معنية برصد انتهاكات حقوق التعبير في حق الأفراد و المؤسسات.

فيديو الواقي الذكري وتناقضات ردود الفعل تجاهه

تامر موافي
الباحث بمؤسسة حرية الفكر والتعبير

مقدمة

فجر الفيديو الذي نشره كل من شادي أبو زيد (فلوجر ومراسل لبرنامج فكاهي) وأحمد مالك (ممثل)، ويظهران فيه وهما يقدمان واقيات ذكرية منفوخة على شكل بالونات إلى جنود اﻷمن المركزي الموجودين في ميدان التحرير في الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير التي توافق عيد الشرطة المصرية، عاصفة من المطالبات الغاضبة بإنزال أقسى عقوبة ممكنة بهما جزاء ما أعتبر إهانة بالغة لجهاز الشرطة يسقط هيبته وهيبة الدولة. وفي حين يمكن تفسير المبالغة الكبيرة في تعليقات كثير من الغاضبين من المحسوبين على تيار الولاء والدعم للنظام السياسي الحالي بواقع الاستقطاب السياسي الناشئ منذ بدأت الثورة المصرية في يناير 2011 والمتزايد خلال اﻷعوام التالية وبصفة خاصة في أعقاب اﻹطاحة بالرئيس اﻷسبق محمد مرسي، إلا أن تعبير كثير من المعارضين للنظام عن إدانتهم للفيديو ﻷسباب أخلاقية يجعل من قراءة الموقف ككل من خلال السياق السياسي وحده قاصرة إلى حد بعيد.

لا شك أن الواقع الذي تمر به مصر حاليا مسؤول بشكل مباشر وغير مباشر عن جانب كبير من المناخ السائد والمعادي بشكل واضح لحرية التعبير واﻹبداع. فالدوافع السياسية واضحة تماما في عديد من الملاحقات اﻷمنية والقانونية للآلاف من معارضي النظام على خلفية ممارسات تندرج تحت أشكال مختلفة من التعبير؛ بدءا من التظاهر السلمي ومرورا بالتدوين والنشر على صفحات شبكات التواصل الاجتماعي، وصولا إلى الكتابة الصحفية والأدبية وأشكال التعبير الفني المختلفة. ولكن الفترة اﻷخيرة قد شهدت ملاحقة عدد من المؤيدين للنظام بشكل واضح، كما طالت الملاحقة عشرات ممن ليس لهم توجه أو موقف سياسي من أي نوع، وكان ذلك على خلفية ممارسات لحرية التعبير واﻹبداع أيضا.

حتى نضع الأثر الحقيقي للاستقطاب السياسي في حجمه الصحيح فعلينا أن ندرك أن الفعل السياسي لا ينشأ في فراغ، وهو في حاجة إلى تبرير نفسه من خلال الاعتماد على بعض من ثوابت الثقافة السائدة في المجتمع، كما أنه يلجأ في معظم الوقت إلى ممارسات ذات سوابق مقبولة مجتمعيا. ويمكن التدليل على ذلك من خلال ملاحظة أن الملاحقات الأمنية طالت كثيرين تكرر أنماطا شائعة لم تخل منها أي فترة سابقة من تاريخ مصر المعاصر. فملاحقة أصحاب رأي أو مبدعين بدعوى تعديهم على هيبة الدولة أو ثوابت الدين واﻵداب العامة هي ممارسة مستقرة في الواقع المصري وعابرة للأنظمة السياسية المختلفة منذ ما قبل عهد الملكية وحتى اليوم. وفي هذا اﻹطار فإن ما يشهده الواقع الحالي هو ازدياد في معدل الملاحقة لا يزال يعتمد على القبول المجتمعي كما أنه في حالات كثيرة يستهدف منافقة هذا القبول.

