في دعوى “بث جلسات البرلمان”: كيف نقرأ تقرير هيئة المفوضين ؟

809

أعد التعليق حسن الأزهري، مدير الوحدة القانونية بمؤسسة حرية الفكر والتعبير، وقام بتحريره محمد عبد السلام، الباحث بمؤسسة حرية الفكر والتعبير

تمهيد

بعد مرور ما يقرب من العام على انعقاد أولى جلسات مجلس النواب، لا تزال وقائع وتفاصيل ومناقشات ما جرى داخل المجلس غير معلومة على وجه التحديد، ولا يزال المنقول عن جلسات المجلس محض اجتهادات متفرقة لصحفيين وتصريحات مختلفة لنواب، دون وجود مادة جلية لا لبس فيها تتاح لجميع المواطنين.. هذا التعتيم الذي أحاط بعمل مجلس النواب على مدار عام لا يناسب الطموحات والتوقعات التي صاحبت إقرار الدستور في العام 2014، وخاصة أن البرلمان السابق قد جرى حله في عام 2012 بحكم قضائي. وهكذا لا يمكن فصل مناقشة أداء البرلمان ودوره في إقرار التشريعات خلال الفترة السابقة دون التطرق لحجم ما نصل إليه من معلومات حول عمله، وبحق المواطنين في الوصول لهذه المعلومات دون أن تقوم جهة ما بانتقاء ما يُسمح أن يعرفه المواطن، وما ينبغي ألا يعرفه.

وانطلاقا مما سبق أقامت مؤسسة حرية الفكر والتعبير دعواها في نهاية عام 2015، والتي نظرتها الدائرة الأولى حقوق وحريات بمحكمة القضاء الإداري، ضد رئيس الجمهورية ووزير الشئون القانونية والبرلمانية وأمين عام مجلس النواب. وطالبت مؤسسة حرية الفكر والتعبير في الدعوى بإلزام مجلس النواب بإذاعة الجلسات العامة للبرلمان المصري، وإنشاء موقع متخصص على شبكة المعلومات الدولية “الإنترنت”، لنشر وأرشفة جلسات ومضابط البرلمان بشكل دوري، بما يسمح بالوصول إليها. وذلك بعد ما تم تداوله في عدد من الصحف المصرية أن هناك توجهًا داخل مجلس النواب بعدم إذاعة جلسات مجلس النواب بشكل مباشر، أو أن يتم بث أجزاء ممنتجة (مقتطفات) من الجلسات بنهاية كل يوم، أو إذاعة ملخص للجلسات، بدعوى أن الحفاظ على هيبة المجلس هو الأساس في منع البث المباشر خلال هذه المرحلة.

نظرت محكمة القضاء الإداري الدعوى في ثلاث جلسات كان آخرها في شهر يونيو 2016 ، حيث أبدت مؤسسة حرية الفكر والتعبير دفوعها. كما ردت المؤسسة على ما جاء برد هيئة قضايا الدولة من خلال مذكرة قانونية شارحة، للوقوف على صحة الادعاءات والمزاعم القانونية، التي قدمتها هيئة قضايا الدولة، ومنها انتفاء القرار الإداري، واعتبار ما يصدر عن المجلس أعمال برلمانية وتشريعية، لا يمكن الطعن عليها بما يجعلها خارج الاختصاص الولائي لمحكمة القضاء الإداري.

تسعى مؤسسة حرية الفكر والتعبير من خلال هذا التعليق إلى تقديم نظرة عامة على مضمون تقرير هيئة المفوضين، باعتباره جزءا مهما من مراحل نظر الدعوى أمام القضاء اﻹداري، ويمثل رأيا استشاريا للعرض على هيئة المحكمة، وباﻹضافة إلى ذلك تقدم المؤسسة ملاحظاتها على التقرير وفق المبادئ التي أرساها الدستور في هذا الصدد. وتهدف مؤسسة حرية الفكر والتعبير من خلال هذا التعليق إلى إشراك الرأي العام والمواطنين في معرفة تطورات هذه الدعوى القضائية التي يتقاطع موضوعها مع الأحداث الجارية والوقائع المختلفة التي تتعلق بمناقشات وعمل البرلمان.

عن مضمون التقرير: المحكمة مختصة بنظر “بث الجلسات”

يحتوي تقرير هيئة المفوضين على عدة محاور أساسية، فيما يتعلق باختصاص المحكمة بنظر الدعوى، والتكييف القانوني للطلبات المقدمة من قبل محامي مؤسسة حرية الفكر والتعبير، وأخيرا ما يتعلق بطلبات الدعوى والتوصية المقدمة بشأنها، على النحو التالي عرضه:

أولا: التكييف القانوني للطلبات:

عدلت هيئة المفوضين التكييف القانوني الصحيح للطلبات، حيث أوضحت أن التكييف القانوني الصحيح يتطلب اختصام رئيس مجلس النواب بصفته وإلزامه بالطلبات الواردة بصحيفة الدعوى. كما جاء في الفقرة التالية:

ثانيا: الرد على دفع هيئة قضايا الدولة بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى:

دفعت هيئة قضايا الدولة في مذكرتها المقدمة أثناء نظر الدعوى أن الطلبات الواردة بصحيفة الدعوى من الأعمال التشريعية والبرلمانية التي تنأى عن رقابة القضاء الإداري بعدم قبول الدعوى لانتفاء القرار الإداري، وجاء رد هيئة المفوضين علي هذا الدفع كما يلي:

ثالثا: رأي هيئة المفوضين بشأن الطلب الأول الوارد بعريضة الدعوى:

بشأن الطلب الأول “بإذاعة الجلسات العامة للبرلمان المصري “، جاء رأي هيئة المفوضين على النحو التالي:



رابعا: رأي هيئة المفوضين بشأن الطلب الثاني الوارد بعريضة الدعوى:

بشأن الطلب الثاني “بإنشاء موقع متخصص على شبكة المعلومات الدولية ” الإنترنت” لنشر وأرشفة جلسات ومضابط البرلمان على أن تحدث بشكل دوري بما يسمح الوصول إليها “، فقد ذهب التقرير إلى:


ما انتهي إليه التقرير

في التعليق على التقرير: اﻹتاحة لا تكون عبر معلومات مقتطفة

بداية يتفق تقرير هيئة المفوضين وما جاء في عريضة الدعوى التي قدمتها مؤسسة حرية الفكر والتعبير والمذكرات المقدمة لاحقا، من حيث طبيعة القرار الإداري المطعون فيه “ما يصدر عن البرلمان في غير الأعمال التشريعية والبرلمانية ” وغيره من الجوانب المتعلقة بشكل الدعوى. إلا أن تقرير هيئة المفوضين قد اختلف في طبيعة تكييف الحق الوارد بنصوص الدستور في المادة ( 68) المتعلقة بالحق في تداول المعلومات، والمادة (120) التي نصت على علنية الجلسات، حيث انطلق التقرير من افتراضات وتفسيرات مغلوطة لنصوص الدستور ما انتهى إلى استنتاجات خاطئة.

فعلى مستوى الطلب الأول انتهى التقرير إلى:

– النشر في الصحف اليومية ووسائل الإعلام المختلفة يعني الإفصاح العلني للكافة وهذا ما يهم الرأي العام.
– الهدف من علنية الجلسات لا يتعلق بعرضها في حد ذاتها وإنما في نتائجها.
– مبدأ العلانية من المباديء التي تتمتع بقدر كبير من النسبية والمرونة، وتختلف اهتمامات الأشخاص وتنحصر للبعض في الصحافة وﻵخرين في وسائل الأعلام وغيرهم عن طريق الإنترنت.

وبالنظر إلى نص المادة 68 من الدستور، ترى مؤسسة حرية الفكر والتعبير أنه جاء واضحا جليا يرسخ لمفهوم أن الأصل في المعلومات الإتاحة، ما يعني قدرة المواطنين على الوصول إلى المعلومات بكافة الوسائل والطرق، سواء كانت في شكل مادة مسموعة أو مرئية أو حتى في صورة ورقية يمكن الاطلاع عليها. وهذا ما تجاهله تقرير هيئة المفوضين الذي اعتبر إذاعه المقتطفات كافية في حد ذاتها، ﻷنها ما تهم الرأي العام، دون أن يوضح التقرير ماهية المعيار الذي استند إليه لتحديد مدى كفاية المقتطفات لتلبية حق المواطنين في المعرفة، وكذلك لم يشر التقرير إلى نصوص دستورية أو مبادىء قانونية بعينها تدعم ما ذهب إليه بشأن كفاية المقتطفات المذاعة أو المعلنة من الجلسات، خاصة وأن ذلك لا يتسق مع تعدد وتنوع الأغراض والاهتمامات بين المواطنين، فالمعلومات المتاحة عن أعمال مجلس النواب تقع في اهتمام شرائح متنوعة ويختلف المقصد من وراء متابعتها من صحفي إلى باحث إلى مواطن تتأثر مصلحته بقانون أو نقاش معين جرى في أروقة المجلس.

ولا يخلو تقرير هيئة المفوضين من التناقض، إذ أن التقرير ذهب إلى كفاية الرأي العام من مجرد إذاعة مقتطفات الجلسات، ثم عاود في موضع آخر التأكيد أن مبدأ العلانية يعد أمرا نسبيا، فإذا كان هناك اختلاف حول معنى علانية الجلسات، فذلك الخلاف يمتد كذلك إلى المقصود بكفاية المعروض منها لتحقيق مقاصد المواطنين من متابعة الجلسات، فلماذا جزم التقرير أن المقتطفات المنقولة عن الجلسات مناسبة وترك أمر العلانية في إذاعة الجلسات كاملة للنسبية في الفهم والتفسير ؟

ومن جانب آخر، اعتمد التقرير على تفسير خاطئ لنص المادة (120) من الدستور، فقد رأى أن العلانية تعني إدراك ومعرفة المواطنين بالقرارات، وهذا تفسير لم يطرح المفوض في تقريره الأسانيد القانونية الداعمة له، حيث أن نص المادة يتناول علنية الجلسات لا قراراتها، وإذا كان المشرع قد أراد أن يذهب إلى أن الهدف من وراء هذه المادة ضمان إذاعة القرارات، فلماذا لم يتم صياغة المادة بهذا المعنى.

