معنية برصد انتهاكات حقوق التعبير في حق الأفراد و المؤسسات.

“يحيا الفن المنحط”.. الدولة العجوز في مواجهة أغاني المهرجانات

 

إعداد: سارة رمضان، باحثة بمؤسسة حرية الفكر والتعبير

تحرير: محمد عبد السلام، مدير الوحدة البحثية بالمؤسسة

للإطلاع على الورقة بصيغة PDF إضغط هنا

المحتوى

منهجية

مقدمة

تمهيد: الإبداع بين نصوص الدستور وممارسات الدولة

أولًا: مراحل إنتاج أغاني المهرجانات في مصر

ثانيًا: معركة الدولة مع أغاني المهرجانات

ثالثًا: لماذا تخشى الدولة مما يمثله “حمو بيكا”

رابعًا: يحيا الفن المنحط.. عن فن الهامش ومعارك إقصائه

خاتمة

منهجية

اعتمدت الورقة على تحليل البيانات والتصريحات الرسمية الصادرة عن نقابة المهن الموسيقية وإدارة الرقابة على المصنفات الفنية. كما استعرضت الورقة القوانين المنظِّمة لنقابة المهن الموسيقية وإدارة الرقابة على المصنفات الفنية، بهدف إيضاح البيئة القانونية الناظمة لممارسة الغناء في مصر.

مقدمة

تبرز في النقاشات حول القضايا الفنية أسئلة متكررة حول “الفن المنحط”، الفن الذي لا يلتزم بالعادات أو التقاليد أو الوطنية التي تروج لها السلطة الحالية.. ما الذي نشاهده؟ ما الذي نسمعه؟ كيف تدخل هذه الكلمات إلى بيوتنا؟

بهذه الأسئلة الاستنكارية، تستمر الحملة المعادية للإبداع، ولكن يبدو أن السلطة الحالية أكثر عداءً تجاه أغاني ومطربي المهرجانات، وهذا ما تتطرق إليه هذه الورقة في محاولةٍ لفهم أبعاد الهجمة على أغاني المهرجانات، في ظل طبيعة هذا الفن القادم من الهامش.

نشأت المهرجانات خارج إطار منظومة الإنتاج التقليدي أو بمعنى أكثر تحديدًا دون حماية من الأُطر القانونية، التي رسختها الدولة على مدار عقود، بهدف تقييد حرية الإبداع. ولم تكترث المؤسسة التشريعية بالعمل على تنقيح القوانين المخالفة لنصوص الدستور، الذي تم إقراره في عام 2014، والذي يكفل حرية الإبداع. وربما كان لافتًا حجم الهجوم على حمو بيكا، مغني المهرجانات المعروف، فلماذا تركز الهجوم على بيكا تحديدًا؟ وأي مضمون تحمله أغانيه؟

من هنا، تحاول الورقة استعراض المواقف الرسمية للجهات المعنية سواء إدارة الرقابة على المصنفات الفنية أو نقابة المهن الموسيقية، فثمة محاولة ﻹدانة محتوى أغاني بيكا، باعتبارها دون الفن ولا تستحق النشر بالأساس. وترى مؤسسة حرية الفكر والتعبير أننا في حاجة ملحة إلى التضامن مع الفن المُدان من قِبَل الدولة ومناصريها، ففي لحظات سابقة، كانت جماعات من الفنانين والمثقفين ترفع صوتها ﻹدانة الإقصاء بدعاوى الحفاظ على الأخلاق أو الدين أو الوطنية، ما كان له أثر بالغ في الدفاع عن حرية الإبداع.

تمهيد: الإبداع بين نصوص الدستور وممارسات الدولة

يعد الدستور بمثابة القانون الأساسي الأعلى، والذي يحدد القواعد الأساسية، فيما يتعلق بشكل الدولة والحكومة ونظام الحكم، وينظم الدستور كذلك السلطات العامة من حيث التكوين والاختصاص والعلاقات بين السلطات، والواجبات والحقوق الأساسية للأفراد. وينبثق من الدستور مجموعة من التشريعات، ينبغي أن تلتزم بنصوصه. ولكن في حالة الدستور المصري الحالي، لا يوجد مردود لبعض من نصوصه في التشريعات التي تحكم الواقع.

يضمن الدستور المصري حزمة من الحقوق والحريات، من بينها حرية التعبير والإبداع الفني، المكفولة وفق المادة (67)، والتي تنص على:

‘حرية الإبداع الفني والأدبي مكفولة، وتلتزم الدولة بالنهوض بالفنون والآداب، ورعاية المبدعين وحماية إبداعاتهم، وتوفير وسائل التشجيع اللازمة لذلك. ولا يجوز رفع أو تحريك الدعاوى لوقف أو مصادرة الأعمال الفنية والأدبية والفكرية أو ضد مبدعيها إلا عن طريق النيابة العامة، ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بسبب علانية المنتج الفني أو الأدبي أو الفكري”.

وعلى الرغم من ضمان حرية الإبداع من خلال هذه المادة، فإن مؤسسات الدولة لا تلتزم بها في كثير من ممارساتها، استنادًا إلى تفسير مواد الدستور بما يفرغ الحق من مضمونه. وتدعي السلطة الحالية دومًا عندما تصادر عملًا إبداعيًّا أن العمل المعرَّض للعقوبة ليس إبداعًا، وكأن ثمة تعريفًا مبهمًا للإبداع، لا تعلمه إلا السلطة الحالية.

وعلى نفس المنوال، أتت التشريعات بمجموعة من القيود، التي يتم من خلالها إخضاع الأعمال الإبداعية لهوى السلطة، بدلًا من خيال المبدع. كما تتجاهل السلطة التشريعية الالتزام بنصوص الدستور، ما يسمح باستمرار قوانين مقيِّدة لحرية الإبداع، وهذا ما تستغله السلطة التنفيذية في تطبيق سياسات ممنهجة معادية للإبداع.

وتتطرق هذه الورقة إلى بعض النماذج التي تبين الفجوة بين الحقوق والحريات التي كفلها الدستور، والعوائق القانونية والتنفيذية التي يواجهها المواطنون على مستوى حرية الإبداع، وذلك من خلال التركيز على أغاني المهرجانات في مصر.