أرضية القبول المجتمعي التي تنبني عليها جميع صور الملاحقة للمبدعين وأصحاب الرأي تواجه المدافعين عن حقوق اﻹنسان بإشكاليات تتجاوز أدواتهم المعتادة في التعامل مع الانتهاكات الشائعة لحرية التعبير واﻹبداع. لا يتعلق اﻷمر دائما بتفسير نصوص العهود والمواثيق والاتفاقات الدولية ومعاودة التأكيد على كونها ملزمة للدولة، كما أنه لا يتعلق فقط بالمطالبة بإعمال مواد الدستور وتنقية القوانين من النصوص التي تطولها شبهة عدم الدستورية. فعلى مستو أكثر أساسية من ذلك ثمة اﻹطار المرجعي الذي يحكم تفسير النصوص والتطبيق العملي لها، واﻷهم من ذلك أن هذا اﻹطار يحكم المفاهيم والمصطلحات والعلاقات اﻷساسية التي يدور في فلكها كل خطاب حول حرية التعبير واﻹبداع. ويشمل ذلك تعريفات أساسية كتعريف المنتج اﻹبداعي والممارسات التي يمكن اعتبارها محمية بحرية التعبير، وحدود مفاهيم مثل اﻷمن القومي والآداب العامة إلخ. فينبغي ملاحظة أن هذه المصطلحات والمفاهيم لا تخضع بشكل كامل لمعايير موضوعية واضحة ولكنها تستمد تعريفها من الثقافة السائدة، ويخضع الاستخدام العملي لها لتناقض رئيسي دائم في أي ثقافة بين واقعها اليومي المعاش وبين الذات الجمعية المثالية المتخيلة لها. وتكمن اﻷزمة الرئيسية للمجتمع المصري بهذا الخصوص تحديدا في رفض عنيد ﻹيجاد مساحة تصالح مستقرة لهذا التناقض. فالمجتمع بمؤسساته المختلفة يفضل التعامل مع التناقض على كونه عابر ومؤقت وناتج عن مؤثرات خارجية دخيلة. وفي هذا اﻹطار يتخذ من أصحاب الرأي والمبدعين هدفا دائما للاتهام بانهم أحد أدوات التأثير على الواقع المعاش ودفعه بعيدا عن الصورة المثالية اﻷصيلة والحقيقية للمجتمع.

في الضجة المثارة حول فيديو الواقي الذكري ملامح عدة لبعض المحاور التي تتقاطع فيها العناصر السابق اﻹشارة إليها. فثمة أولا الاختلاف حول اعتبار الفيديو عملا إبداعيا باﻷساس، فقد فضل أغلب من علقوا عليه وصفه بالنكتة العملية أو المقلب باللغة الدارجة. وفي خلفية هذا التفضيل الاعتماد على تصور شائع لضرورة توافر شروط شكلية محددة لعمل ما حتى يمكن اعتباره عملا إبداعيا ومن ثم الدفاع عنه تحت مظلة حرية اﻹبداع. وثمة ثانيا الاختلاف حول تنزيه مؤسسات بعينها عن السخرية إما لأن تمثل هيبة الدولة بشكل مباشر أو ﻷن دورها تجاه المجتمع ينبغي أن يعامل بقدر استثنائي من الاحترام، وينطوي هذا الطرح على وضع حدود لما ومن يمكن أن تتناوله صور التعبير المختلفة بطريقة سلبية في المطلق أو باستخدام أساليب بعبنها مثل السخرية. وثمة أخيرا الاختلاف حول أخلاقية استغلال جهل مجندي اﻷمن المركزي البسطاء لتمرير نكتة تستهدف السخرية من جهاز الشرطة.

هل يعتبر الفيديو عملا إبداعيا؟

تقييد تعريف العمل اﻹبداعي بقيود شكلية إما بقصره على مجموعة من الفنون وحدها واستبعاد غيرها أو بقصره على ما يحقق مستوى فني معين وفق تقييم المختصين هو أمر مستقر في التعامل اليومي مع المنتجات الفنية المختلفة. وهو يستخدم بصفة دائمة في حجب مظلة حماية حرية اﻹبداع عن عديد من الممارسات. ويتداخل هذا التقييد في حالات كثيرة مع شكل آخر من القيود المفروضة على تعريف العمل اﻹبداعي وهو القيد اﻷخلاقي، ففي حين تعتبر بعض أساليب التعبير الساخر أدنى من أن توصف بالعمل الفني، فإن فنونا كالرقص الشرقي تستبعد أيضا لخليط من اﻷحكام الشكلية الفنية هي في اﻷساس تغلف أحكاما أخلاقية.

