معنية برصد انتهاكات حقوق التعبير في حق الأفراد و المؤسسات.

الحبس الاحتياطي كعقاب لأساتذة الجامعات المعارضين

للإطلاع على التقرير بصيغة PDF إضغط هنا

أعد التقرير: محمود ناجي

مقدمة

يتناول هذا التقرير انتهاكًا جديدًا يضاف إلى سلسلة انتهاكات أجهزة السلطة في مصر تجاه حرية الرأي والتعبير داخل الجامعات المصرية، وبخاصة، تجاه أعضاء هيئات التدريس والأكاديميين المصريين، المتمثل في اتجاه السلطات الأمنية في مصر إلى حبس أساتذة الجامعات احتياطيًّا على ذمة قضايا سياسية لمعاقبة أعضاء هيئات التدريس على ممارسة حقهم في التعبير عن آرائهم ومشاركتهم في الشأن العام. لقد اتخذ التضييق على حرية الرأي والتعبير، على مستوى إدارات الجامعات خلال السنوات السابقة، أشكالًا متعددة. فعلى سبيل المثال، أصدرت إدارة جامعة كفر الشيخ، في سبتمبر 2015، قرارًا موجَّهًا إلى كليات الجامعة بحظر الظهور الإعلامي وإصدار أو نشر أية مقالات أو تصريحات صحفية، إلا بإذنٍ مسبق من رئيس الجامعة أو موافقة كتابية من “الجهات المختصة بالجامعة”[1]، وتبعتها جامعة قناة السويس في نوفمبر 2015، إذ أصدر رئيس الجامعة قرارًا بالتنبيه على أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة بعدم إصدار أو نشر أي مقالات أو موضوعات أو الظهور بأيِّ من وسائل الإعلام، إلا بعد الموافقة المُسبقة من رئيس الجامعة[2].

وفي واقعة أخرى، أوقفت جامعة الزقازيق الأستاذ بكلية الطب ماهر المغربي في 22 أغسطس 2017 عن العمل لمدة ثلاثة أشهر، بسبب نشره آراء مسيئة للإسلام على موقع “فيسبوك”، حسب بيان كلية الطب البشري بالجامعة[3].  كما أحالت جامعة قناة السويس الدكتورة منى البرنس الأستاذ بكلية الآداب إلى التحقيق الإداري بعد نشرها مقطع فيديو على حسابها الشخصي على فيسبوك _تظهر فيه وهي ترقص على سطح منزلها_ الأمر الذي اعتبرته إدارة الجامعة: “مخالفة للتقاليد والقيم الجامعية والنظام العام والآداب والأخلاق”، وانتهت التحقيقات بإصدار رئيس الجامعة القرار رقم 187 بتاريخ 15 مايو لعام 2018 بعزل الدكتورة منى البرنس من الوظيفة مع الاحتفاظ بالمعاش والمكافأة[4].

وأحالت إدارة جامعة حلوان أستاذ الجيولوجيا بكلية العلوم الدكتور يحيى القزاز إلى مجلس تأديب يوم 28 يوليو 2019، نتيجة لمذكرة تقدم بها عميد كلية العلوم إلى رئيس الجامعة[5]، يتهمه فيها بإهانة رئيس الجمهورية والقوات المسلحة. اعتبر القزاز وقتها أن إحالته إلى التحقيق كان: “بإيعاز من جهات أمنية” بهدف فصله من الجامعة، فرفض، على إثر ذلك، المثول للتحقيق ورفض استلام خطاب التحقيق، مطالبًا رئيس الجامعة وعميد كلية الحقوق بإحالة المذكرة إلى النيابة العامة حيث أنها الجهة المنوط بها التحقيق معه.