أولًا: مراحل إنتاج أغاني المهرجانات في مصر:

تتميز عملية إنتاج أغاني المهرجانات بكونها تُخلق وتنتشر بمعزل عن منظومة الإنتاج التقليدي، حيث تتجاهل المهرجانات الأطر القانونية الناظمة ﻹنتاج الأغاني وتتمرد عليها. ومن جانب آخر، نشأت أغاني المهرجانات بعيدًا عن سيطرة شركات الإنتاج التي تملك رأسمالًا كبيرًا. ولا تنفي هذه السمة ما حدث لاحقًا من تحولٍ في طريقة إنتاج بعض أغاني المهرجانات ودخولها إلى حيز الإنتاج التقليدي.

نتيجة لهذا التحرر من قيود القانون والإنتاج التقليدي، انتشرت المهرجانات وبات لها جمهور عريض من المصريين، وعلى الأرجح، تحقق هذا الانتشار بفضل الهامش الكبير من الحرية، كون المهرجانات لا تخضع لقيود الدولة. إضافة إلى ذلك، استفادت أغاني المهرجانات من التغيرات التي خلَّفتها ثورة يناير 2011، وتحديدًا ازدياد الاعتماد على الوسائل الرقمية في تلقي الفنون.

وينبغي أن تمر أغاني المهرجانات، شأنها شأن أي مصنف سمعي آخر بمراحل عدة: أولها من خلال نقابة الموسيقيين، والتي يشترط القانون على الفنان أن يكون مقيدًا بها أو حاصلًا على تصريح مزاولة لمرة واحدة ويكون هذا التصريح قابلًا للتجديد. كما يلزم القانون أيضًا الحصول على تصريح من جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، وهو الجهة الوحيدة المسئولة بشكل قانوني عن المحتوى (كلمات الأغاني) في حالتنا هذه. وتجدر الإشارة هنا إلى أننا لسنا بصدد الخوض في تفاصيل الإجراءات القانونية الواجبة في إنتاج الأغاني، إلا أننا وبشكل أساسي بصدد بيان العوائق التي تواجه فن المهرجانات، بما يؤثر على تمتعه بوضع قانوني، يحمي رواده من التنكيل والملاحقة.

تنص المادة (178) من قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937 على: “يُعاقَب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من نشر أو صنع أو حاز بقصد الاتجار أو التوزيع أو الإيجار أو اللصق أو العرض مطبوعات أو مخطوطات أو رسومات أو إعلانات أو صورًا محفورة أو منقوشة أو رسومًا يدوية أو فوتوغرافية أو إشارات رمزية أو غير ذلك من الأشياء أو الصور عامة إذا كانت خادشة للحياء العام”.

يتيح هذا النص للسلطات المصرية أن تلاحق المبدعين بتهمة خدش الحياء العام، رغم مخالفته نص المادة (67) من الدستور. وهنا، تظهر الفجوة التي تركها المُشرِّع من بعد إقرار الدستور في عام 2014، حيث لم يتم تعديل أو إلغاء مواد القوانين المتعارضة مع الدستور.

وإذا كنت تقوم بتأليف مقطوعات موسيقية،[1] أو العزف، أو تأليف كلمات أغانٍ، أو تقوم بالغناء، فلن يمكنك نشر تلك الأغاني والمقاطع، ولن يمكنك نسخها، أو التعاقد مع فنان آخر للعمل عليها، أو حتى أدائها بشكل مباشر أو إذاعتها في مكان عام بدون التعامل مع جهاز الرقابة على المصنفات الفنية أولًا، ونقابة الموسيقيين ثانيًا، وإلا أصبحت معرضًا للحبس لمدة 3 أشهر، وفقًا للقانون رقم 35 لسنة 1978 المنظِّم للنقابات الفنية. إضافة إلى ذلك، ثمة تهديد آخر وهو الحبس لمدة سنتين، وفقًا للقانون رقم 430 لسنة 1995 بشأن تنظيم الرقابة، بسبب ممارسة عمل فني سمعي، بدون الحصول على تصريح من وزارة الثقافة متمثلة في إدارة الرقابة على المصنفات الفنية.

يتطلب الحصول على تصريح من جهاز الرقابة على المصنفات الفنية ما يثبت ملكية المقطوعة الموسيقية، وعددًا من النسخ المطلوب الترخيص لها، بالإضافة إلى مبلغ مالي لسداد رسوم فحص المصنف والترخيص به، ويتمثل دور المصنفات في كونها الجهة الوحيدة المخول لها قانونيًّا الرقابة على الأعمال الفنية، بهدف التأكد من عدم مخالفة المنتج المقدم للآداب العامة، والنظام العام، ومصالح الدولة، وألا يحتوي على دعوات إلحادية أو عبارات بذيئة أو تشجيع على أعمال الرذيلة وتعاطي المخدرات أو ما يخدش الحياء بشكل عام قبل منح الترخيص له.

يأتي تاليًا دور نقابة المهن الموسيقية وفقًا للقانون رقم 35 لسنة 1978 المنظم للنقابات الفنية، والذي يجرِّم ممارسة أي عمل يتعلق بالموسيقا بدون عضوية أو تصريح من النقابة، وإلا أصبح الشخص مهددًا بالحبس مدة تصل إلى 3 شهور وغرامة تصل إلى عشرين ألف جنيه وفقًا للمادة الخامسة من القانون المنظم.

وتعد اشتراطات القيد بالنقابة أو الحصول على تصاريح مزاولة المهنة مقيدة جدًّا ممارسةَ الإبداع، خاصة عندما يتعلق الأمر بأغاني المهرجانات. وتتطلب عملية تقديم الطلبات إلى نقابة المهن الموسيقية وجود طلب رسمي من المبدع مرفقًا معه أصل الشهادة الدراسية الخاصة به أو صورة منها مصدقًا عليها من إحدى الكليات أو المعاهد الموسيقية المتخصصة، وصحيفة الحالة الجنائية، إضافة إلى إجادة القراءة والكتابة، واجتياز اختبار لجنة التقييم.

