معنية برصد انتهاكات حقوق التعبير في حق الأفراد و المؤسسات.

هجمة السلطات المصرية على الإعلام الأجنبي.. عامان من التهديدات وحملات التشويه

القسم الثالث: ممارسات هيئة الاستعلامات تجاه الإعلام الأجنبي والقوانين المصرية:

أشار التقرير في قسميه الأول والثاني إلى ممارسات الهيئة العامة للاستعلامات تجاه الصحفيين الأجانب ووسائل الإعلام الأجنبية من تهديدات وتعطيل إصدار تصاريح العمل إلى البيانات الرسمية والاتصال بصحفيين واستدعائهم للقاء رئيس الهيئة، ويحاول التقرير في هذا القسم أن يتطرق إلى مدى قانونية هذه الممارسات التي تقوم بها الهيئة العامة للاستعلامات من خلال تقديم قراءة موجزة لاختصاصاتها في قانون إنشائها وقانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام المعمول به حاليًّا.

نظَّم قرار رقم 1820 لسنة 1967 الصادر عن رئيس الجمهورية إنشاء الهيئة العامة للاستعلامات، والتي كانت تتبع حينها وزارة الإرشاد القومي _ كانت مماثلة لوزارة الإعلام _ وفيما يتعلق بالصحفيين الأجانب، نص القرار على قيام الهيئة العامة للاستعلامات بتقديم المعاونة إلى الصحفيين والمراسلين ومن إليهم من رجال الأعمال الأجانب _المقيمين والعابرين_ للوقوف على الحقائق واتجاهات الدولة عن الأحداث والقضايا الداخلية والخارجية، وذلك وفق البند (9) من المادة (2) من القرار المشار إليه. بينما تناول البند (10) من نفس المادة قيام الهيئة العامة للاستعلامات “بتنفيذ القوانين واللوائح المتعلقة بالصحافة ونشر الأنباء والبيانات الصادرة عن الدولة، وكذلك كل ما يتعلق بنشر البلاغات والبيانات والأنباء وما إليها، وكذا ما يعهد به إلى وزارة الإرشاد القومي فيما يتعلق بشئون الصحافة المحلية”.

ويعني ذلك أن الهيئة العامة للاستعلامات عند إنشائها كان اختصاصها القانوني يَنْصَبُّ على تقديم العون إلى الصحفيين الأجانب، ونشر المعلومات والبيانات التي تمثل مواقف الدولة. ورغم أن نص البند (10) تناول مسئولية الهيئة العامة للاستعلامات عن تنفيذ القوانين واللوائح المتعلقة بالصحافة، فإنه ركز على الجوانب المتعلقة بإتاحة المعلومات، ولم يحتوِ على أية إشارة إلى الرقابة على الإعلام الأجنبي. ورغم ذلك، يحتمل أن يتم تفسير هيئة الاستعلامات البند (10) على أنه يتيح لهيئة الاستعلامات مراقبة التزام الصحفيين الأجانب بالقوانين المصرية، ولكن اللائحة الداخلية المنظمة لعمل هيئة الاستعلامات غير منشورة، وبالتالي لا يمكن التأكد إذا كان تم تفسير البند المشار إليه على هذا النحو.

وإذا افترضنا أنه كان للهيئة وفق هذا البند أن تقوم بمراقبة التزام الصحفيين الأجانب بقوانين الصحافة، فإن ذلك يترتب عليه صلاحية وحيدة وهي عدم تجديد التصريح الممنوح للصحفي أو سحب التصريح، وهذه جزئية لا يمكن تحديدها بدقة كذلك، نتيجة عدم إتاحة اللائحة الداخلية الخاصة بهيئة الاستعلامات. وعلى أي حال، يجب أن تنشر هيئة الاستعلامات محددات الامتناع عن إصدار التصريح أو سحبه من الصحفي الأجنبي. وتكشف المقابلات التي أجراها الباحث مع  صحفيين أجانب عن وجود غموض كبير حول القواعد المنظمة لعملية إصدار التصاريح للصحفيين الأجانب.

