معنية برصد انتهاكات حقوق التعبير في حق الأفراد و المؤسسات.

حرية الفكر والتعبير تصدر ورقة بعنوان “الأجهزة الأمنية والإبداع في 10 سنوات”

للإطلاع على الدراسة بصيغة PDF
أعد الورقة: حسام فازولا
تحرير: مصطفى شوقي

 

اتسمت السنوات العشر الأخيرة -تحديدًا- قبل ثورة يناير 2011م بانسداد كامل في مختلف شرايين الحياة في المجتمع المصري؛ اقتصاديًا، وسياسيًا، واجتماعيًا، وفكريًا، وثقافيًا. وأُغلقت كافة منافذ المجال العام ليصاب المجتمع بتصلُّب في الشرايين وليس مجرد انسداد. إلى جانب قمع واسع النطاق ومشروع لتوريث السلطة واحتكار وهيمنة الحزب الوطني الحاكم -آنذاك- على كافة مفاصل الدولة. مما تسبب إلى جانب عوامل أخرى عديدة بانتفاض ملايين من المصريين مطالبين بالعيش والحرية والعدالة والكرامة.

وانفجرت مع نجاح أولى محطات الثورة -بتخلي الرئيس الأسبق مبارك عن السلطة في 11 فبراير 2011م- طاقات إبداعية لدى آلاف من الشبان والفتيات المصريين التي جرَّفتها عقود من الجهل ورفض الآخر وثقافة الرأي الواحد. حملت تلك اللحظات وما تلاها آمالًا عريضة نحو تحرير المجتمع من مختلف قيوده للانطلاق إلى الأمام، ومن أهم تلك المجالات التي كانت تحتاج بشدة لفك أسرها وتحرير قيودها لتأهيلها للقيام بدورها التاريخي المهم في إثراء حركة تطور المجتمعات؛ هي الحياة الثقافية والإبداعية والفنية.

إلا أن الأمور لم تسِر كما كانت ترتفع أسقف الطموحات، فيومًا بعد الآخر بدا أن الأنظمة المتعاقبة على إدارة شئون البلاد بعد يناير 2011م، ورغم تنوع أيدلوجياتها ومرجعيتها الفكرية، اتفقت على الحفاظ على جوهر وسياسات الدولة القديمة لأسباب عدة ليس هنا مجال لذكرها. هذا الحفاظ مثَّل دور الغاز الخانق لتلك الطاقات الإبداعية التي تفننت الحكومات التنفيذية المتوالية بعد الثورة في كيفية محاصرتها وخنقها.

فمن خلال رصد مؤسسة حرية الفكر والتعبير للنشاط الرقابي على الأعمال الإبداعية في مصر خلال السنوات التسع السابقة، من 2007م وحتى 2015م، نجد أن دور الأجهزة الأمنية في الوصاية على الحركة الثقافية المصرية ما زال قائمًا، مدعومًا بإرادة سياسية تخدم سياسات ومنهج الدولة القديمة. حيث مارست الأجهزة الأمنية، بالمخالفة للدستور والقانون وكافة المواثيق الدولية الملزمة بحماية الحق في حرية الإبداع والتعبير الفني، كافة أشكال الانتهاكات بحق النشاط الإبداعي والثقافي والفني بالمجتمع المصري. حتى أصبحنا اليوم في صورة تُشبه كثيرًا ما كان عليه الحال قبل 2011م.

فقد تمكَّن باحثو المؤسسة من رصد أشكال رقابة الأجهزة الأمنية على النشاط الفني والإبداعي والثقافي في مصر؛ في ستة أنواع مختلفة ومتكررة من الانتهاكات، لم تتغير قبل الثورة وبعدها، ويمكن عرضها كالآتي؛

أولًا: التدخل في الأعمال الفنية سواء بالتعديل أو المنع (القيام بدور جهاز الرقابة على المصنفات الفنية)

على الرغم من أن جهاز الرقابة على المصنفات الفنية هو الجهاز الوحيد المنوط به قانونًا الرقابة على الأعمال الفنية السمعية والسمعية البصرية في مصر، سواء بالتصريح بالتصوير أو العرض أو إذاعة أو أداء أو بيع أو تداول أو تحويل هذه الأعمال، وفقًا للمادة رقم 2 من القانون رقم 430 لسنة 1955 من اللائحة التنفيذية التي أصدرها رئيس الوزراء في القرار رقم (126 لسنة 1993م)، إلا أن جهاز الرقابة على المصنفات الفنية يقوم -في حقيقة الأمر- بتمرير الأعمال التي يرى فيها ما قد يختلف معه الأجهزة الأمنية إلى وزارتي الداخلية و الدفاع، دون أن يكون لأي منهما صفة قانونية وبشكل غير رسمي. حيث يتم تقييم العمل من قبل الوزارة و ينتهي الأمر بطلب الوزارة بالتعديل على العمل أو تمريره أو منعه تمامًا.

