معنية برصد انتهاكات حقوق التعبير في حق الأفراد و المؤسسات.

هجمة السلطات المصرية على الإعلام الأجنبي.. عامان من التهديدات وحملات التشويه

القسم الثاني: سياسة الهيئة العامة للاستعلامات تجاه الإعلام الأجنبي:

تحركت الهيئة العامة للاستعلامات خلال الفترة التي يغطيها التقرير على مستويين، الأول: من خلال إصدار البيانات الرسمية حول وقائع محددة لتوجيه انتقادات إلى وسائل إعلام أجنبية، أما المستوى الثاني فكان قيادة حملات تشويه للإعلام الأجنبي في وسائل الإعلام المحلية. ويتطرق التقرير في هذا القسم إلى تناول ملامح سياسة هيئة الاستعلامات تجاه الإعلام الأجنبي، اعتمادًا على رصدٍ للبيانات الرسمية الصادرة عن الهيئة، والمقابلات التي أجراها رئيس الهيئة ضياء رشوان مع وسائل إعلام محلية، إضافة إلى المقابلات التي أجراها الباحث مع صحفيين أجانب ومصريين يعملون في وسائل إعلام أجنبية.

  • البيانات الرسمية.. ضغط متواصل على الإعلام الأجنبي:

لم تكن الهيئة العامة للاستعلامات قبل تولي ضياء رشوان رئاستها من بين الجهات التي تصدر عنها بيانات للتنديد بتقارير الإعلام الأجنبي أو الانتقادات الموجهة إلى السلطات المصرية على المستوى الدولي. ويمكن القول إن ضياء رشوان ابتكر إصدار البيانات الرسمية كأداة للتعاطي مع وسائل الإعلام الأجنبية، بهدف أن تكون الضغوط على وسائل الإعلام علنية وتعكس مواقف رسمية بشأن تغطيتها للأوضاع في مصر.

ويرجح عادل خلال المقابلة التي أجراها معه الباحث أن هيئة الاستعلامات تدرك أن “وسائل الإعلام الأجنبي لا تعمل وفقًا لإملاءات مؤسسات الدولة أو لتأييد قرارات السلطة أيًّا كانت، وإنما تقوم بتغطية حقيقة ما يحدث في مصر اعتمادًا على كل الأدوات المتاحة أمامها. وهذه الطريقة في العمل بشكل مهني لا تناسب توجهات الجهات الرسمية حاليًّا، والتي تريد أن تتحكم فيما ينشر عن حقيقة الأوضاع في مصر. وأعتقد أن هذا يمثل الدافع الأساسي لكل ما تفعله الهيئة العامة للاستعلامات”.

وبحسب المقابلات التي أجراها الباحث، كانت هناك جهات أمنية تحاول ترهيب الصحفيين الأجانب وتلوح لهم بتهديدات، وهذه الممارسات لم تكن معلنة، كانت تحاط بقدر كبير من السرية ولم ترغب وسائل الإعلام الأجنبية في الإعلان عنها. وفي هذه الحالة، كان الإعلام الأجنبي يحاول تجاهل هذه التهديدات، ومن ثم المضي قدمًا في عمله، بينما لم تملك السلطات المصرية الجرأة للقول إن أجهزتها الأمنية تهدد عمل الصحفيين الأجانب في مصر. أما الهيئة العامة للاستعلامات فهي جهة مدنية، يتولى رئاستها صحفي وباحث معروف، ومن صلاحياتها الإدارية تنظيم عمل المراسلين الأجانب، وبالتالي يمكن أن تتحول الضغوط الممارسة ضد الإعلام الأجنبي إلى ضغوط معلنة، بل ويلزم أن ترد وتتفاعل معها وسائل الإعلام الأجنبية، ويتم معرفتها وتداولها على نطاق واسع، بما يمثل رسالة من السلطات المصرية إلى جميع وسائل الإعلام الأجنبية أنها تضع خطوطًا حمراء لتغطية الشأن المصري ولا يمكن أن تتسامح مع تجاوز هذه الخطوط الحمراء.

وهكذا، شرعت الهيئة العامة للاستعلامات على مدار الفترة التي يغطيها التقرير في إصدار البيانات الصحفية، والتي تتناول فيها تغطية وسائل إعلام محددة للشأن المصري، وتعلن استياء السلطات المصرية منها، وتطالب وسائل الإعلام الأجنبية بتعديل أو حذف هذه المواد الصحفية، وحتى في بعض الأحيان بتقديم اعتذار إلى السلطات المصرية.

كان المدخل المناسب للهيئة العامة للاستعلامات وبالنظر إلى إمكانيات رئيسها ضياء رشوان هو الزعم أن الهيئة تقوم بإبداء ملاحظات مهنية على أداء وسائل الإعلام الأجنبية، وتدعوها إلى تحري الدقة فيما تنشره عن مصر. وبالطبع لم يكن ذلك سوى ستار، يمكن من خلاله الضغط على وسائل الإعلام الأجنبية وإبراز الموضوعات أو القضايا، التي لا ترغب السلطات المصرية في تناولها سواء كانت قضايا الإرهاب أو قضايا حقوقية مثل الاختفاء القسري أو بعض القضايا السياسية المتعلقة بمنافسة الرئيس السيسي من قبل عسكريين سابقين.

وفي بعض الحالات، ذهبت الهيئة العامة للاستعلامات إلى أبعد من ذلك، من خلال ما وصفته في بياناتها: “باستدعاء مديري مكاتب” وسائل إعلام أجنبية، لكي يلتقوا برئيس الهيئة ضياء رشوان. وعن ذلك يقول مارك في المقابلة التي أجراها معه الباحث: “علمت أن لقاءات رئيس هيئة الاستعلامات مع مديري وسائل إعلام أجنبية لم تختلف كثيرًا عن البيانات الصحفية التي صدرت عن الهيئة، مجرد تكرار للحديث حول ارتكاب أخطاء مهنية وإطالة الحديث حول ملاحظات هيئة الاستعلامات على عمل وسائل الإعلام الأجنبية”. بينما يقول عادل في المقابلة التي أجراها معه الباحث: “نعرف أن رئيس الهيئة العامة للاستعلامات مهتم للغاية بملف الإعلام الأجنبي، وهناك متابعة يومية لما تنشره وسائل الإعلام الأجنبية، خاصة المعروفة منها عالميًّا. وقد عرفت أن رئيس الهيئة العامة للاستعلامات عندما استدعى مديري مكتبي رويترز وبي بي سي كان يقوم بشيء أقرب إلى التحقيق معهم، طرح أسئلة من نوعية: لماذا استخدمتم هذه الألفاظ وما هي مصادر المعلومات التي نقلتم عنها، وهو حتى ما أعلنه رئيس الهيئة في لقاءات لاحقًا مع وسائل إعلام مصرية”.

