سلسلة الإنترنت والقانون في مصر (الجزء الأول: مركزية الاتصالات)

تاريخ النشر : الثلاثاء, 29 يونيو, 2021
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

إعداد: وحدة الأبحاث بمؤسسة حرية الفكر والتعبير

 

المحتوى

 منهجية

مقدمة

  • أولًا: خط زمني: الإنترنت في مصر
  • ثانيًا: إدارة مركزية للاتصالات: من يملك ومن يدير؟ 
  • ثالثًا: القومي لتنظيم الاتصالات: صلاحيات وأدوار جديدة
  • رابعًا: الأمن القومي: وسيلة أخرى للسيطرة

خاتمة

 

منهجية

اِستندت الورقة إلى التحليل القانوني للبنية التشريعية للاتصالات في مصر: قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003، قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وقانون حماية البيانات الشخصية رقم 121 لسنة 2020. بالإضافة إلى تحليل عدد من القوانين التي تتقاطع بعض نصوصها مع الاتصالات والحقوق الرقمية، وهي قوانين: مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015، تنظيم النقل البري رقم 73 لسنة 2019، وتنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018.

 مقدمة

يتأثر مستخدمو اﻹنترنت فى مصر بعددٍ من القوانين، بعضها صدر قبل أكثر من عقد، والبعض الآخر صدر في السنوات الأخيرة، وسريعًا ما أصبحت هذه القوانين أداة لإحكام السيطرة على الإنترنت وحرمان مستخدميه من الحق في حرية التعبير والخصوصية. ولذلك، تطلق مؤسسة حرية الفكر والتعبير هذه السلسلة: “اﻹنترنت والقانون في مصر”، التي تتكون من ثلاثة أجزاء، لكي تصبح دليلًا لمستخدم الإنترنت حتى يعرف ما هي القوانين التي تؤثر على استخدام الإنترنت؟ من الجهات التي تقوم على تنظيمه؟ وما الذي قد يواجهه من عقوبات ومخاطر؟

 

“أمن الفضاء المعلوماتي جزء أساسي من منظومة الاقتصاد والأمن القومي، وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليه على النحو الذي ينظمه القانون.”

مادة (31) من الدستور المصري

عبَّرت هذه الصياغة للمادة (31) من الدستور المصري، والتي تم إضافتها خلال عملية تعديله عام 2014، عن توجه السلطة الناشئة _آنذاك_ الهادف إلى السيطرة على الإنترنت[1]. وقد تلا ذلك إصدار عدد من القوانين، تطال بعض نصوصها مستخدمي الإنترنت، ومنها قانون مكافحة الإرهاب، الذي صدر في عام 2015 قبل انتخاب مجلس النواب. وتجدر الإشارة إلى أن سلطة الإخوان المسلمين كانت تسعى كذلك إلى الهيمنة على الإنترنت، حيث أعلن حزب الحرية والعدالة، في عام 2012، عن دراسة إصدار قانون لمكافحة جرائم الإنترنت[2].

وبعد انتخاب مجلس النواب في أواخر عام 2015، أولت لجنة الاتصالات اهتمامًا كبيرًا بوضع مجموعة من القوانين موجهة بشكل أساسي إلى مستخدمي الإنترنت: قوانين الجريمة الإلكترونية، وحماية البيانات الشخصية، بالإضافة إلى قانون تنظيم الإعلام والصحافة.

تحاول هذه السلسلة من اﻷوراق أن تقدم قراءة للتشريعات الحاكمة لمنظومة الاتصالات، والتي  تشترك في عددٍ من السمات، أهمها عملية إعدادها التي جاءت بشكل منفرد من قبل السلطات، دون إشراك أصحاب المصلحة المعنيين، أو منظمات المجتمع المدني العاملة في المجال، مرورًا بدورانها حول الأمن القومي وحماية المصالح العليا للبلاد، بديلًا من حماية حقوق المستخدمين.

كما تشترك هذه القوانين في استخدام مصطلحات مبهمة وفضفاضة، وما يتبع ذلك من اتساع السلطات التقديرية للسلطات. وبالتالي إساءة استعمال القانون. ينتج عن ذلك كله ازدياد ممارسات الرقابة على الإنترنت ومراقبة المستخدمين، والتضييق على الإعلام الرقمي. وتسمح تلك القوانين ومنها قانونا الاتصالات والجريمة الإلكترونية بمحاكمة مستخدمي الإنترنت، لأسباب تتعلق بالتعبير عن الرأي.

