معنية برصد انتهاكات حقوق التعبير في حق الأفراد و المؤسسات.

تجريم الخيال.. كيف ينظر البرلمان إلى حرية الإبداع؟

للإطلاع على الورقة بصيغة PDF

إعداد: محمود عثمان، محامٍ بمؤسسة حرية الفكر والتعبير

المحتوى

مقدمة

أولًا: حرية الإبداع بين الدستور والقانون

ثانيًا: البرلمان يضيِّق الخناق على حرية الإبداع

ثالثًا: تأثير التشريعات على أحكام حرية الإبداع

خاتمة وتوصيات

مقدمة

يعد مجلس النواب المسؤول الأول عن ضبط التشريعات المقيِّدة لحرية الإبداع، بيد أن المجلس المنتخب في عام 2015 قد أهمل إلغاء المواد التي تقيِّد حرية الإبداع في القوانين المصرية، بل وذهب إلى أبعد من ذلك، إذ وافق على القانون المُسمى بـ”قانون توقير العلم وتجريم إهانته” وسعى بعض نوابه إلى إقرار قانون يُرسي عقوبة على “إهانة الرموز التاريخية” الأمر الذي قد يُشكل خطرًا بالغًا على حرية الإبداع والفكر في مصر.

ولا يمكن فصل مساءلة المبدعين قانونيًّا عن الدور السلبي الذي لعبه مجلس النواب فيما يتعلق بحماية حرية الإبداع، ومثال ذلك الحكم بحبس الروائي أحمد ناجي من حكم بالحبس بسبب عمل أدبي، وعدة أحكام ضد فناني المهرجانات. ولم ينجُ وزير الثقافة الأسبق جابر عصفور من مقصلة العداء لحرية الإبداع، إذ تم الحكم بحبسه لمدة عام مع وقف التنفيذ وغرامة 10 آلاف جنيه، بسبب وصفه مرافعة النيابة العامة في قضية الروائي أحمد ناجي بأنها “أشد تطرفًا من تنظيم داعش الإرهابي”. كانت كل هذه الأمثلة بمثابة نتيجة مباشرة لما رسخته المؤسسة التشريعية من بنية معادية لحرية الإبداع.

وتتناول الورقة في قسمها الأول الحماية الدستورية لحرية الإبداع ومدى مخالفة بعض التشريعات لها، منها المادتان (98) و (178) من قانون العقوبات، اللتان تعرفان بمادتي ازدراء الأديان وخدش الحياء العام على التوالي. ثم تستعرض الورقة في قسمها الثاني إقرار قانون “تجريم إهانة العلم المصري” والتقدم بمشروع قانون لتجريم إهانة الرموز التاريخية اللذين يمثلان خطورة بالغة على حرية الإبداع. بينما يركز القسم الثالث من الورقة على عرض تأثيرات هذه التشريعات من خلال بعض القضايا التي عملت عليها أو تابعتها مؤسسة حرية الفكر والتعبير.

اعتمدت الورقة على التحليل القانوني لمواد الدستور المصري وقانون العقوبات وقانون رقم 41 لسنة 2014 بشأن العَلَم والنشيد والسلام الوطني، بالإضافة إلى تحليل مشروع القانون الخاص بتجريم إهانة الرموز التاريخية. واستخدمت الورقة التصريحات الرسمية الصادرة عن رئيس مجلس النواب وأمين اللجنة الدينية بالمجلس وبعض النواب، بخصوص مناقشات إلغاء المواد المتعلقة بخدش الحياء العام وازدراء الأديان ومشروع قانون إهانة الرموز التاريخية.

تسعى هذه الورقة إلى إبراز دور مجلس النواب في انتهاك وتقييد حرية الإبداع، وحث المجموعات والجهات المعنية على طرح هذه المسألة في العام الحالي، الذي يشهد إجراء انتخابات جديدة لمجلس النواب، بهدف مطالبة المجلس بتشكيله الحالي بالتطرق إلى هذه المسألة خلال الشهور القليلة المتبقية من مدته الحالية.