وفي حالات أخرى، أرسلت الهيئة العامة للاستعلامات خطابات رسمية إلى وسائل الإعلام الأجنبية، تحمل مضمون بيانات الهيئة المنشورة بشأن تقارير بعينها، كما قام رئيس الهيئة العامة للاستعلامات أحيانًا بالاتصال بالصحفيين أنفسهم، بهدف توجيه انتقادات إلى تقاريرهم عن الشأن المصري. ويبدو أن الهيئة العامة للاستعلامات أرادت تحويل كل ما كان يتم في إطار من السرية إلى روتين معلن تقوم به جهة حكومية، تراقب التقارير المنشورة عن مصر وتقوم باستدعاء المسئولين عن نشرها، بهدف تعديل أو حذف هذه التقارير. ولم تعلن الهيئة العامة للاستعلامات عن أي نصوص قانونية استندت إليها في تلك الممارسات، فالهيئة منوط بها أن توضح وتشرح للإعلام الأجنبي سياسات الدولة المصرية، وذلك يعني إرسال البيانات الرسمية إلى الإعلام وترتيب تواصله مع المسئولين والجهات الرسمية.

يقدم التقرير في هذا الجزء استعراضًا للبيانات الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للاستعلامات تجاه وسائل الإعلام الأجنبية، وفق ما رصده الباحث. ثم ينطلق التقرير من هذا الاستعراض إلى تحليل أبرز السمات المشتركة التي حملتها هذه البيانات، بالإضافة إلى الإحصائيات المتعلقة بوسائل الإعلام المخاطبة في بيانات الهيئة، والموضوعات التي ركزت عليها هيئة الاستعلامات من قضايا الديمقراطية إلى قضايا السياسة الخارجية.

  • ملخص بيانات هيئة الاستعلامات:

كان رئيس الهيئة ضياء رشوان لا يزال في شهوره اﻷولى في منصبه بالهيئة، ولم يسبق له التدخل في عمل وسائل الإعلام الأجنبية، إذ أصدرت الهيئة العامة للاستعلامات بيانًا للرد على تقرير نشرته منظمة هيومن رايتس ووتش، في سبتمبر 2017، فيما بدا أنه محاولة لعرض ردود وآراء الدولة المصرية بشأن قضية التعذيب، التي تناولها تقرير هيومن رايتس ووتش.

لاحقًا، بدأت الهيئة العامة في ممارسة الرقابة على وسائل الإعلام الأجنبية منذ هجوم الواحات، في أكتوبر 2017. بدأت هذه الواقعة بعد انتشار أخبار تفيد بوقوع هجوم إرهابي على قوات الشرطة في طريق الواحات، مساء يوم 20 أكتوبر 2017، وأصدرت وزارة الداخلية في نفس اليوم بيانًا مقتضبًا جاء فيه أنه حدث “استشهاد وإصابة عدد من رجال الشرطة ومصرع عدد من العناصر الإرهابية خلال تبادلٍ لإطلاق النار في المنطقة المتاخمة للكيلو 135 بطريق الواحات بعمق الصحراء”.[1]

نقلت رويترز عن ثلاثة مصادر مقتل 52 من رجال الشرطة، بينما نقلت بي بي سي مقتل 53 من رجال الشرطة.[2] وفي عصر اليوم التالي أعلنت وزارة الداخلية معلومات تفصيلية عن الهجوم، من بينها أن عدد القتلى هو 16 فردًا فقط.[3] وأصدرت الهيئة العامة للاستعلامات بيانًا، في 21 أكتوبر 2017، أدانت فيه بشكل رئيسي تغطية بي بي سي ورويترز لهجوم الواحات، من حيث استنادها إلى مصادر أمنية غير محددة.[4]

مَثَّل هذا البيان نقطة تحول في سياسة الهيئة العامة للاستعلامات، إذ اتجهت الهيئة إلى الضغط وترهيب وسائل الإعلام الأجنبية، بدلًا من إمدادها بالمعلومات الرسمية المتاحة. واصلت الهيئة العامة للاستعلامات ضغوطها على وسائل الإعلام الأجنبية بعد ذلك، وبدأ رئيس الهيئة ضياء رشوان في انتقاد تغطية وسائل الإعلام الأجنبية من خلال لقاءات تلفزيونية.[5]

وفي 24 أكتوبر 2017، صدر بيان ملحق حول هجوم الواحات، أعلنت فيه الهيئة العامة للاستعلامات أنها أرسلت خطابين إلى رويترز وبي بي سي طالبتهما فيهما بأحد أمرين: “- إما نفي صحة ما سبق لها نشره من أرقام للضحايا تخالف الأرقام الرسمية، والاعتذار عن عدم دقة هذه المعلومات ومصادرها. – أو لو كانت تستطيع أن تؤكد أرقامها، التي نؤكد عدم صحتها، فتقوم بنشر أسماء هذا العدد الكبير من الضحايا المزعومين”.[6] ولم تعلن رويترز أو بي بي سي عن ردود رسمية على خطابات هيئة الاستعلامات، بينما أصدرت الهيئة بيانًا ثالثًا حول هجوم الواحات جاء فيه أن رئيسها التقى مديري مكتبي رويترز وبي بي سي في القاهرة بشأن تغطية هجوم الواحات، كما أشار البيان إلى “اعتماد كل من وكالة رويترز وشبكة BBC للعدد المصري الرسمي لشهداء جريمة الواحات الإرهابية في أخبارهما اللاحقة بعد انتهاء التغطية العاجلة لها والتي تضمنت أرقامًا غير دقيقة”.[7]

مع بداية عام 2018، عادت هيئة الاستعلامات من جديد إلى التدخل في عمل وسائل الإعلام الأجنبية، وكانت البداية مع صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، بشأن تقرير نشرته الصحيفة، في 7 يناير 2018، تناول ما وصفته بتسريبات لضابط في المخابرات يعطي بعض التعليمات لإعلاميين بشأن الموقف المصري من قرار ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وانتقد بيان الاستعلامات ما وصفه: “ادعاءات بشأن موقف مصر من قضية القدس تضمنها الاتصال”، وطالبت الهيئة نيويورك تايمز أن تثبت أن الضابط المذكور في التقرير يعمل بالفعل في المخابرات المصرية.[8] وفي عصر نفس اليوم، أصدرت الهيئة العامة للاستعلامات بيانًا ملحقًا بشأن تسريبات القدس نفت فيه وجود شخص يدعى أشرف الخولي ضمن ضباط المخابرات العامة المصرية.[9]

بانتهاء الأسبوع الأول من يناير 2018، أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات الجدول الزمني لانتخابات الرئاسة، والذي حدد شهر مارس 2018 موعدًا لإجرائها. شهدت هذه الفترة تكهنات عديدة حول المرشحين لسباق انتخابات الرئاسة، خاصة بعد تراجع الفريق أحمد شفيق _رئيس وزراء سابق_ عن الترشح للانتخابات، بعدما مورست عليه ضغوط من السلطة الحالية، بحسب تقارير إعلامية. بينما كان هناك عسكري سابق آخر وهو الفريق سامي عنان يستعد للترشح في انتخابات الرئاسة، وأعلن ذلك في شهر يناير 2018، قبل أن تتدخل القوات المسلحة وتطيح به من سباق الترشح، ويتم القبض عليه في 23 يناير 2018. كان عنان يشغل منصب رئيس أركان الجيش المصري حتى أغسطس 2012.