أما عملية العرض العام للجمهور فهي تتطلب بخلاف ما سبق استخراج التصاريح من قطاع شئون الإنتاج الثقافي، وزارة السياحة، والجهات الأمنية، بالإضافة إلى تصريح الحي التابع له مكان الفعالية. ولكن، لا يضمن الالتزام بهذه العملية البيروقراطية أن يتم نشر المصنف أو حماية صاحبه من الحبس أو الغرامة المالية، حيث تُبقي الدولة مؤسساتها الأمنية والسيادية والدينية كحائط دفاع أخير للرقابة والتدقيق على كل ما يخرج للجمهور.

ثانيًا: معركة الدولة مع أغاني المهرجانات:

تحاول الدولة من خلال ما تضعه من قيود أمام المبدعين ضمان التحكم الكامل في المنتج الفني، إلا أن نموذج الإنتاج الذي اعتمد عليه فن المهرجانات في بعض مراحل تطوره وانتشاره كسر قيود هذه المنظومة وتمرد عليها، وحاول في سبيل تثبيت وجوده الالتفات إلى بدائل أخرى في سبيل الإنتاج والتواجد والانتشار، وهو ما جعل الدولة أكثر شراسة في مواجهته.

ووجهت نقابة المهن الموسيقية، برئاسة هاني شاكر، سلسلة من الانتقادات ضد مغني المهرجانات حمو بيكا. وبدأت النقابة حملة ضده، في مطلع نوفمبر 2018، بالتعاون مع الهيئة المركزية للرقابة على المصنفات الفنية، وزارة الداخلية، ونقابة المهن التمثيلية. وخلال شهر، تمكنت نقابة المهن الموسيقية من منع ست حفلات لبيكا في محافظات مختلفة، وكذلك تحرير محاضر ضده بدعوى إفساد الذوق ومخالفة القوانين، وذلك لعدم حصوله على التصاريح المختلفة، سواء تلك المتعلقة بإقامة حفل، وتلك التي تثبت أنه “مغني” وذلك بأن يقيد في نقابة الموسيقيين. كما تمكنت نقابة المهن الموسيقية من إصدار قرار بمنع بيكا نهائيًّا من الغناء، ورفضت طلبه في الحصول على عضوية نقابة الموسيقيين.

في مطلع نوفمبر 2018، حررت الشئون القانونية ولجنة العمل التابعة لنقابة المهن الموسيقية بالإسكندرية محضرًا، حمل رقم 13812 لسنة 2018 قسم الدخيلة، ضد حمو بيكا، واتهمته بالغناء بدون الحصول على تراخيص، وتلويث الذوق العام. وشدد حينها نقيب المهن الموسيقية هاني شاكر على جميع لجان العمل بالقاهرة والمحافظات بعدم منح أي تصاريح عمل إلى مطربي المهرجانات الشعبية حمو بيكا ومجدي شطة،[2] كما تقدم شاكر إلى الجهات الأمنية بالإسكندرية بالشكر بسبب سرعة الاستجابة، ووقف حفل حمو بيكا، الذي كان مقررًا إقامته في 8 نوفمبر 2018 بمنطقة العجمى. ونشرت الصفحة الرسمية للشرطة المصرية فيديو على فيسبوك،[3] أشارت خلاله إلى أنها فرضت السيطرة على منطقة العجمي بالإسكندرية، بهدف إلغاء حفل حمو بيكا بعد انتشار التحرش والمخالفات.

وكان نقيب الموسيقيين هاني شاكر قد أعلن عن استيائه من حالة التردي والتدني الفني التي يتعرض لها الذوق العام، موضحًا أن حماية الفن من “الظواهر السلبية” ضرورة، خاصة بعد ظهور مطربي المهرجانات الشعبية: حمو بيكا ومجدي شطة و”أمثالهم” من خلال مواقع التواصل الاجتماعى، منتحلين صفة مطربين دون ترخيص أو إجازة من النقابة، وأصدر شاكر أوامر بمنع أي إصدار تراخيص لهؤلاء “المُدَّعِين”، كما أصدر قرارًا بملاحقتهم قانونيًّا لحماية الفن والمجتمع من هذه “الظواهر السلبية”، بحسب تعبيره.

رفض حمو بيكا في تصريحاته الإقرار بأن الجهات الأمنية بالتعاون مع نقابة المهن الموسيقية قد ألغت الحفل،[4] وأعلن بيكا أن الحفل لم يُمنع، وأنه قرر بناءً على رغبته الشخصية إلغاءه، خوفًا على جمهوره بعد الزحام ووجود عدد كبير من الجمهور.

كما تجاهل بيكا الحديث عن المحضر المحرر ضده وقرار المنع من الغناء، وأعلن عبر حسابه الشخصي على “فيسبوك” عن تنظيم حفلات أخرى تعويضًا لجمهوره، كما أعلن عن إقامته حفلًا مجانيًّا لجمهوره احتفالًا بتخطي مهرجاناته ملايين المشاهدات على يوتيوب.

وبعد ثلاثة أيام من واقعة إلغاء حفل العجمي، توجهت حملة من الإدارة العامة للمصنفات الفنية إلى بورتو كايرو بالقاهرة، بناء على معلومات تؤكد أن حمو بيكا سوف يقيم حفلًا غنائيًّا دون تصريح من النقابة بذلك، أو ترخيص من الرقابة على المصنفات.[5] وكانت هذه الحملة بتنسيق بين هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية، والدكتور خالد عبد الجليل رئيس إدارة الرقابة على المصنفات الفنية. تم منع الحفل وتم تحرير محضر ضد كلٍّ من حمو بيكا والمسؤول عن إدارة مكان الحفل، وذلك في في 11 نوفمبر 2018.

لاحقًا، أُلغي حفل آخر لبيكا كان من المزمع تنظيمه في شاطئ البيطاش بالإسكندرية، وبعد ذلك تم إلغاء حفل جديد لبيكا في مدينة دمياط. ونشرت تقارير صحفية أن أهالي مدينة بيلا بمحافظة كفر الشيخ منعوا حمو بيكا من إقامة حفل، في مارس 2019.[6] ولا تتوفر معلومات حول ما إذا كانت قوات الشرطة قد تدخلت في عملية المنع أم لم تتدخل. وبحسب جريدة الدستور، رأى بعض من أهالي المدينة أن هذا اللون الغنائي الذي يقدمه حمو بيكا: “يفسد الذوق العام، ويخرج أجيالًا فاسدة ومستهترة”.