ساهمت هذه البنية التشريعية في تدهور حالة حرية الإنترنت في مصر، إذ حصلت مصر على 26 نقطة فقط من إجمالي 100 نقطة، وفقًا لمؤشر فريدوم هاوس عن حرية الإنترنت 2020. ووصف المؤشر مصر بأنها دولة لا تملك “إنترنت حر”.[3]

أولًا: خط زمني: الإنترنت في مصر

“للسلطات المختصة في الدولة أن تخضع لإدارتها جميع خدمات وشبكات اتصالات أي مشغل أو مقدم خدمة وأن تستدعي العاملين لديه، القائمين على تشغيل وصيانة تلك الخدمات والشبكات، وذلك في حالة حدوث كارثة طبيعية أو بيئية أو في الحالات التي تعلن فيها التعبئة العامة طبقًا لأحكام القانون رقم (87) لسنة 1960 المشار إليه وأية حالات أخرى تتعلق بالأمن القومي.”

 مادة (67) من قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003

 بالرغم من دخول الهاتف الثابت إلى مصر في ثمانينيات القرن التاسع عشر تحت مظلة “الشركة الشرقية”، فإنه بدايةً من عام 1980، بدأت تتضح معالم المؤسسية لمنظومة الاتصالات المصرية، إذ أنشئت الهيئة القومية للاتصالات بموجب القرار رقم 153 لسنة 1980. وبعد ذلك بحوالي عشر سنوات، بدأ استخدام الإنترنت في مصر للمرة الأولى، من خلال الشبكة التي أنشأتها شبكة الجامعات المصرية (EUN) في أكتوبر 1992، عن طريق وصلة أولية بمعدل 9,6 كيلوبيت/ثانية، وكانت متصلة بالشبكة الأوروبية الأكاديمية والبحثية (EARN).[4]

 ويمثل عام 1998 نقلة نوعية في بنية الاتصالات المصرية، بداية من صدور قانون رقم 19 لسنة 1998 الذي بموجبه تم تحويل الهيئة القومية للاتصالات إلى شركة مساهمة مصرية، تحت مسمى “الشركة المصرية للاتصالات”[5]. وفي نفس العام، تم إنشاء جهاز تنظيم مرفق الاتصالات، بموجب القرار الجمهوري رقم 101 لسنة 1998، كما دخلت خدمة الهاتف المحمول إلى السوق المصرية، عن طريق شركتي click GSM (فودافون حاليًّا) وموبينيل (أورانج حاليًا)[6]. في حين بقيت المصرية للاتصالات المزوِّد الوحيد للخطوط الأرضية، وتؤجر بنيتها التحتية لشركات الاتصالات المختلفة[7].

وفي عام 1999، صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 379 لسنة 1999 بتنظيم وزارة الاتصالات والمعلومات، ويتبعها الشركة المصرية للاتصالات، والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، الذي تم اعتباره هيئة عامة اقتصادية.

خلقت هذه التطورات حاجة ماسة إلى بنية تشريعية لمنظومة الاتصالات أكثر تفصيلًا ووضوحًا، تُمكن الدولة ممثلةً في وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والشركة المصرية للاتصالات من تنظيم وتنسيق المهام فيما بينها وبين شركات المحمول حديثة العهد. وهنا صدر قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003، وهو المعمول به حتى وقتنا الحالي. حدد هذا القانون أدوار الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، باعتباره الجهة المنظِّمة لكل ما يخص الاتصالات والإنترنت، ومنح التصاريح للشركات العاملة في الاتصالات، ومراقبة أدائهم.

ومع انتشار استخدام وسائل التواصل الاجتماعي واستخدام المدونات في الحقبة الأخيرة من عهد مبارك، كوسيلة للتعبير عن الآراء السياسية، جرى القبض على مدونين بموجب قانون الطوارئ في ذلك الوقت. وعقب اندلاع ثورة 25 يناير 2011، حذف محتوى رقمي من الإنترنت مثل صور المتظاهرين، خلال الأيام الأولى للثورة. ولاحقًا، تم قطع خدمات الاتصالات والإنترنت، ما أشار بشكل واضح إلى قدرات الدولة في السيطرة على الاتصالات والإنترنت، بموجب المادة (67) من قانون تنظيم الاتصالات، التي تمكن جهات الأمن القومي من إخضاع شركات الاتصالات.

