معنية برصد انتهاكات حقوق التعبير في حق الأفراد و المؤسسات.

رقباء الشاشة الصغيرة.. قيام وانهيار لجنة الدراما

لجنة الدراما في وجه الجميع

أصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بعد عدة اجتماعات قرارًا بإنشاء لجنة مختصة للدراما، وعلى الأرجح جاء هذا القرار بهدف وضع ممارسات المجلس تجاه الأعمال الإبداعية في إطار تنظيمي يبرر قرارات المجلس، على أن تكون مهمة لجنة الدراما الرئيسية هي متابعة الأعمال الدرامية والوقوف عند أي تجاوزات وتحويل القائمين عليها إلى المساءلة بهدف الارتقاء بالعمل الدرامي. وفي محاولة على الأرجح لنفي طبيعتها الرقابية المعادية لأشكال الإبداع، أسند مكرم محمد أحمد رئاسة اللجنة إلى المخرج محمد فاضل، الذي حرص على درء الصفة الرقابية عن اللجنة بدعوى أنه مبدع ومخرج قبل أن يرأس اللجنة، كما ضمت اللجنة في عضويتها نقادًا ومخرجين وكتاب سيناريو.

وقد مثلت لجنة الدراما واحدًا من أهم التحولات التي شهدتها صناعة الدراما والوسط الثقافي، بحيث وصف موسم الدراما الرمضاني لعام 2018، والذي تزامن مع ذروة نشاط عمل اللجنة بأنه الموسم الدرامي الأسوأ على الإطلاق.[9] وعلى مدار 7 أشهر، هي فترة عمل اللجنة، قبل أن تتقدم باستقالتها في يونيو 2018، توسعت اللجنة في الممارسات التي بدأ المجلس الأعلى في تطبيقها، حيث حرصت اللجنة على تطويق الأعمال الدرامية، بإنشاء 5 لجان رصد مختلفة، تتولى تدقيق كل مشهد درامي يعرض على التليفزيون، لتفرض بآليات عملها هذه، رقابة لاحقة على الأعمال الإبداعية.

وبخطًى حثيثة بدأت لجنة الدراما في دورها الرقابي الجديد، حيث استقت هذا الدور من التوجه العام المحافظ للدولة المصرية والمعادي لكافة أشكال الإبداع والتعبير الحر، وكذلك استفادت اللجنة من ممارسات المجلس الأعلى السابقة على تشكيلها، خاصة في ظل ضعف مقاومة المبدعين للتدخل في الأعمال الدرامية.

ويمكن ملاحظة التوسع في عمل اللجنة من خلال تقاريرها الدورية المنشورة على موقع المجلس الأعلى للإعلام، والذي حاولت من خلاله لجنة الدراما رسم صورة احترافية عن طبيعة عملها، وبالتعاون مع 4 لجان رصدية تتبع كلًّا من “المجلس الأعلى للإعلام، والمجلس القومي لحقوق الإنسان، والمجلس القومي لحقوق المرأة، وصندوق مكافحة الإدمان والتعاطي”.[10] تابعت اللجنة موسم دراما 2018، وأصدرت تقارير يومية وأسبوعية وختامية عن محتوى الأعمال التي عرضت خلال الشهر،[11] وأعادت صياغة أنماط المخالفات وتوسعت فيها.

ففي مقابل 6 أنماط اعتمد عليها المجلس الأعلى في 2017 لرصد المخالفات، اعتمدت اللجنة على 19 نمطًا، وهي “سب وقذف، ألفاظ سوقية ومتدنية ومبتذلة، الحض على الكراهية، تهكم وسخرية، مشاهد عنف، إيحاءات جنسية، مشاهد خادشة للحياء، التدخين والمخدرات وشرب الخمر، عدم احترام القوانين، تمجيد الجريمة أو البلطجي، استهزاء بالدين والدجل والأعراف [هكذا]، مشاهد مضرة بالطفل، عدم احترام اللغة العربية، إهانة مؤسسات المجتمع، ترويج الجريمة، إهانة الأم، إهانة الأب/ الزوج، تشويه صورة المرأة، وإهانة الدول الشقيقة”. ومن خلال هذه الأنماط، أعدت لجنة الدراما 5 تقارير إحصائية،[12] تضمنت عدد المشاهد والجمل الحوارية المخالفة لكل نمط.