وإلى يومنا هذا، ما زالت تقع مثل هذه الانتهاكات ضد أساتذة الجامعات، سواءً فيما يتعلق بآرائهم ومشاركتهم في الشأن العام السياسي والاجتماعي، أو فيما يتعلق بأنشطتهم المرتبطة بتحسين أوضاعهم المالية والإدارية، أو رؤيتهم الإصلاحية لمسار العملية التعليمية. ومن ثم، يناقش هذا التقرير ضمانات حرية الرأي والتعبير لأعضاء هيئات التدريس بالجامعات المصرية، الممنوحة بموجب الدستور والمواثيق والإعلانات الدولية ذات الصلة، كما يُناقش، تفصيلًا، الموقف القانوني لحالات أساتذة الجامعات الذين طالتهم هذه الانتهاكات بسبب مشاركتهم في الشأن العام السياسي والاجتماعي. كما يتعرض لحملة “علماء مصر غاضبون” التي أطلقها عدد من أعضاء هيئات التدريس بالجامعات المصرية للمطالبة بتحسين الأوضاع المالية وزيادة تمويل ميزانيات البحث العلمي.

 ضمانات الحق في حرية الرأي والتعبير لأساتذة الجامعات

لقد سعت الدولة إلى إحكام قبضتها على الجامعات المصرية، من خلال التضييق على الحرية الأكاديمية[6]، وإضعاف استقلال الجامعات المصرية، بوتيرة متزايدة خلال الأربع سنوات الماضية، إلى جانب ممارسة انتهاكات مستمرة للحقوق والحريات الطلابية على مستوى حرية التنظيم وممارسة الأنشطة الطلابية، وصولًا إلى فرض قيود على الحريات الشخصية لطلاب الجامعات أو أعضاء هيئات التدريس على حد سواء.

يمكن القول إن الدولة قررت تأميم مساحات الحرية التي تمتعت بها الجامعات المصرية بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، تمثَّل ذلك في إصدار مجموعة من القوانين والقرارات التي شكلت انتهاكًا فجًّا لاستقلال الجامعات المصرية، كان أبرزها في يوليو 2014 بتعديل قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972، والذي ألغى آلية الانتخاب في اختيار القيادات الجامعية، ووضع سلطة تعيين وإقالة القيادات الجامعية في يد رئيس الجمهورية[7]، ترتب على ذلك تدخلات أمنية عرقلت خطة ترقيات إدارية داخل الجامعات لأسباب متعلقة بتوجهات مستحقيها السياسية.

وكذلك تم تعديل المادة 72 من القانون 103 لسنة 1961 بشأن قانون تنظيم الأزهر، بما يسمح لرئيس الجامعة بعزل أعضاء هيئة التدريس وفصل الطلاب من الجامعة نتيجة ادعاءات تتعلق بالاشتراك في “مظاهرات أو أعمال تخريبية”[8]. وبالفعل، قررت جامعة الأزهر فصل 18 أستاذًا بداعي “تحريضهم على التظاهر”[9] داخل الجامعة والانقطاع عن العمل لمدة تجاوزت ستة أشهر، كان ذلك على خلفية تغيُّبهم عن الجامعة بسبب احتجازهم على ذمة قضايا سياسية. منهم الدكتور عبد الرحمن البر الأستاذ بكلية أصول الدين بالمنصورة، والدكتور محمد البلتاجي الأستاذ بكلية الطب بنين بالقاهرة، بالإضافة إلى اشتراط “موافقة أمنية”[10] قبل سفر أعضاء هيئات التدريس إلى الخارج بغرض الدراسة أو حضور مؤتمرات علمية في جامعات أجنبية.

تتعدى هذه الممارسات كونها انتهاكًا لاستقلال الجامعات أو الحرية الأكاديمية، أو الحقوق والحريات التي يجب أن يتمتع بها أعضاء المجتمع الأكاديمي، حيث تسعى من خلالها السلطات التنفيذية إلى القضاء على كل فرص العمل السياسي العام، من قبل الأساتذة أو الطلاب، وكذلك وأد كافة محاولات إصلاح نظام التعليم الجامعي ذاته. على هذا النحو لم تترك الدولة، متمثلة في سلطاتها التنفيذية، مساحة داخل الجامعات لم تخضعها لسيطرتها، فهي لم تتوانَ عن استغلال أي فرصة لتأكيد سيطرتها على الجامعات بكل مكوناتها من طلاب وأعضاء هيئات تدريس ومنتج بحثي في أحيان أخرى[11].