وفي ديسمبر 2014، صدر قرار رقم 2259 لسنة 2014 بإنشاء المجلس الأعلى السيبراني، ووفقًا لنص المادة (2) يهدف المجلس إلى وضع إستراتيجية وطنية لمواجهة الأخطار والهجمات السيبرانية. صدرت عدة تعديلات على قرار الإنشاء، من ضمنها ضم ممثلٍ عن رئاسة الجمهورية في عضوية المجلس، وصدر قرار بشأن تحديد اختصاصات المجلس التي تدور حول حماية البنية التحتية الحرجة للحكومة، دون تفصيل للمقصود بتلك البنية الحرجة، أو الإجراءات والآليات المتخذة من قِبَل المجلس الأعلى السيبراني، لحماية تلك البنية.

ومع بقاء الإنترنت كمَنْفذ أخير للتعبير عن الآراء والمشاركة السياسية، تضمَّن قانون مكافحة الإرهاب رقم 95 لسنة 2015، نصوصًا تعاقب مستخدمي الإنترنت وتسمح بالنفاذ إلى بياناتهم. ومنذ انعقاد مجلس النواب في دورته 2015/2020 تم تقديم مقترحات بخصوص قوانين موجهة في الأساس إلى تنظيم الإنترنت وتساهم في تقييد خصوصية المستخدمين، وحريتهم في النفاذ إلى الإنترنت، مثل: قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 وفقًا لتصريحات المجلس حينها، أن الهدف منه هو تحقيق التوازن بين حماية حرمة الحياة الخاصة، ومواجهة الاستخدام غير المشروع لشبكات المعلومات. ثم تم إصدار قانون رقم 180 لسنة 2018 في شأن تنظيم الصحافة والإعلام والذي جاء الهدف المعلن منه تنظيم العمل الصحفي، وخاصة الصحافة الرقمية.

ومع تلك الفوضى في استخدام بيانات المستخدمين، وعدم وجود قيود واضحة ومحددة فيما يتعلق بجمعها ومشاركتها، صدر قانون رقم 151 لسنة 2020، في شأن حماية البيانات الشخصية، وهو القانون المنتظر منذ سنوات عديدة لتنظيم عملية حماية البيانات الشخصية.

تستعرض هذه السلسلة السمات المشتركة أو أوجه التقاطع بين القوانين المنظِّمة للاتصالات في مصر، وتركز في ذلك في مركزية إدارة وملكية الاتصالات، حرية الإعلام الرقمي، والخصوصية الرقمية للمستخدمين.

ثانيًا: إدارة مركزية للاتصالات: من يملك ومن يدير؟ 

تتسم البنية التحتية لمنظومة الاتصالات المصرية بالمركزية، إذ تستحوذ الشركة المصرية للاتصالات على نسبة  كبيرة من سوق الاتصالات، ومنها حصة تمثل 45% من فودافون. وترجح تقارير إعلامية أن فودافون تسيطر على 42% من سوق الاتصالات في مصر. من جانب آخر، تملك شركة البريد للاستثمار المملوكة للدولة نسبة 20% من أسهم شركة اتصالات. كما أن الشركة المصرية للاتصالات تقدم خدمات الهاتف الثابت والإنترنت والهاتف المحمول بشكل مباشر[8].

كما تمتلك الشركة المصرية للاتصالات 75% من سوق الـ [9]ADSL، وتؤجر التراخيص لمقدمي الإنترنت، وهو ما يعني أن البنية التحتية للإنترنت مركزية[10].  وعلى الرغم من صدور الرخصة الموحدة، التي تمنح لشركات الاتصالات صلاحية العمل في كافة القطاعات، بما يشمل امتلاك الكابلات، فإنه لا توجد مؤشرات على انتهاء هيمنة المصرية للاتصالات على كابلات الاتصالات.

 “لا يجوز إنشاء أو تشغيل شبكات اتصالات أو تقديم خدمات الاتصالات للغير أو تمرير المكالمات التليفونية الدولية ، أو الإعلان عن شيء من ذلك دون الحصول على ترخيص من الجهاز وفقًا لأحكام هذا القانون والقرارات المنفذة له.”

مادة 21 من قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003

إلى جانب مركزية البنية التحتية للاتصالات، فإن التشريعات الحاكمة للاتصالات تجعل إدارة الاتصالات في يد جهات الأمن القومي والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات.