أولًا: حرية الإبداع بين الدستور والقانون

ثمة تاريخ دستوري مصري طويل مرتبط بحرية الإبداع، إذ نصَّ دستور 1971 في مادته الـ49 على أن: “تكفل الدولة للمواطنين حرية البحث العلمي والإبداع الأدبي والفني والثقافي، وتوفر وسائل التشجيع اللازمة لتحقيق ذلك.” واعتُبرت صياغة هذه المادة فضفاضة ما يسمح بالتوسع في التأويل، وما سيؤدي، بطبيعة الحال، إلى تحكم السلطات التنفيذية في مسار تنفيذها وطرق تفسيرها، كما لم توفر أية آلية لحماية المبدعين من التعرض للملاحقة القانونية بسبب أعمالهم الإبداعية والفكرية. لكن هذه المادة، في الوقت نفسه، كانت بمثابة ترسيخ لموضوع حرية الإبداع كمسألة حَريٌّ بها أن تُراعى دستوريًّا، ومن بعدها صدرت عدة قرارات عن المحكمة الدستورية العليا تشجع حرية الإبداع.

أما الدستور الحالي والمعدل أخيرًا في عام 2019، ولأول مرة، فقد تضمن مادة مخصصة لحرية الإبداع تنص على منع حبس المبدعين بسبب نشر أعمالهم، وهي المادة 67، وعن طريقها أصبحت كل مادة قانونية تخالفه واجبة الإلغاء. تتيح هذه المادة للمواطنين القدرة على الطعن على أي تشريع يخالف حرية الإبداع أو ينص على مواد عقابية تحمل عقوبات سالبة للحرية ضد المبدعين، ونظرًا إلى أن المعايير العالمية لحرية الإبداع لم تجعل حرية الإبداع مطلقة، فقد اتخذ النص الدستوري المصري المسلك نفسه في ترسيم حدود ومحظورات لا تدخل ضمن نطاق حرية الإبداع، وهي التحريض على العنف، التمييز بين الأفراد، والطعن في أعراض الأفراد.

هذه المعايير وضعت كحدٍّ لحرية الإبداع من ناحية، وهي من جهة أخرى ضمانة لعدم تشريع أي نص قانوني يعاقب المبدعين بأي تهمة سوى هذه المحظورات الثلاثة، إلا أن قانون العقوبات المصري قد تضمن بالفعل تشريعات تعاقب على أنشطة وممارسات مرتبطة بحرية الإبداع بالرغم من أنها لا تقع ضمن المحاذير الثلاثة التي تضمنها النص الدستوري.

شهدت مصر خلال العقد الأخير حكمين في غاية الخطورة ضد المبدعين، أولهما: في 2013 بحكمٍ بالحبس خمس سنوات على الكاتب “كرم صابر” لاتهامه بازدراء الأديان في مجموعته القصصية “أين الله؟”[1]، والآخر الحكم الصادر بالحبس سنتين مع الشغل ضد الكاتب أحمد ناجي لاتهامه بخدش الحياء العام في روايته “استخدام الحياة”[2]. اللافت للنظر، أن الأحكام في القضيتين قد تضمنت إنزال أقصى عقوبة مقررة وفقًا لقانون العقوبات المصري، تحديدًا في المادة (98) المتعلقة بازدراء الأديان، والمادة (178) المتعلقة بخدش الحياء العام، وهي المواد نفسها التي طالما وُصِفت بأنها مخالفة لنصوص الدستور التي تسعى إلى حماية حرية الإبداع ومنع حبس المبدعين بسبب أعمالهم الإبداعية إلا لو كان عملهم محرضًا على عنف أو يتضمن تمييزًا عنصريًّا أو يمس أعراض أشخاص بعينهم.

في عام 2016، وبعد الحكم بحبس الإعلامي المصري إسلام بحيري لمدة خمس سنوات وتخفيفها إلى عام[3]، لاتهامه بازدراء الأديان، في برنامجه “مع إسلام” الذي هاجم فيه التراث الإسلامي والإمامين البخاري ومسلم، تقدمت النائبة آمنة نصير، أستاذة العقيدة والفلسفة والعميدة السابقة لكلية الدراسات الإنسانية بفرع جامعة الأزهر بالإسكندرية، بمقترح لتعديل بعض مواد قانون العقوبات لعدم دستوريتها، حيث طالبت بحذف المادة رقم 98 الخاصة بازدراء الأديان من قانون العقوبات، التي تنص على: “يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تجاوز خمس سنوات أو بغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه، ولا تجاوز ألف جنيه كل من استغل الدين في الترويج بالقول أو بالكتابة أو بأية وسيلة أخرى لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية.”