حررت نقابة المهن الموسيقية بلاغًا آخر، في إبريل 2019، ضد “بيكا” بسبب إقامته حفلًا غنائيًّا بمدينة المحلة الكبرى في محافظة الغربية دون تصريح.[7] وجاء في البلاغ، أن مدير أمن الغربية، تلقى إخطارًا من مأمور قسم شرطة المحلة الكبرى: أنه أثناء مروره والقوة المرافقة تلاحظ وجود مظاهر احتفالية بالمكان المشار إليه، وتوافد القليل من الجماهير تمهيدًا لإقامة حفل غنائي بدون تصريح، وبالتنسيق مع منظمي الحفل تم إلغاء الحفل وانصرف الحضور.

وامتدت أزمة حمو بيكا إلى البرلمان المصري، حيث أحيلت طلبات إحاطة من نوابٍ إلى لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب، بشأن “ظاهرة إفساد الذوق العام والإسفاف والابتذال في الأغاني الشعبية وتأثير ذلك على المجتمع”،[8] بحسب ما نشرته تقارير صحفية. كما تقدم أحد المحامين بإنذار على يد محضر ضد هاني شاكر بشخصه وبصفته نقيب المهن الموسيقية يطالبه بعدم السماح بمنح تصاريح للعمل الموسيقي لكل من حمو بيكا ومجدي شطة، مطربي المهرجانات، وذكر في الإنذار رقم ٢٠٨١١ سنة ٢٠١٨، أن منح شاكر تلك التصاريح يعد إخلالًا بواجبات وظيفته، ويؤدي إلى إفساد الذوق العام.[9]

وعلى الرغم من ادعاء نقابة الموسيقيين عدم حصول “بيكا” على تصاريح لإقامة حفل، فإن جريدة صوت الأمة نشرت صور إيصالات دفع نقدي وقَّع عليها “بيكا” لصالح نقابة المهن الموسيقية بقيمة 1500 جنيه و3000 جنيه نظير إقامة حفلين في نوفمبر 2018،[10] أحدهما حفل في شاطئ البيطاش بالإسكندرية، وهو نفس الحفل الذي حُرر محضر ضد بيكا بسبب تنظيمه.

كما انتقد الموسيقار منير الوسيمي نقيب الموسيقيين الأسبق، أداء نقابة المهن الموسيقية، معتبرًا أن تراخي النقابة في أداء أدوارها أَسهَم في ظهور “هذه النماذج”، مضيفًا: “أيام ما كنت نقيب، كان فيه حد يقدر يعمل كده؟ ماحدش طلع من المناظر دي”.[11]

ولم تتوقف الهجمة ضد حمو بيكا وما يمثله بالنسبة إلى الدولة عند حد منعه من الغناء ومطاردته عقب الإعلان عن أي حفل، ولكن تدخلت نقابة المهن التمثيلية بقيادة أشرف زكي لوقف تعاقد شركة السبكي للإنتاج الفني مع حمو بيكا. وفور إعلان الشركة عبر حسابها على موقع فيسبوك عن تعاقدها مع بيكا لأداء دور في فيلمها الجديد، أرسلت نقابة المهن التمثيلية خطابًا شديد اللهجة إلى الشركة،[12] حذرت فيه الشركة من التعاون مع مطرب المهرجانات حمو بيكا، وقالت إنها لن تسمح بتواجد بيكا فى عالم التمثيل.

كما هددت نقابة المهن التمثيلية بإيقاف الفيلم إذا استكمل التعاقد مع بيكا، وفى حالة إصرار المنتج أحمد السبكي على تواجده في فيلمه الجديد سيتم إيقاف نشاط الشركة بالكامل. وأضاف نقيب المهن التمثيلية أشرف زكي في تصريحات صحفية أنه لن يسمح بوجود دخلاء على الفن مثل حمو بيكا، ولن يترك الفرصة لأحد بتشويه صورة الفن المصري أو صورة العاملين به:

“لن يدخل بيكا ومَن على شاكلته مجال التمثيل، لن نسمح بانحطاط الذوق العام، هذا لن يحدث، هل يعقل أنه بعدما كان الفن عبدالحليم حافظ، وأم كلثوم، ويوسف وهبي، وعمر الشريف، أن ينحدر ليصل لبيكا وغيره”.[13]

“أشرف زكي، نقيب المهن التمثيلية”

 

سريعًا ما نفى المنتج أحمد السبكي تعاقده مع حمو بيكا أو مشاركته في أيٍّ من أعماله السينمائية القادمة، وأضاف بيان منشور على صفحة شركة السبكي بفيسبوك،[14] أن المقابلة التي جرت بين بيكا وكريم السبكي، جاءت لترتيب ظهور بيكا في مشهد واحد ضمن أحداث فيلم سينمائي، وأعلنت الشركة إلغاء هذا المشهد.

جاءت هذه الهجمة والتصريحات المصاحبة لها ضد بيكا بعد اهتمام الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بتناول تفاصيل التراشق، التي حدثت بين بيكا ومنافسه في غناء المهرجانات مجدي شطة، من خلال استخدامهما مواقع التواصل الاجتماعي. وتبين هذه الواقعة كيف تعمل الأجهزة الرقابية في مصر، فعلى الرغم من كون الرقابة على المصنفات الفنية متشعبة ومتجذرة، فإنها عمليًّا لا تملك القدرة على ملاحقة كل ما يخرج للجمهور، أو بحسب وصف خالد عبد الجليل رئيس جهاز الرقابة على المصنفات الفنية أن حملات التفتيش: “عاجزة”.

وقال عبد الجليل في تصريحات صحفية،[15] إن “هناك 6 مفتشين فقط في الرقابة، مطلوب منهم تغطية 27 مُحافظة على مستوى الجمهورية، وهو الأمر الذي يصعب تنفيذه”، وهو ما يفسر لجوء وزارة الثقافة في وقت سابق إلى التوسع في مكاتب الرقابة، ومدها لتغطي 7 محافظات في مصر،[16] وكذلك تحفيز خطاب عام يوهم أفراد المجتمع بالفاعلية والقدرة على التغيير إذا ما ساهموا في الإبلاغ عن “الإسفاف”. ويبدو أن تلك القدرة المحدودة لإدارة الرقابة في مصر قد مكنت بيكا وشطة وغيرهما من إنتاج أعمال فنية وخلق جمهور واسع، قبل أن تلحظ الرقابة وجودهم.