إذ يشكل ممثلو جهات الأمن القومي ووزارة الدفاع ما يزيد على ربع أعضاء مجلس إدارة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، كما تعين السلطة التنفيذية كافة أعضائه، حيث أن وزير الاتصالات هو رئيس المجلس، ناهيك عن كونه مُعينًا من قِبَل رئيس مجلس الوزراء[11]. ويعكس هذا التشكيل غياب وجود خبراء مستقلين ومن المجتمع المدني، كما يسهم في أمننة إدارة الاتصالات، بحسب مقابلة أجراها الباحث مع محامٍ مختص بقضايا الحقوق الرقمية.[12]

ويتولى إدارة الجهاز مجلس إدارة يُعَيَّن بقرارٍ من رئيس مجلس الوزراء برئاسة الوزير المختص وعضوية كل من:

1- الرئيس التنفيذي للجهاز.

2- مستشار من مجلس الدولة يختاره رئيس هذا المجلس.

3- ممثل عن وزارة الدفاع يختاره وزير الدفاع.

4- ممثل عن وزارة المالية يختاره وزير المالية.

5- أربعة يمثلون أجهزة الأمن القومي.

6- ممثل عن اتحاد الإذاعة والتليفزيون يختاره وزير الإعلام.

7- ستة أعضاء يصدر بتعيينهم قرار من الوزير المختص، ثلاثة منهم من ذوي الخبرة في مجال الاتصالات وثلاثة من الشخصيات العامة يمثلون المستفيدين من خدمات الاتصالات.

8- أحد العاملين بالجهاز يرشحه اتحاد عمال مصر.

مادة 12 من قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003

وتأتي أهمية الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات من كونه يضع أساس عمل شركات الاتصالات والإنترنت، فيمنح الجهاز تراخيص عمل شركات الاتصالات. إذ يقع تنظيم الطيف الترددي بشكل أساسي تحت سيطرته باستثناء ترددات البث الإذاعي والتليفزيوني. وجاء في القرار الوزاري رقم 258 لسنة 2003، في المادة (2) [13]ربط تنظيم الطيف الترددي بتنمية صناعات تكنولوجيا الاتصالات من جهة، وبمتطلبات الأمن القومي من الجهة الأخرى، مع التأكيد على أن أحد أهداف الجهاز، حمايةُ متطلبات الأمن القومي، بحسب المادة (2) من قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003.

ثالثًا: القومي لتنظيم الاتصالات: صلاحيات وأدوار جديدة

 أصبح للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات دور في الموافقة على منح التراخيص وعمل المواقع الإلكترونية، إذ تنص لائحة تراخيص المواقع رقم 26 لسنة 2020 في المادة (15) منها، بأخذ رأي الجهاز في طلبات ترخيص المواقع الإلكترونية. هذا إلى جانب نص المادة (59) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام[14]. كما يقوم الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بالتواصل مع شركات الاتصالات لمطالبتها بحجب المواقع، بحسب المادة (7) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.

وتنص المادة (5) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 على منح العاملين بالجهاز القومي لتنظيم الاتصالات صفة الضبطية القضائية وكذلك من تحددهم جهات الأمن القومي،[15] وهو ما يساعد الجهاز على مراقبة مستخدمي الإنترنت[16].

كل تلك المهام السابق ذكرها لجهاز تنظيم الاتصالات تؤكد على ضرورة تشكيله من خلال تمثيلٍ أكثر توازنًا وتعبيرًا عن المجتمع، وضرورة فصله عن أي اعتبارات سياسية، فعلى الرغم من تنوع الجهات المكونة للجهاز، فإن السلطة التنفيذية لها اليد العليا فيه. وهو ما يشكك في مدى حيادية الجهاز أثناء تطبيق القانون، خاصة مع التوسع في منح الصلاحيات كالضبطية القضائية وحجب المواقع، والحصول على بيانات المستخدمين.

رابعًا: الأمن القومي: وسيلة أخرى للسيطرة

“للسلطات المختصة في الدولة أن تخضع لإدارتها جميع خدمات وشبكات اتصالات أي مشغل أو مقدم خدمة وأن تستدعي العاملين لديه، القائمين على تشغيل وصيانة تلك الخدمات والشبكات وذلك في حالة حدوث كارثة طبيعية أو بيئية  أو في الحالات التي تعلن فيها التعبئة العامة طبقًا لأحكام القانون رقم 87 لسنة 1960 المشار إليه، وأية حالات أخرى تتعلق بالأمن القومي.”