ولم تكن الهيئة العامة للاستعلامات ومن ورائها الأجهزة المعنية بملف انتخابات الرئاسة راضية عن تغطية وسائل الإعلام الأجنبية لهذه الأحداث، والتي أظهرت اهتمامًا بتفاصيل ما تعرض له المرشحان العسكريان السابقان من إقصاء عن سباق الانتخابات، وأصدرت الهيئة العامة للاستعلامات بيانًا في 25 يناير 2018، وجهت فيه النقد إلى تغطية وسائل الإعلام الأجنبية،[10] دون أن تحددها كما اعتادت في بيانات سابقة، وركز بيان الاستعلامات على تناول ترشيح الفريق سامي عنان بشكل رئيسي، بينما تطرق إلى مسألة ترشيح الفريق شفيق دون أن يذكره، واصفًا إياه بـ”مرشح محتمل أصدر بنفسه بيانًا يعلق قراره بعدم الترشح، لتقديره بأنه ليس الشخص الأمثل لقيادة البلاد في هذه الفترة”.

ويقول مارك خلال المقابلة التي أجراها معه الباحث إنه “غالبًا ما يكون هناك غضب عندما تتعلق التغطيات بموضوعات تكون المؤسسة العسكرية طرفًا فيها أو الرئيس، ويبدو ذلك مثلًا من البيان الذي صدر تعليقًا على حوار صحفي أجراه صحفي مصري لصالح وسيلة إعلام أجنبية مع المستشار هشام جنينة. لقد كان غضب المؤسسة العسكرية كبيرًا لأن الأمر يتعلق بها”.

بعد ذلك، عادت الهيئة العامة للاستعلامات من جديد إلى موضوع مكافحة الإرهاب. فقد أعلنت القوات المسلحة انطلاق العملية الشاملة، سيناء 2018، في 8 فبراير 2018، بهدف القضاء على الجماعات الإرهابية في سيناء. وبعد يوم من بيان القوات المسلحة، أصدرت الهيئة العامة للاستعلامات بيانًا موجهًا إلى وسائل الإعلام الأجنبية طالبتها فيه “بالالتزام بالنشر فقط للبيانات الرسمية الصادرة من خلال المتحدث العسكري والقيادة العامة للقوات المسلحة والمكتب الإعلامي لوزارة الداخلية بخصوص العمليات الجارية لتنفيذ خطة المجابهة الشاملة للعناصر والتنظيمات الإرهابية والإجرامية، وعدم نشر أي أخبار نقلًا عن… أو نشر تصريحات لمصادر خاصة أو مصادر مطلعة أو وزارات أخرى”.[11]

في فبراير 2018، بدا أن هيئة الاستعلامات قررت التركيز على التقارير المرتبطة بقضايا حقوق الإنسان، حيث أصدرت الهيئة ستة بيانات تنتقد تقريرًا منشورًا في بي بي سي حول قضية الاختفاء القسري،[12] والذي عرف إعلاميًّا بواقعة زبيدة، صدرت البيانات الستة في الفترة من 24 فبراير وحتى 6 مارس 2018، وصفت فيها هيئة الاستعلامات ما تضمنه تقرير بي بي سي “بالأكاذيب”، ثم أعلنت عن ظهور الفتاة التي زعم التقرير تعرضها للاختفاء القسري. وبعد ذلك، أطلقت الهيئة العامة للاستعلامات دعوة موجهة إلى المسئولين والنخبة لمقاطعة بي بي سي، ومثلت هذه الدعوة تطورًا جديدًا في أدوات الضغط التي تمارسها الهيئة العامة للاستعلامات على وسائل الإعلام الأجنبية، إذ يفترض أن تعمل الهيئة على توفير وإتاحة المعلومات ومن ذلك تشجيع المسئولين على التواصل مع وسائل الإعلام الأجنبية لا مقاطعتها.

وعن ذلك تقول كارولين في المقابلة التي أجراها معها الباحث: “من ضمن ما تقوم به السلطات المصرية بشكل عام هو منعنا من الوصول للمعلومات من مصادرها، فهناك بعض الجهات تمنع التصريح للمراسلين أو مكاتب وسائل الإعلام الأجنبية بتغطية أنشطتها. هذه الممارسات تتشابه مع دعوة رئيس الهيئة العامة للاستعلامات لمقاطعة بي بي سي، فهدف الدعوة كان منع بي بي سي من الوصول للمعلومات من خلال الجهات الرسمية وهذا أخطر تهديد يمكن أن تواجهه مؤسسة إعلامية”.

تطرق البيان الأخير للهيئة بشأن واقعة زبيدة إلى لقاء رئيس هيئة الاستعلامات ضياء رشوان بمديرة مكتب بي بي سي في القاهرة وتسليمها ما وصفه البيان بـ”الاحتجاج الرسمي على ما تضمنه تقرير الـ”بي بي سي” الذي نشرته وبثته باللغة الإنجليزية يومى 24 و25 فبراير الماضي، متضمنًا تجاوزات مهنية وادعاءات ومزاعم بشأن ما قيل إنَّه تعذيب لمعارضين في مصر، وحالات اختفاء قسري مزعومة، كانت من بينها حالة الفتاة “زبيدة إبراهيم” التي ظهرت بعد ذلك في لقاء بإحدى القنوات التليفزيونية المصرية، نفت فيه كل ما جاء بتقرير الـ”بي بي سي” من تعرضها للتعذيب أو الاختفاء القسري”.[13]

واستمرارًا لاهتمامها بقضايا حقوق الإنسان، أصدرت الهيئة العامة للاستعلامات بيانًا، في 25 مارس 2018، حول إبعاد مراسلة التايمز بل ترو من مصر،[14] رأت فيه هيئة الاستعلامات أن إبعاد المراسلة من مصر يتماشى مع العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، لأن المراسلة لم تتقدم للحصول على تصريح صحفي مؤقت من الهيئة العامة للاستعلامات، ومارست عملها دون الحصول على هذا التصريح، واللافت أن الهيئة لم تركز بيانها على توضيح مبررات السلطات المصرية لعملية إبعاد مراسلة التايمز، بل أنها ذهبت إلى أبعد من ذلك، حيث ارتأت عدم صحة اعتبار إبعاد المراسلة قمعًا لحرية الصحافة وحرية التعبير.