أصبحت الهيئة العامة للاستعلامات تتبع وزارة الإعلام، منذ عام 1972، ثم انتقلت تبعية هيئة الاستعلامات لاحقًا إلى رئاسة الجمهورية، بموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 170 لسنة 2012. وهذه التعديلات بشأن تبعية الهيئة لم تغير من  الاختصاصات، التي نص عليها قرار إنشاء هيئة الاستعلامات.

وفي عام 2016، صدر القانون رقم 92 لسنة 2016 بشأن التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام، وقصر هذا القانون إصدار التصاريح للصحفيين الأجانب على المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، حيث نص في البند (10) من مادته رقم (4) على أن للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام “منح التصاريح لممثلي الصحف ووكالات الأنباء ووسائل الإعلام الأجنبية بالعمل في جمهورية مصر العربية وتحديد نطاق عملهم وذلك وفقًا للقواعد التي يضعها وتحديد المقابل المالي لها بما لا يجاوز مئة ألف جنيه سنويًّا أو ما يعادلها بالعملة الأجنبية، يتم أداؤها بالعملة التي يحددها المجلس”. وأصبح هذا النص واجب التطبيق على الإعلام الأجنبي، خاصة أن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تم تشكيله في إبريل 2017، وبدأ ممارسة مهامه منذ ذلك الحين.

ولكن لم يتم تفعيل هذا النص، ويمكن القول إن هيئة الاستعلامات ظلت تعمل على ملف الإعلام الأجنبي دون سند قانوني، منذ تشكيل المجلس الأعلى للإعلام في إبريل 2017 وحتى أغسطس 2018، عندما صدر القانون رقم 180 لسنة 2018 بشأن تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام. ونص هذا القانون في مادته رقم (70) على اختصاصات المجلس الأعلى للإعلام، ومن بينها ما ورد في البند رقم (11)، حيث يختص الأعلى للإعلام بتلقي إخطارات الهيئة العامة للاستعلامات الخاصة بقاعدة بيانات المراسلين الأجانب والمكاتب الصحفية والإعلامية العاملة داخل مصر، والتنسيق مع الهيئة العامة للاستعلامات فيما يختص بقواعد عمل هذه المكاتب ونطاق عملها داخل مصر.

وعلى الأرجح، فإن السلطات المصرية أرادت أن تقنن تدخلات هيئة الاستعلامات في عمل الإعلام الأجنبي، من خلال تحديد دور لهيئة الاستعلامات في القانون المعمول به حاليًّا. وتقوم فلسفة قانون الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام على تركيز صلاحيات تنظيم الإعلام تحت سلطة جهة واحدة مستقلة. ويتعارض منح هيئة الاستعلامات هذه الصلاحيات مع فلسفة القانون ونصوص الدستور المصري، الذي ينص في مادته (211) على:

“المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام هيئة مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الفني والمالي والإداري، وموازنتها مستقلة. ويختص المجلس بتنظيم شئون الإعلام المسموع والمرئي، وتنظيم الصحافة المطبوعة، والرقمية، وغيرها. ويكون المجلس مسئولًا عن ضمان وحماية حرية الصحافة والإعلام المقررة بالدستور، والحفاظ على استقلالها وحيادها وتعدديتها وتنوعها، ومنع الممارسات الاحتكارية، ومراقبة سلامة مصادر تمويل المؤسسات الصحفية والإعلامية، ووضع الضوابط والمعايير اللازمة لضمان التزام الصحافة ووسائل الإعلام بأصول المهنة وأخلاقياتها، ومقتضيات الأمن القومي، وذلك على الوجه المبين في القانون. يحدد القانون تشكيل المجلس، ونظام عمله، والأوضاع الوظيفية للعاملين فيه. ويُؤخذ رأي المجلس فى مشروعات القوانين، واللوائح المتعلقة بمجال عمله”.

