مؤسسة حقوقية مصرية تعمل على دعم وتعزيز حرية التعبير

بيان مشترك: إغلاق التحقيق في اغتصاب الفيرمونت نتيجة طبيعية لإرهاب الشهود وملاحقة المبلغين طوال عام كامل

تأسف المنظمات الحقوقية والنسوية الموقعة على هذا البيان لقرار النيابة العامة المعلن في بيان في ساعة متأخرة مساء أمس الثلاثاء 11مايو 2021، والذي أعلنت فيه غلقها للتحقيقات في جريمة الاغتصاب الجماعي التي وقعت في فندق فيرمونت عام 2014، وإخلاء سبيل المتهمين المحبوسين على ذمة تلك القضية، بناء على قرارها بألا وجه لإقامة الدعوى في هذه القضية مؤقتًا.

وبرر بيان النيابة هذا القرار بعدة أسباب كان أهمها عدم تمكن النيابة من الوصول لمقطع الفيديو المصور لواقعة الاغتصاب، والذي أكد وجوده الكثيرون وحصلت النيابة فقط على صور مقتطفة منه. وأسندت النيابة قرارها أيضًا بمرور ستة أعوام على الواقعة، رغم أن جرائم الاعتداء على سلامة الجسد لا تسقط بالتقادم بموجب الدستور.

 لكن ما تغافله بيان النيابة هو الدور السلبي، والمعرقل، الذي لعبه ترهيب شهود الواقعة والمبلغات في قضايا العنف الجنسي على مدار العام الماضي، وملاحقتهم/ن باتهامات أخلاقية مطاطة ليست ذات صلة بالواقعة، وهي أفعال أسهمت ولا شك في الوصول لهذه النتيجة المؤسفة.

فبالتزامن مع حملتها لحماية ما أسمته في بيان سابق لها بضبط ”الأمن القومي الاجتماعي“، أقدمت النيابة العامة على توجيه اتهامات إضافية للمبلغين والشهود بالتوازي مع موضوع البلاغ الأصلي؛ كما لم تتحرك لحماية الشهود والمبلغين من حملات تشويه صحفية تمت على مرأى ومسمع منها؛ فضلاً عن التباطؤ في فتح التحقيق في هذه القضية لأكثر من شهر بعد إثارتها والذي سمح لبقية المتهمين بمغادرة مصر قبل القبض عليهم. فيما كان من شأن البدء المبكر في التحقيقات أن يسهم في تشجيع الشهود على التقدم بما لديهم من أدلة وأقوال قبل بدء حملات التشويه والترهيب.

وقد لفت عدد من المنظمات المصرية سابقًا، وبشكل متكرر، للأثر السلبي الناتج عن توجيه اتهامات غير ذات صلة بالقضية الأصلية والتساهل مع التشهير في بعض الصحف والمواقع بالمبلغين، والذي يقود لإحجام المجني عليهن عن الإبلاغ عن حوادث العنف الجنسي، وكذلك لإثناء الشهود عن تقديم ما لديهم من معلومات قد تساعد في التحقيقات. ففي ثلاث قضايا في عام 2020 فقط وجهت النيابة للمجني عليهن أو للشهود اتهامات غير متصلة بموضوع التحقيق، أو استخدم المتهمون  ذلك النهج لتهديد الضحايا، مما أثار حالة من الفزع بين النساء في حالة التبليغ، وقلل من إمكانية المشاركة المتعاونة لكل الشهود في التحقيقات.