في واقع اﻷمر لا يوجد تعريف موضوعي للعمل اﻹبداعي أبعد من كونه شكلا من أشكال التعبير لا يستخدم الخطاب المباشر. بخلاف ذلك فإن الحكم على قيمة أي عمل هو أمر نسبي حتى إذا اعتمد على الجهد اﻷكاديمي الضخم لدراسة الفنون واﻵداب وللنقد الفني واﻷدبي بصفة عامة، فعلى أهمية هذا الجهد اﻷكاديمي فإن العاملين في إطاره لا يحق لهم نزع صفة اﻹبداع عن أي ممارسة للتعبير ما دامت قد خرجت عن الشكل التقريري المباشر واستخدمت أدوات وتقنيات فنية مختلفة. وفي هذا اﻹطار فإن فيديو الواقي الذكري هو عمل إبداعي بلا أدنى شك بغض النظر عن تقييم أي أحد لقيمته الفنية أو حتى نزعه ﻷي قيمة فنية عنه. وفي سياق متصل لا يمكن التذرع باستخدام الفيديو لإيحاء جنسي واضح لنزع صفة العمل اﻹبداعي عنه، ففي التجربة التاريخية لكل أنواع الفنون كان الجنس حاضرا بالتصريح أو اﻹيحاء أو اﻹشارة طول الوقت.

في سياق الواقع المصري تحقق أعمال شبيهة بفيديو الواقي الذكري نجاحا كبيرا يدلل عليه الزيادة الكبيرة في معدلات إنتاجها وانتشارها وبصفة خاصة من خلال شبكة اﻹنترنت، وانتقال كثير منها إلى شاشات القنوات الفضائية لتحقق نسب مشاهدة لا يضاهيها أي مادة أخرى تقدمها هذه القنوات. أعمال شادي أبو زيد نفسه نموذج واضح لهذا النمط فقد حققت أعماله التي نشرها من خلال موقع يوتيوب YouTube نجاحا كبير جذب اهتمام أحد البرامج التليفزيونية الشهيرة فاستعان بعمله كمراسل له، وهذا البرنامج نفسه انتقل إلى شاشة التليفزيون بعد تحقيق الشخصية المحورية فيه لنجاح كبير من خلال شبكة الإنترنت. وفيما يتعلق باستخدام الفيديو لإيحاء جنسي فإن النوعية الناجحة التي ينتمي إليها من اﻷعمال تكاد لا تخلو من هذه اﻹيحاءات بما في ذلك ما انتقل منها إلى شاشات التليفزيون ليصل إلى شرائح أوسع من المشاهدين من كافة اﻷعمار في بيوتهم.