يتمتع أعضاء هيئات التدريس بالجامعات المصرية، شأنهم شأن باقي أفراد المجتمع بكافة الحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور والمواثيق الدولية ذات الصلة، ويكفل الدستور المصري حرية الفكر والرأي والحق في التعبير بكافة الأشكال الممكنة في المادة 65 التي تنص على “حرية الفكر والرأي مكفولة” وأن “لكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول، أو بالكتابة، أو بالتصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر”، كما أكدت المادة (22) أيضًا على أن المعلمين، وأعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم، الركيزة الأساسية للتعليم، تكفل الدولة تنمية كفاءاتهم العلمية ومهاراتهم المهنية، ورعاية حقوقهم المادية والأدبية، بما يضمن جودة التعليم وتحقيق أهدافه. وطبقًا للدستور، تلتزم الدولة بالعمل على توفير التعليم الجامعي وفقًا لمعايير الجودة العالمية، وخصص الدستور في المادة (21) منه نسبة 2% من  الإنفاق الحكومي للتعليم الجامعي من إجمالي الناتج المحلي إلا أن هذه النسبة يتم تفسيرها في الموازنة العامة للدولة بإجمالي الإنفاق على التعليم الجامعي بكل مؤسساته[12].

وبالإضافة إلى اهتمام الدستور المصري بتحسين أحوال التعليم الجامعي، وبالتبعية، تحسين أحوال أعضاء هيئات التدريس، أدبيًّا وعلميًّا وماديًّا، وكذلك اهتمامه بصيانة حقوقهم السياسية وحريتهم في إبداء الرأي واعتناق الأفكار والمشاركة في الشأن العام، اهتمت المواثيق الدولية بالأمر نفسه. على سبيل المثال: تنص توصية المؤتمر العام لمنظمة اليونسكو المنعقد في عام 1997 بشأن أوضاع هيئات التدريس في التعليم العالي، في ديباجتها: “يعرب المؤتمر العام عن قلقه إزاء تعرض الأوساط الأكاديمية لضغوط سياسية سلبية يمكن أن تقوِّض أركان الحرية الأكاديمية، وبالنظر إلى أن الممارسة الكاملة للحق في التعليم والتدريس وإجراء البحوث لا يمكن أن تتحقق إلا إذا كانت مؤسسات التعليم العالي تتمتع بالحرية الأكاديمية والاستقلال الذاتي، وأن إبلاغ النتائج والفرضيات والآراء دون قيود يعد ركيزة أساسية للتعليم العالي ويوفر أقوى ضمان للدقة الموضوعية في الدراسات والبحوث العلمية” [13]. وفي الباب السادس من التوصية الخاص بحقوق وحريات أعضاء هيئات التدريس في التعليم العالي جاء أنه: “ينبغي أن يتمتع أعضاء هيئات التدريس في التعليم العالي، شأنهم شأن سائر الجماعات والأفراد، بالحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والثقافية المعترف بها على الصعيد الدولي التي تسري على جميع المواطنين. وبالتالي، ينبغي أن يتمتع جميع أعضاء هيئات التدريس بحرية الفكر والوجدان والدين والتعبير والاشتراك في الاجتماعات والجمعيات، وكذلك بالحق في الحرية والأمان على أشخاصهم وفي حرية التنقل، ولا ينبغي أن يكون هناك أي عائق أمام ممارستهم لحقوقهم المدنية كمواطنين، بما فيها الحق في الإسهام في التغيير الاجتماعي من خلال التعبير الحر عن آرائهم في سياسات الدولة والسياسات التي تؤثر على التعليم العالي، ولا يجوز أن تفرض عليهم أي عقوبات لمجرد ممارستهم لهذه الأنشطة، ولا يجوز إخضاع أعضاء هيئات التدريس في التعليم العالي للتوقيف والاعتقال تعسفًا ولا للتعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة…”[14].