وثمة تحول شديد الخطورة في دور النقابات الفنية في مصر، حيث تفشى الحِس الأمني بداخلها، وبدلًا من أن تعمل في صالح دعم حرية الإبداع، وتطوير المبدعين المنضمين إليها طواعية، والسعي إلى نيل حقوقهم، والوقوف حائلًا بين المبدع والسياسات التي تعوق عملية الإبداع، فإنها تمارس انتهاكات واسعة لحرية الإبداع من خلال التنسيق مع الجهات الأمنية والرقابية في مصر لمطاردة المبدعين، والحيلولة دون وصولهم هم وأعمالهم إلى الجمهور.

تعمل هذه الفلسفة التي تتبناها نقابة المهن الموسيقية على احتكار عملية الإبداع برمتها، وتضع ضوابط وشروطًا تضمن عدم خروج أي منتج إبداعي، دون تدخل النقابة في عملية إنتاجه. وطالب نقيب الموسيقيين هاني شاكر أكثر من مرة بضرورة عودة الضبطية القضائية، والتي كانت قد حصلت النقابة عليها سابقًا وألغيت بحكم المحكمة الدستورية،[17] وأوضح شاكر أن الضبطية القضائية هي الأداة الوحيدة التي “كانت تمكن النقابة من الوقوف فى وجه هؤلاء والتصدي لهم لأنها كانت تمنح النقابة حق منع إقامة تلك الحفلات، لكن مع سحب الضبطية القضائية من النقابة تقف النقابة مع الأسف عاجزة”، وذلك بحسب تعبيره.

“حمو بيكا مش عاوز نقابة، ده عاوز البوليس يقبض عليه”[18]

“الموسيقار حلمي بكر”

تثير كل هذه الممارسات تجاه مغني المهرجانات حمو بيكا أسئلة كثيرة حول توجس السلطات مما يقدمه، ولا يمكن فهم ذلك دون النظر إلى محتوى هذه الأغاني والطريقة التي تخرج بها للجمهور. وهذا ما تنطلق منه الورقة في النقطة التالية.

ثالثًا: لماذا تخشى الدولة مما يمثله “حمو بيكا”

طبقًا للإجراءات القانونية التي اتخذتها نقابة المهن الموسيقية والحملة الرقابية والأمنية الموجهة ضد حمو بيكا، لا يستطيع بيكا إقامة أي حفل غنائي بالجمهورية لعدم حصوله على تصريح مشتغل أو منتسب من النقابة، وسيتم محاسبة أي مكان يستضيف بيكا للغناء.

جعل ذلك بيكا يحاول الدخول إلى منظومة الإنتاج، ملتزمًا بشروطه وقواعده وأطره القانونية التي صاغتها الدولة، لكي يتمكن من تنظيم الحفلات. ولكن تم منعه من إنتاج مهرجانات جديدة. لجأ بيكا إلى استخدام وسائط أكثر انفتاحًا على الجمهور وأقل خضوعًا لسيطرة الدولة، حيث استمر بيكا بعد هذه الهجمة في النشر بغزارة ملحوظة على صفحته الخاصة على موقع يوتيوب، بواقع مهرجان أو اثنين كل أسبوع.

خضع حمو بيكا لاختبارات نقابة المهن الموسيقية، في فبراير 2019،[19] إلا أن المهن الموسيقية رفضت بإجماع أعضاء لجنة الاختبارات منح بيكا تصريحًا بممارسة الغناء أو منحه عضوية النقابة، لتمنعه بذلك من تقديم الحفلات العامة وإحياء الأفراح، تأكيدًا على قرارها السابق، والصادر في نوفمبر 2018، والذي تناولناه سابقًا.

وقال طارق مرتضى المتحدث الإعلامي باسم نقابة الموسيقيين، في تصريحات صحفية، إن أعضاء لجنة الاختبار ومن بينهم الموسيقار حلمي بكر، والدكتور رضا رجب، والمايسترو حماده أبو اليزيد والدكتور محمد عبد الستار، قد أجمعوا على رفض اعتماد بيكا مغنيًا.[20] وأشار مرتضى إلى أن قرار منع بيكا من الغناء سبق اتخاذه منذ فترة، مؤكدًا أن نقابة الموسيقيين تدعم الحفاظ على الذوق العام، في مواجهة أغاني المهرجانات الشعبية التي تقف وراء تردي الغناء الشعبي، وأضاف مرتضى أن “النقابة قانونًا لها حق التصدي لأي مغنٍ لا يحمل تصريحًا منها في حال اعتلائه المسرح، لكنها لا تملك ذلك على السوشيال ميديا والإنترنت التي كانت وراء انتشار أغاني المهرجانات، لدرجة أن مغنيًا مثل بيكا لديه 11 مليون فانز عبر حساباته على السوشيال ميديا”.

وهكذا، يتضح أن نقابة المهن الموسيقية تضع معايير أخلاقية ومحافظة للتعامل مع المبدعين بخلاف المعايير القانونية المعلن عنها والمتضمنة في اللوائح والقوانين التي تنظم عمل المهنة، وتنظر النقابة إلى فن المهرجانات والقائمين عليه بنظرة دونية رجعية، وتعمل في خطابها على شيطنته بدعوى تدمير الذوق العام والأخلاق والمجتمع والشباب. وجاءت تصريحات الموسيقار حلمي بكر معبرة وبشدة عن هذا الاتجاه، وكان قد أعلن عقب رفض قيد حمو بيكا في النقابة أن السبب هو “الكلام الذي يغنيه”، مؤكدًا أن صوته جيد، قائلًا: “إللي إتقدموا مترفضوش علشان صوتهم وحش، هُمه صوتهم حلو لكن الكلام إللي بيغنوه وحش”.[21]

تمنع هذه النظرة الإقصائية إلى الإبداع من تلقيه كمُنتَج فني يحاول التعبير عما يجول في خاطر صاحبه، ويميل هذا الاتجاه إلى تفكيك العمل الفني إلى كلمات يراها تحمل رسائل ضمنية. لذا، تشعر الدولة بضرورة مواجهة هذه الرسائل، وتُنصِّب نفسها حكمًا للذوق العام، وتتعامل مع المتلقين كقُصَّر يجب توجيههم في اتجاه الرسائل، التي ترضاها هي سياسيًّا وأخلاقيًّا.