على أرض الواقع إذًا لا يمثل نزع صفة العمل اﻹبداعي عن الاسكتشات الساخرة عقبة دون إقبال الملايين على مشاهدتها، ومع ذلك فهم لا يجدون مشكلة في تقبل القول بأنها ليست أعمالا إبداعية حقيقية. هذه الازدواجية بين ما يمكن قبوله في الواقع وبين رفضه في الخطاب الرسمي هي المدخل الرئيسي الذي يجعل باﻹمكان ملاحقة أي عمل في أي وقت مع استخدام تبرير كونه ليس عملا إبداعيا ينبغي تمتعه بالحماية المفترضة لحرية اﻹبداع. ويمثل ذلك نمطا سائدا في التعامل على كافة المستويات بما في ذلك التعامل القانوني نفسه. فالقانون وفق نصوصه يجرم بعبارات فضفاضة كل ما من شأنه خدش الحياء العام، وفي التطبيق العملي تتم ملاحقة بعض اﻷعمال فعليا بهذه التهمة وما شابهها، في الوقت الذي يوجد فيه آلاف الأعمال المماثلة تماما لها والتي لا تلاحق من قبل القانون. ولا تمثل هذه المفارقة إشكالية لدى جمهور المستهلكين لهذه اﻷعمال، كما أنها لا تستخدم للتشكيك في شمولية نصوص قانونية يستحيل عمليا تطبيقها على كل الحالات التي تنطبق عليها نظريا، مما يعني أن كل تطبيق لها هو تمييز في المعاملة ضد من يلاحق بها سواء كان ذلك متعمدا أو عن طريق الصدفة. ولا يمكن تفسير هذا التناقض المنطقي إلا من خلال التناقض اﻷعمق الذي يجمع فيه المجتمع بين إفراز أشكال للتعبير تمثل ذائقته الفنية وموضوعات اهتمامه وبين إدانة هذه اﻷشكال في خطابه الرسمي واستبعادها من صورته المتخيلة للذات الجمعية واعتبارها دخيلة عليها!

هل ينال الفيديو من هيبة الدولة ومؤسساتها؟

يتكرر استخدام مصطلح هيبة الدولةفي الخطاب الرسمي والخطاب اﻹعلامي الداعم له بمعدل متزايد بصفة خاصة في أعقاب ثورة 25 يناير التي كانت أهم محطاتها هي كسر الذراع اﻷمني لنظام الرئيس المخلوع مبارك في يوم جمعة الغضب (28 يناير 2011). ويتعلق هذا المصطلح باﻷساس بالحاجز النفسي الذي يجمع بين الاحترام والخشية والذي يفترض قيامه في نفوس المواطنين تجاه الدولة ممثلة بصفة خاصة في مؤسستها العسكرية وفي مؤسساتها اﻷمنية والاستخباراتية وقبل ذلك في شخص رئيس الجمهورية نفسه. وكان انهيار هذا الحاجز بشكل علني فاضح خلال أحداث ثورة 25 يناير سببا رئيسيا لفزع مؤسسات الدولة بصفة خاصة، ولكن هذا الفزع قد امتد إلى الكثيرين بما فيهم معارضي نظام مبارك والثائرين ضده الذين شاركوا مؤسسات الدولة تصورا يماثل بين هيبة الدولة ووجودها ومن ثم لم يكن الانتقال من إسقاط الهيبة وإسقاط الدولة ذاتها أمرا مستبعدا لديهم.

ينطوي مفهوم هيبة الدولة أيضا على تصور لعلاقة أبوية بين الدولة ورعاياها مما يؤدي أولا إلى توسيع مفهوم احتكار الدولة لاستخدام القوة لينفي عنه ضمنيا شرط الضرورة ويجعله تقديريا واختياريا، وهو ما يفسر تقبل المجتمع لاستخدام المؤسسات اﻷمنية العنف في حالات لا تستدعي استخدامه أو اﻹفراط في معدل استخدام العنف بقدر غير متناسب مع الضرورة التي تبرره. هذا التقبل قائم على تصور أن السلطة بالتعريف تستلزم العنف لفرض احترامها من قبل الخاضعين لها، وهو امتداد للقبول المجتمعي لاستخدام اﻵباء العنف في تأديب أبنائهم، ويظهر التماثل بين النموذجين بشكل صريح في الخطاب العلني للدولة ومؤيديها في كثير من اﻷحيان. من جانب آخر فإن نموذج العلاقة اﻷبوية التراتبية والتي تحدد لطرفيها حقوقا ومسؤوليات غير متكافئة يمتد إلى عدم قبول تطاول الرعية على السلطة وممثليها بنفس الطريقة التي يعد فيها تطاول الابن على أبيه مرفوضا ومستنكرا. ويؤدي عدم التكافؤ في هذه العلاقة إلى تقبل عقابا غير متناسب في حال وقوع هذا التطاول فعليا. ويندرج العقاب في هذه الحالة تحت مفهوم التأديب مما يخرجه عن المفهوم القانوني للعقوبة والذي يشترط التناسب بينها وبين الفعل المرتكب وأهم من ذلك أنه لا يجيز تغليظ العقوبة حسب أي اعتبار لمكان من صدر الفعل في حقه أو علاقته بالفاعل. وذلك في إطار مبدأ تساوي طرفي أي خصومة أمام القانون.