قمع مشاركة الأساتذة في الشأن العام

يخضع الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة للحبس الاحتياطي منذ يوم 25 سبتمبر 2019، وذلك بعد أن ألقت الأجهزة الأمنية القبض عليه أثناء عودته من عمله، وعُرِض على نيابة أمن الدولة التي وجهت إليه تهم نشر وإذاعة أخبار وبيانات كاذبة، واستخدام حساب على شبكة مواقع التواصل الاجتماعي لبث تلك الأخبار الكاذبة. وقد قررت النيابة حبسه 15 يومًا على ذمة التحقيقات في القضية رقم 488 لسنة 2019[15]. وتحرص نيابة أمن الدولة على استمرار حبس نافعة “احتياطيًّا”[16] منذ ذلك الحين حتى وقت كتابة هذه السطور.

لم يكن هذا هو الانتهاك الأول الذي يتعرض له نافعة بسبب ممارسة حقه في التعبير عن آرائه، فقد أذاعت وسائل إعلام مصرية “مقربة من السلطة”[17] تسجيلًا صوتيًّا يجمع بين الصحفي مصطفى الأعصر المحبوس احتياطيًّا منذ 15 فبراير 2018 على ذمة القضية 441 لسنة 2018 بتهمة الانضمام لجماعة أسست على خلاف أحكام القانون، وأستاذ العلوم السياسية حسن نافعة، يدعوه فيه الأول إلى المشاركة في فيلم تسجيلي تنتجه إحدى الشركات لصالح قناة الجزيرة الفضائية. وهو ما يبدو أنه كان السبب الرئيسي للقبض على الأعصر آنذاك، ويبدو أن الأجهزة الأمنية أعادت استخدام هذا التسجيل الصوتي للقبض على نافعة أخيرًا.

وفي اليوم نفسه، ألقي القبض على الدكتور حازم حسني، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والذي شغل منصب المتحدث الرسمي باسم حملة الفريق سامي عنان للترشح لرئاسة الجمهورية، والمعروف بآرائه المعارضة لسياسات الرئيس عبد الفتاح السيسي، وعُرض على نيابة أمن الدولة التي واجهته بتهم: مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها، وبث ونشر إشاعات كاذبة تحض على تكدير الأمن العام، وإساءة استخدام إحدى وسائل التواصل الاجتماعي، ببث ونشر إشاعات كاذبة. وأمرت بحبسه احتياطيًّا 15 يومًا على ذمة التحقيق في القضية رقم 488 لسنة[18] 2019.

وعقب القبض على حسني، أصدر فريق الدفاع عنه بيانًا يطالب بالإفراج الفوري عنه[19]، نظرًا إلى ظروفه الصحية الحرجة. وقال الدكتور نور فرحات أستاذ القانون والمحامي بالنقض على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، إن: “الحبس الاحتياطي إجراء استثنائي تحفظي لا يصح التوسع فيه إلا بضوابطه ومبرراته، وأن مجتمع الشرعية وسيادة القانون يجب أن تصان فيه حرية الرأي والتعبير، وتقدير الظروف الصحية للدكتور حازم حسني ومكانته العلمية وعطائه عبر السنين”. وما زالت نيابة أمن الدولة العليا تجدد حبس حسني حتى الآن متجاهلة حالته الصحية والمطالبات بإخلاء سبيله لانتفاء مبررات حسبه احتياطيًّا.

وفي يوم الثلاثاء 23 سبتمبر 2019 اعتقلت الأجهزة الأمنية الدكتور مجدي قرقر، أستاذ ورئيس قسم التخطيط البيئي والبنية الأساسية بكلية التخطيط العمراني بجامعة القاهرة، والأمين العام لحزب الاستقلال بعد أن اقتحمت منزله فجرًا[20]. وبعد أن ظل مختفيًا لمدة 12 يومًا، لا تعلم أسرته مكان احتجازه ولا سبب القبض عليه، ظهر يوم 5 أكتوبر في نيابة أمن الدولة العليا للتحقيق معه على ذمة القضية 1350 لسنة 2019 حصر أمن دولة بتهمة الانضمام إلى جماعة إرهابية[21].