بينما تعد هيئة الاستعلامات جهة تنفيذية تتبع رئاسة الجمهورية، أي ليست مستقلة، كما أن هيئة الاستعلامات لا تختص بتنظيم شئون الإعلام، إنما تُعنَى بتمثيل مواقف الدولة وإتاحة المعلومات الرسمية، وهكذا، فإن الممارسات التي أتت بها هيئة الاستعلامات تجاه الإعلام الأجنبي من رقابة ومساءلة واستدعاء لم يكن لها سند قانوني في أغلب الأحيان. ومنذ نهاية أغسطس 2018، ثمة نص قانوني على مسئولية هيئة الاستعلامات عن تنظيم عمل الإعلام الأجنبي، ولكنه يبقى متعارضًا مع نصوص الدستور المصري. ويمكن القول إن السلطات المصرية لم تتوقف كثيرًا أمام عدم ملاءمة تدخلات هيئة الاستعلامات في عمل الإعلام الأجنبي للقوانين المنظمة للإعلام ونصوص الدستور المصري، وهي الجزئية التي غابت عن بيانات هيئة الاستعلامات، فلم تذكر هيئة الاستعلامات اختصاصاتها القانونية عندما تستدعي صحفيًّا أو تحتج على تغطية وغير ذلك من أمور.

القسم الرابع : تأثيرات الهجمة على الإعلام الأجنبي:

بعد أن تطرق التقرير في أقسامه الثلاثة إلى عرض وتحليل سياسة وممارسات هيئة الاستعلامات تجاه الإعلام الأجنبي وبيان مدى تعارضها مع القوانين المصرية، يسعى التقرير في قسمه الرابع والأخير إلى التركيز على تأثيرات الهجمة على الإعلام الأجنبي، بمعنى أدق: كيف تأثر عمل الإعلام الأجنبي بهذه الهجمة، وذلك اعتمادًا على المقابلات التي أجراها الباحث مع صحفيين أجانب ومصريين يعملون في وسائل إعلام أجنبية. ويمكن تناول ذلك من خلال النقاط التالية:

  • آليات العمل داخل وسائل الإعلام الأجنبية:

تشير المقابلات التي أجراها الباحث إلى حدوث تغيرات في آليات العمل داخل وسائل الإعلام الأجنبية. ومن هذه التغيرات تأخر التغطية التي تقوم بها وسائل الإعلام الأجنبية، وعن ذلك يقول مارك في المقابلة التي أجراها معه الباحث:

“ما يقوم به رئيس هيئة الاستعلامات من الكلام والظهور المتكرر في وسائل الإعلام المصرية وهذه البروباجندا حول عمل الصحفيين الأجانب في مصر من خلال البيانات التي يصدرها لها تأثير بشكل غير مباشر على عملنا، فهناك تزايد التركيز والمراجعة للتغطيات التي نقوم بها فيما يتعلق بالموضوعات التي قد تكون حساسة للسلطات المصرية وهذا يعني أن توقيت التغطية سيكون أبطأ مما سبق”.

 وعلى الأرجح، تسببت هذه الهجمة في زيادة القلق لدى المسئولين عن وسائل الإعلام الأجنبية، إذ يشير عادل في المقابلة التي أجراها معه الباحث إلى قيام رويترز بسحب تقريرها عن الانتخابات الرئاسية في عام 2018، تجنبًا لتعرض مُعدِّي التقرير إلى مساءلة قانونية، ففي نفس الفترة واجهت صحيفة المصري اليوم حملة شرسة من السلطات المصرية بسبب تغطيتها لتدخل الدولة في حشد الناخبين في انتخابات الرئاسة، وهو نفس الموضوع الذي تطرق إليه تقرير رويترز المحذوف. أدت حملة السلطات المصرية ضد صحيفة المصري اليوم حينها إلى توقيع عقوبات على الصحيفة والتحقيق مع رئيس تحريرها آنذاك محمد السيد صالح و8 صحفيين من معدي التقرير أمام نيابة أمن الدولة العليا.

تقول كارولين في المقابلة التي أجراها معها الباحث حول الخوف من ملاحقة الصحفيين: “قبل هذه التدخلات كنا نقوم بعملنا فقط دون أن نفكر في تداعيات أو تهديدات، أما الآن فقد أصبح لدينا حذر أكثر من رد السلطات المصرية على تقاريرنا. تأثر الصحفيون بهذه الإجراءات، فهناك قلق دائم من الموضوعات التي قد تجلب غضب السلطات المصرية، ولم يعد الكثيرون راغبين في نشر أسماءهم على التغطيات التي يقومون بها، نحن نشعر أننا في خطر دائم”. ويؤكد هنري على تجنب نشر أسماء الصحفيين معدي التقارير خوفًا من هذه الحملة ضد الإعلام الأجنبي، حيث يقول:

“لم أواجه صعوبات داخلية في جهة عملي بسبب ضغوط هيئة الاستعلامات، فقط عند وجود موضوعات ربما تثير حساسية الحكومة المصرية، تقوم جهة عملي بتجهيل اسم معد التقرير أو الخبر”.

