معنية برصد انتهاكات حقوق التعبير في حق الأفراد و المؤسسات.

ورقة موقف: مصادرة اﻷهالي.. من يراقب الصحف في مصر؟

أعد الورقة : محمد ناجي

الباحث بمؤسسة حرية الفكر والتعبير

للإطلاع على الورقة بصغية PDF إضغط هنا

أصدر حزب التجمع في مصر بيانًا[1] أدان فيه مصادرة العدد الأسبوعي للجريدة الناطقة باسمه: الأهالي، الأربعاء 29 مايو الماضي، بعد تدخل أسماه الحزب بـ”السافر” من قبل الرقيب لتغيير المادة التحريرية للجريدة. طالب الرقيب، وفقًا للبيان، بحذف تحقيق حول حالات العفو والإفراج عن عددٍ من المحكوم عليهم، ما أدى إلى وقف طبع الجريدة من قبل مطابع مؤسسة الأهرام.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتدخل من أسماه الحزب بـ”الرقيب” لمحاولة حذف أو تغيير المادة التحريرية للجريدة الناطقة باسم الحزب اليساري، المعترف به من قبل الحكومة، والممثَّل في البرلمان عن طريق تعيين رئيسه عضوًا بمجلس النواب، حيث طُلب من رئيسة تحرير الجريدة إدخال تعديلات على العددين السابقين الصادرين في 15 و22 مايو.

لم تكن الأهالي هي الجريدة الوحيدة التي تعرضت للمصادرة خلال السنوات القليلة الأخيرة فقد سبقتها صحف أخرى مثل: الدستور وصوت الأمة. تستعرض هذه الورقة حالة جريدة الأهالي ضمن حالات أخرى لتدخلات رقابية في الصحافة المصرية.

ماذا حدث للـ”الأهالي”؟ 

تلقت الصحفية ورئيسة تحرير جريدة الأهالي، أمينة النقاش، اتصالًا هاتفيًّا في وقت متأخر من مساء يوم الثلاثاء 28 مايو الماضي من أحد أعضاء الأمانة العامة للمجلس الأعلى للإعلام، يخبرها باعتراض الرقيب على تحقيق صحفي احتواه عدد الجريدة التي كانت تحت الطبع وقتذاك. اِنصبَّ اعتراض الرقيب على تحقيق، يحتل صفحتين كاملتين من العدد، يتناول حصول بعض المُدانين في قضايا وصفتها النقاش في مكالمة هاتفية بـ”قضايا عنف” على عفو رئاسي. طالب عضوُ الأمانة العامة النقاشَ بحذف التحقيق واستبداله حتى يتسنى طبع الجريدة. قال حزب التجمع في بيان بخصوص الواقعة إن النقاش، بعد التشاور مع مجلس التحرير وقيادة الحزب، رفضت طلب الحذف أو التعديل ما أدى إلى وقف الطبع.

قالت النقاش:

“رفضت حذف الموضوع لعدة أسباب: أولها أن الموضوع عبارة عن تحقيق يحتل صفحتين، أي أنه لا يمكن استبداله في هذا الوقت القصير، كما أنه كان مبنيًّا على معلومات من أوراق القضايا، ولا مساحة فيه للرأي، وثالثًا فإن تكرار التدخلات في عملنا يمثل تضييقًا على حرية اﻹعلام ما يفتح اﻷبواب أمام الفاسدين. وأخيرًا، لا يوجد أي مسوغ قانوني أو دستوري للرقابة على الصحافة، وبالتالي كل هذه التدخلات خارجة عن القانون”[2].