ومن حيث طلب إذاعة الجلسات، انتهى التقرير إلى اعتبار ذلك أمر يحتاج إلى الموازنة والترجيح بين مبدأ العلانية وبين ما أطلق عليه “هيبة المجلس”، وقد غلب على لغة التقرير استخدام مصطلحات عامة وفضفاضة مثل هيبة المجلس، لا يوجد لها أساس أو مسوغ قانوني، بدلا من الرد على طلب إذاعة الجلسات وفق مقتضيات المصلحة العامة والحقوق المكفولة بنصوص الدستور. وبذلك فالحديث عن هيبة المجلس كحجة لعدم بث جلساته، قد نقل رأيا يمكن أن يردده أحد المسئولين أو أعضاء مجلس النواب إلى متن تقرير ينبغي أن تؤطره المبادئ والنصوص القانونية. والأصح هنا أن يناقش التقرير مدى حاجة المواطنين إلى الإلمام بما يجرى داخل أروقة السلطة التشريعية والذي يمس حياتهم اليومية بصور مختلفة، وخاصة أن التقرير لم يبين أضرارا موضوعية لإذاعة هذه الجلسات.

وفيما يتعلق بالطلب الخاص بإنشاء موقع متخصص على شبكة الإنترنت لأرشفة جلسات ومضابط البرلمان، فقد انتهي التقرير إلى أنه ليس ثمة نص يلزم رئيس المجلس للقيام بهذا الأمر. وبذلك صادر التقرير على المطلوب باﻷساس، فالدعوى في حد ذاتها بطلبها الاول والثاني تهدف إلى كفالة حق المواطن في الوصول إلى المعلومات البرلمانية بطرق مختلفة، مستندة في ذلك إلى الحق الدستوري الخاص بتداول المعلومات والوصول إليها، حيث لجأ الطاعن – محامي حرية الفكر والتعبير – إلى وسيلة احتياطية “موقع باﻹنترنت” تكفل للباحث والدارس والمهتم الوصول إلى المعلومة، بأشكال وصور مختلفة. والملفت أن تقرير هيئة المفوضين تحجج بصعوبة إذاعه كافة الجلسات خوفا على هيبة المجلس، فما الداعي أن يتم رفض إتاحتها رقميا على شبكة الإنترنت بعد تسجيلها واستبعاد ما قد يضر المواطن من مشاهدتها – وهذا بالطبع افتراض فاسد لا يمكن التأسيس عليه لأن ذلك يفرض وصاية على المواطن فيما يجب أن يعلمه وما لا يجب أن يحاط به علما – وكذلك الأمر فيما يتعلق بالمضابط، حيث أن مضابط مجلس النواب تنقح بأمر رئيس المجلس اذا ما ورد إليه طلب من أحد الأعضاء بحذف العبارات غير الملائمة، فما الذي يمنع نشر هذه المضابط بعد تنقيحها وما هو الضرر الذي يمكن وقوعه من إتاحة مضابط الجلسات أمام المواطنين ؟ وخاصة أن إتاحة الجلسات عبر موقع على الإنترنت يتماشى مع توجه التقرير بشأن ما وصفه “بنسبية مبدأ العلانية”، فإذا ما كان المفوض قد تطرق لصور مختلفة من العلانية لا تقتصر فقط على إذاعة الجلسات مباشرة، وإذا ما كان قد برر رفضه لذلك “للحفاظ على هيبة المجلس”، فكان حريا به أن يقر بضرورة تحقيق الطلب الثاني بإتاحة الجلسات رقميا.

خاتمة

حمل تقرير هيئة المفوضين تأكيدا على اختصاص محكمة القضاء الإداري بنظر دعوى بث جلسات البرلمان، ولكنه وإن أقر بحق المواطنين في الوصول للمعلومات فقد تغاضى عن الأطر القانونية لتناول طلبات الدعوى، لصالح الحجج التي يطلقها نواب بالبرلمان ومسئولين بالحكومة عن أهمية إبقاء الجلسات دون إتاحة مضمونها كاملا حفاظا على هيبة مجلس النواب، وهذا ما تسعى مؤسسة حرية الفكر والتعبير للرد عليه في الجلسات القادمة لنظر الدعوى، وتشارك بهذا التعليق الرأي العام والمهتمين في المطالبة المستمرة بحق المواطنين في معرفة ما يدور داخل المؤسسة التشريعية.

للإطلاع على تقرير هيئة المفوضين إضغط هنا