معنية برصد انتهاكات حقوق التعبير في حق الأفراد و المؤسسات.

تحت الشبهة.. من يراقب ملكية وسائل الإعلام في مصر

تحت الشبهة.. من يراقب ملكية وسائل الإعلام في مصر

“دور المجلس الأعلى للإعلام في الرقابة على تمويل المؤسسات الإعلامية”

 

ملخص

 

  • استهدفت السلطة التي كانت قيد التشكل خلال الأعوام الأربعة السابقة إعادة السيطرة على وسائل الإعلام، من خلال تغيير البيئة التشريعية الناظمة للإعلام، وإعادة رسم خريطة ملكية وسائل الإعلام.
  • في سبتمبر 2017، أعلنت مجموعة “تواصل”، وهي إحدى شركات مجموعة “فالكون” للخدمات الأمنية، استحواذها على شبكة قنوات “الحياة” الفضائية.
  • أعلنت شركة إيجل كابيتال للاستثمارات المالية، ش .م.م، في ديسمبر 2017، عن نجاحها في الاستحواذ على حصة رجل الأعمال، أحمد أبو هشيمة، في شركة إعلام المصريين.
  • البيانات الرسمية المتعلقة بتلك الصفقات لم يتم إتاحتها، ما يعني أن السلطة الحالية تفرض إطارا محكما من السرية حول مصادر تمويل هذه الصفقات.
  • يختص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بوضع وتطبيق نظام مراقبة مصادر التمويل في الوسائل والمؤسسات الإعلامية والصحفية، بما يضمن شفافية وسلامة هذا التمويل.

 

مقدمة

تثار في الآونة اﻷخيرة أسئلة كثيرة عن ملكية وسائل الإعلام في مصر، لعل أبرزها تلك المتعلقة بالصفقة الأخيرة التي أتممتها شركة ايجل كابيتال. يطغى الغموض على تفاصيل هذه الصفقات ومصادر تمويلها، والدوافع التي تتحرك من خلالها شركات تنشأ وأخرى تتوسع. ولا يمكن تناول ما تثيره هذه الصفقات من أسئلة بعيدا عن السياق السياسي الذي يحكم مصر منذ أربعة أعوام، من حيث مواصلة الضغط على وسائل الإعلام والصحف بشكل ممنهج. وفي ظل نقص المعلومات الكافية لتتبع وتحليل ما يحدث في سوق الإعلام المصري، تحاول مؤسسة حرية الفكر والتعبير أن تتطرق لصفقتين تم إبرامهِما بعد إنشاء المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام – صدر قرار تشكيله في أبريل 2017 – والمنوط به مراقبة مصادر تمويل المؤسسات الإعلامية.

 

 

أربعة أعوام من التحولات في المشهد الإعلامي

 

تشهد مصر منذ أربعة أعوام تقريبًا تحوُّلات واسعة على كافة المسارات؛ ومن بين المجالات التي شهدت تحوُّلات جذرية كانت قطاع الإعلام بمختلف صوره مرئي، مسموع، ومقروء. وعلى الأرجح، فإن السلطة، التي تشكلت إبان وصول الرئيس السيسي لسدة الحكم، أدركت أهمية وسائل الإعلام في توجيه الرأي العام، وصناعة المواقف، إلى جانب دورها المتطور كأحد أهم وسائل الحشد والتعبئة. وبدا أن هناك سلطة قيد التشكل تحاول بدأب السيطرة على الإعلام، وتواجه في سبيل ذلك صعوبات، بسبب زيادة عدد وسائل الإعلام، التي خلقتها ثورة يناير 2011، وارتفاع سقف الحريات بشكل غير مسبوق، ووفرة الإنتاج الصحفي والإعلامي وتعدد مصادره، ودخول وسائل التواصل الإجتماعي على الخط باعتبارها منصات لتداول الأخبار و القضايا الصحفية والإعلامية، وتتميز بتفاعل لحظي.