لم يكن هذا العدد هو الأول من حيث تدخلات الرقيب فقد شهد العددان اللذان سبقاه تدخلات أخرى من الرقيب. طالب الأخير رئيسة تحرير الجريدة، عبر أعضاء في الأمانة العامة للمجلس الأعلى للإعلام، بحذف خبر حواه عدد الأربعاء 15 مايو الماضي، والذي تناول تعديلًا وزاريًّا مزمعًا إجراؤه تعمل عليه جهة سيادية. “حذفت الخبر بعد وساطة من رئيس المجلس الأعلى للإعلام، مكرم محمد أحمد، حيث أكد لي أن الخبر غير صحيح”[3]، قالت النقاش. أدى حذف الخبر من العدد الورقي إلى السماح بطبعه.

في العدد اللاحق أيضًا تدخل الرقيب وعطل طبع العدد مطالبًا بحذف خبر تضمن اتهام وزيرة سابقة في الحكومة وزوجة مصرفي حالي بالفساد بناءً على طلب إحاطة تقدم به أحد نواب البرلمان بخصوص الموضوع. وافق مجلس تحرير الجريدة على حذف الخبر من العدد الورقي  ليتسنى تمريره بعد أن تم نشره على موقع الجريدة الإلكتروني وعلى منصات التواصل الاجتماعي.

تقول النقاش:

“نحن في عصر يحكم على الهواء، هناك ثورة في عالم التواصل، لا يمكن لأحد أن يمنع نشر خبر أو يصادر جريدة، الأخبار تصل للجمهور في ذات وقت حدوثها عبر وسائل التواصل الاجتماعي”[4].

رغم السماح بطبع العددين فإن تأخير عملية الطباعة نتيجة لتدخلات الرقيب تُفقِد الصحف الورقية فرصة الوصول إلى جمهورها في المحافظات البعيدة، حيث تسافر الأعداد المطبوعة في وقت باكر من الليل.

تنفي النقاش أية مسؤولية لمطابع الأهرام في منع طباعة الجريدة حيث ترى أنها مطبعة تجارية لا تتدخل في السياسات التحريرية للصحف. لكنها ترى أن ثمة مسؤولية سياسية مباشرة لرئيس مجلس الوزراء بصفته المسؤول التنفيذي الأول في الحكومة، وكذا المجلس الأعلى للإعلام بصفته المسؤول عن تنظيم شئون الإعلام. كما أشارت النقاش في مقابلة[5] مع شبكة بي بي سي عربي، إلى فاعلين آخرين فيما يتعلق بمصادرة الأهالي حيث قالت: “ليس وحده الأستاذ مكرم هو المسئول، هناك أجهزة أمنية، هناك مخابرات…”..

“نحن لسنا جريدة إثارية، نحن ننشر الحقائق فقط، قد تكون الأهالي صحيفة محدودة التوزيع إلا أنها عالية التأثير، حيث يصدقنا الناس[6]“، تقول النقاش متعجبة من تدخلات الرقيب في سياسة جريدتها التحريرية.

كانت أزمة أخرى نشبت بين جريدة الأهالي ومطابع الأهرام، في إبريل 2018، تتعلق بمديونية الجريدة والتي تجاوزت نصف مليون جنيه وفقًا لرئيس مجلس إدارة الأهرام ونقيب الصحفيين السابق: عبد المحسن سلامة. هددت هذه الأزمة بوقف طباعة أحد أعداد الجريدة إلا أن الأزمة تم حلها بعد تدخل رئيس المجلس الأعلى للإعلام[7].

من سبق “الأهالي” في قائمة المصادرة ؟ 

لم تكن الأهالي هي الجريدة الأولى على قائمة المنع من الطباعة بأمر “الرقيب” فقد سبقتها صحف مثل: المصريون والدستور وصوت الأمة والصباح والبوابة. بعض هذه الصحف تم وقف طباعتها أو منع الطباعة أو جمعت بعد الطبع وتم فرمها.