جاء اعتقال قرقر على رأس مجموعة كبيرة من قيادات حزب الاستقلال، ففي اليوم نفسه اعتقل الدكتور أحمد الخولي الأمين العام المفوض للحزب، والدكتورة نجلاء القليوبي، زوجة الصحفي مجدي حسين رئيس الحزب، الذي ما زال محبوسًا. وضمت الاعتقالات أيضًا أمين التنظيم بالحزب محمد الأمير، والمحامية والناشطة الحقوقية سحر علي عضو اللجنة القانونية للحزب، ومحمد القدومي أمين لجنة الإعلام بالحزب بمدينة المنزلة، ومحمد شادي عضو اتحاد شباب الحزب وأحمد القزاز أمين لجنة التنظيم والعضوية بمدينة المنزلة، ومحمد مراد أمين اللجنة المركزية للعمال وعضو اللجنة التنفيذية بالحزب.

كما جرى القبض على أحمد حمدون، المدرس المساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، يوم 28 سبتمبر، بعد أن اقتحمت الأجهزة الأمنية أحد المقاهي، حيث تواجد هو بصحبة شقيقه المحامي الحقوقي محمد حلمي حمدون، وزوجته الناشطة النسوية أسماء دعبيس[22]. إذ تعرض ثلاثتهم لاختفاء قسري، إلى أن تم نقلهم من دمنهور إلى القاهرة لبدء التحقيق معهم على ذمة القضية 1338 لسنة 2019، بتهمة مشاركة جماعة إرهابية مع العلم بأغراضها، ونشر أخبار كاذبة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والتظاهر بدون تصريح. واستمر حبس المعيد أحمد حمدون على ذمة القضية حتى أخلي سبيله يوم 30 نوفمبر الماضي[23].

حملة “علماء مصر غاضبون”: وأد محاولة إصلاحية

لم تتوقف انتهاكات الأجهزة الأمنية عند التضييق على مشاركة أساتذة الجامعات وأعضاء هيئات التدريس في الشأن العام السياسي والاجتماعي، بل امتدت إلى الحجر على محاولاتهم التي تستهدف إصلاح بنية التعليم الجامعي وتحسين أوضاع الأساتذة المالية والمادية والعلمية والأدبية. فقد دشن مجموعة من أساتذة الجامعات حملة إلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي في النصف الثاني من شهر أغسطس 2019، للمطالبة بتحسين الأوضاع المالية وزيادة رواتب ومعاشات أعضاء هيئات التدريس بالجامعات المصرية والعاملين بالبحث العلمي في مصر، بالإضافة إلى تحسين منظومة الرعاية الصحية لهم، إلى جانب زيادة التمويل الحكومي الموجه إلى البحث العلمي في مصر حتى يوازي المعدلات العالمية[24]. ونشر عدد كبير من أعضاء هيئات التدريس شكاوى تتعلق بتكاليف الأبحاث العلمية الباهظة وتكاليف النشر في المجالات العلمية الدولية[25]، ظهرت تلك التدوينات مع هاشتاج “علماء مصر غاضبون” على مواقع التواصل الاجتماعي.

وكان على رأس مطالب أعضاء هيئات التدريس المشاركين في الحملة زيادة الرواتب التي “لم تشهد أي تعديلات منذ صدور قانون تنظيم الجامعات ولائحته التنفيذية الصادر عام 1972”[26] كما طالبوا برفع المعاشات بحيث لا تقل عن حد أدنى 80% من إجمالي آخر مبلغ حصل عليه عضو هيئة التدريس عند خروجه لسن المعاش[27].

ونشر الدكتور عبد العظيم  جمال،  أستاذ المناعة والميكروبيولوجي بجامعة قناة السويس، مقالًا يتناول فيه مطالب الحملة والمشاكل التي تواجه أعضاء هيئة التدريس، ذكر فيه أن: “معاش الأستاذ إذا توفي حوالي 1200جنيه، والأستاذ المساعد 700 جنيه، والمدرس حوالي 500 جنية، المعيد 250 جنيه”[28]، كما تطرق الدكتور جمال إلى مشكلة تمويل الأبحاث العلمية، التي على حد تعبيره تصل تكلفتها في بعض التخصصات إلى عشرات الآلاف من الجنيهات بالإضافة إلى تكلفة النشر في المجالات العملية الدولية، وذكر جمال أن بعض أساتذة الجامعات لم يتمكنوا من دفع رسوم نشر أبحاثهم بعد قبولها، إلى جانب أهمية هذه الأبحاث العلمية فإن عضو هيئة التدريس يحتاجها أيضًا للحصول على الترقيات الوظيفية حيث يحتاج الدكتور ثمانية أبحاث في كل ترقية.