هذا النوع من الانتهاكات -على سبيل المثال- هو ما حدث مع فيلم، المشير والرئيس، للمخرج خالد يوسف، والكاتب ممدوح الليثي. حيث انتهى الأمر بتعليق جهاز الرقابة على المصنفات الفنية منح تصريح التصوير للفيلم لحين موافقة جهازي المخابرات العامة والمخابرات الحربية على العمل. وهو ما دفع، خالد يوسف، مخرج العمل، لرفع دعوى قضائية بمحكمة القضاء الإداري ضد قرار جهاز الرقابة على المصنفات الفنية لمخالفته للقانون. وهو -بالفعل- ما أيَّده حكم الدائرة الأولى بمحكمة القضاء الإداري، برئاسة المستشار، سامي درويش، بإلغاء قرار جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، مما اضطر الرقابة للموافقة على تصوير الفيلم في 10 مارس من العام 2010م، بعد رفض الطعن المُقدَّم من وزارة الثقافة بمنع الفيلم، وتنفيذًا للحكم القضائي الصادر في الدعويين 2843، و 3022.

فقد جاء الحكم مؤكدًا على أن الجهة الوحيدة المخوَّل لها -طبقًا للقانون- ممارسة نشاط الرقابة على الأعمال الفنية، هي جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، دون غيره. وأعاد الاعتبار لقيمة العمل الإبداعي وجرَّم تدُخل أي مؤسسة كانت في اختصاص لم يُقرُّه لها القانون.

“فإذا ما عقد المُشرِّع اختصاصًا لجهة إدارية معينة، تعيَّن عليه الالتزام بحدود هذا الاختصاص، ولا يجوز لها أن تتبرأ من اختصاصها أو تتنصل منه، كما لا يجوز لغيرها من الجهات الإدارية -بغير سند من القانون- أن تنازعها هذا الاختصاص، أو تنتحل لنفسها اختصاصًا لم يُقّره القانون لها، وإلا تحولت الرقابة على حرية التعبير مصادرة لها”.

و على الرغم من صدور ذلك الحكم الذي يُعد أوضح دليل على وجوب عدم تدخل الأجهزة الأمنية في الرقابة على النشاط الإبداعي بأي شكل من الإشكال، وإلزام جهاز الرقابة على المصنفات الفنية بعدم إقحام أي أجهزة أخرى للقيام بعمله؛ إلا أننا نجد أن هذا النوع من الانتهاك تكرَّر بعد ذلك أكثر من مرة. وبشكل منهجي، ضاربًا عرض الحائط بالقانون والأحكام القضائية، ومؤكدًا على غياب أي إرادة سياسية لدى السلطات المصرية -آنذاك- في رفع وصاية وسيطرة القبضة الأمنية من على مقاليد الحياة الإبداعية والفنية في مصر بمختلف تنويعاتها وأشكالها.

ففي 2013م؛ مُنِعَ فيلم “عن يهود مصر” للمخرج أمير رمسيس من العرض في مصر. وفي مقابلة أجرتها معه، مؤسسة حرية الفكر و التعبير، يقول “رمسيس” ؛ “في البداية تقدمنا بسيناريو الفيلم لجهاز الرقابة، للحصول على التصريح بالتصوير، وبالفعل وافق جهاز الرقابة وانتهينا من تنفيذ الفيلم. وعندما اتفقنا على عرض الفيلم في أسبوع (بانوراما الفيلم الأوروبي)، قدمنا الفيلم مرة أخرى لجهاز الرقابة على المصنفات الفنية، وحصلنا على تصريح بالعرض العام للفيلم، دون إبداء أي ملاحظات. وهو التصريح الذي يسري -أيضًا- على عرض الفيلم خارجيًا، ولكن بحسب القواعد نقوم في حالة أي عرض جديد للفيلم بدفع بعض الرسوم للحصول على التصريح الجديد، أيًا كان شكل العرض أو هدفه (تصريح إعادة عرض أو تصدير أو المشاركة في أحد المهرجانات)، لكن لا يتم مشاهدة وتقييم الفيلم من جديد، فهذه المرحلة انتهت.