طالت لجنة الدراما انتقادات واسعة منذ اليوم الأول لتشكيلها، فقد ساعدت تصريحات أعضاء اللجنة المتضاربة في رسم هالة من الغموض حول طبيعة الدور الذي تلعبه وحجم التدخلات في الأعمال الإبداعية، ومن خلال ما أعلنت عنه اللجنة وأعضاؤها في تصريحات صحفية أو من خلال قرارات وتحركات رآها البعض “أخلاقية وطنية متعالية”[13]، نجد أن اللجنة نصبت نفسها جهة رقابية عقابية، أشبه بحسب تصريحات رئيس اللجنة بـ”ضابط مرور في شارع الدراما”.[14] وانطلقت اللجنة من خطاب الدولة الذي أشرنا إليه سابقًا، وأغضبت جماعة المبدعين والمثقفين خاصة بعد تقاريرها الرصدية، والعقوبات التي رغبت في تطبيقها على المخالفين، وكذلك قائمة أولويات موضوعات الدراما.

“لجنة تطوير الدراما لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالرقابة ، وتم تشكيلها فقط بهدف تطوير الدراما، والحرص على توفير كل الحرية للإبداع شريطة ألا يمس ذلك أمن المجتمع“.

محمد فاضل رئيس لجنة الدراما السابق

رأت لجنة الدراما دورها الداخلي امتدادًا للحرب التي تخوضها الدولة على الإرهاب وأعداء الوطن، حيث أكد المخرج محمد فاضل، رئيس اللجنة، في أكثر من موضع، أن لجنة الدراما جاءت لضبط “فوضى الدراما”، والتي خلفتها “فوضى 25 يناير”. [15]كما أرادت اللجنة أن تخلق مع الوقت ومع استمرار عملها رقابة ذاتية يفرضها المبدع على نفسه، سواء كان خشية من توقيع الجزاءات والعقوبات أو لتمرير عمله بسهولة دون معوقات.

يقول محمد فاضل، رئيس لجنة الدراما المستقيل، في حوار نشرته جريدة الشروق: “قبل 2011 لم نسمع عن مشكلات من هذا النوع تواجه المسلسلات، فلم يطلب أحد من “أسامة أنور عكاشة” أن يحذف لفظًا أو مشهدًا خادشًا، وكان ضمير المبدع هو الذي يحكم العملية كلها، فهو يعلم أن مسلسله سيشاهده جميع أفراد الأسرة، وكان يحافظ على حرمة البيوت، ولم نتدخل إلا بعد أن أصبحت هناك ضرورة لتدخلنا”.

وعلى الرغم من رغبة السلطة الحالية والمجلس الأعلى للإعلام في استمرار عمل اللجنة، والموافقة على سياستها ودعم استمرارها، فإن هجوم اللجنة الشديد على الأعمال الدرامية ومحتواها وحجم المخالفات المرصودة بها والعقوبات التي طالبت لجنة الدراما من المجلس الأعلى تنفيذها أكثر من مرة، قد وضعت المجلس في موقف صعب، حيث كان تنفيذ مثل هذه العقوبات التي تضمنت التغريم على كل لفظ مسيء، والإنذار بسحب تراخيص المحطات الفضائية التي تستمر في إذاعة مخالفات الأعمال الدرامية أمرًا شديد الصعوبة، نظرًا إلى عدد المخالفات الهائلة التي رصدتها لجنة الدراما، ونظرًا إلى الغضب العام من وجود اللجنة، وإلى أن فرض مثل هذه العقوبات سوف يهدد عمل القنوات الخاصة، والتي طرحت نفسها كبديل قوي لإعلام الدولة ولقطاع الإنتاج التابع لماسبيرو.

فقد رصدت اللجنة في تقريرها الأخير عن دراما رمضان 2018،[16] والصادر في يونيو، عدد ٣٤٥ مخالفة للمعايير فى مسلسلات رمضان، فى نحو ١٠ آلاف مشهد، تضمنها ١٦ مسلسلًا عملت لجنة الدراما على رصدها، وذلك بواقع ٣٪ من إجمالي المشاهد كنسبة عشوائية شاهدتها اللجنة.

أشار تقرير لجنة الدراما إلى أن عملها اقتصر على متابعة مدى التزام الشاشات بالمعايير المهنية الإعلامية، التي أصدرها الأعلى للإعلام، ولم تتطرق إلى النواحي الفنية الإبداعية بحسب تعبيرها، إلا أنها أشارت في التقرير ذاته إلى أن “هناك غيابًا إبداعيًّا عن تناول قضايا الشهداء وبطولاتهم باعتبارها أحد أهم قضايا وجود الوطن وتقدم القدوة والنموذج للنشء والشباب”.