ووقَّع 68 نائبًا على مقترح مشروع القانون، وكانت حُجة المشروع مخالفة مادة ازدراء الأديان لدستور مصر الحالي الصادر في 2014 ومواد حرية التعبير والاعتقاد فيه، وللمواثيق الدولية التي صدقت عليها مصر، وعلى رأسها المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية[4]. وأثناء مناقشة المقترح عارض عضو اللجنة التشريعية السيد حسن البرديسي وكذلك النائب المعروف مصطفى بكري، الذي ذهب إلى أن ترتيب عقوبة على ازدراء الأديان أمر “لا يتعارض مع حرية الإبداع، وأن هذا القانون حماية للمعتقدات الدينية من الازدراء”، ضاربًا المثال بحالة تكرار الرسوم الدنماركية المسيئة إلى الرسول. وبعد ذلك، رفضت اللجنة التشريعية بمجلس النواب مقترح آمنة نصير وبقيت المادة قيد التطبيق[5].

وعلى خلفية حبس الروائي أحمد ناجي تقدم النائبان أحمد سعيد ونادية هنري، بمشروع تعديل لقانون العقوبات، يسعى إلى إلغاء عقوبة الحبس في جرائم النشر بتهمة خدش الحياء العام. وأثناء مناقشة مشروع القانون أظهر تعليق النائب أبو المعاطي مصطفى مدى صعوبة أن يقبل مجلس النواب بالتعديل، حين هاجم في مناقشاته الأديب المصري نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل في الآداب، حيث قال: “أيوه السكرية وقصر الشوق فيهم خدش حياء، ونجيب محفوظ يستحق العقاب، بس محدش وقتها حرَّك دعوى جنائية ضده”[6]، جاء بعدها التصويت على المشروع برفض 21 وموافقة ستة أعضاء[7].

الأمر نفسه تكرر مع أغاني “المهرجانات” التي لم تكف طوال السنوات الفائتة عن إثارة الجدل، وشهد العام الجاري حربًا مفتوحة ضد صُناعها. فبعد منع عدد منهم من إقامة الحفلات[8]، تقدم نقيب المهن الموسيقية إلى إدارة بعض مواقع التواصل الاجتماعي لحذف أغانيهم[9]، كما تقدم النائب فرج عامر بمقترح لمجلس النواب لتشديد عقوبة خدش الحياء العام لتصل إلى ثلاث سنوات، وأن يكون الحبس فيها وجوبيًّا، وطالب عامر، رئيس لجنة الصناعة بالبرلمان، بمحاكمة مغني المهرجانات بهذه المادة بعد تشديدها، ما يعد خروجًا عن أصول التشريع القانوني الذي يلزم بأن يكون التشريع عامًّا ومجردًا وليس مصنوعًا لاتهام شخص بعينه، وإلا أصبح القانون مُشرَّعا لمراعاة مصلحة شخصية للنائب، وأصبح مشوبًا بعيب إساءة استعمال السلطة، وبالتالي في حالة الطعن عليه يتم إلغاؤه[10].

ثانيًا: البرلمان يضيق الخناق على حرية الإبداع

لم يكتف البرلمان برفض كافة المحاولات التي استهدفت إلغاء المواد المقيدة لحرية الإبداع كما أشرنا آنفًا، إذ حاول التوسع في سن القوانين التي تضيق المساحة الممنوحة للمبدعين في مصر. حيث أقر وفقًا للسلطة المخولة إليه دستوريًّا “قانون توقير العلم المصري” الذي أصدره الرئيس المؤقت عدلي منصور، كما طرح بعض أعضائه مشروعًا بقانون يجرِّم “إهانة الرموز التاريخية”.

  • قانون توقير العلم

في عام 2014، وقبل تشكيل مجلس النواب الحالي، صدر قرار بقانون من الرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور لـ”توقير العلم المصري وتجريم إهانته”. ونص القرار بقانون، الذي حمل رقم ٤١ لسنة ٢٠١٤، على عقوبة تصل إلى سنة وغرامة تصل إلى ثلاثين ألف جنيه على كل من “أهان العلم المصري”، وأضاف القانون أنه يجب احترام العلم والتعامل معه بتوقير، إلا أنه لم يحدد المعنى المقصود بالتوقير وحدوده بشكل دقيق، واعتبر أن عرض العلم، بأي وسيلة، بطريقة “غير لائقة” يعتبر إهانة للعلم، وأيضًا دون توضيح لمعنى كلمة “غير لائقة”.

صدر قانون إهانة العلم المصري بقرار الرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور، ولم يكن حينها قد تم تشكيل البرلمان، ما أتاح له فرصة الاستئثار بسلطة التشريع، التي كان من الضروري مراجعتها وضبطها بعد تولي مجلس النواب الحالي سلطة التشريع في 10 يناير 2016. إلا أن مجلس النواب أقر هذا القانون ضمن حزمة واسعة من قوانين الفترة الانتقالية والتي صدرت بتوقيع الرئيس المؤقت عدلي منصور والرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي.