حتى وصلنا لمرحلة العرض التجاري للفيلم، وهو ما يحتاج لبعض الإجراءات التي تختلف عن تصريح العرض العام، فهناك بعض الأوراق التي تتعلق بالنقابات يجب أن يتم إضافتها على الأوراق المرفقة بملف جهاز الرقابة، مثل ورق تسديد رسوم نقابة السينمائيين أو ورق تسديد رسوم نقابة التمثيليين، وهو ما لا يتطلب إعادة مشاهدة الفيلم، كأي تصريح جديد بالعرض أو الذهاب لمهرجان. إلا أن هذه المرة حدثت مماطلات عديدة في الحصول على هذا التصريح، بحجج واهية مثل تغيُّب المحاسب أو المورِّد أو المسئول عن الختم، واستمر الحال هكذا لمدة أسبوعين، حتى ليلة العرض، حيث اعترف لنا رئيس جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، في ذلك الوقت، أ. عبد الستار فتحي، أن أجهزة الأمن الوطني والقومي -بالفعل تم استخدام المصطلحين- لا توافق على عرض الفيلم وأوقفت التصريح.

تراجع جهاز الرقابة، أو تراجعت الأجهزة الأمنية، بعد ذلك نظرًا للحملة الإعلامية التي قام فريق الفيلم بتدشينها ضد جهاز الرقابة، وطُلِبَ منَّا عدم ذكر، الأمن الوطني، كسبب في تعطيل الفيلم، على الرغم من تصريح رئيس جهاز الرقابة بنفسه على الهواء بذلك، وحصلنا في النهاية على تصريح بعرض الفيلم تجاريًا، بعد إجراء بعض التفاصيل، كنشر بيان من قبل وزارة الثقافة، يؤكد أن كل الشخصيات الموجودة في الفيلم غير حقيقية ومن وحي خيال المؤلف. على الرغم من أن الفيلم فيلمٌ تسجيلي وكل شخصياته حقيقية!!!.
وهو ما نتج عنه تأخير عرض الفيلم لمدة أسبوعين كاملين عن موعد عرضه الأصلي، مما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، لعدم إمكانية عرض الفيلم إلا لأيام محدودة”.

وفي عام 2014م؛ صرَّح المؤلف، بلال فضل، عبر حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك)، أن قناتي الحياة والمحور قامتا بإبلاغ المسئولين بمدينة الإنتاج الإعلامي عن تراجعهما عن عرض مسلسل (أهل إسكندرية)، للمخرج خيري بشارة، بعد نشر الإعلانات الخاصة بالمسلسل، والذي يناقش أحداث ثورة 25 يناير 2011م، دون إبداء أسباب واضحة. بالإضافة لعدم السماح له -أيضًا- بعرض المسلسل على القنوات الحكومية، مُعللًا أن السبب وراء ذلك يتمثَّل في مواقفه السياسية الشخصية وكذلك اتهام المسلسل بالتحريض ضد الشرطة، وهو الأمر غير الصحيح، فقد حصل المسلسل على التصريح بالتصوير من جهاز الرقابة على المصنفات الفنية .

إلا أنه في سنة 2015م، صرَّح، بلال فضل، في بيان آخر له؛ أن المسلسل مُنِعَ من العرض للسنة الثانية على التوالي، وأن رئيس الوزراء، إبراهيم محلب، آنذاك، صرَّح بأن المسلسل لا يتناسب والظروف الحالية للبلاد، وأنه لم يتدخل في المنع. وذكر “فضل” أن أحد مسئولي تسويق المسلسلات أخبره بوجود أوامر بمنع عرض المسلسل، كما أن القائمين على مدينة الإنتاج الإعلامي رفضوا بيع المسلسل، رغم تصريحهم لوسائل الإعلام بعدم وجود مُشتري .

تكرَّر هذا النوع من الانتهاكات التي تقوم بها الأجهزة الأمنية بحق الأعمال الفنية والإبداعية عدة مرات أخرى لاحقًا، وفي سنوات مختلفة، حيث تدخلت لجنة مختصة بالأعمال الفنية في 2014م بحذف سبعة مشاهد من مسلسل ابن حلال بحجة أنها تُركِّز على مداهمات بين قوات الشرطة والشخصية الرئيسية.
هذه الممارسة المنهجية التي كانت أهم سمات واقع حرية الإبداع والتعبير الفني قبل يناير 2011م، يبدوا أن الثورة لم تستطع أن تقترب منها، حيث ظلت الأجهزة الأمنية تمارس دور الوصي على ما يجب أن يصل للجمهور من إبداع وما يجب حجبه.