في 14 أغسطس 2015، قامت جهة أمنية بجمع و”فرم” أحد أعداد جريدة صوت الأمة بعد الانتهاء من طباعته بمطابع الأهرام. وجاء قرار الجهة الأمنية بفرم الجريدة بسبب احتواء العدد خبرًا يتحدث عن أحزان الرئيس لمرض والدته وزيارته لها في مستشفى الجلاء قبل يومين من نشر العدد. بحسب تصريحات رئيس تحرير الجريدة، عبد الحليم قنديل، الذي أكد أن نسخًا محدودة من هذه الطبعة من العدد وزعت في الأسواق قبل فرمه. وأضاف رئيس التحرير أن الجريدة أعدت نسخًا بديلة بعد رفع الخبر المختلف عليه، وعاودت طبع الصحيفة وطرحها في الأسواق من جديد[8].

في 22 أغسطس 2015، أوقفت مطابع الأهرام بناءً على “تعليمات من قبل جهات أمنية” طباعة جريدة الصباح نتيجة لاحتوائها على مقال عن محمد بدران، الرئيس السابق لحزب مستقبل وطن، والذي جاء تحت عنوان: “كيف تكون طفلًا للرئيس في 9 خطوات”. وقال وائل لطفي، رئيس تحرير الصباح: إن هناك جهة طلبت تغيير المقال، رغم أنه قام بعرضه على محمد بدران، للرد، ولكنه رفض التعليق على المقال[9].

وفي نفس اليوم، أكد موقع جريدة “المصريون” الأسبوعية أن مؤسسة الأهرام: أوقفت طبع العدد الأسبوعي. وأشارت الجريدة إلى أنها المرة الثانية التي يُعطَّل فيها طبع الجريدة، بعد أن سبق وعطَّلت جهات أمنية طبع عددها الصادر في 14 ديسمبر 2015، بسبب تحفظات على محتوى العدد. وكانت الاعتراضات مجهولة المصدر، والتي أوقفت طبع العدد، تنصب حول مقال جمال سلطان، رئيس التحرير، بعنوان: “لماذا لا يتوقف السيسي عن دور المفكر الإسلامي”، الذي ينتقد تركيز الرئيس عبد الفتاح السيسي على مسألة الخطاب الديني أكثر من انشغاله بواجبات وظيفته الأساسية. كذلك اعترضت نفس الجهة المجهولة على تقرير في الصفحة الرابعة، بعنوان: “الغموض يحيط بزيارة “السيسي” إلى بريطانيا خوفًا من الاعتقال”، والذي يتناول مصير زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى بريطانيا، والتي كانت مقررة بنهاية عام 2015. وقال مجدي فتحي، مدير تحرير الجريدة إن إدارة التحرير استبدلت الموضوعين، ما أدى إلى طباعة العدد[10].

وفي 6 سبتمبر 2015، نشرت جريدة الدستور خبرًا مقتضبًا عبر موقعها الإلكتروني قالت فيه إن مسئولي دار التحرير للطباعة والنشر أصدروا تعليمات بمنع طباعة عدد السابع من سبتمبر لجريدة الدستور دون إبداء أي أسباب للمنع[11].

وفي 9 إبريل 2017، أصدرت جريدة البوابة لرئيس تحريرها عبد الرحيم علي، عضو مجلس النواب، بيانًا بعنوان: “بيان البوابة بعد مصادرة عدد الاثنين”، قالت فيه: “لا يمكن أن يزايد علينا أحد، فمنذ أن أصدرنا جريدة “البوابة” وهي لسان حال مصر والمصريين، لم نحِد أبدًا عن مسئوليتنا الوطنية في الحفاظ على أمن وسلامة وطننا، ومن هذا المنطلق كان موقفنا تجاه ما حدث اليوم من تفجير لكنيستي “مار جرجس” بطنطا و”المرقسية” بالإسكندرية، أعلنَّا صراحة، وهذا رأينا، أن هناك تقصيرًا أمنيًّا كبيرًا يستوجب محاسبة المُقصِّرين، وتغيير الإستراتيجية الأمنية المتَّبعة حاليًّا في مواجهة الإرهاب”[12].