ينص الدستور على أنه يجوز لرئيس الجمهورية إصدار قرارات بقوانين، على أن يتم عرضها ومناقشتها والموافقة عليها خلال خمسة عشر يومًا من انعقاد مجلس النواب الجديد، فإذا لم تعرض وتناقش أو إذا عرضت ولم يقرها المجلس، زال بأثر رجعي ما كان لها من قوة القانون، دون حاجة إلى إصدار قرار بديل.

وتنفيذًا لما جاء بهذا القانون تم الحكم بحبس الراقصة “صوفينار” ستة أشهر وتغريمها 10 آلاف جنيه لإهانة العلم المصري، بسبب ارتدائها العلم أثناء أداء رقصة[11]. وكانت صوفينار قد بررت موقفها للمحكمة أثناء سير الدعوى بأنها ارتدت العلم تعبيرًا عن حبها لمصر. لاحقًا، أيدت محكمة الاستئناف حكم أول درجة بإدانة صوفينار واكتفت بتغريمها 30 ألف جنيه مصري. غادرت صوفينار بعدها مصر بلا رجعة بعد أن رُفع ضدها عشرات الدعاوى بسبب نشر أعمالها الفنية وتم الحكم عليها في العديد منهم لأسباب.

  • مشروع قانون تجريم إهانة الرموز التاريخية

في نهاية عام 2019، تجدد النقاش حول هذا القانون بعد الجدل المثار حول انتقاد الشيخ الشعراوي، إذ أشار أعضاء بمجلس النواب إلى أهمية إقرار قانون إهانة الرموز التاريخية، حتى لا تكون شخصيات كالشيخ الشعراوي عرضة للنقد. وكان الدافع وراء التقدم بمشروع قانون إهانة الرموز التاريخية ما اعتبره البعض قدحًا في شخصية صلاح الدين الأيوبي. ففي حلقة تلفزيونية أذيعت، في 10 مايو 2017، قال الكاتب يوسف زيدان إن صلاح الدين الأيوبي هو “أحد أحقر الشخصيات في التاريخ الإنساني”[12]. هاجم زيدان مرة أخرى صلاح الدين وشخصيات تاريخية مثل أحمد عرابي، وذلك بعد عدة أشهر على الواقعة الأولى. وقال زيدان إن أحمد عرابي “أضاع البلد وكان سبب الاحتلال الإنجليزي لمصر”[13].

أقام بعدها أحد المحامين الدعوى رقم 5033 لسنة 72 قضائية، أمام محكمة القضاء الإداري، ضد يوسف زيدان، والتي أحالتها المحكمة إلى الدائرة الثانية، في 2 يناير 2018، واتهم المدعي زيدان بتشويه الشخصيات التاريخية وطالب فيها بمنع ظهور زيدان في جميع وسـائل الإعلام المرئي والمسموع والفضائيات وكل البرامج، سواء بالاستضافة أو المداخلة الهاتفية على أن يكون هذا الالتزام لمدة تتناسب مع جسامة المخالفات الثابتة في حقه، أوقفت بعدها الدعوى جزائيًّا لعدم حضور المدعي.

بعد تصريحات زيدان بأيام قليلة تقدم النائب عمر حمروش، أمين سر لجنة الشئون الدينية والأوقاف، بمشروع القانون، مُعتبرًا أن: “الفترة الماضية، شهدت محاولات متعددة لتشويه صورة الشخصيات والرموز التاريخية”[14]. وفي 8 نوفمبر 2017، أحال رئيس مجلس النواب مشروع القانون إلى لجنة مشتركة من اللجنة التشريعية ولجنة الثقافة والإعلام والآثار. وعلى خلفية ذلك، نشرت وسائل الإعلام تصريحًا للكاتب يوسف زيدان يعلن فيه أنه إذا صدر هذا القانون المعيب فسوف يهاجر من مصر إلى غير رجعة. يقول النائب حمروش، مقدم مشروع القانون، في تصريحات صحفية: “خلال الفترة الأخيرة تعالت أصوات كثيرين ممن يبغون الشهرة، يظهرون عبر وسائل الإعلام، ويقومون بتشويه بعض الرموز التاريخية مثل: أحمد عرابي وغيره، وهذا الأمر يزعزع ثقة الشباب في التاريخ ويقتلع الوطن من جذوره”[15]. كما أكد أن: “القانون جاء ليحمي رموز المجتمع التاريخية بعد أن انتقلوا إلى رحمة الله، لأنهم لا يجدون من يدافع عنهم، على حد قوله، بينما في تصريحات أخرى يقول النائب حمروش إن مشروع القانون سوف يشمل الرموز التاريخية التي لا تزال على قيد الحياة”[16].