ومع إجراء الانتخابات الرئاسية في مارس 2018، أصدرت الهيئة العامة للاستعلامات بيانًا، في 29 مارس 2018، أعلنت فيه أن وكالة رويترز استجابت لطلب الهيئة بحذف تقرير بعنوان: “سلع غذائية وأموال ونقل بالحافلات، حشد للناخبين على الطريقة المصرية”، ووصف بيان الهيئة تقرير رويترز بـ”المغلوط”.[15] بينما جاء على موقع رويترز أن “رويترز سحبت هذا التقرير لأنه لا يفي بمعايير الوكالة”، دون التطرق إلى مدى صحة المعلومات الواردة فيه من عدمها.

انتقلت بيانات الهيئة العامة للاستعلامات مرة أخرى إلى قضايا السياسة الخارجية، وتحديدًا مسألة النزاع بين مصر والسودان حول السيادة على منطقة حلايب وشلاتين، ففي 11 و12 مايو 2018، أصدرت هيئة الاستعلامات بيانين، انتقد البيان الأول نشر موقع روسيا اليوم استطلاع رأي للقراء حول تبعية حلايب وشلاتين لمصر أو السودان، واعتبرت هيئة الاستعلامات أن الاستطلاع يمس بسيادة مصر ووحدة أراضيها، وأن الهيئة بصدد التشاور مع وزارة الخارجية بشأن الخطوات اللازمة.[16] بينما أعلنت هيئة الاستعلامات في البيان الثاني عن حذف موقع روسيا اليوم لاستطلاع الرأي حول حلايب وشلاتين، في استجابة للاتصالات التي أجرتها هيئة الاستعلامات مع إدارة الموقع.[17]

ومع نهاية العام 2018، بدا أن الهيئة العامة للاستعلامات قد توقفت عن التعليق على تغطيات وسائل الإعلام الأجنبية للشأن المصري، فقد مرت سبعة أشهر لم تصدر الهيئة خلالها بيانات موجهة إلى وسائل الإعلام الأجنبية. لاحقًا، في 24 مارس 2019، عادت هيئة الاستعلامات إلى انتقاد تغطية بي بي سي، بخصوص تقريرها عن حملة “اطمن انت مش لوحدك”، وصَعَّدت الهيئة من لهجتها تجاه بي بي سي، حيث وصفتها بأنها “تروِّج للمحرضين على القتل ولأكاذيب جماعة الإخوان الإرهابية”، واللافت أن هذا البيان تطرق إلى تواصل هيئة الاستعلامات مع بي بي سي بشأن تغطيتها خلال الفترة السابقة، وحثها على الالتزام بما وصفته الهيئة “بالمعايير المهنية”، ما أدى إلى “التزام “بي بي سي” لعدة أشهر فقط بهذه المعايير في تغطياتها للأوضاع المصرية”، بحسب بيان هيئة الاستعلامات.[18]

وعلى الأرجح، توقفت الهيئة العامة للاستعلامات عن إصدار البيانات الناقدة لوسائل الإعلام الأجنبية على مدار شهور، لأن الهيئة لم تعد ترى في التقارير التي تراقبها مواد تزعج السلطات المصرية، ما رسَّخ لدى المسئولين عن الهيئة أنهم نجحوا في وضع خطوط حمراء أمام وسائل الإعلام الأجنبية. وبالطبع، لم يكن ذلك الاعتقاد صحيحًا، إذ أن الهيئة العامة للاستعلامات كانت بحاجة إلى انتقاد وسائل الإعلام الأجنبية مجددًا، منذ مارس 2019.

وفي إبريل 2019، كان هناك جدل سياسي حول إجراء استفتاء على تعديلات دستورية تسمح للرئيس السيسي بالبقاء في السلطة حتى عام 2030، وصاحب الاستفتاء على هذه التعديلات توزيع مواد غذائية على المُصوِّتين، خلال أيام التصويت الثلاثة من 20 إلى 22 إبريل 2019. في هذه الأثناء، كانت الهيئة العامة للاستعلامات تقوم بمراقبة تقارير وسائل الإعلام الأجنبية عن الاستفتاء، وأصدرت الهيئة بيانًا تنتقد فيه تقرير صحيفة إلموندو الإسبانية، في 20 إبريل 2019، وتطرق البيان إلى عدة نقاط، منها زعم تقرير إلموندو أن “التعديلات الدستورية مصممة من جانب رئاسة الجمھوریة وأجھزة المخابرات، وھو ما لم يُشر الكاتب إلى دلیل واحد علیه، ويتعارض كلیة مع حقيقة أن مصدر التعدیلات الدستوریة ھو خمس أعضاء مجلس النواب المنتخبين”، بحسب بيان هيئة الاستعلامات.[19] وفي اليوم التالي، صدر بيان جديد بشأن الاستفتاء على التعديلات الدستورية، وتناول بيان هيئة الاستعلامات أنه في “حالات محددة نشرت بعض وسائل الإعلام تقارير لم يتم التأكد من صحتها عن تقديم مواد غذائية لبعض الناخبين”.[20]

وبهذا البيان تنتهي بيانات الهيئة العامة للاستعلامات الموجهة إلى وسائل الإعلام الأجنبية بشأن تغطية الشأن المصري، خلال الفترة التي يغطيها التقرير، وهي عامان، منذ تولي ضياء رشوان منصب رئيس هيئة الاستعلامات في يونيو 2017. وينتقل التقرير في الجزء التالي إلى تحليل هذه البيانات ومحاولة تحديد السمات المشتركة بينها.

تحليل بيانات هيئة الاستعلامات الموجهة إلى وسائل الإعلام الأجنبية:

 رصد الباحث إصدار الهيئة العامة للاستعلامات 20 بيانًا صحفيًّا خلال الفترة التي يغطيها التقرير، وتناولت هذه البيانات 9 وقائع، وهي حسب التسلسل الزمني: هجوم الواحات، تسربيات القدس، انتخابات الرئاسة، العملية الشاملة سيناء 2018، تقرير زبيدة، طرد مراسلة التايمز، تقرير رويترز، استطلاع حلايب وشلاتين، حملة اطمن انت مش لوحدك، والاستفتاء على التعديلات الدستورية. وحظيت واقعة تقرير زبيدة بالجانب الأكبر من بيانات الهيئة العامة للاستعلامات بـ6 بيانات، ثم هجوم الواحات، حيث خصَّت هيئة الاستعلامات هذه الواقعة بثلاثة بيانات. وبعد ذلك، تتساوى ثلاث وقائع في عدد البيانات الصادرة في كل منها على حدة (بيانان اثنان)، وهي واقعة تسريبات القدس، واقعة استطلاع حلايب وشلاتين، وواقعة استفتاء التعديلات الدستورية. وهناك خمسة وقائع خصصت فيها الهيئة بيانًا لكل واقعة على حدة، وهي: انتخابات الرئاسة، العملية العسكرية سيناء 2018، طرد مراسلة التايمز، تقرير رويترز، وحملة اطمن انت مش لوحدك.