عدم تكافؤ العلاقة بين الدولة وممثليها من جانب وبين مواطنيها يفسر أن المقارنة بين انتهاكات الشرطة وما تمارسه من عنف وقد طال بعضه بالفعل منتجي الفيديو، وبين رد فعلهما المتمثل في نشر فيديو يتضمن سخرية من جهاز الشرطة، لم تحدث الصدى المنطقي المتوقع لما تظهره من مفارقة واضحة. فهذه المفارقة تبدو في عرف الكثيرين طبيعية ومتوقعة. في المقابل لم تحدث مطالبات من أدانوا الفيديو بإنزال عقوبات قاسية بمنتجيه لا تتناسب بأي حال مع الفعل نفسه، قدرا كبيرا من الدهشة لدى المتابعين العاديين.

برغم ما سبق إيضاحه فإن مفهوم هيبة الدولة ينطبق عليه أيضا التناقض بين الممارسات اليومية السائدة في المجتمع وبين الخطاب المسموح بتداوله في المجال العام والمُطَالب بأن يلتزم بالصورة المتخيلة للذات الجمعية لا أن يعبر عن الواقع المعاش. ففي هذا اﻹطار يجتهد كثيرون في محاولة تصوير ما شهدته وقائع الثورة من تحطيم للحاجز النفسي لهيبة مؤسسات الدولة على أنه حدث عارض في تاريخ المجتمع المصري. ويتجاهل هؤلاء أنه في جميع حالات انفجار الغضب الشعبي في مصر كانت المؤسسات الممثلة لسيادة الدولة الهدف الرئيسي لهذا الغضب. وفي سياق الممارسة اليومية فإن هذه المؤسسات وشخص رئيس الجمهورية قبلها كانت دائما هدفا مفضلا للسخرية الشعبية من خلال النكات المتداولة والشائعة بين مختلف الطبقات واﻷعمار. وتشيع السخرية غير المباشرة من ممارسات مؤسسات الدولة كذلك في اﻷعمال الدرامية اﻷكثر نجاحا، ويلاحظ هنا أن درجة التسامح مع هذه اﻷعمال قد اختلفت من فترة إلى أخرى، واشترطت غالبا عدم المباشرة وفي أحيان كثيرة خاصة في الفترة الحالية يضاف شرط تقديم صورة (متوازنة) لممثلي هذه المؤسسات في اﻷعمال المعدة للعرض العام حتى تجيزها الرقابة. وبالتالي تظل الدولة حريصة على ألا يتسرب إلى المجال العام (الرسمي مقارنة بمجال عام غير رسمي وأقل وزنا) خطاب يهدم بوضوح هيبة مؤسساتها. وتجد في ذلك دعما من قطاع مجتمعي واسع يمارس أفراده أنفسهم السخرية من مؤسسات الدولة في مجالهم الخاص ولكنهم يعتبرون شيوع خطاب مشابه في المجال العام مهددا لوجود الدولة وتماسكها!

هل يستغل الفيديو جهل مجندي اﻷمن المركزي؟

يعرض فيديو الواقي الذكري مشاهد لمجندين باﻷمن المركزي يتلقون من منتجي الفيديو بالونات هي في الواقع واقيات ذكرية منفوخة. ويفترض ﻷول وهلة أن عنصر السخرية في الفيديو يرتكز على أن المجندين لا يدركون حقيقة أن ما يقدم لهم هو واقيات ذكرية غالبا ﻷن أيا منهم لم ير واقيا ذكريا من قبل. وقد انتقد كثيرون ذلك بوصفه سخرية من جهل المجندين الناتج عن انتمائهم الطبقي ومستواهم التعليمي. وفي الحقيقة يظهر في الفيديو ضباط يقبلون البالونات بدورهم دون ملاحظة أنها واقيات ذكرية، ولا يمكن عزو جهلهم لحقيقتها إلى الانتماء الطبقي أو المستوى التعليمي. في الواقع يبدأ مقطع الفيديو بمشهد يوضح أن البالونات هي في الحقيقة واقيات ذكرية ﻷنه ببساطة ليس صحيحا أنه من السهل تماما اكتشاف حقيقتها بعد نفخها مما يفوت على عديد من مشاهدي الفيديو النكتة التي ينطوي عليها إن لم يتح لهم معرفة الحقيقة مسبقا.