إذًا؛ كان المُستهدف إعادة هيكلة بنية الإعلام المصري بالكامل وتغيير خريطته، بما يُمكِّن من إعادته لخدمة السلطة الجديدة، وجرى العمل على قدم وساق في مسارين؛ الأول تغيير البنية التشريعية الحاكمة للمشهد الصحفي والإعلامي، ما أدى إلى إنشاء هيئات جديدة تقوم على تنظيم شئون الإعلام. فقد نصَّ الدستور المصري 2014 في مادته (211) على إنشاء هيئة مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الفنى والمالى والإدارى، تختص بتنظيم شئون الإعلام المسموع والمرئى، وتنظيم الصحافة المطبوعة، والرقمية، وغيرها. وتكون مسئولة عن ضمان و حماية حرية الصحافة والإعلام المقررة بالدستور، والحفاظ على استقلالها وحيادها وتعدديتها وتنوعها، ومنع الممارسات الاحتكارية، ومراقبة سلامة مصادر تمويل المؤسسات الصحفية والإعلامية، ووضع الضوابط والمعايير اللازمة لضمان التزام الصحافة ووسائل الإعلام بأصول المهنة وأخلاقياتها، ومقتضيات الأمن القومى. وأطلق عليها مسمى؛ المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.

وجاء ذلك في ضوء إلغاء نفس الدستور لوزارة الإعلام والمجلس الأعلى للصحافة واتحاد الإذاعة والتلفزيون واستبدالهم بالمجلس الأعلى للإعلام و الهيئتين الوطنيتين للصحافة والإعلام، على الترتيب. وبالنظر للمادة الدستورية؛ نجدها حددت نطاق اختصاص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ورسمت له في سبيل مباشرة اختصاصه هدفين رئيسيين؛ الأول يتعلق بتنظيم المشهد الصحفي والإعلامي، أما الثاني فهو هدف رقابي من أجل ضبط المشهد من الفوضى والعشوائية التي اجتاحت الحقل الصحفي والإعلامي وحذَّر منها الكثير من المراقبين والمختصين بالشأن الصحفي والإعلامي المصري، خصوصًا إبان الثلاثين من يونيو 2013.

أما المسار الثاني فكان إعادة ترسيم خريطة سوق الإعلام المصري بما يضمن السيطرة على كافة المنابر والمنصات التي تخاطب الجمهور، من خلال إحكام السلطة الحالية لملكية وسائل الإعلام. وهذا ما تناقشه الورقة بتركيز أكبر، وتحاول ربطه بالتغيرات في البيئة التشريعية المنظمة للإعلام.

 

صفقة استحواذ فالكون على قنوات الحياة

 

بعد أن بدأ المجلس الأعلى للإعلام في ممارسة مهامه – وفق التغيرات الجديدة في التشريعات المنظمة للإعلام – ثار الجدل حول صفقتين كبرتين، كانت أولهما صفقة استحواذ فالكون على قنوات الحياة. ففي مساء الثلاثاء 12 سبتمبر 2017، أعلنت مجموعة “تواصل”، إحدى شركات مجموعة “فالكون” للخدمات الأمنية وشركة “سيغما” للإعلام، توقيع الطرفين اتفاقية إطارية تستحوذ من خلالها الأولى على شبكة قنوات “الحياة” الفضائية.

وَقَّعَ عقد الاتفاقية الإطارية بين الجانبين السيد البدوي، رئيس مجلس إدارة شركة سيغما للإعلام (رئيس حزب الوفد/ ليبرالي)، وشريف خالد رئيس مجلس إدارة مجموعة “تواصل” (وكيل المخابرات الحربية سابقاً). وكشف البدوي أن قيمة صفقة بيع شبكة تلفزيون “الحياة” لشركة “تواصل”، بلغت مليارًا و400 مليون جنيه (80 مليون دولار). وقال إنّ ديون القناة كانت قد تخطَّت المليار جنيه (57 مليون دولار) خلال الفترة الماضية، وجرى توجيه معظم إيراداتها لسداد مديونيات مستحقة على القناة.

تأسست شركة “فالكون” في العام 2006، ولكن تصاعد دورها عقب ثورة 25 يناير 2011، حيث تٌغطي محافظات مصر من خلال 14 فرعًا، ويزيد عدد موظفيها عن 22 ألفًا، ومن أبرز مهامها تأمين الجامعات والشخصيات العامة والمكاتب الأممية والسفارات الأجنبية والمباريات الدولية. وباتت “فالكون” الأكثر شهرة وحضورًا في مضمار الحراسات الأمنية، وكان أبرز أدوارها تأمين حملة المرشح الرئاسي في انتخابات 2012 أحمد شفيق، وحملة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في انتخابات 2014. ويرأس مجلس إدارة الشركة اللواء شريف خالد، وهو وكيل سابق لجهاز المخابرات الحربية، ورئيس قطاع الأمن الأسبق باتحاد الإذاعة والتلفزيون.