إنفوجراف يوضح عدد البيانات الصادرة عن هيئة الاستعلامات على الوقائع

  • هجوم الواحات
  • تسريبات القدس
  • انتخابات الرئاسة
  • العملية العسكرية الشاملة سيناء 2018
  • تقرير زبيدة
  • طرد مراسلة التايمز
  • تقرير رويترز
  • استطلاع حلايب وشلاتين
  • حملة اطمن انت مش لوحدك
  • استفتاء التعديلات الدستورية

وكانت أكثر وسيلة إعلام تلقِّيًا لبيانات الهيئة العامة للاستعلامات هي هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي بـ10 بيانات، تليها وكالة رويترز بـ4 بيانات، ثم كلٌّ من صحيفة نيويورك تايمز وموقع روسيا اليوم ببيانين اثنين لكل منهما، بينما كانت كلٌّ من صجيفة التايمز البريطانية وصحيفة إلموندو الإسبانية الأقل في تلقي بيانات من هيئة الاستعلامات ببيان واحد لكل منهما. وتتبقى ثلاثة بيانات لم تحدد فيها هيئة الاستعلامات وسيلة الإعلام الموجه إليها البيان. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الإحصائية تشمل ثلاثة بيانات وجهتها هيئة الاستعلامات إلى رويترز وبي بي سي معًا.

يُظهر الإنفوجراف التالي توزيع بيانات الهيئة العامة للاستعلامات، وفقًا لوسيلة الإعلام الموجه إليها البيان

  • بي بي سي
  • رويترز
  • نيويورك تايمز
  • روسيا اليوم
  • إلموندو
  • التايمز
  • غير محدد

أما من حيث الموضوعات التي تناولتها بيانات هيئة الاستعلامات على مدار الفترة التي يغطيها التقرير، فيمكن تقسيمها إلى الآتي: قضايا الإرهاب، والتي تشمل الهجمات الإرهابية والعمليات التي تقوم بها القوات المسلحة المصرية، وقضايا السياسة الخارجية، وقضايا حقوق الإنسان، وأخيرًا قضايا الديمقراطية والتي تشمل تغطية عمليات الانتخاب والاستفتاء. وجاءت قضايا حقوق الإنسان على رأس الموضوعات التي تناولتها بيانات هيئة الاستعلامات بـ7 بيانات، يليها قضايا الديمقراطية بـ5 بيانات، ثم كلٌّ من الإرهاب والسياسة الخارجية بـ4 بيانات لكل منهما على حدة. ويبين الإنفوجراف التالي توزيع البيانات وفقًا للموضوعات التي تناولتها:

 

ويبين الإنفوجراف التالي توزيع البيانات وفقًا للموضوعات التي تناولتها

  • حقوق إنسان
  • ديمقراطية
  • إرهاب
  • سياسة خارجية

واستكمالًا لهذه الإحصائيات، تجدر الإشارة إلى أن الهيئة العامة للاستعلامات تمكنت في واقعتين من إجبار وسيلة الإعلام الأجنبية على حذف المحتوى، الأولى من خلال قيام وكالة رويترز بحذف تقريرها عن انتخابات الرئاسة 2018، وقالت الوكالة إن المحتوى تم حذفه لأنه لا يناسب معاييرها، بينما قام موقع روسيا اليوم بحذف استطلاع رأيٍ للجمهور حول تبعية منطقة حلايب وشلاتين. وفي واقعة واحدة، وهي هجوم الواحات الإرهابي، نشرت رويترز وبي بي سي أعداد ضحايا الهجوم، التي أعلنتها السلطات المصرية في بياناتها الرسمية، بعد أن كان هناك اعتماد على تقديرات مصادر أمنية.

وهناك مجموعة من السمات المشتركة في البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للاستعلامات تجاه وسائل الإعلام الأجنبية، بناءً على الرصد الذي قام به الباحث، كما يلي:

1- تحديد وسيلة الإعلام الموجه إليها البيان: حددت الهيئة العامة للاستعلامات وسيلة الإعلام المخاطبة، في أغلب البيانات الصادرة تجاه وسائل الإعلام الأجنبية، ويمكن القول إن هيئة الاستعلامات ركزت في هجومها على بي بي سي، وهي وسيلة الإعلام الأجنبية الوحيدة، التي دعت هيئة الاستعلامات إلى مقاطعتها. وعلى الأرجح، تقوم هيئة الاستعلامات بتحديد وسيلة الإعلام المخاطبة، حتى تتمكن من توجيه رسائل إلى مسئوليها، وكذلك لتضعها تحت ضغط حملات التشويه في الإعلام المحلي. وكانت هناك ثلاثة بيانات فقط من إجمالي 20 بيانًا لم تحدد فيها هيئة الاستعلامات وسيلة الإعلام الموجه إليها البيان.

2- استخدام حجج مرتبطة بمهنية الإعلام: بَنَت الهيئة العامة للاستعلامات أغلب البيانات الموجهة إلى وسائل إعلام أجنبية على حجج ترتبط بمهنية وسائل الإعلام. وغالبًا ما كان يتم الاعتماد في خطاب السلطات المصرية على الاتهام بتعمد الإضرار بسمعة البلاد دوليًّا، ولكن أضافت هيئة الاستعلامات بعدًا جديدًا بتناول ما تصفه بالمعايير المهنية. ومثلت هذه الحجج تطورًا في خطاب السلطات المصرية، بغض النظر عن تقييم مدى صحتها. وعلى الأرجح، حاولت الهيئة العامة للاستعلامات أن تستخدم ذلك، لكي توحي بأنها لا تتحرك بناءً على دوافع سياسية، وإنما يَنصَبُّ اهتمامها فقط على توضيح “الأخطاء المهنية”، التي ترتكبها وسائل الإعلام الأجنبية. لذلك، سعى التقرير في قسمه الأول إلى إبراز التهديدات التي تلقاها الصحفيون الأجانب والعاملون في وسائل الإعلام الأجنبية من قِبَل مسئولي هيئة الاستعلامات.

كما أن هناك تناقضات كبيرة في زعم هيئة الاستعلامات هو تناولها جوانب مهنية في تقارير وسائل الإعلام الأجنبية، منها أنه على الهيئة أن تقوم بإتاحة المعلومات أمام هذه الجهات، وتنظيم منح تصاريح العمل للصحفيين الأجانب، وإن كان لديها ردود رسمية حول مضمون التقارير المنشورة في وسائل إعلام أجنبية تقوم بنشرها، أما التشكيك في المصادر التي يعتمد عليها الصحفيون أو الألفاظ المستخدمة في التقارير وغير ذلك، فهي أمور لا يمكن أن تخضع إلا لمعايير السياسة التحريرية، التي تتبناها وسائل الإعلام.