ثانيًا: مصادرة كتب سواء من خلال الجمارك أو سحب النسخ من السوق

يُعد جهاز الرقابة على المطبوعات، وفقًا لقانون المطبوعات رقم (20/1936) المُعدَّل بالقانون رقم (199 لسنة 1983م)، هو المنوط بالرقابة على المطبوعات في مصر. حيث يقع ضمن اختصاصه؛ الرقابة على الكتب، و منع نشرها و مصادرتها، والحجز الإداري على الكتب دون الرجوع للسلطة القضائية. وذلك إذا احتوت على ما يخالف القانون أو يُكدِّر السلم العام.

إلا أن الأمور -بالطبع- لا تسير بهذه الطريقة؛ حيث تتدخل الأجهزة الأمنية المختلفة وتقوم بمصادرة الكتب والمطبوعات المختلفة، سواء أثناء دخولها مصر من خلال جهاز الجمارك، أو عن طريق سحب المطبوعة من المكتبات. وذلك بالطبع يعود لأسباب تُقدِّرها هذه الجهات، دون أن يكون لها أي دور أو صفة قانونية، وفي الأغلب تتعلق عمليات المصادرة والمنع بأسباب سياسية أو دينية أو تتعلق بالأخلاق العامة. فوصاية الأجهزة الأمنية لا تقف عند حد الرقابة -المخالفة للقانون- للمصنفات الفنية السمعية والسمعية البصرية، بل تخطتها لتشمل المطبوعات بمختلف أشكالها، حتى يتسن لهذه الجهات إلزام القبضة الأمنية على مختلف مناحي الحياة الإبداعية في مصر.

و من أبرز الأمثلة على هذا الانتهاك؛ ما حدث مع كتاب (مستعدين للإجابة) لكاتبه، سمير مرقص، في عام 2009م، حيث تم تداول الكتاب، والذي يُناقِش العقيدة المسيحية في مقابل العقيدة الإسلامية. وسرعان ما كلَّف، مجمع البحوث الإسلامية، أعلى هيئة علمية بالأزهر، الدكتور محمد عمارة، بإعداد كتاب، تقرير علمي، ردًا على الكتاب الأول، وهو ما اعتبره الكثيرون -وقتها- نموذجًا لما يجب أن يكون عليه حال حرية التعبير، والرد على الأفكار بالأفكار، إلا أن الأجهزة الأمنية كان لها رأي آخر؛ حيث أوقفت نشر وتوزيع كتاب الأزهر (تقرير علمي) إلا بعد التأكد من مصادرة الشرطة لكتاب (مستعدون للإجابة) من الأسواق والمكتبات .

كذلك؛ ما حدث مع الرواية المصوَّرة، مترو، للفنان مجدي الشافعي، عام 2007م، فقد روى في مقابلة أجرتها معه مؤسسة حرية الفكر والتعبير، شارحًا تفاصيل القضية؛

“رواية “مترو” هي رواية مصوَّرة، كان هدفي منها؛ تعريف المجتمع العربي على فن القصة المصوَّرة التي تستهدف الكبار وليس الأطفال -فقط- كما هي الثقافة السائدة بمجتمعنا العربي، وأنها يُمكنها أن تأخذ شكل الرواية وليس -فقط- شكل مجلة أو (ستريب). وبالفعل طُبعَت الرواية عقب أحداث 6 أبريل 2008 بشهر واحد، وبعدها أُلقي القبض على، أحمد الشرقاوي، ناشر الرواية وآخرون. وأثناء تفتيش مكتبه تم العثور على الرواية. وأظن أن هذا التفتيش لم يكُن قانونيًا، حيث لا يفرض القانون في مصر رقابة مسبقة على الكتب، ربما المجلات والجرائد، بينما الحال في التعامل مع الكتب يكون من خلال السماح بنشرها وتداولها، ويكون المنع والمصادرة إذا ما قام أحد المواطنين بالإبلاغ عن مخالفة الكتاب المطروح بالأسواق للقانون.

كانت الرواية تحتوي على رسمة لفتاة عارية بشكل بسيط، كذلك على قصة ضابط أداب و آخر على علاقة بكمال الشاذلي، القيادي البارز بالحزب الوطني-آنذاك-، وبعض الأفراد يقومون بضربه وسبه، حيث كان من المهم أن يفهم الناس -حينها- أن هؤلاء الأشخاص ليسوا آلهة.