وتجدُر الإشارة كذلك إلى أن شركة هوم ميديا للإعلام التابعة لشركة فالكون للخدمات الأمنية والمالكة لمحطة “DRN” الإذاعية، قد استحوذت كليًا على شبكة قنوات العاصمة الفضائية في صفقة تم الانتهاء منها فى الآونة الأخيرة.

 

صفقة استحواذ ايجل كابيتال على إعلام المصريين


أعلنت شركة إيجل كابيتال للاستثمارات المالية، ش .م.م، في الاثنين 18 ديسمبر 2017، عن نجاحها في الاستحواذ على حصة رجل الأعمال، أحمد أبو هشيمة، في شركة إعلام المصريين للتدريب والاستشارات الإعلامية ش.م.م، والمالكة لعدد من الجرائد والمواقع الإخبارية، بالإضافة إلى شبكة قنوات ON الفضائية.

حينها، كتب حسام صالح، الرئيس التنفيذي لشركة إعلام المصريين، على صفحته الشخصية على موقع فيسبوك: “كانت هناك كثير من التحركات خلال الأيام القليلة الماضية، جاء نتيجتها استحواذ شركة إيجل كابيتال على 100% من أسهم إعلام المصريين”، وأضاف: “من نتاج الاستحواذ اختيار المهندس أسامة الشيخ كرئيس لمجلس إدارة إعلام المصريين وعضو منتدب بدلا من الأستاذ أحمد أبوهشيمة”. لاحقا، استقال الشيخ، وتم تعيين تامر مرسي بديلًا له.

تأسست شركة “ايجل كابيتال” للاستثمارات المالية في نهاية العام 2016، وهي شركة غير مُقيَّدة بالبورصة المصرية، تشبه الصناديق الاستثمارية فيما يتعلق بنشاطها، حيث تستحوذ على بعض الكيانات والمؤسسات من أجل تطويرها وبيعها مرة أخرى والاستفادة من الاستثمار فيها، ويترأس مجلس إدارتها داليا خورشيد، وزيرة الاستثمار السابقة، وزوجة محافظ البنك المركزي طارق عامر. صرَّحت خورشيد أن صفقة استحوار ايجل كابيتال على “إعلام المصريين” تُعد باكورة أعمال الشركة في مجال الإعلام الذي تستهدف الشركة مزيد من الاستثمارات فيه؛ باعتباره قطاع حيوي يمُس الحياة اليومية للمواطن، بحسب تصريحاتها.

بعد إتمام الصفقة، انتقلت ملكية عدد من المؤسسات الإعلامية، والتسويقية والقنوات الفضائية إلى ملكية “إيجل كابيتال”، ومنها: صحيفة اليوم السابع، جريدة صوت الأمة، مجلة عين، مجلة إيجيبت توداي، مجلة “بيزنس توداي”،  بريزنتيشن سبورت، موقع “انفراد” الإخباري، موقع “دوت مصر” الإخباري، بالإضافة إلى شبكة قنوات ON الفضائية، والتي تضم قنوات “ON E وON Live وON Sport وON Drama”.​ في الوقت الذي أكد فيه موقع “مصراوي الإخباري”، بحسب مصادره، أن النسبة التي استحوذت عليها شركة إيجل كابتال تقدر بنحو 60% من الشركة، بمبلغ مالي قيمته 600 مليون جنيه، يتم دفعه على عامين.