افتراض أن المجندين كانوا ضحية استغلال لبساطتهم وجهلهم هو في الواقع مبني على تسليم مستخدميه بأن المجندين بسطاء وجهلة مما يعني أن استخدام هذه الحجة لانتقاد الفيديو بدعوى عدم اﻷخلاقية مبني في حد ذاته على أساس نظرة طبقية. في المقابل فإن استخدام التشابه الكبير بين واق ذكري بعد نفخه وبين البالون العادي ينتمي ببساطة إلى نمط شديد الشيوع من النكات العملية التي تستخدم بشكل مستمر في سياقات مختلفة أشهرها وأوسعها انتشارا هو البرامج الفكاهية المعتمدة على فكرة الكاميرا الخفية. فدائما ما تقوم الفكاهة في هذه البرامج على جهل الشخص بحقيقة أو أكثر متعلقة بالموقف الذي يوضع فيه. وفي حين أنه في الفيديو الذي نناقشه لا وجود ﻹمكانية وقوع ضرر مادي على من استهدفتهم النكتة، فإن بعض أكثر البرامج الفكاهية نجاحا المنتجة في مصر تضع ضيوفها في مواقف يمكن تصور وقوع ضرر عليهم نتيجة لها، ولم يحدث أن تم ملاحقة أي من منتجي هذه البرامج لهذا السبب رغم أنه مبرر وثمة ما يدعمه من الناحية القانونية. اﻷهم أنه لم تثر نتيجة ذلك أي انتقادات واسعة لهذه البرامج، ولم يؤثر يوما على معدل إقبال الناس على مشاهدتها.

حتى إذا ما سلمنا بأن فكرة الفيديو تعتمد على استغلال جهل المجندين وبساطتهم فإن هذا لا يجعله متناقضا مع الذائقة الشائعة مجتمعيا والتي تقبل بشكل كبير على النكات والتلميحات الساخرة من أفراد حسب انتماءات طبقية وجغرافية ووظيفية وحسب تصنيفات من حيث اللون والعنصر والديانة والنوع الاجتماعي والميل الجنسي إلخ. وفي هذه الحالة على وجه التحديد فإن التناقض بين الخطاب المقبول في المجال الخاص وبين ما يسمح به في المجال العام أقل حدة بكثير مما سبق التعرض له في النقطتين السابقتين. فالمجتمع وكذا مؤسسات الدولة لديهم مساحة تسامح أوسع كثيرا مع هذا النوع من الخطاب إلى الحد الذي يمكن فيه أن يستخدمه ممثلو الدولة أنفسهم بشكل علني.

التناقض الحقيقي في هذه الحالة بين الشائع المجتمعي وبين الصورة الذهنية المتخيلة لا يكمن في قبول خطاب في الممارسة المعاشة في مقابل رفضه في المجال العام أو إدانته بصورة عشوائية حسب الظروف ولكنه يكمن في أنه رغم شيوع خطاب وممارسات تمييزية فإن الصورة الذهنية المتخيلة للمجتمع تصوره على أنه خال من التمييز. ولا يمكن تفسير استخدام تهمة الطبقية للفيديو إلا من خلال تصور أن الطبقية بصفة عامة مستهجنة في المجتمع بخلاف الواقع. وفي الحقيقة أننا إذا قبلنا بفرضية أن الفيديو ينطوي على طبقية فلا يمكننا إلا أن نعتبره منتجا للواقع المجتمعي وليس خروجا عنه.