بعد أقل من أسبوعين من تاريخ رفع توصيات تقرير لجنة الدراما إلى المجلس الأعلى للإعلام، تقدمت لجنة الدراما وأعضاؤها في 25 يونيو 2018 باستقالة جماعية،[17] وذكروا فيها أن أسباب الاستقالة التي قبلها رئيس المجلس الأعلى للإعلام جاءت بعد عدم التزام المجلس الأعلى للإعلام بتوقيع الجزاءات والعقوبات على المخالفين، وأن استمرار دورهم “كديكور” دون صلاحيات وسلطة إنفاذ، أمر مستحيل.

“بدأنا منذ 6 أشهر عملنا، ولكن من وجهة نظرى هناك تحالف وقوى غير مرئية من أصحاب القنوات، الذين يضخون الأموال لهدم هذه الصناعة”.

الناقدة خيرية البشلاوي، عضو لجنة الدراما السابق[18]

تطويق الدراما.. أكثر من مرحلة للمرور

يخضع إنتاج وتصوير وعرض الأعمال الدرامية في مصر لتدخل عدة جهات: الدولة وقوانينها وأجهزتها الرقابية من جانب، ورأس المال وشركات الإنتاج من جانب آخر، كما تلعب جهات الاستثمار ومحطات البث الفضائي برقابتها الداخلية دورًا في التدخل، بخلاف ما يفرضه المبدع من رقابة ذاتية على عمله.

تضمن هذه العملية بتعدد الأطراف الفاعلة فيها تطويقًا محكمًا للعمل الدرامي قبل عرضه العام على الجمهور، بحيث يمكن اعتبار عملية الرقابة تتم عبر مراحل متعددة، يصبح معها وصول العمل الفني كما أراده المبدعون إلى الجمهور أمرًا مستحيلًا، خاصة في ظل تصارع جهات الرقابة فيما بينها، ومع اختلاف وتعدد تفسير هذه الجهات وفهمها لهذه المصطلحات الفضفاضة عن الأخلاق والآداب العامة والدين والحكم والوطنية.

وبذلك تستمر السلطة الحالية باختلاف خطابها ومفرداته في انتهاك حرية الإبداع، غير أن السلطة الحالية تسعى إلى تحفيز خطابها العام ضد حرية الإبداع، من خلال “تشارك السلطة” مع أفراد المجتمع وجعلهم فاعلين ولاعبين أساسيين في عملية الرقابة بإبلاغهم عن التجاوزات.

وكانت لجنة رصد دراما المجلس الأعلى للإعلام قد خصصت رقمًا خاصًّا لتلقي شكاوى المواطنين وملاحظاتهم على الأعمال الدرامية لعام 2018 عبر رسائل برنامج التواصل “واتساب”، كما شاركت  لجنة الرصد بالمجلس الأعلى للإعلام،[19] برئاسة سوزان قليني في جزء من مهمة رصد الأعمال الدرامية مع طلاب كلية الإعلام بجامعة عين شمس، وذلك بحسب تعبيرها “في إطار البرنامج التدريبي الذي توفره الكلية”.

الجانب الآخر لتمايز ممارسات السلطة الرقابية في السنوات الأخيرة ذو طابع رأسمالي، فمن خلال صفقات واستثمارات، تعيد السلطة الحالية رسم خريطة سوق الإعلام المصري، وتسعى إلى الاستحواذ على ملكية وسائل الإعلام،[20] لتضمن بذلك السيطرة على حصة يعتد بها من منابر ومنصات العرض على الجمهور.

من خلال صفقتين كبريين، استحوذت شركة إيجل كابيتال للاستثمارات المالية، في ديسمبر 2017، على حصة رجل الأعمال المصري أحمد أبو هشيمة في شركة إعلام المصريين للتدريب والاستشارات الإعلامية، والمالكة لعدد من الجرائد والمواقع الإخبارية، بالإضافة إلى شبكة قنوات ON الفضائية. ويتولى المنتج تامر مرسي حاليًّا رئاسة مجلس إدارة الشركة.

وتؤكد تحقيقات صحفية أن شركة إيجل كابيتال للاستثمارات المالية التي ترأسها داليا خورشيد وزيرة الاستثمار السابقة، هي صندوق استثمار مباشر مملوك لجهاز المخابرات العامة المصرية، جرى تأسيسه أخيرًا ليتولى إدارة جميع الاستثمارات المدنية للجهاز في عدد كبير من الشركات المملوكة للمخابرات جزئيًّا أو كليًّا.[21]

قبل بدء الموسم الرمضاني للعام الحالي، اتخذ تامر مرسي حزمة من القرارات الهامة،[22]والتي أثرت بشكل مباشر على سوق الدراما في عام 2018، حيث نفذت الشركة بعضًا من توصيات لجنة الدراما فيما يتعلق بالأعمال الحصرية وميزانية شراء المسلسلات ونفقات الدعاية، والتي تم تقليصها بالفعل خلال موسم دراما 2018، كما أجلت شبكة قنوات ON عرض ثلاثة مسلسلات كانت ضمن خارطة شهر رمضان، واكتفى تامر مرسي بإعلان أن المسلسلات الثلاثة ستتم إذاعتها في وقت لاحق، وهو ما لم يحدث حتى كتابة هذه السطور.