في لقاء مُصوَّر بين الموسيقار حلمي بكر ومغني المهرجانات مجدي شطة (منافس بيكا الأشهر)، صنَّف بكر ما يقدمه بيكا وشطة بأنه أحد أنواع العشوائية، وأضاف أن هذا الصوت يظهر ويختفي سريعًا، ولن يجد مكانًا إلا داخل “الأفراح البلدي”، موضحًا أن غناءه عشوائي وبيئي.[22]

تمثل كلمات أغاني المهرجانات إحدى أهم مشكلات حلمي بكر وغيره مع المهرجانات، وهي بحسب ما يقول: “مفردات مش بتاعتنا اخترعتها فئة العشوائيات”. يقدم حمو بيكا ومجدي شطة إذًا بحسب حلمي بكر مفردات خلقتها فئة عشوائية، قد يكون مسموح لها على مضض الظهور ضمن “الأفراح البلدي”، داخل هذه المساحة الضيقة التي أفرزتها فقط، لا أن تتبناها نقابة الموسيقيين أو تخرج لأي مساحات أوسع.

ولا يجوز إعطاء أصحاب هذه المفردات صوتًا أو أن تفرد لهم مساحة، فهم مجرد “ظواهر” غير مفهومة تشير إلى تدني المجتمع وقيمه، ولذلك يجب أن يمايز خطاب الدولة بين هذه المفردات، وبين ما تتبناه الدولة والمهن الموسيقية وترضى عنه من فن. ويشير الموسيقيون المؤيدون للسلطة الحالية إلى ثنائية زمن عبد الحليم وأم كلثوم في مقابل زمن بيكا وشطة، وثنائية الفن الهادف مقابل الإسفاف أو الفن الراقي مقابل الفن الهابط.

وهكذا، أخذ التعامل مع حمو بيكا أبعادًا أخرى. فالنموذج الذي قدمه بيكا يختلف عن نموذج الفنان محمد رمضان، الذي استطاع أن يوفق أوضاعه بشكل ما، ويخلق ظهيرًا من الجمهور للدفاع عنه، كما سعى إلى التماهي مع السلطة الحالية، إلى حد أنه أنتج أغنية عام 2018 تحية للقوات المسلحة خلال احتفالات نصر أكتوبر بعنوان: “جيشنا صعب”.

بدا حمو بيكا على النقيض من ذلك تمامًا، عصيًّا على التطويع، يعلن بوضوح عن عدائه للمنظومة الأمنية، ولا يكاد يخلو مهرجان واحد مما أداه بيكا من جملة واحدة على الأقل تدين أداء الشرطة، ومحاولتها ترسيخ ثقافة “الإرشاد” في المناطق الشعبية (يُقصد بالإرشاد إلى عمل المدنيين مع ضباط أقسام الشرطة لإبلاغهم بمعلومات عن المواطنين في مناطق سكنهم). وأشار بيكا في مداخلة لأحد البرامج أنه لن يتراجع عن الغناء وأن الجمهور هو الفيصل في ذلك.[23]

وعلى الرغم من هذه النظرة الدونية التقليدية من قبل قنوات الدولة الرسمية والمعبرين عن خطابها، فلم يستطع السوق بمنطقه الربحي تجاهل المهرجانات طويلًا. وسرعان ما تم إدماجها في الإعلانات، ووظفت أغاني المهرجانات في الأفلام وتترات المسلسلات.

وهكذا، يمكن للدولة إذن المفاوضة حول بعض المساحات الإشكالية، وقد تسمح بظهور محمد رمضان بعد خوضها صراعًا مخففًا معه، يقدم فيه رمضان محميًّا بشعبيته الجماهيرية ضمانات على أنه لن يخرج بعيدًا عن المنظومة، حيث سوَّى خلافاته مع نقابة الموسيقيين، وأنتج أغنية للقوات المسلحة، وبنى قاعدة جماهيرية، ومثَّل في أعمال درامية تثني على الشرطة، وظهر في إعلان لشركة اتصالات بأغنية شعبية. لذا فقد وافقت الدولة ضمنيًّا على طلب محمد رمضان بدخول منظومة الإنتاج، في صورة الشاب الصعيدي الموهوب الطائش قليلًا الذي صعد سلم النجاح بقوة وكوَّن ثروة تمكنه من إنتاج أعمال تحاكي أسلوب هوليوود، من حيث الشكل وحجم الإنتاج. وقد تدخل الدولة أيضًا في هدنة مع أوكا وأورتيجا، بعد أن أصبحوا جزءًا من منظومة الإنتاج القانونية، وساروا في مدارات الإنتاج التقليدي، بحيث ظهروا بقوة في مجال الإعلانات، ووصلوا إلى جمهور واسع محليًّا ودوليًّا، ما مكنهم من إقامة حفلات بالخارج، ولم تعد كلمات أغاني أوكا وأورتيجا مشاغبة بالقدر الذي يغضب الدولة.

وعلى العكس تمامًا من ذلك، لم يصل حمو بيكا بعدُ إلى نموذج محمد رمضان أو نموذج أوكا وأورتيجا، وبدورها لم تقبله منظومة الإنتاج التقليدي المحمي بالقانون. ويقدم بيكا نفسه دون مواربة أو اعتذارية على أنه ينتمي إلى طبقة معدمة، في منطقة عشوائية، بما تعبر عنه من ثقافة، وهو لا يستطيع القراءة أو الكتابة.  يظهر حمو بيكا بصورة “فجة” أكثر مما تستطيع الدولة ونقابة الموسيقيين أن تحتمل، وبدرجة لا تقبل معها دمجه ضمن صفوف الفن الرفيع، الذي ترضى عنه الدولة. وربما هي تلك الإشكالية المتجددة حول الفن الذي يأتي من الهامش، وكلما كان هذا الهامش مسكوت عنه رسميًّا، كانت الدولة أكثر رغبة في إقصائه. وهذا ما تناقشه الورقة في قسمها الرابع والأخير.