إلا أن أحد المحاميين أخذ على عاتقه مهمة حماية الوطن، وقام بالإبلاغ عن أن هذه الرواية تحمل أشياء منافية للآداب العامة. بعدها قامت جهاز الشرطة -دون إذن من النيابة العامة- بسحب جميع النسخ من المكتبات، واُستدعيت للتحقيق بعد ذلك، وكان هناك دعويان مقدمتان ضد الرواية، الأولى من المحامي، أما الثانية فقد حركَّها الضابط بنفسه. وكانت المشكلة الحقيقية بالنسبة لهم؛ هي تناول الرواية للسياسة، وسألوني.. ماذا تقصد بكلمة ديمقراطي؟!! و ليس عن الصورة العارية!! وبعد ذلك صدر القرار بمصادرتها ومنع نشرها وفرض غرامة”.

واستمرارًا لنفس النهج؛ صودرت رواية (أين الله) للكاتب كرم صابر، بعد ما قام عدد من المواطنين بمحافظة، بني سويف، بتقديم بلاغ إلى المحامي العام لنيابات بني سويف، يحمل رقم (600 لسنة 2011م)، يتهمون فيه “صابر” بإصدار مجموعة قصصية تحتوي على 11 قصة، تدعو إلى الإلحاد وسب الذات الإلهية، وتحُض على الفتن وإهدار الدماء. حيث قضت المحكمة بتاريخ 13 يونيو 2013م بحبسه خمس سنوات وكفالة قدرها 1000 جنيهًا مصريًا، وكانت قوات الشرطة -بالفعل- صادرت جميع النسخ الموجودة في الأسواق.

هناك العديد من الكتب و الروايات التي صودرت من قبل الشرطة في السنوات التسع الماضية، مثل كتاب، مذكرات قاضي، للكاتب عبد الغفار محمد، والذي صودر عام 2007م. وكذلك كتاب، البرادعي وحلم الثورة الخضراء، للمؤلف كمال غبريال، عام 2009م. ورواية، الزعيم يحلق شعره، لكاتبه علي إدريس، في عام 2010م. وكتاب، مدخل إلى السيموطيقا، في عام 2014م، تأليف سيزا قاسم. وكتاب، ازدراء الأديان، في عام 2015م، للكاتب حمدي الأسيوطي ومجدي خليل. وغيرهم الكثير، بشكل لم يدع مجالًا لأي شك أن هناك تدخُّل فج للأجهزة الأمنية في عملية الرقابة اللاحقة على المطبوعات، بالمخالفة للقانون والدستور وكل المواثيق الدولية لحماية حرية الإبداع والتعبير الفني. كما أن الخط الزمني للممارسة هذا الانتهاك يؤكد ما ادّعينا -سالفًا- أنها ممارسة ممنهجة تهدُف الوصاية على العقول والأفكار والأقلام.

ثالثًا: اقتحام دور النشر ومنازل بعض الناشرين

في 2 فبراير 2010م؛ وقبل يوم من القمة المصرية-الليبية التي عُقِدَت في مدينة، سرت، بين الرئيس المصري الأسبق، حسني مبارك، والرئيس الليبي السابق، معمر القذافي، تم اقتحام مقر دار “وعد” للنشر، والقبض على صاحبها، الجميلي أحمد شحاتة، ومصادرة جميع النسخ الموجودة من رواية، الزعيم يحلق شعره، للكاتب إدريس علي، بدعوى أن الرواية تحتوي على إهانة للجمهورية الليبية ورئيسها معمر القذافي، بالإضافة إلى احتواءها على ألفاظ خادشة للحياء. وبعد احتجاز الناشر يومان، انتهت تحقيقات النيابة بعدم احتواء الرواية على إهانة لليبيا ورئيسها، ولكن أثبتت احتواءها على ألفاظ خادشة للحياء العام، وصودرت الرواية بشكل كامل ومُنِعَ بيعها في الأسواق حتى عام 2011م، بعد إسقاط الرئيسين المصري والليبي .

وفي أبريل 2010م؛ اقتحمت قوات من الشرطة منزل الناشر، أحمد مهني، مدير دار، دَوِّن، للنشر بعد أسبوع من نشر كتاب، البرادعي وحلم الثورة الخضراء، للكاتب كمال جبريال، وتم التحفظ على مجموعة من الكتب خاصته، ومصادرة 16 نسخة من الكتاب المذكور كانت موجودة في منزله وحاسبه المحمول. ليتم الإفراج عنه بعدها.

دار ميريت للنشر

كان ذلك الأمر طبيعيًا في ظل سلطة ما قبل يناير 2011م، حيث اتسم المناخ العام بقمع الأفكار ومحاربة الاختلاف؛ بينما عودته للظهور بقوة هذه الفترة مع اقتحام دار “ميريت” للنشر، يُنبئ بخطورة العودة عشرات الخطوات للوراء، ليُصبِح المُبدعين والناشرين غير آمنين على سلامتهم الشخصية.