 مادة 67 من قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003

إلى جانب دور الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في منح التراخيص لشركات الاتصالات، يأتي نص المادة (67) من قانون تنظيم الاتصالات، الذي يمنح “السلطات المختصة في الدولة” في حالات الكوارث وأي حالات مرتبطة بالأمن القومي السيطرة على جميع خدمات وشبكات الاتصالات.

ويغيب عن القانون أن ينص على حالات محددة للأمن القومي، بدلا من أن يعتبره كلَّ ما يتعلق بشؤون الرئاسة والقوات المسلحة والإنتاج الحربي ووزارة الداخلية والأمن العام وهيئة الأمن القومي وهيئة الرقابة الإدارية والأجهزة التابعة لهذه الجهات، وفق المادة (2) من قانون تنظيم الاتصالات. وهذا ما تسبب بشكل واضح ومباشر في قطع خدمات الإنترنت أثناء ثورة الخامس والعشرين من يناير، كما يعزز من سيطرة الدولة على شركات الاتصالات وعلى المنظومة ككل.

يأتي ذلك في ظل سياسات الخصوصية لدى شركات الاتصالات الأربع في مصر التي  تحتفظ ببيانات المستخدمين إلى أجل غير مسمى[17]، بالإضافة إلى إمكانية مشاركة البيانات مع أطراف ثالثة من ضمنها جهات الأمن القومي.

ومثالًا على ذلك، نشرت شركة أورانج على موقعها أنه “يحق ﻷورنج الإفصاح عن كل أو بعض البيانات والمعلومات الخاصة بعملائها إذا كان ذلك تنفيذًا للقانون أو لقرار صادر من إحدى الهيئات القضائية المختصة أو أيٍّ من أجهزة الأمن القومي”.

وتنص المادة (82) من قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003[18] على حبس مقدمي خدمات الاتصالات، ووقف ترخيص الشركة، في حال عدم تنفيذ ما ورد في المادة (67) من قانون تنظيم الاتصالات، التي تضع شركات الاتصالات تحت سيطرة جهات الأمن القومي. بينما تعاقب المادة (81) من قانون تنظيم الاتصالات مقدمي الخدمة، بغرامة تتراوح بين 10 آلاف لتصل إلى مئة ألف جنيه، فضلًا عن الحبس ووقف ترخيص عمل الشركة، في حال عدم تطبيق المادة (64) من نفس القانون التي تنص على إخضاع شركات الاتصالات تحت سيطرة جهات الأمن القومي والقوات المسلحة بتوفير بيانات دقيقة بخصوص المستخدمين، وتوفير المعدات والإمكانيات اللازمة لذلك.

وتنص المادة (84) على غرامة مالية تتراوح بين عشرة آلاف جنيه وخمسين ألف جنيه، في حال مخالفة نص المادة (19) من نفس القانون، والتي جاء فيها: “تلتزم جميع الجهات والشركات العاملة في مجال الاتصالات بموافاة الجهاز بما يطلبه من تقارير أو إحصاءات أو معلومات تتصل بنشاطه عدا ما يتعلق منها بالأمن القومي”.

بالإضافة إلى نص المادة (30) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 التي تجرِّم امتناع الشركات عن حجب المواقع أو الروابط، التي قد تشكل تهديدًا للأمن القومي، بالحبس سنة _كحدٍّ أدنى_ وغرامة تتراوح بين خمس آلاف جنيه، ومليون جنيه.

خاتمة

تعد إدارة وملكية البنية التحتية للاتصالات شديدة المركزية، وإلى جانب ذلك تقيد القوانين عمل شركات الاتصالات، ما يجعلها ملزمة بالاستجابة لطلبات أجهزة الأمن القومي. وتمكِّن هذه البنية التشريعية السلطات المصرية من ممارسة الرقابة على اﻹنترنت ومراقبة مستخدمي الإنترنت على نطاق واسع. وسوف تنشر مؤسسة حرية الفكر والتعبير جزأين آخرين من سلسلة “الإنترنت والقانون في مصر”، خلال الفترة المقبلة، وسيركز الجزآن على الإعلام الرقمي والخصوصية الرقمية.