رابعًا: يحيا الفن المنحط.. عن فن الهامش ومعارك إقصائه:

يظل الفن الهامشي حبيس مساحته الضيقة إلى أن يستطيع اختراقها والوصول إلى مساحات أوسع، ويبدأ فن الهامش في فرض نفسه على الثقافة السائدة، ويزداد قبوله في المجتمع. وفي لحظة التحول السياسي والاجتماعي التي شهدتها مصر إبَّان ثورة يناير 2011، كانت الفرصة سانحة أمام هذا الهامش لكي يظهر بقوة ويطغى فيما بعد على أشكال الثقافة السائدة.

“من المعروف أن المجتمع الحاضر ينظر بعين الاشمئزاز إلى كل خلق جديد في الفن والأدب، طالما يهدد النظم الثقافية التي تُثبِّت قَدَم المجتمع، سواء أكان من ناحية التفكير أو من ناحية المعنى. ويظهر هذا الشعور بالاشمئزاز جليًا في البلاد الأوتوقراطية النزعة، وخصوصًا في ألمانيا، حيث يتجسم التعدي الشنيع ضد الفن الحر الذي دعاه هؤلاء الغشم: “الفن المنحط”.

من بيان جماعة الفن والحرية، ديسمبر 1938

في عام 1938 بلورت جماعة “الفن والحرية” في بيانها الشهير: “يحيا الفن المنحط!” موقفًا واضحًا ضد الفاشية الصاعدة بقوة، وقيم البرجوازية المحافظة وتقاليد الفن حينها، والتي مثلتها طبقة الأفندية. وقد مثل البيان انتصارًا لقيم التجديد في الفن والأدب. غير أن الوضع الحالي شديد التأزم بالقدر الذي يجعل الجماعة الثقافية الموجودة في صدارة المشهد خاضعة بدرجة كبيرة للسلطة الحالية وتوجهاتها المعادية للإبداع.

هذا الإنتاج الكثير الحرية والقوي الشعور بالإنسانية، قد قوبل بالشتائم وديس بالأقدام. ونحن نعتقد أن التعصب للدين والجنس أو للوطن الذي يريد بعض الأفراد أن يخضع له مصير الفن الحديث ما هو إلا مجرد هزء وسخرية”

من بيان جماعة الفن والحرية، ديسمبر 1938

وفي وضع جرى تأميمه بالكامل، يصعب علينا اليوم أن نجد جماعة تحاول بلورة موقف واضح ضد التضييق على الفن خصوصًا، أو ضد تردي الوضع السياسي الحالي بشكل عام. ومن هنا وإلى حين تمكن جماعة المثقفين المنادين بقيم تحررية  من الالتفاف معًا وبلورة موقف جماعي واضح ضد السيطرة على المشهد الفني، فإن ما حاول بيكا العمل عليه ومن قبله فريق كايروكي، من اللجوء إلى وسائط إنتاج حرة أكثر من غيرها وتتمتع بقدر من الاستقلالية يعد مقاومة لاحتكار الدولة لعملية الإنتاج الفني وتأطيرها بقوانين معادية للإبداع.

قدم بيكا وفريق كاريوكي نموذجين شديدي الأهمية في خلق بدائل أخرى للإنتاج والنشر، من خلال موقع يوتيوب. وكما ذكرنا سابقًا فقد استمر بيكا في إنتاج مهرجانات بقوة وغزارة عبر قناته الرسمية على موقع يوتيوب، وحقق انتشارًا واسعًا، كما حصل على الدرع الفضي والذهبي المقدم من يوتيوب، بسبب وصول عدد متابعي قناته الرسمية على الموقع إلى مليوني متابع. بينما لجأ فريق كايروكي بعد التضييقات الأمنية إلى نشر ألبوماته بالكامل على يوتيوب، وموقع الأغاني “سبوتيفاي”.

نص بيان جماعة الفن والحرية الصادر في ديسمبر 1938

خاتمة

لا يدرك حراس الأخلاق والتقاليد أنه على الرغم من التضييقات المتزايدة، فإنهم لن يصبحوا قادرين على الوصاية الأخلاقية على الفن، ولن يستطيعوا استمرار حجبه طويلًا عن الجماهير، التي يبدو أنها راغبة في الوصول إليه. وعلى الرغم من المحاولات المستميتة للسيطرة على المساحات الرقمية بممارسات، مثل: حجب مواقع الوِب، فإنه لا تزال التغييرات التي أنتجتها مرحلة التحول الاجتماعي في يناير ٢٠١١ أكبر من أن تكمم، وأصبح الإنتاج الفني غير مرتبط بالضرورة بقنوات الإنتاج التقليدي المؤطر قانونيًّا في سبيل وصوله إلى الجمهور.

وتهدف مؤسسة حرية الفكر والتعبير من خلال إصدار هذه الورقة إلى تسليط الضوء على ما يتعرض له فنانو الهامش من انتهاكات وإقصاء مستمر، وتدعو المؤسسة الفنانين والمثقفين إلى التضامن مع مطربي أغاني المهرجانات والدفاع عن حقهم في حرية الإبداع، خاصة مع تكرار صدور أحكام بالحبس على مطربي المهرجانات وآخرهم حمو بيكا، الذي تناولت هذه الورقة الانتهاكات التي تعرَّض لها.