3- توجيه مطالب محددة إلى وسائل الإعلام: لم تتوقف الهيئة العامة للاستعلامات عند حد نقد تقارير وسائل الإعلام الأجنبية، بل أنها في أغلب البيانات التي أصدرتها في هذا الشأن وجهت مطالب محددة مثل حذف أو تعديل المحتوى، أو الاعتذار رسميًّا للسلطات المصرية عن نشر محتوى معين، أو نشر البيانات الرسمية فقط وعدم الاعتماد على مصادر، كما هو الحال في البيان الخاص بالعملية العسكرية الشاملة سيناء 2018. ويساهم توجيه مطالب إلى وسائل الإعلام في زيادة الضغوط عليها، ومن ذلك أن يكون لدى المسئولين عن التحرير حذر أكبر في تناول الموضوعات، التي علقت عليها الهيئة العامة للاستعلامات، مثل تلك المرتبطة بالعمليات العسكرية أو التدخل في توجيه الناخبين، بحسب المقابلات التي أجراها الباحث.

وإجمالًا، فإن الهيئة العامة للاستعلامات اعتمدت على إصدار البيانات الرسمية، ومن ثم التحرك نحو التواصل مع وسائل الإعلام الأجنبية، من خلال الاتصال بالمسئولين عنها، وفي بعض الأحيان طلب إجراء لقاءات معهم في مقر الهيئة العامة للاستعلامات، وتناول تفاصيل عملهم على التقارير المنشورة عن مصر. وهذه السياسة تعتمد على جعل جانب من الضغوط على وسائل الإعلام الأجنبية يتم بشكل علني، بحيث تمثل رسائل تهديد مستمرة للصحفيين الأجانب في مصر، فإذا كانت وسائل إعلام كبيرة تواجه ضغوطًا مستمرة بهذا الشكل، فما الذي يمكن أن يلحق بمراسلين يعملون لصالح صحف صغيرة أو بشكل حر.

أما الجانب الآخر من سياسة الهيئة العامة للاستعلامات فهو استخدام حملات التشويه تجاه الإعلام الأجنبي من خلال وسائل الإعلام المحلية، بهدف فرض ضغوط غير رسمية، مثل تخوف أو رفض مسئولين وخبراء ومعلقين من التواصل مع وسائل إعلام أجنبية تهاجمها هيئة الاستعلامات، وكذا تعرض مواطنين في الشوارع لوسائل إعلام معينة أو صحفيين أجانب، أثناء عملهم.

حملات التشويه.. مؤامرة الإعلام الغربي على مصر!

 لا يخلو خطاب المسئولين في السلطة الحالية من التنديد بوجود مؤامرة على مصر، فتارة يتم الإشارة إلى دول إقليمية، وأخرى إلى دول غربية، وأحيانًا ما يكون مصدر المؤامرة مُجَهَّل مثل القول إن هناك “أهل الشر” لا يريدون لمصر أن تستقر. ويعد هذا الخطاب مدخلًا أساسيًّا لفهم سعي السلطات المصرية إلى تشويه الإعلام الأجنبي، بوصفه أداة يستخدمها أيًّا من كان من المتآمرين على مصالح البلاد.

بدأ رئيس الهيئة العامة للاستعلامات ضياء رشوان في الظهور إعلاميًّا للحديث عن الإعلام الأجنبي، منذ أكتوبر 2017. جاء هذا الظهور بعد يوم من هجوم الواحات الإرهابي، عندما حل رشوان ضيفًا على برنامج هنا العاصمة،[21] الذي كانت تقدمه آنذاك الإعلامية لميس الحديدي على فضائية سي بي سي، وهي قناة خاصة. لم يُخفِ ضياء رشوان قناعاته عن الإعلام الأجنبي، وقال خلال هذه الحلقة:

“إحنا الآن بصدد برضه، أنا مش عايز أقول تفاصيل أكتر، لكن بصدد تنظيم حاجة تبقى الأولى من نوعها فيما يخص المراسلين الأجانب، إحنا مبنخافش من أجنبي ومش بنميز أجنبي عن مصري، لكن بنقول إنه الحملة الرئيسية ضدنا، وحضرتك عارفة هيه خارج البلاد، لأنه عدونا الرئيسي موجود خارج البلاد مدعومًا بدول ومدعومًا أحيانًا بأجهزة أخرى، وهناك 3 جهات تأتينا الضربات منها: الإعلام، منظمات حقوق الإنسان، بعض مراكز البحوث، الدول الرسمية أنا مش خايف منها، لكن التلاتة دول بيأثروا على المواقف الرسمية وممكن يهزوها في لحظة”.

وهكذا، أعلن رشوان أن السلطات المصرية بصدد التصدي لهذه الضربات التي تأتي من الإعلام الأجنبي، وبداية ذلك كانت البيان الصادر عن هيئة الاستعلامات للتنديد بتغطية بي بي سي ورويترز لهجوم الواحات الإرهابي. واصل رشوان، في نفس الحلقة، استعراض الخطوات التي قامت بها الهيئة العامة للاستعلامات، وقال:

“الحقيقة يعني إحنا إنهارده طول اليوم وإمبارح بنتابع كعادتنا في شغلنا في الاستعلامات التغطيات المصرية والعربية والأجنبية لما حدث، الحقيقة بدأ إن يعني لفت الأنظار بالنسبة لنا من بعض الوكالات، زي رويترز إللي هيه بدأت بالأمس تنشر عن 14 شهيد بلغتنا، قتيل بلغتهم، تصاعد الأمر إلى 30 على الأقل مساء أمس ثم وصل اليوم حسب رويترز إلى 52 وهو نفس الرقم إللي قالته البي بي سي، طبعًا هذا الرقم، الرقمين دول، تم تداولهم في أكثر من مصدر آخر وربما وكالة أخرى، الحقيقة أنا قبل ما أطلَّع البيان ده أجريت اتصالات دامت على الأقل ساعتين إلا ربع مع مسئولي رويترز في مصر، المسئول الأمريكي عن رويترز، ومع مسئولي البي بي سي العربي والإنجلش سواء في مصر أو خارج مصر”.