تحفظ الصحفيون في المقابلات التي أجريت معهم على التطرق إلى تفاصيل أكثر عن آليات العمل الداخلي في وسائل الإعلام التي يعملون بها، وخاصة وجود بعض التقارير تُجرى لها مراجعة للمحتوى خارج سلطة المسئولين عن التحرير. بينما يعتقد يوسف في المقابلة التي أجراها معه الباحث أن السلطات المصرية بإمكانها “أن تتحكم في الإعلام المحلي بكل سهولة، إنما الأجنبي صعب ﻷن هناك سياسة تحريرية وقواعد مهنية صارمة ولا يمكن لأحد أيًّا من كان أن يخل بها ولذلك كانت هناك حاجة لدور يقوم بتجميع الاعتراضات على مضمون تقارير الإعلام الأجنبي. هيئة الاستعلامات لا تخجل من هجومها المستمر على وسائل الإعلام الأجنبية وتنشر بيانات موجهة ضدها ولكن لن تستطيع الهيئة التحكم في المحتوى المنشور بوسائل الإعلام الأجنبية”. ويرى يوسف أن “أقصى تصعيد يمكن أن يقوموا به هو منع الإعلام الأجنبي من العمل في مصر، وهذا شيء مجنون جدًّا ويستحيل حدوثه”.

  • الوصول إلى المعلومات:

ساهمت الهجمة على الإعلام الأجنبي في زيادة العوائق أمام الصحفيين في الوصول إلى المعلومات، فثمة تخوفات لدى المسئولين من إجراء مقابلات مع بعض وسائل الإعلام الأجنبية وعلى رأسها تلك التي دعت هيئة الاستعلامات إلى مقاطعتها، ورفض الصحفيون الذين أجريت معهم المقابلات تحديد جهات رسمية امتنعت عن التعاون معهم، لأن ذلك قد يؤدي إلى التعرف على جهات عملهم. ويقول فوزي في المقابلة التي أجراها معه الباحث: “يمتنع بعض المسئولين عن الحديث معنا وإمدادنا بالمعلومات اللازمة لعملنا، وحتى بعض الشخصيات ممن لا يحملون صفة رسمية يبدون رفضهم للحديث معنا، بسبب تخوفهم من إغضاب السلطات المصرية”.

بينما يقول هنري في المقابلة التي أجراها معه الباحث: “تتحدث هيئة الاستعلامات عن مساعدتها للصحافة الأجنبية ولكن ذلك في إطار الدعاية، من المفترض أن يقوم المركز الصحفي بإيصالنا بالمسئولين ولكن عندما نطلب ذلك من المركز لا نتلقى ردًّا”. ويضيف هنري: “في بعض المؤتمرات الصحفية التي تعقدها جهات رسمية، يشترط على الصحفيين الأجانب أن توافق الجهة على أسئلتهم قبل طرحها في المؤتمر. ذلك مثال لا تجد فيه هيئة الاستعلامات أو أي جهة رسمية إخلالًا بحرية الصحافة”.

  • التقارير الميدانية:

أثرت الهجمة على الإعلام الأجنبي بشدة على إعداد التقارير الميدانية التي تتطلب عمل الصحفيين في الشارع واستطلاع آراء المواطنين المصريين، ويقول يوسف في المقابلة التي أجراها معه الباحث: “الحملات التي تقوم بها هيئة الاستعلامات ضد الصحافة الأجنبية تؤثر بشدة على الشارع المصري، وبالتالي تزداد احتمالات التحرش والاعتداء على المراسلين من قبل مواطنين تأثروا بهذه الدعاية ضدنا. أعتقد أن أي سلطة من مصلحتها أن يعمل الإعلام الأجنبي بحرية وأن تساعده على العمل حتى ينقل صورة ما يحدث ولكن السلطات المصرية تعتقد أن الصحفيين العاملين في وسائل إعلام اجنبية عملاء يجب أن يتم منعهم من تأدية عملهم”.