في السياق نفسه؛ كشف مصدر مسؤول، بسوق المال، لموقع “مصراوي” الإخباري عن صعوبة قيد شركة “إعلام المصريين” في البورصة المصرية، نظرًا لتكبُّدها خسائر ضخمة، وعدم موافاتها لشروط القيد القانونية. ​وقال المصدر الذي طلب عدم ذكر اسمه، إن خسائر الشركة تعتبر حائلًا أساسيًا للقيد في البورصة، حيث وصلت في قناة “ON” وحدها المملوكة لمجموعة “إعلام المصريين”، إلى 325 مليون جنيه خسائر، بعد إنتاج مسلسلات رمضانية ذات تكلفة باهظة دون عائد. في الوقت الذي لم تستطع فيه الشركة تحقيق أكثر من 5% من رأس المال، أرباحًا سنوية لعامين متتاليين، كأحد أهم شروط القيد في البورصة المصرية. وأضاف المصدر، أن السبب الثاني، الذي حال دون قيد شركة “إعلام المصريين” في البورصة، كان غموض عدد من البنود في الميزانية، وعدم توافر شروط القيد على الوجه الأكمل.

كانت “إعلام المصريين” قد أعلنت في عام 2016، توقيع اتفاقًا مع بنك الاستثمار “أف. إي. بي كابيتال” لتولي عملية إعادة هيكلة الشركة، تمهيدًا لطرح أسهمها في البورصة. وقال الرئيس التنفيذي لشركة “اف. إي. بي كابيتال” عمر المغاوري، إن شركته ستقوم بعملية الهيكلة المالية لمجموعة “إعلام المصريين” وكافة الشركات التابعة لها بغرض تحقيق التكامل بين الأنشطة في الشركات المختلفة وتحقيق وفورات مالية، تمهيدًا للقيام بطرح المجموعة في البورصة المصرية.

بالعودة للوراء؛ وبالتحديد الأحد 15 مايو 2016، وقَّع رجلا الأعمال أحمد أبو هشيمة ونجيب ساويرس عقد استحواذ شركة إعلام المصريين (ش.م.م) على كامل أسهم قناة ” أون تى فى” المملوكة لنجيب ساويرس. وأصدرت شركة إعلام المصريين بيانا بعد التوقيع ، أكدت فيه سعى الشركة لاستعادة الريادة المصرية فى الإعلام وصناعة التلفزيون والدراما من جديد وفق قواعد تنافسية طموحة ، كما أشارت الشركة فى بيانها إلى أن خطوة الاستحواذ على قناة ON TV ، ستتبعها خطوات أخرى تدعم الهدف الأساسى للشركة وهو استعادة الريادة المصرية وتقديم إعلام تنموي شامل.

الجدير بالذكر هنا؛ أن تاريخ قيد شركة ” إعلام المصريين” بالهيئة العامة للاستثمار يعود إلى 2 يونيو 2013 بسجل تجاري رقم 66705 بالهيئة العامة للاستثمار. وذلك وفقًا لوثيقة رسمية حصل موقع «مدى مصر» الإخباري على نسختها الأصلية من مصدر اشترط عدم الكشف عن هويته. وقد برز اسم أبو هشيمة في عام 2009 مع نمو استثماراته في مجال الحديد والصلب، ولكن دوره السياسي بدأ بعد ثورة 25 يناير 2011، حين اشترى جريدة «اليوم السابع»، وعُرف بقربه من جماعة الإخوان المسلمين. وفي أعقاب عزل الرئيس السابق محمد مرسي أصبح أبو هشيمة من أشد داعمي الرئيس عبد الفتاح السيسي، وأبرز ممولي حزب «مستقبل وطن» المؤيد للنظام، فضلًا عن تبرعاته المتتالية لصندوق «تحيا مصر» التابع للدولة. ومنذ 2016 توسع أبو هشيمة في شراء وسائل الإعلام باسم «إعلام المصريين».

 

صفقات بلا معلومات رسمية

 

منذ تشكيل المجلس الأعلى للإعلام، شهد سوق الإعلام المصري صفقتي انتقال ملكية كبيرتين حازتا على اهتمام الرأي العام الداخلي والخارجي، وأُثيرت حول كلٍ منهما العديد من الشُبُهات و علامات الاستفهام، وأبرزها عن علاقة الأموال المستثمرة في الصفقتين بأجهزة أمنية. وهذا ما أشارت له تقارير صحفية عدة – لم يتسنى للمؤسسة الحصول على معلومات موثقة بشأنها – حتى أن منظمة “مراسلون بلا حدود” الفرنسية أبدت قلقها مما اسمته سيطرة رجال أعمال مقربين من الحكومة والأجهزة الأمنية على عدد من المؤسسات الإعلامية المصرية، وذلك في تقرير بعنوان «مصر: حينما تبسط المخابرات سيطرتها على الإعلام».