المدخل الحقوقي

يبدو اﻷقرب للمنطق واﻷسهل عمليا أن تتعامل المقاربة الحقوقية مع انتهاكات حقوق اﻹنسان بصفة عامة ومع انتهاكات الحق في حرية التعبير واﻹبداع على وجه التحديد من خلال مبدأ الالتزام القانوني للدولة تجاه هذه الحقوق والذي يفرضه تصديقها على عهود ومواثيق دولية يأتي في مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق اﻹنسان، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وكذا تضمين الدستور المصري نفسه لنصوص تلزم الدولة باحترام هذه الحقوق. في المقابل فإن اﻹطار الاجتماعي المحيط بالتطبيق العملي لهذه الالتزامات يبدو عصيا على التعامل فيما يتخطى حملات المناصرة المتعلقة بحالات الانتهاك. ولكن ما لا يمكن إنكاره هو أن المردود الضعيف لهذه الحملات في معظم اﻷحيان وفشلها في تشكيل رأي عام داعم لحرية التعبير واﻹبداع يستلزم البحث عن سبل للتعامل مع الإطار الاجتماعي على مستو أعمق، وإلا فإن الحماية المطلوب توفيرها لها ستظل رهنا بإرادة سياسية قد تستجيب في حدود ضيقة لضغوط تتعلق بصورة النظام الحاكم في المجتمع الدولي، وهذا فقط عندما لا تحول المصالح السياسية والاقتصادية للقوى المؤثرة في هذا المجتمع دون ممارسة أي ضغوط ذات قيمة على النظام.

السبيل الوحيد الذي يمكن من خلاله أن تتحقق لحرية التعبير واﻹبداع حماية حقيقية من انتهاكات السلطة لها قبل غيرها من القوى الفاعلة في المجتمع، هو أن يتشكل رأي عام داعم لهذه الحرية يتمثل في كتلة ذات تأثير كاف ومن ثم قادرة على الضغط على السلطة من جانب وعلى التأثير على المجتمع الواسع من جانب آخر. وإذا ما افترضنا وجود نواة ما لهذه الكتلة فإن أحد أهم أسباب قصورها عن تقديم دعم كاف لحرية التعبير واﻹبداع في الوقت الحالي هو الاضطراب الشديد في المفاهيم الأساسية التي ينبغي أن ينبني عليها هذا الدعم، نتيجة أنها هي نفسها واقعة في التناقضات التي حاولت هذه الورقة إيضاحها. وفي حين أن مهمة مواجهة هذه التناقضات وخلق مساحة تصالح بينها تخرج عمليا عن مجال ما يمكن للعمل الحقوقي أن ينجزه، فإن المهمة اﻷقرب للتحقق عمليا تتمثل في جذب الكتلة المشار إليها إلى مراجعة مفاهيمها اﻷساسية المؤطرة لتعاملها مع الحق في حرية التعبير واﻹبداع، على أمل أن يكون لها دور أكثر اتساقا واستمرارية في دعمها لهذا الحق.

ما هدفت إليه هذه الورقة من خلال استخدام واقعة فيديو الواقي الذكري وما أثاره من ردود أفعال ومناقشات مختلفة هو طرح الحاجة إلى مناقشة الوقائع المشابهة في سياقها الاجتماعي إضافة إلى السياق السياسي الذي لا ندعو بأي شكل إلى التقليل من أهميته وإنما ندعو إلى وضع علاقة التفاعل المستمر بينه وبين السياق الاجتماعي في الاعتبار. ونرى أن مناقشة مثل هذه الواقعة من خلال ما تكشفه ردود اﻷفعال المختلفة تجاهها من تناقضات في الخطاب السائد ضرورة تستلزمها الحاجة إلى بناء موقف متسق من الحق في حرية الرأي والتعبير من قبل كتلة تدعم هذا الحق من حيث المبدأ ولكن يعوزها الخروج من دائرة هذه التناقضات.

ذات صلة