لقد أضر المُشرِّع من خلال مشروع القانون بنوع من المصالح وفضل مصالح أخرى عليها، فقد أضر بالحق في التعبير والإبداع الفكري لصالح المحافظة على “هيبة” الشخصيات التاريخية. وهنا نأتي إلى شرط الغاية عند نص التشريع، وهو أحد الشروط الموضوعية لكتابة النص التشريعي، فلا بد أن يكون غايته المصلحة العامة، بمعنى أوضح، إن هذه الموازنة بين الحقوق وتغليب أحدها على الآخر غير مُبطلة للتشريع طالما كانت غايتها المصلحة العامة، بحيث يتم تجنيب مصلحة مقابل الحفاظ على مصلحة أولى بالرعاية، على ألا تكون السلطة التقديرية للمُشرع مخالفة لنص دستوري يحدد ضوابط واضحة للحق.

يقول في ذلك رئيس المحكمة الدستورية الحالي _المُعين حديثًا_ المستشار الدكتور حنفي الجبالي: إن الأصل في سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية، ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها، وتعتبر تخومًا لها لا يجوز اقتحامها أو تخطيها، حيث أن الأصل فى التشريع اتفاقه مع أحكام الدستور[17].

وفي السياق نفسه، يوضح مدير مركز البحوث والاستشارات القانونية والتدريب بكلية الحقوق في جامعة القاهرة، في بحث قانوني بعنوان “أركان صحة التشريع”[18]، خلال مناقشة حول ركن “المصلحة العامة” والذي يعني أنه يلزم لإصدار أي قرار إداري يقوم به موظف بالدولة، أن يكون هذا القرار مستهدفًا مصلحة أكبر من التي سوف يتم إلغاؤها، وأن تكون هي المصلحة الأولى بالرعاية، وهو ركن أصيل وجوهري في القرارات الإدارية، ويتساءل في البحث، هل يخضع القانون لنفس المبدأ؟ والذي يعنينا هنا هو قانون إهانة الرموز، فنحن نتساءل معه هل لا بد أن يكون ركن المصلحة العامة في إصدار القوانين ركنًا جوهريًّا؟! وكيف تقاس المصلحة العامة وقتها؟

يوضح الدكتور صبري السنوسي في بحثه كيف ينحرف المُشرِّع عن المصلحة العامة وبصورة خاصة حين يستهدف المشرع تحقيق مصلحة معينة لفرد معين أو جماعة معينة أو حزب معين أو الإضرار بفرد معين أو جماعة معينة أو حزب معين على غير ما تقتضيه المصلحة العامة، وهو رأي عدد من أساتذة التاريخ الذين ذهبوا إلى أن الظاهر من نص قانون إهانة الرموز التاريخية هو معاقبة الكاتب يوسف زيدان، وهو عودة إلى الخلف وإلى قوانين تقديس الأشخاص.

وتصل عقوبة من يهين الشخصيات التاريخية إلى 5 سنوات سجنًا، وتتحول بعدها في حالة العودة إلى ارتكاب نفس الجرم إلى 7 سنوات سجنًا، بخلاف الغرامة التي تصل إلى 500 ألف جنيه وترفع إلى مليون جنيه في حالة تكرار الفعل، هذا القدر من العنف في مواجهة رأي حول شخصية تاريخية ينم عن رغبة في نشر الخوف، وليس مجرد الحفاظ على توجه بعينه في قراءة الشخصيات التاريخية.

كما أنه تنبغي الإشارة إلى أن قانون إهانة الرموز التاريخية لا يتوافق مع القانون المصري، الذي تمنع مادته 67 تطبيق أي من العقوبات السالبة للحرية بسبب علانية المنتج الفني أو الأدبي أو الفكري. وتنص المادة 67 على أنه “لا يجوز رفع أو تحريك الدعاوى لوقف أو مصادرة الأعمال الفنية والأدبية والفكرية ضد مبدعيها إلا عن طريق النيابة العامة، ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بسبب علانية المنتج الفني أو الأدبي أو الفكري، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في أعراض الأفراد، فيحدد القانون عقوباتها “. كما أن مصر ملتزمة بمواد العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي صدقّت عليه، والذي تؤكده مادته الـتاسعة عشرة على أن: لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة. ولكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف دروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها.”