فمع تصاعد وتيرة الإبلاغ عن جرائم العنف الجنسي ضد النساء كالتحرش الجنسي والاغتصاب، كان هناك تصاعد أيضًا في إرهاب المبلغين والشهود بل وتوجيه التهم لهم في عدة قضايا. في قضية الفيرمونت مثلاً قضى عدد من الشهود أسابيع و شهورًا رهن الحبس الاحتياطي على ذمة التحقيق في اتهامات تتعلق بممارساتهم الجنسية الرضائية أو باستخدام المخدرات، وجاء إخلاء سبيلهم جميعًا لاحقًا بعد إعلان النيابة ألا وجه لإقامة الدعوى، بعد أن أثار حبسهم الخوف لدى آخرين من المساعدة بأي شكل في التحقيقات. وفي نفس العام، وجهت النيابة تهمًا أخرى منها ”التعدي على قيم الأسرة المصرية“ لإحدى المبلغات عن واقعة اغتصاب تعرضت لها، لتقضي المجني عليها منة عبد العزيز أكثر من 100 يوم محتجزة وهي المجني عليها، ولاحقًا أعلنت النيابة أيضًا ألا وجه لإقامة الدعوى ضدها. كما وجهت النيابة في القضية نفسها تهمة ”التعدي على قيم الأسرة المصرية“ لواحد من الشهود في القضية، وهو قاصر برأته محكمة الطفل بالجيزة بعد مرور بضعة شهور على احتجازه. وأخيرًا وفي نفس العام استخدم المعتدون على شابة بمدينة ميت غمر ومحاموهم التهديدات ببلاغات ”التعدي على قيم الأسرة المصرية“ لترهيب المجني عليها وإثنائها عن الإبلاغ وحثها على تغيير أقوالها لتسقط التهم عن المتهمين في بداية القضية.

فكيف تثق مبلغة أو شاهد/ة والحال كذلك في أن مشاركتهم المتعاونة في التحقيقات لن تؤدي لتوجيه اتهامات واهية لهم، على أثرها يظلون رهن الحبس الاحتياطي على ذمة التحقيق حتى تقرر النيابة بألا وجه لإقامة الدعوى أو تخلي سبيلهم أو تحيلهم للمحاكمة؟

لقد دأبت النيابة العامة على مدار العام الماضي، ومنذ إطلاق حملتها المستمرة حتى الآن لضبط ما أسمته ”الأمن القومي الاجتماعي“، على ملاحقة عدد من الأفراد -خاصة النساء وذوي الهويات والممارسات الجنسية المفترضة أو الحقيقية المخالفة للمقبول اجتماعيًا- على منصات التواصل الاجتماعي لنشرهم محتويات راقصة أو لا تليق بما تراه النيابة العامة تعريفًا لـ”قيم ومبادئ الأسرة المصرية“.

بناء عليه، فإن المنظمات الموقعة تدعو النيابة العامة لإعادة تقييم ”الظروف الموضوعية“ التي أدت لفشل التحقيقات في قضية الفيرمونت، وكذلك لضرورة إعلان وتنفيذ سياسة عامة جديدة تضمن حماية المبلغات والشهود، ليس فقط من انتقام وتهديد وتشهير المتهمين، ولكن أيضًا من توجيه اتهامات غير متصلة بموضوع البلاغات، وذلك إعمالًا لسلطتها التقديرية في توجيه الاتهامات. كما نطالب بسرعة إصدار قانون لحماية الشهود والمبلغين والخبراء للتأكيد على ضمانات المحاكمة العادلة والوصول للعدالة المنشودة.

هكذا فقط يمكن أن يتشجع الشهود لتقديم ما لديهم من معلومات في هذه القضية وغيرها بلا خوف، وتصبح النيابة ملاذًا حقيقيًا للمجني عليهن وعليهم في قضايا العنف الجنسي. على النيابة تحديد أولوياتها في استخدام مواردها البشرية والفنية بما يحقق أعلى مستوى من الحماية للأفراد من العنف، بدلًا من إهدار تلك الموارد على ملاحقة السلوكيات والأفعال الفردية التي لا تمثل أي شكل من أشكال الخطر المباشر على أي شخص.

إن دور النيابة العامة أن تكون محامي الشعب، وعليها بهذا الدور أن تنصت لمناشدات المواطنين والمواطنات بحمايتهن والتصدي للعنف الممارس ضدهن. ولن يتأتى ذلك دون إجراء تغييرات حقيقية في كيفية التعامل مع بلاغات العنف الجنسي ووضع حد لملاحقة الأفراد باتهامات مطاطة مثل “التعدي على قيم الأسرة المصرية”.

المنظمات الموقعة

المبادرة المصرية للحقوق الشخصية

المفوضية المصرية للحقوق والحريات

مركز النديم لمناهضة العنف والتعذيب

مؤسسة المرأة الجديدة

الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان

مؤسسة حرية الفكر والتعبير

مؤسسة قضايا المرأة المصرية

مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون

ذات صلة