[1] حسام فازولا، لماذا لن تستطيع الإبداع في مصر، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، نشر في 1 مارس 2017، تاريخ آخر زيارة: 15 إبريل 2019، رابط: http://bit.ly/2PneF7C
[2] عزت البنا، هاني شاكر: منعنا حفل حمو بيكا بالإسكندرية ونلاحقه قانونيًّا، نشر في 9 نوفمبر 2018، تاريخ آخر زيارة: 15 مارس 2019، رابط:http://bit.ly/2UbTJkU
[3] الشرطة تفرض السيطرة على منطقة العجمي بالإسكندرية لإلغاء حفل حمو بيكا (فيديو)، المصري اليوم، نشر في 9 نوفمبر 2018، تاريخ آخر زيارة: 15 فبراير 2019، رابط: http://bit.ly/2ItnD1I
[4] محمد علي وخالد الأمير، حمو بيكا يكشف سبب إلغاء حفل الإسكندرية، بوابة فيتو الإخبارية، نشر في 9 نوفمبر 2018، تاريخ آخر زيارة: 15 مارس 2019، رابط: http://bit.ly/2VKvs7c
[5] علوي أبو العلا، المصنفات تمنع حفل حمو بيكا في "بورتو كايرو" وتحرر محضرًا ضده، المصري اليوم، نشر في 11 نوفمبر 2018، تاريخ آخر زيارة: 15 فبراير 2018، رابط: http://bit.ly/2VRtSAc
[6] مصطفى عنز، أهالي بيلا يُجبرون "حمو بيكا" على التنصل من حفله بكفر الشيخ، نشر في 28 مارس 2019، تاريخ آخر زيارة: 15 إبريل 2019، رابط: http://bit.ly/2v5OR6X
[7] ياسمين محمود، حمو بيكا لـ"الوطن": "إشمعنى أنا الدنيا مقلوبة عليَّا.. ما رمضان غنى عريان"، الوطن، نشر في 11 إبريل 2019، آخر زيارة: 15 إبريل 2019، رابط: http://bit.ly/2KUbINi
[8] هشام عبد الجليل، ثقافة البرلمان تفتح ملف حمو بيكا ومجدى شطة وتؤكد: "نواجه ما يفسد الذوق العام"، اليوم السابع، نشر في 14 نوفمبر 2018، آخر زيارة: 15 إبريل 2019، رابط: http://bit.ly/2vfIxKc
[9] عبده الجهيني، إنذار على يد محضر لنقيب المهن الموسيقية بسبب حمو بيكا ومجدي شطة، بوابة فيتو، نشر في 10 نوفمبر 2018، آخر زيارة: 15 أبريل 2019، رابط: http://bit.ly/2IIq9Bq
[10] علاء رضوان، "تاكل وتنكر".. "صوت الأمة" تكشف علاقة "بيكا" بـ"المهن الموسيقية" وحجم تبرعاته للنقابة (مستند)، صوت الأمة، نشر في 16 نوفمبر 2018، آخر زيارة: 15 مارس 2019، رابط: http://bit.ly/2IEfBU6
[11] أحمد حسين صوان، "الوسيمي" عن حمو بيكا: "نقابة الموسيقيين السبب"، الوطن، نشر في 29 يناير 2019، آخر زيارة: 15 إبريل 2019  http://bit.ly/2IzgnCf
[12] عمرو صحصاح، بعد التعاقد معه.. "الممثلين" تحذر السبكي من تقديم حمو بيكا في السينما، اليوم السابع، نشر في 12 نوفمبر 2018، آخر زيارة: 15 فبراير 2019، رابط: http://bit.ly/2Gi2AMO
[13] منال الجيوشي، بعد تعاقده مع "السبكي"..نقيب الممثلين يتوعد حمو بيكا: "لن أسمح له بتشويه المهنة"، نشر في 12 نوفمبر 2018، آخر زيارة: 15 فبراير 2019، رابط: http://bit.ly/2KGlPp5
[14] السبكي فيلم / El Sobky Film Production، نشر في 12 نوفمبر 2018، آخر زيارة: 15 مارس 2019، رابط:http://bit.ly/2XfcGFm
[15] أحمد الشعراني، تفاصيل إنشاء مقرات للرقابة بـ7 محافظات وزيادة عدد "المفتشين"، التحرير الإخباري، نشر في 13 مارس 2018، آخر زيارة: 15 إبريل 2019، http://bit.ly/2UZjkC8
[16] سارة رمضان، بين أيدي الرقيب.. عن قرار وزيرة الثقافة بإنشاء مقرات للرقابة على المصنفات بسبع محافظات، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، نشر في 28 يونيو 2018، آخر زيارة: 15 إبريل 2019، رابط: http://bit.ly/2J60raq
[17] يارا أحمد، هاني شاكر لـ"الفجر الفني": هذا شرط تنازلي لـ"درويش" عن "الموسيقيين".. وشريف منير أنقذني من حمو بيكا وشطة! الفجر الفني، نشر في 19 نوفمبر 2018، آخر زيارة: 15 إبريل 2019، رابط: http://bit.ly/2Du1jC2
[18]  عمرو الليثي، حلقة نارية بين حلمي بكر ومجدي شطة ومطالبة حلمي بكر بالاتصال بالشرطة لمجدي شطة وحمو بيكا، قناة النهار (يوتيوب)، نشر في 19 فبراير 2019، آخر زيارة: 15 إبريل 2019، http://bit.ly/2DAqran
[19] ريهام جودة، "الموسيقيين" ترفض قيد حمو بيكا.. و"مرتضى": لجنة متخصصة رفضته، المصري اليوم، نشر في 21 فبراير 2019، آخر زيارة مارس 2019. http://bit.ly/2UMqsTe
[20] ريهام جودة، "الموسيقيين" ترفض قيد حمو بيكا.. و"مرتضى": لجنة متخصصة رفضته، المصري اليوم، نشر في 21 فبراير 2019، آخر زيارة مارس 2019.  http://bit.ly/2UMqsTe
[21] أبانوب رجائي، بعد رفض "الموسيقيين" لـ"بيكا".. حلمى بكر: "حمو صوته حلو"، الوطن، نشر في 22 فبراير 2019، آخر زيارة إبريل 2019.  http://bit.ly/2V7L4EK
[22] عمرو الليثي، حلقة نارية بين حلمي بكر ومجدي شطة ومطالبة حلمي بكر بالاتصال بالشرطة لمجدي شطة وحمو بيكا، قناة النهار (يوتيوب)، نشر في 19 فبراير 2019، آخر زيارة إبريل 2019 http://bit.ly/2DAqran
[23] محمد الغيطي، المطرب الشعبي "حمو بيكا" يكشف لأول مرة عالهواء عن سبب إلغاء حفله في الإسكندرية، برنامج صح النوم (يوتيوب)، نشر في 10 نوفمبر 2018، آخر زيارة إبريل 2019 http://bit.ly/2UJrVt8
ذات صلة

Subscribe To AFTE Email List
No Thanks
Thanks for signing up.
We respect your privacy. Your information is safe and will never be shared.
Don't miss out. Subscribe today.
×
×

WordPress Popup Plugin