وبعد أن لاقت الحملة تفاعلًا كبيرًا من جانب أعضاء هيئات التدريس في الجامعات المصرية المختلفة، ألقت أجهزة الأمن القبض على اثنين من أساتذة الجامعات النشطين في إدارة وترويج الحملة، وهما: عبد العزيز حسن مدرس بجامعة بنها، وعبد العظيم جمال مدرس بجامعة قناة السويس، وقال جمال على حسابه على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” أنه تلقى استدعاءً من جهاز الأمن الوطني للحديث بخصوص الحملة ومطالب الأساتذة وأنه تعرض لمعاملة تليق بأستاذ جامعي شكلًا ومضمونًا، مشيرًا إلى أن وزارة التعليم العالي لم ترسل تقارير عن الحملة إلى الأجهزة الأمنية، وأن الأمر كله كان بغرض التعرف على هوية المشاركين في الحملة وتوجهاتهم[29].

كما أُلقي القبض على الدكتور طارق الشيخ، الأستاذ المساعد بكلية الحقوق بجامعة الزقازيق، ومدير صفحة الحملة على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، حيث اقتيد من بيته إلى أحد مقرات جهاز الأمن الوطني مساء يوم 31 أغسطس “بدون إذن من النيابة”، وانقطعت أخباره حتى ظهر في نيابة أمن الدولة يوم 4 سبتمبر التي قررت حبسه احتياطيًّا 15 يومًا على ذمة التحقيق بتهمة إنشاء حساب إلكتروني يحتوي على أفكار وأخبار كاذبة تضر بالسلامة العامة، وحيازة منشورات تحتوي على أفكار مغلوطة بهدف تعطيل العمل[30]. واستمرت نيابة أمن الدولة العليا في تجديد حبس الدكتور طارق الشيخ حتى أمرت بإخلاء سبيله، بعد قرابة شهرين ونصف من الحبس الاحتياطي، في 13 نوفمبر 2019، إلا أنه لم يخرج إلا يوم 17 نوفمبر[31]. وتجدر الإشارة إلى أن الدكتور طارق الشيخ كان مكلفًا، بشكل رسمي، من قبل المجلس الأعلى للجامعات، بدراسة تحسين الأحوال المالية لأساتذة الجامعات[32].

وفي أثناء فترة حبس الشيخ احتياطيًّا أرسلت “مجموعة 9 مارس” لاستقلال الجامعات خطابًا إلى رئيس جامعة الزقازيق الدكتور عثمان السيد شعلان، تطالبه فيه بالتدخل بكل السبل والوسائل الممكنة لخروج دكتور طارق الشيخ من محبسه، حيث أن تهمته أنه طالب بحقوقه المشروعة وحقوق زملائه في تحسين أوضاعهم المالية داخل الجامعات المصرية[33].

أما رد فعل إدارة كلية الحقوق بجامعة الزقازيق على ما تعرض له الشيخ وحبسه، مع أول شهر لحبسه احتياطيًّا، فكان إيقافه عن العمل، ما يخالف المادة 64 من القانون رقم 81 لسنة 2016 التي تنص على أن: “كل موظف يحبس احتياطيًّا أو تنفيذًا لحكم نهائي يوقف عن عمله، بقوة القانون مدة حبسه ويحرم من نصف أجره إذا كان الحبس احتياطيًّا أو تنفيذًا لحكم جنائي غير نهائي”. وبالرغم من إرسال نيابة أمن الدولة إلى كلية الحقوق خطابًا رسميًّا يفيد بأن الشيخ محتجز احتياطيًّا على ذمة التحقيق، فبعد أن أُخلي سبيله، توجه الشيخ إلى كلية الحقوق بجامعة الزقازيق ليتسلم عمله، وقدم طلبًا رسميًّا إلى عميد الكلية، إلا أن الأخير أخبره بأنه لا بد من موافقة رئيس الجامعة أولًا. ذهب الشيخ إلى مكتب رئيس الجامعة الذي وعده بالنظر فورًا في الأمر، إلا أنه أحال الأمر إلى الشئون القانونية، كان ذلك في يوم 18 نوفمبر، ولمدة أسبوعين لم تقم الجامعة بتسليمه عمله ولم يتمكن من مقابلة رئيس الجامعة مرة أخرى، بعد ذلك تم إخطاره بموافقة رئيس الجامعة على استلامه العمل، ولكن فوجئ الشيخ بعد ذلك بأنه صدر قرار متزامن بتحويله إلى التحقيق[34].