كما أوقفت “الرقابة” طباعة عدد اليوم التالي من الجريدة لنفس الأسباب التي أدت إلى وقف العدد السابق. ونشر عبد الرحيم علي بيانًا قال فيه: “لليوم الثاني على التوالي يصدمنا قرار الرقابة بمصادرة عدد البوابة من المطبعة، وهو أمر نراه جللًا وخطيرًا ليس فقط فيما يتعلق بمستقبل حرية الصحافة في مصر، ولكن لمسيرة الحرية والديمقراطية بشكل عام”[13].

 من هو الرقيب؟

يعطي الدستور المصري الصحافة بأنواعها المختلفة حرية مطلقة في اﻷوقات غير الاستثنائية، مثل التي نعيشها، فليس ثمة رقابة من أي نوع على الصحف ووسائل الإعلام في مصر، حيث ينص على:

“يحظر بأي وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها. ويجوز استثناء فرض رقابة محددة عليها في زَمن الحرب أو التعبئة العامة”.

المادة 71 من الدستور المصري

إلا أن القانون رقم 180 لسنة 2018، والمسمى بقانون تنظيم الصحافة واﻹعلام والمجلس اﻷعلى لتنظيم اﻹعلام، وضع قيودًا مكبِّلة لحرية الصحافة في مخالفةٍ ﻷحكام الدستور. توسع القانون في منح المجلس اﻷعلى للإعلام صلاحيات الحجب والمنع والمصادرة للصحف والوسائل اﻹعلامية المصرية وفقًا لمعايير فضفاضة قابلة للتأويل مثل: “اﻵداب العامة” و”النظام العام” و”اﻷمن القومي”، فقد نصت المادة الرابعة من الباب اﻷول في القانون على:

“يُحظر على المؤسسة الصحفية والوسيلة الإعلامية والموقع الإلكتروني نشر أو بث أي مادة أو إعلان يتعارض محتواه مع أحكام الدستور، أو تدعو إلى مخالفة القانون، أو تخالف الالتزامات الواردة في ميثاق الشرف المهني، أو تخالف النظام العام والآداب العامة، أو يحض على التمييز أو العنف أو العنصرية أو الكراهية. وللمجلس الأعلى، للاعتبارات التى يقتضيها الأمن القومي، أن يمنع مطبوعات، أو صحفًا، أو مواد إعلامية أو إعلانية، صدرت أو جرى بثها من الخارج، من الدخول إلى مصر أو التداول أو العرض[14]“.

 إذن فإن القانون أطاح بالحرية الممنوحة للصحافة وفقًا للدستور ونصَّب المجلس اﻷعلى للإعلام رقيبًا على الصحف يتدخل بالقص والحذف والتعديل والمنع والمصادرة إذا تراءى له ذلك. إلا أنه رغم تلك السلطات الواسعة الممنوحة للمجلس فإن الجماعة الصحفية لا زال لديها هاجس بأن اﻷجهزة اﻷمنية هي صاحبة اليد العليا فيما يتعلق برسم السياسات التحريرية للصحف ووسائل اﻹعلام.

يقول محمد سعد عبد الحفيظ، عضو مجلس نقابة الصحفيين: إنه بالرغم من أن قانون المجلس اﻷعلى للإعلام أعطى سلطة المصادرة للمجلس فإن الطريقة القديمة لا زالت هي المعمول بها. يضيف عبد الحفيظ:

“يوجد شخص خفي يتبع جهة ما تابعة للجهة التنفيذية في المطابع، ويعمل على رسم السياسة التحريرية للصحف المصرية. هذا الرقيب الذي يعمل خارج إطار القانون يرسل تعليماته للمسئولين عن تحرير الصحف عبر جروب شهير بين الجماعة الصحفية على تطبيق واتساب”[15].