وقالت المنظمة، ومقرها باريس، إن «رجال المخابرات أقرب إلى وسائل الإعلام من أي وقت مضى»، مشيرة إلى استحواذ عدد من رجال الأعمال المعروفين بصلاتهم بالأجهزة الأمنية على عدد من الوسائل الإعلامية، موضحة بالوقت ذاته أن استحواذ السلطات المصرية على المشهد الإعلامي متواصل بشكل مطرد بل ويطال حتى وسائل الإعلام المقربة من النظام. وربطت المنظمة بين صفقة الاستحواذ على قناة الحياة وبين توقف بث برامج القناة في وقت سابق بسبب مديونيات للحكومة، ما أرته «مراسلون بلا حدود» نوعًا من الضغط على «البدوي»، الذي رفض نواب حزبه الموافقة على اتفاقية جزيرتي تيران وصنافير.

كذلك كشف موقع “مدى مصر” الإخباري، والمحجوب من قبل السلطات في مصر منذ شهر مايو 2017، أن «إيجل كابيتال للاستثمارات المالية ش.م.م» التي ترأسها داليا خورشيد -وزيرة الاستثمار السابقة- هي صندوق استثمار مباشر private equity fund مملوك لجهاز المخابرات العامة المصرية، جرى تأسيسه مؤخرًا ليتولى إدارة جميع الاستثمارات المدنية للجهاز portfolio management في عدد كبير من الشركات المملوكة للمخابرات جزئيًا أو كليًا، وذلك وفقًا لمصادر تعامل بعضها مباشرة مع الشركة الجديدة والتقى أحدهم مع خورشيد شخصيًا بمقر الشركة في منطقة التجمع الخامس.

وإذا كان صحيحا أن هناك إدراك لدخول لأجهزة أمنية كلاعب رئيسي في سوق الإعلام في أوساط صناعة الإعلام، وهو ما نقلته وسائل الإعلام المستقلة، إلا أن البيانات الرسمية المتعلقة بتلك الصفقات لم يتم إتاحتها، ما يعني أن السلطة الحالية تفرض إطارا محكما من السرية حول مصادر تمويل هذه الصفقات ومدى ارتباطها بأجهزة أمنية.


الأعلى للإعلام ومراقبة انتقال ملكية وسائل الإعلام

 

بمراجعة كافة القرارات الصادرة عن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وكذلك جميع اللجان التي شكَّلها المجلس لمتابعة مختلف ملفات العمل، لم تتمكن مؤسسة حرية الفكر والتعبير من الوصول لأي تصريح أو موقف أو لجنة جرى تشكيلها لاستيثاق الحقائق وتقصيها، بشأن عمليات الانتقال الواسعة للملكية في سوق الإعلام المصري.

كان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد أصدر، في 24 ديسمبر 2016، قرارًا بالتصديق على قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام رقم 93 لسنة 2016، والذي ينُص على إنشاء المجلس الأعلى للإعلام والهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام، مع تحديد أهداف واختصاصات ومعايير تشكيل ونظام عمل كلًا منهم. وفي مادته الثالثة نصَّ قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام (رقم 93 لسنة 2016) على أن المجلس يهدُف لحماية حرية الصحافة والإعلام في إطار المنافسة الحرة، وعلى الأخص ما يلي:

– ضمان استقلال المؤسسات الصحفية والإعلامية، وحيادها، وتعددها، وتنوعها.

– ضمان ممارسة النشاط الإقتصادي في مجالي الصحافة والإعلام على نحو لا يؤدي إلى منع حرية المنافسة أو تقييدها أو الإضرار بها.

– ضمان سلامة مصادر تمويل المؤسسات الإعلامية والصحفية.

– منع الممارسات الاحتكارية في مجال الصحافة والإعلام.

بينما جاء في نص المادة الرابعة من نفس القانون على أن يُباشِر المجلس الأعلى اختصاصاته على الوجه المبين في هذا القانون، وله على الأخص ما يلي:

– وضع وتطبيق نظام مراقبة مصادر التمويل في الوسائل والمؤسسات الإعلامية والصحفية، بما يضمن شفافية وسلامة هذا التمويل، ومراقبة تنفيذه بالاشتراك مع الجهات والأجهزة المعنية.