كما ان القانون يُخِل بأسبقية حق النقد على ما يصفه مشرعون “بحماية الشخصيات التاريخية”. لقد اعتبرت مبادئ المحكمة الدستورية العليا أن حرية التعبير بمثابة الحرية الأصل، التي يتفرع عنها كثير من الحريات والحقوق العامة الفكرية والثقافية وغيرها، وتعد المدخل الحقيقي لممارستها ممارسة جدية، كحق النقد وحرية الصحافة والطباعة والنشر وحرية البحث العلمي والإبداع الأدبي والفني والثقافي، وحق الاجتماع والتشاور وتبادل الآراء وحق مخاطبة السلطات العامة. وبالتالي، لا يقتصر الإخلال بحق النقد وحرية التعبير عليهما وحدهما، بل يمتد إلى مجموعة كبيرة من الحقوق المحمية دستوريًّا، التي تستمد وجودها من حق النقد وحرية التعبير، ومكانتها منه مكانة الفرع من الجذر.

وتعبر المحكمة الدستورية العليا في أحكامها عن حق النقد[19]، وتقرر أنه لازم للسلوك المنضبط في الدول الديمقراطية وخاصة في جوانبه السياسية بأن يكون في ظل التنظيم البالغ التعقيد للعمل الحكومي قادرًا على النفاذ إلى الحقائق الكاملة المتعلقة بكيفية تصريفه، لذا فهو مرتبط بالحق في الوصول إلى المعلومات وكذلك الحق في نقل هذه المعلومات إلى الآخرين بأي وسيلة والتي كفلها العهد الدولي كما سبق وأوضحنا.

كذلك، يشوب القانون خلط بين النقد والإهانة أو بمعنى أكثر دقة “القذف”، والقذف كما وضحه قانون العقوبات في المادة 302: “أن ينسب إلى شخص ما فعل معين اذا صح كان واجبًا عقابه”، مثل أن تتهمه بالسرقة المعاقب عليها قانونيًّا، فإن لم تستطع إثبات أنه سارق أصبحت أنت مرتكبًا لجريمة “القذف”، وعلى الرغم من أن “القذف” جريمة في القانون المصري يعاقب عليها القانون بالغرامة التي تصل إلى 15 الف جنية مصري، تصل العقوبة إلى الحبس 3 سنوات والغرامة معًا في حالة إذا تضمن القذف طعنًا في عرض الأفراد أو خدشًا لسمعة العائلات في حين أنه من الواضح أن النقد التاريخي لا يُقصد به الطعن في ذمم الشخصيات التاريخية، بل نقد ما تُمثله، وما يتصل بذلك من عمليات تدقيق المصادر التاريخية ومُساءلة أرشيف النصوص والمرويات.

ثالثًا: تأثير التشريعات على أحكام حرية الإبداع

تكمن خطورة التشريعات التي تنص على حبس الفنانين في أنها تنتزع جدوى فكرة حرية التعبير وحق النقد بشكل تام، كما انها تُعلي من شأن الرقابة على حساب دستورية القوانين، بالمخالفة للأحكام الدستورية التي تواترت على أن الإبداع هو الأولى بالرعاية، بل وتعطي حق الرقابة على المنتج الإبداعي لجهات عدة، وهو ما يؤثر على الصناعات الفنية بالكامل وفي كافة شرائحها. فمنذ الحكم على الفنانة رضا الفولي بطلة كليب “سيب إيدي” بالحبس عامًا بتهمة خدشها الحياء العام[20]، مرورًا بالحبس عامين للكاتب أحمد ناجي لنفس الاتهام، ترسخ لدى أجهزة الرقابة أن منع الأعمال الفنية هو الأصل، وأن هناك حق أصيل لجهات رقابية متفرقة أن تقرر مبدئيًّا ما الذي ينبغي أن يصل إلى الجمهور وما ينبغي أن يتم منعه.

مع تصاعد وتيرة التشريعات المُحرضة على حبس الفنانين، أخذت النقابات الفنية موقفًا بوليسيًّا وقررت المساهمة في القبض على الفنانين، وكانت في مقدمتهم نقابة المهن الموسيقية، التي تقدمت في البداية ببروتوكول تعاون مع وزارة الداخلية لتسليم الموسيقيين[21]، بعدها تم القبض على العديد من فناني المهرجانات وغيرهم بتهمة خدش الحياء العام لنشرهم مقاطع فيديو غنائية[22]. وكانت إحدى هذه القضايا التي حكم فيها على المطربة “شيما” بعقوبة الحبس لمدة عامين[23]، ثم تم تخفيفها بعد ذلك إلى عام، أوضحت المحكمة في أسباب حكمها أنها اعتمدت على رأي نقابة المهن الموسيقية في الكليب حين قررت النقابة سحب الترخيص بعد أن منحته لشيما بعدما أثيرت الضجة حوله، ووصفت الكليب بأنه “إباحي”[24]. هذه القسوة في التعامل مع الفنانين تبعها تضييق من الجهات الرقابية حتى أن إجراءات تسجيل الملكية الفكرية لأي عمل موسيقي الآن أصبح يتطلب موافقة الرقابة على المصنفات الفنية، بعد أن كان يتم في الحال.