وعن احتمالات التعرض للمنع من تصوير تقارير ميدانية، يقول هنري في المقابلة التي أجراها معه الباحث: “يجب أن نحصل على تصريح من المركز الصحفي محدد به معلومات تفصيلية عن الأماكن التي سنصور بها التقارير، وعمليًّا لو الأجهزة الأمنية تريد منعنا فستقوم بذلك في الشارع أثناء التصوير. خلال الآونة الأخيرة، رفض مواطنون في الشارع الحديث معنا لأننا نعمل في صحافة أجنبية”. ويشير فوزي إلى امتناع هيئة الاستعلامات عن إصدار تصاريح التصوير في الشارع، حيث يقول: “على سبيل المثال ما يتعلق بتصاريح التصوير في الشارع، يتم التحجج بإبلاغ جهات أخرى بخلاف هيئة الاستعلامات وببساطة نحرم من التصوير في الشارع، بدعوى الإجراءات”.

من ناحية أخرى، لم تتمكن وسائل الإعلام الأجنبية من الاعتماد على مصادر بشأن تغطية الأوضاع في سيناء، ويشير هنري إلى البيان الذي أصدرته هيئة الاستعلامات في فبراير 2018، لمطالبة وسائل الإعلام الأجنبية بالالتزام بنشر البيانات الرسمية فقط حول العملية العسكرية في سيناء، حيث يقول:

“في بعض الأحيان يفرض علينا الالتزام بالقوانين المصرية القيام بتغطية الأحداث من خلال البيانات الرسمية فقط، مثل الوضع في سيناء. كما أنه عمليًّا لا يمكنك كصحفي أن تذهب إلى هناك وتقوم بمقابلات وتزور أماكن. وعلى أي حال، بعد فترة، واجهتنا مشكلة في الاعتماد على البيانات الرسمية بشأن العملية التي تدور في سيناء، لأنها لا تحمل أدلة تمكننا من التأكد من صحتها. ولاحقًا، توقفت تغطيتنا للعملية العسكرية في سيناء”.

وتعتقد ريبيكا في المقابلة التي أجراها معها الباحث أن “البيئة المعادية للصحفيين الأجانب في مصر ليست نتاج الهيئة العامة للاستعلامات والجهات الرسمية فحسب بل وأيضًا وسائل الإعلام المصرية وكل من يعتبر الإعلام الأجنبي “أعداء” لمجرد تجرُّئنا على النقد والتحدث عن مواضيع حساسة مثل حقوق الإنسان”.

  • رحيل الصحفيين الأجانب عن مصر:

أدت الهجمة على الإعلام الأجنبي إلى شعور مزيد من الصحفيين الأجانب بعدم ملاءمة الأوضاع في مصر للعمل بحرية، كما تزايدت المخاوف من التعرض للملاحقة. ويقول هنري في المقابلة التي أجراها معه الباحث:

“العراقيل الكثيرة التي تقوم بها هيئة الاستعلامات والجهات الأخرى تجعل الصحفيين الأجانب لا يرغبون بالعمل في مصر لأن المناخ الحالي لن يمكنهم من العمل، حتى أن البعض الآن يفضل العمل في سوريا أو باكستان”.

ويضيف هنري: “أحاول تجنب التفكير في تعليق هيئة الاستعلامات على تقارير قمت بكتابتها، ولكن لا يمكنني أن أتجاهل احتمالات مخيفة، مثل الترحيل إلى بلادي أو عدم الحصول على الكارنيه. كما أني أعتقد أن الأجهزة الأمنية تقوم بمراقبتنا ومراقبة المقابلات التي نعقدها مع مصادر”.