يشرح رشوان أن هيئة الاستعلامات تقوم بالرقابة على المحتوى المنشور في وسائل الإعلام الأجنبية، ثم تبدأ بعد ذلك في الاتصال بالصحفيين، ومن ثم تصدر بياناتها حول الواقعة ذات الصلة. كان ذلك بمثابة إعلان رسمي عن بداية مرحلة جديدة في التعامل مع وسائل الإعلام الأجنبية. وركز رشوان انتقاداته في واقعة هجوم الواحات على استخدام وصف “مقاتلين” من قبل وسائل الإعلام الأجنبية والاعتماد على مصادر في نشر عدد ضحايا الهجوم، إذ قال رشوان إن “رويترز وصفت الإرهابيين إللي همه موصوفين بعناصر إرهابية بأنهم militants وإنتي تعرفي بالإنجليزي التعبير ده، يعني أحيانًا حاجة إيجابية militants مقاتل، فأنا حتى قلت لبتاع رويترز militants for freedom”. يود رشوان هنا أن يشير إلى وجود تعاطف من قبل وسائل الإعلام الأجنبية مع المتورطين في الهجوم الإرهابي، وهي حجة لا معنى لها، ولكن عند مخاطبة الرأي العام المحلي، يساهم ذلك في تحقيق هدف هيئة الاستعلامات بتشويه الإعلام الأجنبي، لماذا لا يقولون: “إرهابيين”، مثلنا، ولماذا يقولون عن شهدائنا إنهم مجرد قتلى، لا بد إذًا من وجود تعاطف أو تواطؤ من هؤلاء الصحفيين الأجانب مع الإرهابيين.

وكشف ضياء رشوان خلال نفس الحلقة عن قيامه بتوجيه عدة أسئلة إلى الصحفيين حول المصادر التي يعتمدون عليها، قائلًا:

“إنتم اعتمدتوا على إيه، فالاتنين قالوا إنهم اعتمدوا على مصادر خاصة، همه قالوا إنهم مصادر من الداخلية، الحقيقة التكست الاستايل بوك بتاع البي بي سي، وأنا سألت بشكل واضح يعني إيه مصدر تعتمد عليه، تعريفه إيه عندك في الاستايل بوك إللي قدامي، فهوه رد بالرد الدقيق: هوه مصدر مطلع إطلاعًا تامًّا على المعلومات، المصدر الرسمي هو المخول له التصريح بالمعلومات، قلت له: عظيم المطلع إطلاعًا تامًّا ده ممكن، أنا مش عايز أعرف اسمه، بس فين الإدارة إللي هوه فيها، في وزارة الداخلية؟ فذكر لي اسم إدارة لا يمكن أن يكون لها كلها على بعضها إطلاع تام على البيانات بما فيها رئيسها”.

ويمكن القول إن رئيس هيئة الاستعلامات كان يرسخ للرقابة على الإعلام الأجنبي، فالطريقة التي يتعامل بها مع الصحفيين أشبه بالتحقيق بشكل غير رسمي، وهو ما أكدته المقابلات التي أجراها الباحث، حيث يتم توجيه أسئلة إلى الصحفيين حول مصادرهم وتفاصيل التغطية التي قدموها ولماذا اختاروا نشر هذه التفاصيل. يعتبر ضياء رشوان نفسه زميلًا لهؤلاء الصحفيين الأجانب قبل أن يكون مسئولًا في الدولة المصرية، ويشيد في نفس الوقت بتغطية الإعلام المصري لأن معظمه كان متحفظًا ولم ينقل عن المصادر لأنه أحس أن هناك شيئًا خطأ، على حد وصف رشوان. وهكذا، تريد السلطات المصرية أن يقتدي الإعلام الأجنبي بالإعلام المحلي، والذي يخضع لسيطرة سياسية كبيرة من قبل السلطة الحالية، حسبما تشير التقارير السنوية الدورية التي تصدرها مؤسسة حرية الفكر والتعبير وتقارير منظمات حقوقية أخرى.

تساءلت لميس الحديدي مقدمة برنامج هنا العاصمة آنذاك عن دور الهيئة العامة للاستعلامات في تقديم المعلومات، ورد ضياء رشوان على ذلك بالتأكيد على أهمية إتاحة المعلومات أمام وسائل الإعلام الأجنبية، حتى أنه قال: “أنا أظن إنه الطريقة المناسبة إن إحنا لا نأخذ أو لا ننتظر اكتمال المعلومة، إحنا نضخ ما نملكه منهم، ونقول حتى الآن وحتى الآن دي بتدينا فرصة”. يقصد رشوان أنه كان على السلطات المصرية أن تعلن في بيانات متتابعة حصيلة ضحايا هجوم الواحات الإرهابي، وهذا يتناقض مع هجومه على وسائل الإعلام الأجنبية، فإذا كانت السلطات المصرية تجاهلت نشر حصيلة الضحايا، فهل تُلام وسائل الإعلام الأجنبية على القيام بعملها ومحاولة الوصول إلى معلومات من مصادر خاصة. بالطبع مثل هذه الأسئلة لا تطرح على رشوان في لقاءات تلفزيونية أخرى، إذ أن لميس الحديدي وجهت انتقادات حادة إلى السلطات المصرية بسبب غياب المعلومات بشأن هجوم الواحات، وبالتالي كان لديها هذه المساحة لتوجه أسئلة حول الدور الرئيسي لهيئة الاستعلامات في تقديم المعلومات إلى الصحفيين الأجانب وغيرهم.

ويعتقد فوزي في المقابلة التي أجراها معه الباحث أن هيئة الاستعلامات “حدثت بها تغيرات من حيث اهتمامها بمتابعة ما يصدر عن وسائل الإعلام الأجنبية وإرسال الإيميلات التي تحتوي بيانات رسمية لنا وكذلك بيانات من الوزارات، ولكن يبدو أنه يتم استخدام ذلك للتعليق على تقاريرنا وكأنه من المفترض أن ننشر ما تريده السلطات المصرية فقط”.

بات رئيس الهيئة العامة للاستعلامات ضيفًا في برامج تلفزيونية متنوعة، منذ هجوم الواحات، لكي يتناول الجهود المتعلقة بصورة مصر في الإعلام الأجنبي. ولا يُعنَى التقرير برصد كافة تصريحات ومشاركات رئيس هيئة الاستعلامات إعلاميًّا، وإنما يركز التقرير على تناول نموذجين من هذه المشاركات، لأن الحجج الأساسية التي يستخدمها رئيس هيئة الاستعلامات تتكرر في أغلب الأحيان، ويقوم مقدمو البرامج والمواقع والصحف المحلية بإعادة بث محتواها، بهدف تكوين رأي عام معادٍ لوسائل الإعلام الأجنبية ومتشكك في التقارير التي تنشرها والدوافع التي تحرك مراسليها في مصر.

وعن دوافع هيئة الاستعلامات في شن حملات التشويه، تقول ريبيكا في المقابلة التي أجراها معها الباحث إن هيئة الاستعلامات “تحاول فرض النسخة الرسمية من الحقائق على وسائل الإعلام الأجنبية التي تنتقد الموقف أكثر في مصر. ربما الهدف هو السيطرة على المعلومات المنشورة في وسائل الإعلام الأجنبية والحد من الانتقادات. أعتقد أن المراسلين الأجانب في مصر يقدمون تقارير على أرض الواقع بقدر ما يستطيعون وتغطي جميع المواضيع بما فيها تلك التي لا يمكن لوسائل الإعلام المصرية الحديث عنها، وأيضًا المواضع التي تفضل الدولة المصرية إخفاءها أو تجنبها”.