وكانت القناة قد أوقفت الإعلان عن مسلسل “أهو ده إللي صار” بطولة روبي وأخرجته من قائمة العرض في رمضان،[23] قبلها بيوم واحد أعلن محمد هنيدي عدم عرض مسلسله “أرض النفاق” على الشاشة ذاتها لأسباب لا تعلمها إلا القناة، كما أعلن المنتج جمال العدل أيضًا عدم عرض مسلسل يسرا “لدينا أقوال أخرى” دون إبداء أسباب واضحة.

وكانت هذه المسلسلات الثلاثة قد أثارت جدلًا واسعًا قبل شهر رمضان، إذ أرجعت تقارير صحفية أن مشاركة الكاتب الصحفي إبراهيم عيسى في مسلسل هنيدي، وهو معروف بانتقاداته للحكم الحالي ولحكام المملكة العربية السعودية، أدت إلى تعثر عرض المسلسل في مصر، واستبدال بمشاهد عيسي فنانًا آخر في النسخة المعروضة بالخليج. كذلك ما أثير عن غناء الفنان فضل شاكر _العائد من الانضمام إلى جماعات مسلحة في سوريا_ مقدمة مسلسل لدينا أقوال أخرى.

وقد أبرزت أزمة مسلسل أرض النفاق خطًا جديدًا للرقابة، حيث أعلن المنتج جمال العدل في لقاء تلفزيوني عن تدخل جهات الرقابة السعودية في عرض المسلسل بطلبها حذف بعض المشاهد لإبراهيم عيسى، معلنًا أن السعودية شأنها في ذلك شأن أيٍّ من الدول الأخرى بما فيها مصر والتي تتولى من خلال عملية رقابة داخلية تدقيق المحتوى المعروض على تلفزيونها الوطني/الرسمي.[24]

الصفقة الثانية آنذاك، استحواذ “فالكون” على قنوات الحياة، في سبتمبر 2017، حيث أعلنت مجموعة “تواصل”، إحدى شركات مجموعة فالكون للخدمات الأمنية وشركة “سيجما” للإعلام، توقيع الطرفين اتفاقية تستحوذ من خلالها الأولى على شبكة قنوات “الحياة” الفضائية. وذلك قبل أن تستولي إعلام المصريين على قناة الحياة في صفقة جديدة أبرمت في يوليو الماضي[25]. تجدر الإشارة هنا إلى أن شريف خالد رئيس مجلس إدارة مجموعة تواصل هو وكيل سابق للمخابرات الحربية، وأن مجموعة فالكون هي الأكثر حضورًا في مجال الحراسات الأمنية، ويرأس مجلس إدارتها اللواء شريف خالد وكيل سابق لجهاز المخابرات الحربية، ورئيس قطاع الأمن الأسبق باتحاد الإذاعة والتلفزيون.

من خلال ما سبق عرضه، نجد أن  السلطة الحالية تضمن بممارساتها تطويق الأعمال الدرامية والإبداعية، بعد خلق أكثر من مرحلة يمر خلالها العمل الإبداعي. وعبر مسارين جديدين تتمايز بهما السلطة الحالية عن سابقاتها في فرض أشكال مختلفة من الرقابة، فمن ناحية استكملت مشروع سابقاتها بالإبقاء على قوانين الرقابة التي تحاصر الأعمال اﻹبداعية في مراحلها المختلفة قبل العرض على الجمهور، بل أوجدت لجنة مختصة بالدراما تراقب وتفتش بشكل لاحق على الأعمال عقب عرضها على التلفزيون، ومن ناحية أخرى تحاول من خلال صفقات شراء القنوات، أن تستحوذ من المنبع وتتحكم فيما تعرضه هذه القنوات، وهو ما اتضح خلال دراما عام 2018، وأشارت إليه أخيرًا تصريحات بعض الفنانين، والتي تبين مدى توغل وتحكم شركات الإنتاج _التي يعتقد أنها تابعة لأجهزة الدولة_ في عملية إنتاج وعرض الأعمال الدرامية.[26]

ذات صلة

Subscribe To AFTE Email List
No Thanks
Thanks for signing up.
We respect your privacy. Your information is safe and will never be shared.
Don't miss out. Subscribe today.
×
×

WordPress Popup Plugin