم التي يتسرب عدد كبير من المؤشرات القوية علي نوايا الحكومة حولها.

 

3- يعكس هذا المشروع عدم وعي الحكومة بدرجة كافية بمعني الجودة، والتي تحدثت عنها العديد من الوثائق المحلية والدولية، كما تعكس أيضا عدم الوعي بوجبات وحقوق الأستاذ الجامعي، وما يدخل تحت مهام وظيفته، وما لا يدخل، ويعد بمثابة أنشطة اجتماعية أو ثقافية ليست موضع محاسبة من قبل الجامعة أو الحكومة.

 

4- لا يتضح بشكل كافي لأصحاب المشروع الفرق بين التخصصات المختلفة العلمية والأدبية، ولا بين التخصصات التطبيقية والنظرية.

 

5- يبقي التأكيد بأن تحقيق الجودة لا يمكن أن يتم بمعزل عن المناخ الجامعي العام، والذي يحتاج إلي العديد من الإصلاح قبل الحديث عن عدد ساعات الحضور، أو الأنشطة، وخاصا ما يتعلق بغياب الحريات الأكاديمية وما يرتبط بها من فساد إداري، وسيطرة أمنية كاملة علي أدق شئون المجتمع الأكاديمي، وعدم توفر امكانات مادية مناسبة، وغيرها، وإذا كان الوزير يملك أية نية حقيقة في الإصلاح، فليضع جميع هذه القضايا علي المائدة لتناقش، ويقترح لها حلول.

 

 

 

 

مرفقات بالورقة الحقوقية:

 

1- جدول مرتبات أعضاء هيئة التدريس المرفق بقانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972.

 

2- النصوص القانونية المعنية بواجبات أعضاء هيئة التدريس الواردة بقانون تنظيم الجامعات.

 

 

 

 

[1] – للاطلاع على توصيات المؤتمر الرابع أنظر :

 

http://www.cusclub.com/doc/index.php?module=announce&ANN_user_op=view&ANN_id=178

 

زيارة في 1/ 6 / 2008

 

[2] – بيان صادر عن اللجنة التنسيقية لإضراب أعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية بتاريخ 19 مارس 2008.

 

[3] – انظر مقترح مجلس كلية الآداب جامعة القاهرة في جلسته الطارئة بتاريخ 25/ 5 / 2008 حول موضوع \”الربط بين زيادة مرتبات أعضاء هيئة التدريس وجودة الأداء.

 

– كذلك أنظر مذكرة قسم اللغة الإنجليزية وآدابها – كلية الآداب جامعة حلوان بشأن المقترحات الواردة في ورقة وزارة التعليم العالي بخصوص الربط بين زيادة دخل أعضاء هيئة التدريس وجودة الأداء.

 

– انظر موقف قسم اللغة الفرنسية وقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب جامعة عين شمس المتمثل في رفض مشروع وزارة التعليم العالي.

 

[4] – انظر محضر اجتماع المؤتمر العام لنوادي هيئة التدريس بالجامعات المصرية المنعقد بتاريخ 5/ 6 / 2008 بمقر نادي هيئة تدريس جامعة بنها بخصوص مقترح مشروع وزارة التعليم العالي – صــــ2، 3.

 

[5] – الحكم في الطعن رقم 40 – لسنــة 16 – تاريخ الجلسة 02 09 1995 – مكتب فني 7 – رقم الجزء 1 – رقم الصفحة 194 – تم قبول هذا الطعن].

 

[6] – تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003 – نحو إقامة مجتمع المعرفة – برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي – ص 56.

 

[7] – أعدت وثيقة العمل هذه من أجل المؤتمر العالمي للتعليم العالي في القرن الحادي والعشرين – الرؤية والعمل. وتستند هذه الوثيقة أساسا إلي الوثائق والإعلانات الختامية للمؤتمرات الإقليمية التحضرية الخمسة للمؤتمر العالمي (هافانا، نوفمبر/تشرين الثاني 1996، داكار، ابريل/ نيسان 1997، طوكيو، يوليو/تموز 1997، باليرمو، سبتمبر/أيلول 1997، بيروت، مارس/آذار 1998).

 

 

 

[8] – لمعرفة التفاصيل الخاصة بأجور أعضاء هيئة التدريس انظر الجدول المرفق بقانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972 بشأن جدول المرتبات لأعضاء هيئة التدريس والوظائف المعاونة، المعدل بالقانون رقم 32 لسنة 1983- منشور باجريدة الرسمية العدد 25 مكررا في 29 / 6 / 1983.

 

[9]

 

ذات صلة

Subscribe To AFTE Email List
No Thanks
Thanks for signing up.
We respect your privacy. Your information is safe and will never be shared.
Don't miss out. Subscribe today.
×
×

WordPress Popup Plugin