رابعًا: منع فعاليات فنية

قبل الثورة وفي المناخ الرافض لأي فعاليات ذات طابع جماهيري، حيث تتعامل معه السلطات بشكل أمني تمامًا بصرف النظر عن طبيعته ومضمونه، كان الأمر أكثر منهجية. فبموجب قانون الطوارئ كان من حق وزارة الداخلية منع أو مداهمة أي نشاط جماهيري حتى ولو كان احتفالًا، ما لم يكُن هناك إذن مُسبَّق منها. وفي كل الأحوال لم تكن هناك أي مساحات لفنون الشارع. أو الفعاليات الثقافية والأدبية ذات الطابع الجماهيري.

فعلى سبيل المثال؛ ألغت وزارة الداخلية، في 2010م، مهرجان (مصر للمصريين)، الذي تنظمه مجموعة (مصريين ضد التمييز الديني) بالتعاون مع مؤسسة المورد الثقافي، ويهدُف لمواجهة حالة الاحتقان الطائفي التي كانت سائدة في هذا الوقت وفقًا لمنظميه. وغير ذلك الكثير.

الفن ميدان؛ أحد أهم وأبرز الفعاليات الفنية التي منعتها الأجهزة الأمنية في السنوات الأخيرة. وهو المهرجان الشهري الذي بدأ في فبراير 2011م، احتفالًا بالثورة، وأقيم في ميدان عابدين بالقاهرة، ثم انتقل لمحافظات الإسكندرية والسويس، ومحافظات أخرى مثل دمياط، بورسعيد، الشرقية، الأقصر، أسوان، الإسماعيلية، الوادي الجديد، والمنصورة.

تضَّمن المهرجان أنواع متعددة من مختلف أشكال وألوان الفنون في نفس الوقت، وأعاد الاعتبار لفنون ومسرح الشارع في مصر، وفجَّر طاقات إبداعية مهمة لدى الآلاف من الفتيات والشباب كانت الثورة هي من فك أسرها. واعتمد في تمويله على الجهود الذاتية وتبرعات الفنانين والمنظمين، ووفَّرت له، وزارة الثقافة، تصريحًا من المجلس العسكري الحاكم -آنذاك- وقدَّمت دعمًا ماليًا، بدأ -فعليًا- في أكتوبر 2011م، ليتوقف بعدها بفترة.

وفي نوفمبر 2013م؛ وبعد صدور قانون التظاهر، وهو القانون الذي جرَّم التظاهرات دون الحصول على تصريح مُسبَق لها من وزارة الداخلية، أصبح هناك تضييق كبير على التجمعات حتى ولو كان الهدف منها هو الفن والاحتفال. لتتوقف فعالية الفن ميدان في 2014م بعد معاناة القائمين عليها من التضييق الذي وصل إلى المنع والحبس في بعض الأحيان.وصدر بيان عن القائمين على، الفن ميدان، في يناير 2015م تضمن؛

“وكانت محاولات منظّمي “الفن ميدان” قد استمرت لأكثر من أربعة أشهر للحصول على التصاريح اللازمة لإقامة الفعالية في ميدان عابدين من الجهات الأمنية المعنية دون جدوى، وذلك في أعقاب مماطلة الجهات الأمنية، ثمّ تعنتها ورفضها إعطاء التصريح الذي كان المنظمون يحصلون عليه بشكل شهري من الجهة المسئولة عن الميدان وهي محافظة القاهرة منذ منتصف عام 2011م، دون إبداء أسباب واضحة للرفض أو موعد محدد للموافقة على الطّلب المقدّم. وقد بدأ تعنّت الجهات الأمنية في شهر أغسطس الماضي، حيث تمّ تغيير إجراءات الحصول على التصريح بشكل مفاجئ وطلب من المنظمين تقديم طلب التصريح إلى وزارة الداخلية وليس إلى محافظة القاهرة كما يقتضي القانون!!! ومازال الفن ميدان متوقفاً في القاهرة منذ خمسة أشهر وحتى الآن نظراً لرفض الجهات الأمنية إعطاء المنظمين التصريح بإقامة الفعالية.

مطالبين في البيان الحصول على الموافقات الأمنية غير المشروطة لإقامة الفن ميدان في ميدان عابدين وفي كل ميادين مصر في موعده الثابت في السبت الأول من كل شهر”.

ولا تزال فعالية الفن ميدان متوقفة حتى الآن، حيث طُلِبَ من القائمين عليه استصدار تصريح للتظاهر، وليس لإقامة فعالية فنية، وهو ما رفضه المنظمون. حيث أنهم لا يقومون بالتظاهر .