 يبدو أن توجه بعض الصحفيين الأجانب إلى الرحيل عن مصر أمر معروف في أوساط الإعلام الأجنبية، حيث اتفق عدد من الصحفيين الذين أجريت معهم المقابلات على تزايد حالات الرحيل عن مصر، بل يذهب بعضهم إلى أن وسائل الإعلام الأجنبية قد تقلل عملها في مصر، وتقول كارولين في المقابلة التي أجراها معها الباحث:

 “أعتقد أن الممارسات الحالية تجعل كثيرًا من الصحفيين يخططون لمغادرة مصر، هناك قلق من القيود المتزايدة وكذلك من احتمالات التعرض للحبس. وبالطبع يتأثر عمل المؤسسات الأجنبية في ظل هذه التهديدات بشكل ربما يؤدي إلى تقليل عملها في مصر”.

 ويلفت مارك في المقابلة التي أجراها معه الباحث إلى حالة الصحفيين الأجانب الذين يعملون بشكل حر، ممن ليسوا مسجلين كمراسلين لوسائل إعلام محددة، ويقول: “بالنسبة لمستقبل الإعلام الأجنبي في مصر، أعتقد أن كل الصحفيين الأجانب ممن يعملون بشكل حر لم يعد بإمكانهم مواصلة العمل في مصر، وهناك إضافة إلى ذلك قيود على إصدار تصاريح المراسلين الأجانب، وهذا يقلل من وجود الصحفيين الأجانب في مصر”.

وبالنسبة إلى هؤلاء الذين لم يواجهوا تدخلات مباشرة من هيئة الاستعلامات، تقول ريبيكا في المقابلة التي أجراها معها الباحث: “شخصيًّا لم أتعرض لما حدث لزملاء آخرين من ضغوط، ولكن هذه البيانات تجعلني أشعر أنني تحت ضغط. أعلم أن هيئة الاستعلامات استدعت بعض المراسلين الأجانب للشكوى من عملهم، من خلال المركز الصحفي والذي يعد أداة التواصل المباشر معنا”.

  •  الوضع القانوني الجديد لهيئة الاستعلامات:

نتيجة للهجمة على الإعلام الأجنبي والتي قادتها الهيئة العامة للاستعلامات، جعلت السلطات المصرية للهيئة العامة للاستعلامات صلاحيات في تنظيم عمل وسائل الإعلام والمراسلين الأجانب، في قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الذي صدَّق عليه الرئيس السيسي في أغسطس 2018. وبذلك، باتت هيئة الاستعلامات منوط بها تنظيم منح تصاريح العمل للصحفيين الأجانب، ثم تخطر بها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام. ويعد اكتساب الهيئة العامة للاستعلامات هذه الوضعية القانونية بمثابة تقوية لها في تدخلاتها في عمل الإعلام الأجنبي.

لخص التقرير في هذا القسم التأثيرات التي تسببت فيها الهجمة على الإعلام الأجنبي، ومنها جوانب مسكوت عنها تتعلق بحدوث تغير في آليات العمل داخل بعض وسائل الإعلام الأجنبية. وبذلك يكون التقرير عبر أقسامه الأربعة قد استعرض كافة الجوانب المتعلقة بهجمة السلطات المصرية على الإعلام الأجنبي.

خاتمة وتوصيات

سعت مؤسسة حرية الفكر والتعبير إلى الوصول إلى أكبر قدر ممكن من تفاصيل الهجمة على الإعلام الأجنبي، خلال الفترة التي تم فيها العمل على هذا التقرير، وهي عام ونصف العام، ولولا موافقة عدد من الصحفيين على إجراء مقابلات معهم، لما استطاع هذا التقرير أن يرسم صورة كاملة للهجمة التي قادتها الهيئة العامة للاستعلامات على الإعلام الأجنبي. وتؤمن مؤسسة حرية الفكر والتعبير بأولوية تمثيل أصوات الفئات المستهدفة وضحايا الانتهاكات في التقارير الصادرة عنها، فلا يكفي هنا رصد أو تحليل السياسات والتطورات القانونية.

لذا، تؤكد مؤسسة حرية الفكر والتعبير على ضرورة تحرك الجهات المعنية بحماية الصحفيين والدفاع عن حرية الإعلام، لكي تطالب السلطات المصرية بوقف الهجمة على الإعلام الأجنبي، وضمان تمتع الصحفيين الأجانب والمصريين العاملين في وسائل إعلام أجنبية بحرية العمل في مصر. وفي هذا الإطار، تطالب مؤسسة حرية الفكر والتعبير بتنفيذ التوصيات التالية:

أولًا: على السلطات المصرية وقف كافة أشكال الرقابة على الإعلام الأجنبي، وخاصة مساءلة واستدعاء الصحفيين ووسائل الإعلام الأجنبية بسبب محتوى تقاريرهم.