[1] رجب سعد، "قانون جديد يقمع حرية التعبير على الإنترنت"، مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط،، 2015، تاريخ آخر زيارة  في مايو 2021،  رابط: bit.ly/3xBoLqu

[2] المصري اليوم، "«الحرية والعدالة»: مشروع قانون جرائم الإنترنت قيد الدراسة"، إبريل 2012، تاريخ آخر زيارة إبريل 2021،  رابط: bit.ly/35EKba6

[3] Freedom House. “Freedom on the net 2020”. 2020. accessed on june2021. Available at: bit.ly/3gSx0rh

[4] “Internet Commercialization in Egypt: A Country Model.” Internet Society, 1997. Conference Proceedings.

[5]  International Telecommunication Union. “Internet on the Nile”. 2000. accessed on april2021. available at: bit.ly/3qfWvYb

[6] مراسلون بلا حدود، "السياق التكنولوجي في مصر"، 2018، تاريخ آخر زيارة مايو 2021، رابط : bit.ly/3gK8ryc

[7] المرجع السابق.

[8]  رجب عزالدين، "من يسيطر على سوق المحمول في مصر"، جريدة المال، 2020،  تاريخ آخر زيارة في يونيو 2021، رابط: bit.ly/2SSYGEH

[9] OONI, AFTE. “The State of Internet Censorship in Egypt”. 2018. accessed in May 2021. Available at: bit.ly/35Fjwdl

[10] Ibid.

[11] منظمة المادة 19 ومؤسسة حرية الفكر والتعبير، "مصر: قانون تنظيم الإتصالات"، إبريل 2015، تاريخ آخر زيارة في إبريل 2021، رابط:bit.ly/3zM3dJx

[12] تم ذكر المصطلح خلال محادثة هاتفية أجراها الباحث مع محامٍ مختص بالحريات الرقمية، إبريل 2021.

[13] المادة 2: "تتولى لجنة تنظيم الترددات، تنظيم الطيف الترددي ويقوم الجهاز مع اللجنة بإقرار القواعد المتعلقة بالتنظيم وذلك عن طريق توزيعه على خدمات الاتصالات اللاسلكية داخل جمهورية مصر العربية بما يتماشى مع النظم والاتفاقيات الدولية ويمنع التداخل  بين المحطات المختلفة. ويعظم الاستفادة منه كمورد طبيعي وبما يضمن تلبية احتياجات تنمية خدمات صناعات تكنولوجيا الاتصالات ومتطلبات الأمن القومي.

[14] مع عدم الإخلال باختصاص الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات فى إصدار تراخيص إنشاء أو تشغيل شبكات الاتصالات أو تقديم خدمات الاتصالات، لا يجوز إنشاء أو تشغيل أية وسيلة إعلامية، أو موقع إلكترونى، أو الإعلان عن ذلك، قبل الحصول على ترخيص من المجلس الأعلى، ويحدد المجلس الأعلى شروط ومتطلبات الترخيص.

[15] المادة 5 من قانون الجريمة الإلكترونية: "يجوز بقرارٍ من وزير العدل بالاتفاق مع الوزير المختص منح صفة الضبطية القضائية للعاملين بالجهاز أو غيرهم ممن تحددهم جهات الأمن القومي بالنسبة إلى الجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام هذا القانون والمتعلقة بأعمال وظائفهم".

[16]حسن مسعد، "مشروع قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية في مصر"، "المفكرة القانونية"، مايو 2018، تاريخ آخر زيارة في مايو 2021، رابط: bit.ly/3xJ5gMV

[17] مؤسسة حرية الفكر والتعبير، "سياسات الخصوصية لشركات الاتصالات في مصر"، 2018، تاريخ آخر زيارة يونيو 2021، الرابط: bit.ly/3cY0EdO

[18] مادة 82 من قانون تنظيم الاتصالات: يعاقب بالحبس كل من خالف أوامر الاستدعاء المنصوص عليها في المادة (67) من هذا القانون. وتكون العقوبة السجن إذا وقعت الجريمة في زمن الحرب أو في الحالات التي تعلن فيها التعبئة العامة طبقًا لأحكام القانون رقم (87) لسنة 1960 في شأن التعبئة العامة. وفى جميع الأحوال تحكم المحكمة بوقف الترخيص مؤقتًا إلى حين قيام المخالف بتنفيذ أمر الاستدعاء الصادر إليه.

محتوى الموقع منشور برخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف 4.0