  • يتفق معه الناشر هشام قاسم:

“الرقيب هو شخص تابع لجهاز المخابرات، ليس لديه أية صفة قانونية، يتواجد بالقوة في المطابع الخاصة بالصحف القومية، وهي في الغالب التي تطبع جميع الصحف في مصر. هذا الشخص لديه من السلطة أن يطلب من مندوبي الصحف في المطابع تعديل أو حذف محتوى بعينه وإذا رفض المندوب يأمر هذا الرقيب مدير المطبعة بوقف الطبع”[16].

أمينة النقاش، رئيسة تحرير جريدة الأهالي، تقول: “لا نعرف من هو الرقيب، في الأهالي نسميه “اللهو الخفي”، حيث يظهر فجأة ويقرر التدخل في المادة التحريرية للجريدة، لكن مفهوم أن جهات أمنية هي التي تتدخل”[17]. تشير النقاش إلى أن من يتواصل معها هم أعضاء بالأمانة العامة للمجلس الأعلى للإعلام: “غالبًا هم أنفسم يتعرضون لضغوط كبيرة، يتكلمون معنا دائمًا وهم متحرجين”[18].

يشير عبد الحفيظ إلى أن ما حدث مع الأهالي يتكرر يوميًّا مع كافة الصحف الحكومية والخاصة، سواء تلك التي تم الاستحواذ عليها أو تم إخضاعها وأصبحت تسير في خط تحريري معين، إلا أن: “الجديد هو أن رئيسة تحرير الأهالي وحزب التجمع تحدثوا علنًا في بيان رسمي عن الموضوع”[19].

عن الرقابة، يقول هشام قاسم إن الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر كان قد أدخل نظام الرقابة على الصحف في مصر فكان لدى كل جريدة رقيب له الحق في التدخل في المحتوى المنشور، لكن الرئيس السادات كان قد ألغى الرقابة في العام 74: “تحسينًا لصورته بعد الانفصال عن الكتلة السوفييتية، ولكنه كان إجراء شكليًّا حيث كانت عملية الحصول على ترخيص لجريدة في غاية الصعوبة رغم السهولة الشكلية للشروط القانونية”[20].

لمواحهة هذه المعضلة المتمثلة في صعوبة إصدار تراخيص الصحف اتجهت موجة ضخمة من الصحافة الجديدة في التسعينيات إلى الحصول على تراخيص صحف من دول أخرى. سميت هذه الموجة، التي ظهرت في تسعينيات القرن الماضي، بـ”الصحافة القبرصية” حيث لجأت كثير من الصحف إلى قبرص للحصول على تصاريح. كرد على هذه الموجة، أسست الحكومة جهازًا جديدًا للرقابة أسمته: “جهاز الرقابة على المطبوعات الأجنبية” كي يقوم بدور الرقيب على الصحف المصرية التي تصدر بترخيص أجنبي. يقول قاسم: “الحكومة تحججت وقتها بأن حرية الصحافة مكفولة للصحف المصرية، أما الصحافة الأجنبية فمن حقنا أن نراقبها كي نحافظ على أمننا القومي”[21].

ألغى السادات الرقابة على المطبوعات بشكل صوري، وظلت الدولة من حينها تفرض رقابة غير معلنة وغير قانونية على الصحف إلى أن تم تقنين الرقابة وتنصيب المجلس اﻷعلى للإعلام رقيبًا على الصحافة. إلا أن هذا التعديل لم يغير كثيرًا في واقع الحال حيث لا زالت الجهات اﻷمنية هي صاحبة اليد الطولى فيما يتعلق بما ينشر في مصر.

نقابة الصحفيين.. أي دور؟

في مقابلتها مع بي بي سي عربي، قالت رئيسة تحرير جريدة الأهالي إن نقيب الصحفيين ورئيس الهيئة العامة للاستعلامات، ضياء رشوان، أعلن تضامنه معهم: “اتصل بي رشوان وقال: إللي إنتوا عايزينه نعمله”، وأضافت: “مجلس النقابة لم يشكل حتى الآن هيئاته الداخلية وبالتالي لا يستطيع هو بمفرده أن يتخذ قرارًا، المجلس هو من يتخذ القرار”[22].