 ثانيًا: يجب أن تلتزم الهيئة العامة للاستعلامات بدورها المحدد قانونيًّا في شأن تولي أمور تنظيم عمل الإعلام الأجنبي، ووقف كافة التهديدات والتدخلات التي تقوم بها في عمل الصحفيين الأجانب والمصريين العاملين في وسائل إعلام أجنبية.

 ثالثا: يجب أن تقوم السلطات المصرية فورًا بوقف حملات التشويه والتحريض على وسائل الإعلام الأجنبية، التي يقودها رئيس الهيئة العامة للاستعلامات في وسائل إعلام محلية.

 رابعًا:على المنظمات الحقوقية والمعنية بحرية الإعلام محليًّا ودوليًّا العمل على توفير آلية يمكن من خلالها تلقي شكاوى الصحفيين الأجانب والمصريين العاملين في وسائل إعلام أجنبية، لتقديم الدعم إليهم وتعزيز التضامن معهم.

 ملحق: البيانات الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للاستعلامات ضد وسائل الإعلام الأجنبية:

 

للإطلاع على بيانات الهيئة العامة للإستعلامات ضد المنظمات والإعلام الأجنبي إضغط هنا

 

 

[1] عصام أبو سديرة، أول بيان رسمي من الداخلية عن اشتباكات الواحات، المصري اليوم، 20 أكتوبر 2017، تاريخ آخر زيارة: 15 أكتوبر 2018، https://goo.gl/JgzxLv
[2] بي بي سي عربي، السلطات المصرية تعترض على تقارير عن عدد القتلى في هجوم الواحات، 23 أكتوبر 2017، تاريخ آخر زيارة: 15 أكتوبر 2018، رابط: https://goo.gl/QfwSan
[3] اليوم السابع، الداخلية تعلن استشهاد 16 من قوات الأمن ومقتل وإصابة 15 إرهابيًّا بحادث الواحات، 21 أكتوبر 2017، تاريخ آخر زيارة: 15 أكتوبر 2018، رابط:  https://goo.gl/ju1y8i
[4] الهيئة العامة للاستعلامات، هيئة الاستعلامات تدين تغطية الـ BBC ورويترز لجريمة الواحات، 21 أكتوبر 2017، تاريخ آخر زيارة: 15 أكتوبر 2018، رابط: https://goo.gl/ZGVhh4
[5] قناة برنامج: هنا العاصمة، على يوتيوب، هنا العاصمة| ضياء رشوان يكشف عن مخالفات مهنية جسيمة ارتكبتها رويترز والبي بي سي عن معركة الواحات، 21 أكتوبر 2017، تاريخ آخر زيارة: 15 أكتوبر 2018، رابط: https://goo.gl/YJFHhd
[6] الهيئة العامة للاستعلامات، هيئة الاستعلامات تطالب رويترز وBBC بأسماء الضحايا المزعومين لإرهاب الواحات، 24 أكتوبر 2017، تاريخ آخر زيارة: 6 ديسمبر 2017، https://goo.gl/xSrRrX
[7] الهيئة العامة للاستعلامات، هيئة الاستعلامات: رويترز وBBC تعتمدان الأرقام المصرية الرسمية لشهداء جريمة الواحات، 31 أكتوبر 2017، تاريخ آخر زيارة: 15 أكتوبر 2018، رابط: https://goo.gl/AKVpnV
[8] الهيئة العامة للاستعلامات، الاستعلامات ترد على مزاعم صحيفة النيويورك تايمز حول موقف مصر من القدس، 7 يناير 2018، تاريخ آخر زيارة: 17 مايو 2019، رابط: https://bit.ly/2QUbPI2
[9] الهيئة العامة للاستعلامات، إلحاقًا ببيان الهيئة العامة للاستعلامات الصادر مساء السبت 6 يناير 2018، 7 يناير 2018، تاريخ آخر زيارة: 17 مايو 2019، رابط: https://bit.ly/2IslBgW