ويكشف فوزي في المقابلة التي أجراها معه الباحث أنه “هناك عدة وقائع تم فيها التحرش بمراسلين في الشارع، وقام المعتدون عليهم بترديد اتهامات بالعمالة للأجانب. وهذه الاعتداءات ازدادت بعد بيانات الهيئة العامة للاستعلامات ضد وسائل الإعلام الأجنبية. كما أن بعض المصادر الرسمية ترفض الحديث لوسائل إعلام أجنبية بناءً على توصية من الهيئة العامة للاستعلامات. فيما يبدو أن البيانات تصدر لتحريك الشارع ضد الإعلام الأجنبي، بينما تبقى الاتصالات مع الجهات الرسمية لمنعها من الحديث معنا”. ويمكن القول إن حملة التشويه التي قادتها هيئة الاستعلامات ساهمت في ازدياد المضايقات التي يتعرض لها الإعلام الأجنبي في الشارع.

أما النموذج الثاني من لقاءات رئيس هيئة الاستعلامات، الذي يركز عليه التقرير، فهو حلقة برنامج “نظرة” بقناة صدى البلد، بتاريخ 12 يناير 2018،[22] ويقدم هذا البرنامج الكاتب الصحفي حمدي رزق. كانت هذه الحلقة بعنوان: “لماذا يستهدف الإعلام الغربي مصر”، وتناولت تقرير نيويورك تايمز حول تسريبات القدس، والذي انتقدته حينها هيئة الاستعلامات ونفت صحته.

ويمكن القول إن تشويه الإعلام الأجنبي طغى على الرسائل التي بثتها هذه الحلقة، رغم محاولات رئيس هيئة الاستعلامات التركيز على تفاصيل ردوده على تقرير نيويورك تايمز ونفيه الاعتماد على نظرية المؤامرة في التعامل مع الإعلام الأجنبي. اختار مقدم البرنامج حمدي رزق أن يبدأ بالتشكيك في المعلومات التي تنشرها نيويورك تايمز عمومًا، واستخدم طريقة شديدة الشعبوية بالحكي عن مقال طالعه سابقًا في الصحيفة تحدث عن مواجهات في حقول قصب السكر في سيناء بين الجيش والإرهابيين، وقال رزق: “كلمت صديقي عبد المنعم الرفاعي من سينا… عبد المنعم إنتوا عندكوا قصب في سينا، قال لى قصب إيه يا عم إحنا بنشوفه، ده القصب إحنا بنروحه لما بنتعزم في الصعيد عندكوا”، ثم يشير رزق إلى أن هذا المقال الذي ادعى أنه قرأه في نيويورك تايمز به أجزاء مقتبسة عن معارك حدثت في مالاوي. ثم يختم حمدي رزق هذه الحكاية بالقول إنه: “سينا فيها زيتون ممكن يبقى فيها عنب يبقى فيها تين”. وطوال الحلقة يشير حمدي رزق إلى حكايته عن تقرير قصب السكر باعتبارها حقيقة، ولا يسأله الضيف رئيس هيئة الاستعلامات عن مدى صحة ما يرويه. يفضل الإعلام المحلي المؤيد للسلطة الحالية أن يقدم رسائل سياسية من خلال حكايات لا يعرف مدى صحتها، ولكن يكون أسلوب الحكي أقرب إلى المشاهدين.

انتقل مقدم البرنامج للحديث عن المؤامرة قائلًا: “لأن مش النيويورك تايمز الصراحة لوحدها، عندنا الجارديان وعندنا كم من الجرايد انفتحت علينا كأبواب الجحيم، وفي الآخر إيه الرابط بين هذا وذاك وذاك، هو إيه متقسم أدوار، هو إحنا إنهارده بيتلعب علينا لعبة كاملة”. ثم يستكمل حمدي رزق حديثه عن المؤامرة قائلًا: “وعلى فكرة العام ده هو العام الأصعب، العام ده ربما مفيش عام زيه عدَّى على مصر وإللي بيحصل إنهارده يعيدكم تمامًا لما حدث مع العظيم خالد الذكر جمال عبد الناصر والحصار الدولي عليه، ركزوا بس في وجه التشابه ووجه المؤامرة”.

بدأ رئيس هيئة الاستعلامات ضياء رشوان حديثه بتناول الاستعداد لتغطية انتخابات الرئاسة 2018، وأشار إلى أن هناك تغطية سلبية في الإعلام الأجنبي لما يتعلق بانتخابات الرئاسة. لا يعتقد رشوان في صحة العمل، انطلاقًا من نظرية المؤامرة حتى لو كانت هناك مؤامرة. تطرق رشوان إلى تفاصيل تقرير نيويورك تايمز عن تسريبات القدس، والذي يدعي وجود تعليمات للإعلام المصري بتهدئة الرأي العام حول قرار الرئيس الأمريكي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وسريعًا ما أعلن رشوان اعتقاده بأن جماعة الإخوان هي مصدر صحيفة نيويورك تايمز، بينما وصف التسريبات بأنها “فبركات على عكات”. في موضع آخر من الحلقة، يعيد مقدم البرنامج التأكيد على تورط نيويورك تايمز في المخطط الإخواني.

ورغم الهجوم الواضح على الإعلام الأجنبي إلى حد وصفه كجزء من مخططات جماعة الإخوان المسلمين، قال ضياء رشوان خلال هذه الحلقة: “أنا مش بتحرك خالص بنظرية الاستهداف إلى أن يثبت أن فيه استهداف، بمعنى القاعدة القانونية: المتهم بريء حتى تثبت إدانته، دي إللي بتحرك بيها بس، أنا بتحرك من زاوية تانية، اللامهنية تستوجب المهنية، لو فيه في السكة ظَهَر استهداف بتكلم في الاستهداف”.

وعلى مدار الشهور التالية، شارك رئيس هيئة الاستعلامات في مقابلات تلفزيونية عديدة، تناول فيها دوره في التصدي لما يقوم به الإعلام الأجنبي من تشويه لسمعة مصر دوليًّا، وعرض فيها ردوده على ما يصفه بالأخطاء المهنية التي ترتكبها وسائل الإعلام الأجنبية. بينما استمر الإعلام المحلي في حملة التشويه التي أطلقتها الهيئة العامة للاستعلامات ضد وسائل الإعلام الأجنبية.

ذات صلة

Subscribe To AFTE Email List
No Thanks
Thanks for signing up.
We respect your privacy. Your information is safe and will never be shared.
Don't miss out. Subscribe today.
×
×

WordPress Popup Plugin