لا يقتصر الأمر على دور البرلمان، كجهة تشريعية، في تقييد حرية الإبداع، بل يمتد إلى المحكمة الدستورية العليا، التي يُمكنها أن تحكم بعدم دستورية القوانين التي تُخالف نصوص الدستور والمواثيق الدولية التي انضمت مصر إليها. لكن يبقى دور المحكمة الدستورية العليا مقيدًا بإجراء مهم، لطالما كان حجر عثرة امام اللجوء إلى ساحاتها كمَنْفَذ أخير لحماية حرية الإبداع، وهو أن إحالة القانون إلى المحكمة الدستورية العليا للنظر في دستوريته، ومن ثم وقف العمل به إلى حين تعديله أو إلغائه أمر مُقيد بسماح المحكمة العادية (الجنائية أو المدنية أو الإدارية) بإحالة الدعوى إلى المحكمة الدستورية. وهو الأمر نفسه الذي حدث في القضية المعروفة إعلاميًّا بقضية “الشيخ ميزو” ففي شهر فبراير 2017 تم الحكم على محمد عبد الله نصر، المعروف بالشيخ ميزو، بأقصى عقوبة في قانون ازدراء الأديان، وهي خمس سنوات حبسًا، في الدعوى التي أقامها ضده أحد المحامين على خلفية ظهوره في أحد البرامج التلفزيونية، وأثناء نظر الدعوى، تقدم محامي نصر بمذكرة يوضح فيها طعنه بعدم دستورية مادة ازدراء الأديان، إلا أن المحكمة الجنائية لم تسمح بإحالة الدعوى إلى المحكمة الدستورية العليا.

خاتمة وتوصيات

في الوقت نفسه الذي لا تخلو فيه خطابات الدولة من ذكر القوى الناعمة وتأثيرها، يناقش مجلس النواب تشريعات مقيدة لحرية التعبير الفني ومخالفة للدستور.  إن إرادة البرلمان السياسية لا بد أن ترتكز على الإيمان بحرية الفنانين في التعبير الفني وحرية الجمهور في المشاهدة والنقد، وأن رأي الجمهور وحده هو المعوَّل عليه في نجاح العمل الفني أو فشله، فالفنان لا يحمل سلاحًا أو يدعو إلى عنف حين ينشر كليبًا غنائيًّا ولكن الدولة تفعل ذلك أثناء تقييد صوته. لذا فإن المؤسسة ترى أنه وجب على البرلمان الآتي:

  • إلغاء قانون “توقير العلم المصري وتجريم إهانته” الذي أصدره الرئيس المؤقت عدلي منصور في 2014.
  • سحب مشروع قانون “تجريم إهانة الرموز التاريخية” لما ينطوي عليه من تقييد لحرية الفكر والتعبير والإبداع.
  • إلغاء المادتين رقم 98 و178 من قانون العقوبات، المتعلقتين بتهمتي الحياء العام وازدراء الأديان.

 