في هذا السياق يقول محمد سعد عبد الحفيظ إنه وزميله في مجلس النقابة عمرو بدر طرحا أمر الرقابة على الصحف والتدخل في شئونها في اجتماع الجمعية العمومية لمجلس النقابة الذي انعقد في 17 مارس الماضي، وأنهما حصلا على موافقة الجمعية العمومية لتنظيم مؤتمر موسع لمناقشة الحصار على الصحافة.

يضيف عبد الحفيظ أن جريدة الأهالي رغم إصدارها بيانًا بشأن منع طباعتها فإن مجلسها لم يتوجه إلى النقابة للتدخل في الأمر.

ويقول خالد البلشي، العضو السابق في مجلس النقابة إن المشكلة تكمن في معظم الأحيان في أن المسئولين عن تحرير الصحف يفضلون حل الموضوع وديًّا وعدم تصعيد الأمور: “حينما كنت عضوًا في المجلس تم وقف طباعة جريدة الصباح بسبب مقال متعلق بمحمد بدران، تواصلت وقتها مع وائل لطفي رئيس التحرير وفضل عدم تصعيد الموضوع”[23].

بالمقارنة مع خطورة موضوع الرقابة على الصحف والمطبوعات جاء تعامل مجلس النقابة مع الأمر هزيلًا جدًّا. يرى عبد الحفيظ أن استمرار الرقابة على الصحف فعلًا مدمرًا للمهنة ككل[24]. يتفق معه الناشر هشام قاسم قائلًا: “الإعلام المصري يتلقى ضربة قاصمة ويتعرض لتخريب غير مسبوق في تاريخ مصر، يأتي هذا في وقت يشهد الإعلام في العالم كله مرحلة تحول كبيرة، فما كان يجب أن يشغل الجماعة الصحفية في هذا الوقت هو كيفية التحول إلى إعلام رقمي مدفوع وإمكانات تطور المهنة لا الحجب والمصادرة”[25]. يضيف قاسم: “يحتاج الإعلام المصري لسنوات طويلة كي يتعافى من هذه الضربات”[26].

  • موقف المؤسسة

ترى المؤسسة أن مصادرة جريدة اﻷهالي وما سبقها من صحف ومحاولات الدولة الدؤوبة للتدخل في السياسات التحريرية للوسائل اﻹعلامية بصفة عامة، يأتي في سياق أوسع تعمل فيه الدولة بدأب لإحكام السيطرة على المشهد الإعلامي برمته. فمن ناحية أولى، شهدت الساحة اﻹعلامية في السنوات الخمس اﻷخيرة عمليات استحواذ واسعة على أغلب المنصات اﻹعلامية الخاصة، من قبل أطراف تحوم حول علاقتها باﻷجهزة اﻷمنية شكوك. ومن ناحية أخرى، عمدت الدولة إلى سن ترسانة من التشريعات تُحكِم من خلالها الرقابة على اﻹعلام بشعبه المختلفة: المرئي والمسموع والمقروء الورقي منه واﻹلكتروني. من أمثلة تلك القوانين: قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات وقانون تنظيم الصحافة واﻹعلام والمجلس اﻷعلى لتنظيم اﻹعلام وقانون الهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام.

في سياق كهذا، يتعرض اﻹعلام المصري لضربات متلاحقة، ليس أولها عمليات الحجب الواسعة لمواقع الوِب التي شهدتها مصر خلال العامين الماضيين، والتي نتج عنها حجب 528 موقعًا، من بينها 103 موقع صحفي، وفقًا لحصر مؤسسة حرية الفكر والتعبير، وليس آخرها منع طباعة/ مصادرة اﻷهالي.