ذلك بعد أن استمر لعامين يُقدِّم للجمهور وجبة “فن شارع” قيِّمة فقدها المجتمع المصري منذ وقت طويل، ولم تستعدها سوى روح الانتصار العام الذي غلب على مختلف فئات وشرائح المجتمع بعد ثورة يناير 2011م.

خامسًا: التعسف والامتناع عن إصدار تصريح التصوير

أحد أبرز النماذج على تدخُّل الأجهزة الأمنية في نشاط جهاز الرقابة على المصنفات الفنية يتمثَّل في سلطة وزارة الداخلية -دون غيرها-بمنح تصريح التصوير في الأماكن العامة، بحيث يُعتبَر التصوير في الشوارع والميادين غير قانوني، دون الحصول على هذا التصريح، حتى وإن كان بشكل شخصي.

ففي يناير 2011م؛ أُلقي القبض على مصوِّر الأفلام الوثائقية، حسام سلمان، و جيرمي هودج، مترجم أمريكي، من سكنهما بمنطقة الدقي، من قبل مباحث الأمن الوطني، وذلك لقيامهما بالتصوير في الشارع. ووجهت لهم تهمة، نشر أخبار كاذبة من شأنها تهديد الأمن الوطني، وهو الأمر الذي لا يمُت بأي صلة لما كانوا يقومون به. كما مُنِع الاثنان من توكيل محامين لحضور التحقيق معهما.

يقول “هودج” في شهادته المكتوبة لمؤسسة حرية الفكر والتعبير؛ أنه في أثناء فترة الاحتجاز في قسم الدقي تم التعدي بالضرب عدة مرات على سلمان. وبعد مفاوضات بين السفارة الأمريكية والسلطات المصرية، أُفرِج عن هودج يوم 26 يناير 2011م، وتم ترحيله خارج مصر، أما سلمان فقد تقرر حبسه 15 يومًا على ذمة التحقيقات، ليُطلق سراحه بعدها في 9 فبراير 2011م، مع استمرار نظر القضية.

تستغرق عملية الحصول على تصريح بالتصوير ثمانية عشر يومًا، في الأغلب، وتتمثل شروط الحصول على هذا التصريح في؛

1. إرفاق صورة من السيناريو
2. تحديد أماكن التصوير و أسماء الشوارع
3. التوجه لمديرية الأمن التابعة لها أماكن التصوير بحيث تقوم المديرية بإرسال ضابط وعساكر بدعوى تسهيل عملية التصوير
4. يجب أن يكون طالب التصريح لديه تصريح سابق من نقابة المهن التمثيلية ونقابة المهن السينمائية -أيضًا- حيث تقوم كل نقابة بطلب قائمة من المشاركين بالعمل، ويتم دفع غرامة في حالة وجود مشارك غير عضو بالنقابة

 

ولا يمكن، بشكل عام، إحصاء هذا النوع من الانتهاكات، بشكل كمي دقيق، وذلك لكثرة حدوثها. مع استحالة رصد عمليات -تحدث عشرات المرات يوميًا- لمنع مواطن من التصوير في مكان عام من قبل شرطي، وهو ما رسَّخ شكل من أشكال الرقابة الذاتية التي كبَّلت المواطنين وأعاقتهم عن ممارسة حقهم في استغلال المجال العام خوفًا من العواقب الأمنية، وهو ما يُعد انتهاكًا في حد ذاته.

سادسًا: قبض واحتجاز فنانين وناشرين

يُعد هذا النوع من انتهاكات الأجهزة الأمنية هو الأقسى، بحسب رصد مؤسسة حرية الفكر والتعبير، للانتهاكات بحق حرية الإبداع والتعبير الفني في السنوات التسع الماضية، إذا ما استثنينا التعدي بالضرب على المصوِّر، حسام سلمان، أثناء احتجازه.