[1] بوابة أخبار اليوم، حبس الكاتب كرم صابر 5 سنوات بتهمة ازدراء الأديان، 11 مارس 2014
https://bit.ly/2WToaBj[2] فرانس 24، الحكم بالسجن عامين على كاتب مصري بتهمة "خدش الحياء العام" في إحدى رواياته، 20 فبراير 2016
https://bit.ly/3aGC8dK[3] أحمد إسماعيل، اليوم السابع، ننشر حيثيات حكم حبس إسلام بحيرى بتهمة ازدراء الأديان.. المحكمة: المتهم بث أفكارًا متطرفة تحت ستار الدين بزعم تجديد الخطاب.. الإعلامى استغل برنامجه بقصد إثارة الفتنة وتحقير وازدراء الدين الإسلامى، 27 يناير 2016.
https://bit.ly/3bO287x[4] غادة الشريف، المصري اليوم، آمنة نصير تتقدم بمقترح لحذف مادة ازدراء الأديان من قانون العقوبات (نص كامل)، 5 إبريل 2016
https://bit.ly/2yipzHn[5] سامح لاشين، بوابة الأهرام، تشريعية النواب ترفض مقترح آمنة نصير بإلغاء مادة "ازدراء الأديان".
http://gate.ahram.org.eg/News/1274199.aspx[6] الحرة، "لخدشه الحياء" .. برلماني مصري: نجيب محفوظ يستحق العقاب، 1 ديسمبر 2016
https://arbne.ws/39tW56n[7]  نور علي، اليوم السابع،  تشريعية النواب" ترفض إلغاء عقوبة الحبس فى جرائم النشر الخاصة بخدش الحياء.. مشادات حول تصوير المرأة عارية.. أبو المعاطى مصطفى: مؤلفات نجيب محفوظ خادشة وكان يستحق العقاب.. ونادية هنري: "هتودونا فى داهية"، 28 نوفمبر 2018                                                                        
https://bit.ly/3dDm1Q9[8] محمد رضا، اليوم السابع،  شاكوش وكمال وشطة وبيكا.. ننشر أسماء الممنوعين من الغناء بقرار الموسيقيين، 18 فبراير 2020
https://bit.ly/2UrMJns[9]  محمود الرفاعي، الوطن، "الموسيقيين" تخاطب يوتيوب وساوند كلاود لحذف المهرجانات، 19 فبراير 2020
https://bit.ly/2UMDYmV[10] مصطفى محمود، الوفد، فيديو.. فرج عامر يقترح عقوبة الحبس 3 سنوات لخدش الحياء بأغاني المهرجانات، 18 فبراير 2020.
https://bit.ly/2xDaRus[11] محمد طلعت داوود، المصري اليوم، حبس "صافيناز" 6 أشهر وكفالة 5 آلاف جنيه بتهمة الرقص دون ترخيص، 21 إبريل 2016
https://bit.ly/2vZU9F3 
[12] بسام رمضان، المصري اليوم، يوسف زيدان: صلاح الدين الأيوبي من أحقر الشخصيات في التاريخ الإنساني (فيديو)، 11 مايو 2017
https://bit.ly/2UKFNkh[13] إبراهيم حسان، اليوم السابع، يوسف زيدان: " أحمد عرابي ضيع البلد ودخلنا في استعمار إنجليزي 70 سنة"، 15 أكتوبر 2017،
https://bit.ly/2UPe8yu[14] أمين طه، التحرير، مقدم " تجريم إهانة الرموز" : القانون يمنع إهانة زويل وحتشبسوت، 30 أغسطس 2018
https://bit.ly/33YhxiL[15] تامر هنداوي، القدس العربي، يوسف زيدان: سأهاجر من مصر في حال أُقر قانون تجريم إهانة الرموز التاريخية، 24 أغسطس 2018
https://bit.ly/3dE0XJn[16] محمد عادل سليمان، المفكرة القانونية، استحداث جريمة إهانة الرموز التاريخية في مصر: مزيد من القيود على حرية التعبير، 7 ديسمبر 2017
https://bit.ly/2xFnTHx[17] المستشار حنفي علي جبالي، المحكمة الدستورية العليا، المجلة الدستورية، العدد رقم 5، الدعوى الدستورية 4 - المخالفة الدستورية للقانون، 2003
 https://bit.ly/2QXKshB[18] الأيام، في بحث بعنوان "أركان صحة التشريع".. مدير مركز البحوث في جامعة القاهرة، 29 نوفمبر 2014
https://bit.ly/2QVWAzK[19] (القضية رقم 37 لسنة 2011 قضائية دستورية، بجلسة 6 فبراير 1993، ج 5/2، "دستورية" ص183)
(القضية رقم 42 لسنة 16 قضائية دستورية، بجلسة 20 مايو 1995، ج6 "دستورية" ص740).
[20] كريم صبحي، اليوم السابع، حيثيات حكم تعديل عقوبة رضا الفولى بطلة "سيب إيدي" من سنة حبس إلى 6 أشهر، 1 سبتمبر 2015
https://bit.ly/2JrnlrK[21] أ ش أ، المصري اليوم، المهن الموسيقية توقع بروتوكول تعاون مع وزارة الداخلية، 3 نوفمبر 2015
https://bit.ly/39xsl8y[22] يارا عماد، في الفن، حبس صاحبي مهرجان "دلع تكاتك" وتحويلهما إلى المحاكمة العاجلة، 20 ديسمبر 2017
https://bit.ly/3aw1JWW[23] كريم صبحي، اليوم السابع، حيثيات حكم حبس المطربة شيما عامين، 16 ديسمبر 2017
 https://bit.ly/3aB6xdO[24]  المصدر السابق.
ذات صلة