ترى المؤسسة أن تلك الضربات القاصمة التي تتعرض لها الصحافة واﻹعلام في مصر ليست خطرًا على الحقوق والحريات العامة التي نادت بها المواثيق الدولية وكفلها الدستور فحسب، وإنما تمثل خطرًا أكبر على الصناعة ذاتها والعاملين فيها.

تدين مؤسسة حرية الفكر والتعبير مصادرة اﻷهالي وما سبقها في قائمة المنع. وتطالب السلطات المصرية باحترام الدستور والتوقف الفوري عن التدخل في السياسات التحريرية للصحف. وتدعو المؤسسة البرلمان إلى اتخاذ إجراءات عاجلة في سبيل تعديل قانون تنظيم الصحافة وتنقيته من كل تلك المواد التي تسمح للسلطة التنفيذية بالرقابة على الصحف.

[1] جريدة الأهالي، بيان هام من حزب التجمع بشأن تكرار مصادرة جريدة الأهالي للمرة الثالثة على التوالي، 29 مايو 2019، https://bit.ly/2XB9qo7[2] أمينة النقاش، مقابلة عبر الهاتف مع الباحث، بتاريخ 29 مايو 2019.
[3] المصدر السابق.
[4] المصدر السابق.
[5] أمينة النقاش، قناة بي بي سي عربي، عبر موقع "يوتيوب"، برنامج بتوقيت مصر، 8 يونيو 2019، https://bit.ly/2WpNY4h 
[6] مقابلة النقاش.
[7] محمد السيد، اليوم السابع، عبد المحسن سلامة: لم أوقف طباعة الأهالى.. و500 ألف جنيه مديونيتها للأهرام، 18 إبريل 2018، https://bit.ly/2I5yezj[8] إبراهيم الطيب، المصري اليوم، جريدة "صوت الأمة" تغير "مانشيت" عدد الجمعة بعد مصادرة النسخة المطبوعة، 14 أغسطس 2015، https://bit.ly/2WAtPNZ[9] مؤسسة حرية الفكر والتعبير، ورقة موقف.. من يملك أوامر "الفرم" بحق الصحف المصرية، 23 أغسطس 2015، https://bit.ly/2IjCI7H[10] المصدر السابق.
[11] الدستور، وقف طباعة جريدة الدستور، 6 سبتمبر 2015، https://bit.ly/2R3xbTu[12] البوابة نيوز، بيان البوابة بعد مصادرة عدد الاثنين، 9 إبريل 2017، https://bit.ly/2I8Jnzl[13] المصري اليوم، بيان "البوابة" بعد مصادرة عدد الثلاثاء: "لن نركع أو نتراجع"، 10 إبريل 2017، https://bit.ly/31sCDnB[14] القانون 180 لسنة 2018، تنظيم الصحافة واﻹعلام والمجلس اﻷعلى لتنظيم اﻹعلام، الباب اﻷول، المادة 4.
[15] محمد سعد عبد الحفيظ، مقابلة عبر الهاتف مع الباحث، 11 يونيو 2019.
[16] هشام قاسم، مقابلة عبر الهاتف مع الباحث، 10 يونيو 2019.
[17] مقابلة أمينة النقاش مع باحث المؤسسة.
[18] المصدر السابق.
[19] مقابلة محمد سعد عبد الحفيظ مع باحث المؤسسة.
[20] مقابلة هشام قاسم مع باحث المؤسسة.
[21] المصدر السابق.
[22] مقابلة أمينة النقاش مع بي بي سي، مصدر سابق.
[23] خالد البلشي، مقابلة عبر الهاتف مع الباحث، 11 يونيو 2019.
[24] مقابلة محمد سعد عبد الحفيظ مع الباحث، مصدر سابق.
[25] مقابلة هشام قاسم مع الباحث، مصدر سابق.
[26] المصدر السابق.
ذات صلة

Subscribe To AFTE Email List
No Thanks
Thanks for signing up.
We respect your privacy. Your information is safe and will never be shared.
Don't miss out. Subscribe today.
×
×

WordPress Popup Plugin