– ضمان ممارسة النشاط الاقتصادي في مجالي الصحافة والإعلام على نحو لا يؤدي إلى منع حرية المنافسة أو تقييدها أو الإضرار بها، والقيام بمنع الممارسات الاحتكارية فيهما، وذلك وفقًا للقواعد التي يضعها.

كذلك الأمر في المادة الخامسة؛ والتي نصَّت على أن للمجلس الأعلى في سبيل تحقيق أهدافه أن يُباشِر جميع التصرفات والأعمال اللازمة لذلك، وله على الأخص ما يلي:

– التحقق من مصادر تمويل المؤسسات الصحفية والإعلامية، والتأكد من الأسس الاقتصادية القائمة عليها، ومن أرباحها، وذلك فقًا للقواعد والإجراءات والاستثناءات التي يُقرها.

– رصد الأداء الصحفي والإعلامي، ومتابعته، وإعداد تقارير دورية تتناول وضع التعدد والتنوع في هذا الشأن، ورصد الممارسات الاحتكارية واتخاذ اللازم لمنعها.

وتحقيقًا لما سبق؛ اشتمل تشكيل المجلس الأعلى الذي نصَّت عليه المادة السادسة من نفس القانون، على عضوية رئيس جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية.

يبدو من استعراض مهام المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أنه قد تجاهل مسئوليته تجاه منع الممارسات الاحتكارية ومراقبة مصادر تمويل وسائل الإعلام، وهذا التجاهل لا يُعبِّر فقط عن تقصير في أداء المجلس لمهمة جوهرية أُنشأ من أجلها، وإنما يعبر عن توجه المجلس بتشكيله الحالي لحصر دوره في ممارسة الرقابة على المحتوى الإعلامي والفني، بينما تتراجع أدوراه التنظيمية. يؤكد ذلك انشغال المجلس بتوقيع الجزاءات التأديبية على الصحف ووسائل الإعلام لمخالفتها ما يُسميه بأخلاقيات المهنة وآدابها ومقتضيات الأمن القومي، وانشغاله كذلك بتشكيل لجان لرصد ومتابعة الأعمال الدرامية لشهر رمضان القادم، ولجنة لمتابعة البرامج الرياضية، وشراكته مع أكاديمية “ناصر” لتدريب رؤساء تحرير ورؤساء أقسام الصحف المصرية الحكومية والخاصة على مفاهيم الأمن القومي وحروب الجيل الخامس. بينما تعطَّل خروج قانون الصحافة وقانون حرية تداول المعلومات عامًا كاملًا على الأقل، وهي القوانين التي نصَّ قانون إنشاء المجلس الأعلى أن يكون له دور كبير في خروجها للنور.

ومن جانب آخر، فإن تشكيل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام يخضع لهيمنة من قبل رأس السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية)، ما يعد نزعا لاستقلالية الأعلى للإعلام، ويؤدي إلى ارتهان سياسات المجلس بتوجهات رئيس الجمهورية.

 

خلاصة

كان من المفترض أن تلفت مثل تلك العمليات الواسعة لانتقال الملكية في سوق الإعلام المصري انتباه المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ولو على مستوى الاستيثاق والتحقُّق من سلامة مصادر تمويل تلك العمليات، والتأكد من غياب أي ممارسة احتكارية، أو إجراءات من شأنها الإضرار بحرية المنافسة والتنوع والتعددية. وعلى المجلس الأعلى للإعلام أن يتحمل مسئولياته التي نصَّ عليها قانون المجلس ولائحته التنفيذية ووضع وتطبيق نظام مراقبة مصادر التمويل في الوسائل والمؤسسات الإعلامية والصحفية، بما يضمن شفافية وسلامة هذا التمويل، ومراقبة تنفيذه بالاشتراك مع الجهات والأجهزة المعنية.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

Subscribe To AFTE Email List
No Thanks
Thanks for signing up.
We respect your privacy. Your information is safe and will never be shared.
Don't miss out. Subscribe today.
×
×

WordPress Popup Plugin