[10] الهيئة العامة للاستعلامات، فى بيان للهيئة العامة للاستعلامات: تجاوزات مهنية في بعض التغطيات الأجنبية للانتخابات الرئاسية، 25 يناير 2018، تاريخ آخر زيارة: 18 مايو 2019، رابط: https://bit.ly/2K3jUtr
[11] الهيئة العامة للاستعلامات، بيان من الهيئة العامة للاستعلامات لوسائل الإعلام الأجنبية، 25 يناير 2018، تاريخ آخر زيارة: 18 مايو 2019، رابط:https://bit.ly/2R0Y4r5
[12] راجع في نهاية التقرير ملحق: البيانات الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للاستعلامات ضد وسائل الإعلام الأجنبية.
[13] الهيئة العامة للاستعلامات، "رشوان" يسلم الـ "بي بي سي" رسميًّا احتجاج "الاستعلامات"، 6 مارس 2018، تاريخ آخر زيارة: 18 مايو 2019، رابط: https://bit.ly/2Iy5gHh
[14] الهيئة العامة للاستعلامات، "الاستعلامات": إبعاد مراسلة "التايمز" وفقًا للعهد الدولي.. وتصريح للصحيفة بمتابعة الانتخابات، 25 مارس 2018، تاريخ آخر زيارة: 18 مايو 2019، رابط: https://bit.ly/31itKgr
[15] الهيئة العامة للاستعلامات، رويترز تسحب تقريرها المغلوط حول سير العملية الانتخابية في مصر، 29 مارس 2018، تاريخ آخر زيارة: 18 مايو 2019، رابط: https://bit.ly/2I3s1ns
[16] الهيئة العامة للاستعلامات، الهيئة العامة للاستعلامات: رفض وإدانة مساس "روسيا اليوم" بسيادة مصر ووحدة أراضيها، واستدعاء مسئوليها، 11 مايو 2018، تاريخ آخر زيارة: 18 مايو 2019، رابط: https://bit.ly/2K4WEuW
[17] الهيئة العامة للاستعلامات، "روسيا اليوم" تحذف استطلاع الرأي المسيء لسيادة مصر ووحدة أراضيها، 12 مايو 2018، تاريخ آخر زيارة: 18 مايو 2019، رابط: https://bit.ly/2KEmVQn
[18] الهيئة العامة للاستعلامات، هيئة الاستعلامات: "بي بي سي" تروج للمحرضين على القتل ولأكاذيب جماعة الإخوان الإرهابية، 24 مارس 2019، تاريخ آخر زيارة: 18 مايو 2019، رابط: https://bit.ly/2FiZs2M
[19] الهيئة العامة للاستعلامات، تقریر مراسل إلموندو الإسبانیة: معلومات خاطئة، آراء منحازة، اتھامات باطلة، تناقضات فادحة، 20 إبريل 2019، تاريخ آخر زيارة: 18 مايو 2019، رابط: https://bit.ly/2Kz24hg
[20] الهيئة العامة للاستعلامات، بيان للهيئة العامة للاستعلامات عن التناول الإعلامي العالمي للاستفتاء على التعديلات الدستورية، 21 إبريل 2019، تاريخ آخر زيارة: 18 مايو 2019، رابط: https://bit.ly/2UtX92K
[21] برنامج هنا العاصمة بموقع يوتيوب، هنا العاصمة | تحليل وكشف أسرار لأول مرة عن معركة الواحات | الحلقة الكاملة، 21 أكتوبر 2017، تاريخ آخر زيارة: 5 فبراير 2019، رابط: https://bit.ly/2I4v1A6
[22] قناة صدى البلد بموقع يوتيوب، نظرة مع حمدى رزق | الحلقة الكاملة 12/1/2018، 12 يناير 2018، تاريخ آخر زيارة: 15 فبراير 2019، رابط: https://bit.ly/2wHeUBV
ذات صلة

Subscribe To AFTE Email List
No Thanks
Thanks for signing up.
We respect your privacy. Your information is safe and will never be shared.
Don't miss out. Subscribe today.
×
×

WordPress Popup Plugin