خاتمة وتوصيات

تسعى مؤسسة حرية الفكر والتعبير من خلال إصدار هذا التقرير إلى تسليط الضوء على عدد قليل من حالات الحبس التي يتعرض لها أساتذة الجامعات المصرية، وإذ تؤكد المؤسسة على أن مثل هذه الانتهاكات التي تهدف إلى إبعاد أعضاء هيئات التدريس عن إبداء آرائهم في قضايا الشأن العام أو التعبير عن آرائهم باعتبارهم متخصصين في مجالات عملهم، يجب أن تقابل بمعارضة من إدارات الجامعات. إذ يجب على الأخيرة أن تضمن حماية الحرية الأكاديمية والحق في حرية التعبير لأعضاء هيئات التدريس بما يحافظ على قدرتهم على أداء مهام عملهم الأكاديمي والقيام بدورهم في خدمة المجتمع ونشر المعرفة التي يدرسوها بكل الصور المتاحة، وعلى نوادي أعضاء هيئات التدريس دعم الأساتذة المحبوسين على خلفية التعبير عن آرائهم. ونتيجة لما رصده التقرير تتقدم المؤسسة بهذه التوصيات:

  • على النيابة العامة إخلاء سبيل أساتذة الجامعات “الدكتور حسن نافعة، الدكتور حازم حسني، الدكتور مجدي قرقر” على خلفية تعبيرهم عن آرائهم السياسية، وإسقاط كافة التهم الموجهة إليهم.
  • على وزارة التعليم العالي بحث مطالب أعضاء هيئات التدريس التي رفعتها حملة “علماء مصر غاضبون” والتي حبس على إثرها الدكتور طارق الشيخ.

 