بعد يناير 2011م، انفجرت طاقات إبداعية لدى الآف من الشباب المصري، عبَّروا عنها بطرق مختلفة ومتنوعة، ولكن كانت السمة الأعم التي تجمع أغلب تلك المواهب الفنية؛ هو كونها “فنون شارع”، وهو ما يستدعي وجود حضور جماهيري. هذا الأمر يمثِّل طوال الوقت أزمة حقيقية لدى الأنظمة القمعية، ففضلًا عن عداءها لأي تجمعات جماهيرية تحت أي صيغة، فقد اتسمت الفعاليات الفنية بعد الثورة بإثراء الوعي والتفكير الحُر وتنوع واختلاف الآراء ودعاوى بقبول الآخر، وهي الأفكار التقدمية التي تخشى الأنظمة الرجعية عادةً على وجودها في حال انتشار مثل تلك الأفكار. اتفقت الأنظمة المختلفة التي تعاقبت على إدارة شئون البلاد بعد يناير 2011م، رغم اختلاف توجهاتها، بخطورة ترك المساحة لتلك الطاقات، وضرورة محاصرتها. حتى وصل الأمر إلى احتجاز وحبس الناشطين منهم، وسن تشريعات تهدُف لمكافحة الانفجار الفني الذي كشفت الثورة عنه الحجاب.

ففي سبتمبر 2013م؛ أعلن اللواء، عادل لبيب، وزير التنمية المحلية، أنه سيتم فرض عقوبات مشددة على كل من يقوم بالكتابة على الجدران، باعتبارها من صور الإساءة للبيئة. وتبدأ تلك العقوبة بالغرامة المالية وتصل إلى السجن . كان ذلك قبل شهور من صدور قانون التظاهر، الذي كان له أثر كبير على اختفاء فنون الشارع من؛ جرافيتي وحفلات موسيقية وغيرها من فنون الأداء التي كان يتم ممارستها في الشوارع والميادين العامة. وهو ما أدى فعليًا لمحاصرة تلك الطاقات وخنقها، حتى أن رصيد الانتهاكات في السنتين الماضيتين ضعيف للغاية بسبب توقُّف أغلب المجموعات النشطة بسبب الترهيب والقمع الأمني.
تنوعت انتهاكات القبض والاحتجاز لممارسي النشاط الإبداعي في السنوات الماضية، وأخذت أشكال مختلفة، فهناك حوادث إلقاء القبض على رسامي “الجرافيتي”.

ففي مارس 2012م؛ أٌُلقي القبض على، إسلام نجيب، رسام الجرافيتي، أثناء رسمه لكلمة “أنا أبريلي”، وتم تنظيم بعض الوقفات الاحتجاجية للمطالبة بالإفراج عنه حتى تم إخلاء سبيله.

وبعدها بشهور أُلقي القبض على؛ لقمان قاسم، وأحمد كرم، ومحمد جاد الطلاب بالمرحلة الثانوية، أثناء قيامهم برسم “الجرافيتي” عبارة عن جملة (الرسم مش إجرام)، حيث وُجِّهت لهم تهمة الانتماء لأولتراس زملكاوي، وأُخلي سبيلهم بعدها في نفس اليوم.

وأيضًا في نفس العام؛ أُلقي القبض على، منير العادلي، الطالب بالصف الثاني الثانوي، أثناء قيامه برسم “جرافيتي” عن “أولتراس ديفلز” على سور مدرسته، حيث أُفرج عنه بعد قيام أصدقائه بمظاهرة تضم العشرات أمام مجمع محاكم الفيوم.

وفي عام 2013م؛ أُلقي القبض على ثلاثة رسامين “جرافيتي” وهم؛ أحمد سليم عبد الستار، سمير رمزي صلاح الدين، ومحمد طه عبد الستار، وذلك أثناء قيامهم بالرسم على الحوائط في نفق شبرا، حيث احتُجِزوا لمدة 3 أيام قبل عرضهم على نيابة شبرا الجزئية، وإخلاء سبيلهم لعدم وجود رسم من الأساس في محل الواقعة.

واستمرت الأمور على هذا النحو؛ قبضة حديدية للأجهزة الأمنية جعلت المجال العام الإبداعي بمختلف أشكاله وتقسيماته تحت وصاية شبه كاملة لأجهزة الأمن، تمتلك القرار الأول والأخير، وتتدخل بالمخالفة للقانون والدستور في فرض أشكال من الرقابة السابقة واللاحقة على الأعمال الفنية والإبداعية، وهو ما يؤكد على غياب أي إرادة سياسية لضبط واقع حرية الإبداع والتعبير الفني في مصر، أو بشكل أوضح هناك رغبة، تتسق في حقيقة الأمر مع سياسات وممارسات سلطة ما بعد 3 يوليو، في تأميم المجال العام الإبداعي ومصادرة حرية الإبداع والتعبير الفني كجزء من حالة تأميم المجال العام وقمع الحريات.

للإطلاع على الدراسة بصيغة PDF
ذات صلة

Subscribe To AFTE Email List
No Thanks
Thanks for signing up.
We respect your privacy. Your information is safe and will never be shared.
Don't miss out. Subscribe today.
×
×

WordPress Popup Plugin