[1] حسن الأزهري، حرية التعبير والعاملون بالدولة "دراسة قانونية"، نشر في 24 يونيو 2019، رابط :https://bit.ly/2VSteFI[2] نشرة الحرية الأكاديمية العدد (3) ديسمبر 2015، نشر في 10 يناير 2016، رابط: https://bit.ly/2vH4RQL[3]  "تقنين القمع" كيف تحكم السلطة حصارها على حرية التعبير، التقرير السنوي عن حالة حرية التعبير في 2017، نشر في يناير 2017، آخر زيارة 9 مارس 2020، رابط: https://bit.ly/39DUKee 
[4] "قمع بروح الطوارئ" تقرير حول حرية التعبير في العام 2018، نشر في 23 يناير 2019، رابط: https://bit.ly/330ZDLE[5] تعبير محاصر من الشارع إلى الإنترنت، التقرير السنوي عن حالة حرية التعبير للعام 2019، نشر في 19 فبراير 2020، رابط: https://bit.ly/39CCjXh[6]EGYPT:ATTACKS ON ACADEMIC FREEDOM Require Global Response,scholarsatrisk,posted on April10,2019
[7] محمد متولي، الوطن، في 11 شهرًا السيسي يصدر82 قرارًا جمهوريًّا بمعدل "واحد كل أسبوع"، نشر 24 مايو 2015، رابط: https://bit.ly/2PXL5XU[8]  راجع الهامش السابق.
[9] محمود علي، مصراوي، جامعة الأزهر تقرر فصل عبد الرحمن البر والبلتاجي لانقطاعهم عن العمل، نشر في 21 إبريل 2014، رابط: https://bit.ly/2Q0IsEJ[10]  محمود ناجي، في انتظار رد الأمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئات التدريس، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، نشر في 19 يونيو 2019، رابط: https://bit.ly/2W3Jhkd[11] نشرة الحرية الأكاديمية، الإصدار رقم (6) ديسمبر 2016، نشر في 19 يناير 2019، رابط: https://bit.ly/39BBzBF[12] الدستور المصري، رابط: https://bit.ly/2TxRcEu[13] توصية المؤتمر العام لمنظمة اليونسكو المنعقد في عام 1997 بشأن أوضاع هيئات التدريس في التعليم العالي، رابط: https://bit.ly/33ajNmI[14] راجع الهامش السابق.
[15] السلطات في مصر تلقي القبض على عدد من المعارضين البارزين، بي بي سي، نشر في 25 سبتمبر 2019، رابط: https://bbc.in/2wK2JaJ[16] تجديد حبس الصحفي "خالد داوود" الرئيس السابق لحزب الدستور والصحفي بمؤسسة الأهرام 45 يومًا، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، نشر في 20 فبراير 2020، رابط: https://bit.ly/2TyP5jO[17] محمد ناجي، تقرير عن الهجمة الأمنية على مدى مصر: إلى أي مدى تحترم الدولة حرية الصحافة في مصر، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، نشر في 4 ديسمبر 2019، رابط: https://bit.ly/2TyQNBK[18] راجع هامش رقم 15.
[19] سارة نور، مطالب بالإفراج عنهما.. تفاصيل القبض على "حازم حسني وحسن نافعة"، مصر العربية، 25 سبتمبر 2019، آخر زيارة 9 مارس 2020، رابط: https://bit.ly/2wJSC68[20] راجع هامش رقم 15.
[21] تقرير متابعة القضية 1358 لسنة 2019 حصر أمن دولة والمعروفة إعلاميًّا باسم قضية حزب الاستقلال، الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، نشر في 24 يناير 2020، رابط: https://bit.ly/2Q2QUn8[22] حملات على السيارات في شوارع مصر قبل "مليونية الجمعة"، العربي الجديد، نشر في 26 سبتمبر 2019، رابط: https://bit.ly/331w1xG[23]  تعبير محاصر من الشارع إلى الإنترنت، التقرير السنوي عن حالة حرية التعبير للعام 2019، نشر في 19 فبراير 2020، رابط: https://bit.ly/39CCjXh[24] مي السيد، علماء مصر غاضبون "هاشتاج" لمطالب أساتذة الجامعات، إضاءات، نشر في 28 أغسطس 2019، تاريخ آخر زيارة 9 مارس 2020، رابط: https://bit.ly/331qUxA[25] عبد العظيم الجمال، حظر وتكدير ومهنة سامية.. التعليم العالي تشعل غضب أساتذة الجامعات، البيان، نشر في 23 أغسطس 2019، رابط: https://bit.ly/2TBHTDJ[26] راجع قانون تنظيم الجامعات الصادر عام 1972، رابط: https://bit.ly/2v65u5U[27] راجع هامش رقم 25.
[28] راجع هامش رقم 25.
[29] أحمد ممدوح، علماء مصر غاضبون.. وفقراء أيضًا، المنصة، نشر في 5 سبتمبر 2019، تاريخ آخر زيارة 9 مارس 2020، رابط: https://bit.ly/39NyluI[30] منشور على الصفحة الشخصية للدكتور خالد سمير على مواقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، رابط: https://bit.ly/2xnTNZb[31]  منشور على الصفحة الشخصية للمحامي ناصر أمين على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، رابط: https://bit.ly/2xnTNZb[32]  تعبير محاصر من الشارع إلى الإنترنت، التقرير السنوي عن حالة حرية التعبير للعام 2019، نشر في 19 فبراير 2020، رابط: https://bit.ly/39CCjXh[33]  تجديد حبس الدكتور طارق الشيخ أحد "علماء مصر غاضبون" ورسالة من أساتذة الجامعات، بوابة التحالف، نشر في 30 أكتوبر 2019، رابط: https://bit.ly/2TRrmdv[34] راجع هامش رقم (30).
ذات صلة