مؤسسة حقوقية مصرية تعمل على دعم وتعزيز حرية التعبير

مجلس (بلا) شعب!.. ورقة موقف عن ضرورة إتاحة جلسات البرلمان المصري بشكل علني على التلفزيون والإنترنت

ملخص تنفيذي:

تؤكد مؤسسة حرية الفكر والتعبير، مع بداية انعقاد مجلس النواب بتشكيله الجديد في يناير 2021، على موقفها الراسخ المتمثل في ضرورة إذاعة جلسات البرلمان المصري بشكل علني، استنادا على مبدأ علانية الجلسات وفقا للمادة 120 من الدستور، وإتاحتها على الموقع الإلكتروني للبرلمان بما يُمّكن جموع المواطنين من الوصول إليها بمختلف الأشكال المسموعة، والمرئية، والمقروءة.

ويتأكد بذلك الحق في المعرفة للمواطنين، وكذا تعزيز الذاكرة الوطنية وإتاحتها من خلال إتاحة أرشيف جلسات البرلمان المصري على الموقع الإلكتروني للبرلمان، ليمتد الأرشيف بأكبر قدر ممكن من وثائق الحياة النيابية في مصر، والممتدة لقرابة مائتي عام منذ إنشاء “المجلس العالي” في عهد محمد علي عام 1824م.

تأتي هذه الورقة تزامنًا مع بدء دور انعقاد جديد للبرلمان المصري، وبعد مرور خمس سنوات على استمرار قرار رئيس البرلمان السابق علي عبد العال بوقف البث التلفزيوني المباشر لجلسات مجلس النواب، وذلك في 11 يناير 2016.

وتشكل إذاعة وإتاحة جلسات البرلمان حقًا أصيلًا من ضمن حق المواطنين في المعرفة، وإتاحة الدولة لتداول المعلومات، كما أن إتاحتها بشكل رقمي على شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) لهو حق رقمي للمواطنين، يتناسب مع توجه الدولة نحو الرقمنة وإتاحة المعرفة عبر الإنترنت، وهو ما تمثل في العديد من المشاريع وعلى رأسها إنشاء بنك المعرفة المصري في يناير ٢٠١٦ كأحد “أهم وأكبر المشروعات القومية المعرفية في مجال التعليم والبحث العلمي في تاريخ مصر الحديث”.[1]

خلفية:

على مدار عقد كامل منذ اندلاع الثورة المصرية في يناير 2011، تغيرت وتيرة متابعة عموم المواطنين لمجريات جلسات البرلمان، واختلفت درجة تعاطيهم معه بسبب عوامل عدة، ويأتي تعطيل الإتاحة والشفافية على رأس هذه العوامل، بما يؤدي إلى غياب حوار مجتمعي حقيقي فيما يخص اشتراك المواطنين في المراقبة الشعبية لنوابهم المنتخبين، ومتابعة مستوى ومسار الحوارات وصياغة التشريعات.

مرت أكثر من خمس سنوات على منع بث جلسات مجلس النواب العلنية، وهو ما تسبب في تراجع السلطة التشريعية المصرية مُمثلة في مجلس النواب، عن التزامها بنص المادة 68 من الدستور المصري، والتي تؤكد على أن “المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة، حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية”.

تداولت عدة صحف مصرية مع نهاية 2015، أخبارًا عن توجه مجلس النواب آنذاك إلى عدم إذاعة جلساته مباشرة، واللجوء إلى نشر مقاطع مصورة مختارة، في محاولة للحفاظ على هيبة المجلس في تلك المرحلة. وفي 11 يناير تأكدت الأخبار بصدور قرار رئيس المجلس علي عبد العال بوقف البث التلفزيوني المُباشر لجلسات مجلس النواب.[2]

“هيبة المجلس” لا تحتمل العلانية!

تشكل العلانية القاعدة الأساسية لا الاستثناء وذلك وفقًا لنص المادة 120 من الدستور المصري، والتي تؤكد أن “جلسات مجلس النواب علنية،” بينما يجوز انعقاد المجلس فى جلسة سرية -وهو ما يفترض أن يتم لأسباب استثنائية – “بناءً على طلب رئيس الجمهورية، أو رئيس مجلس الوزراء، أو رئيس المجلس، أو عشرين من أعضائه على الأقل، ثم يقرر المجلس بأغلبية أعضائه ما إذا كانت المناقشة فى الموضوع المطروح أمامه تجرى فى جلسة علنية أو سرية”.

وخلال مدة انعقاد مجلس النواب برئاسة علي عبد العال ما بين 2015 و2020، تم تجاهل المادة الدستورية بمختلف الطرق، حيث توقف بث الجلسات كاملة، ومُنعت الصحفية رنا ممدوح من دخول مبنى مجلس النواب  لمباشرة عملها بوصفها محررة برلمانية،  وذلك كبداية لمنع قائمة أخرى من الصحفيين بسبب انتقادهم لأداء المجلس ورئيسه.[3]

ولعل رئيس البرلمان السابق أساء استعمال السلطة التي منحتها له المادة 396 من اللائحة الداخلية لمجلس النواب والصادرة بالقانون رقم 1 لسنة 2016، والتي تنص على أن “تخصص أماكن لممثلي الصحف ووسائل الإعلام المختلفة وللجمهور في شرفات المجلس لمشاهدة جلسات المجلس من هذه الشرفات. ويضع رئيس المجلس قواعد وإجراءات الترخيص في الدخول إلى هذه الشرفات” فتحولت القواعد التي يفترض أن يضعها رئيس المجلس إلى قاعدة واحدة، هي المنع غير المُسبب.

على صعيد آخر، فإن اللائحة الداخلية لمجلس النواب، تنص في المادة 333 على إتاحة مجلس النواب  مضبطة الجلسة للنواب خلال 15 يومًا من انعقاد الجلسة، بينما  لم توضح أي آلية خاصة بأرشفة المضابط وإتاحتها للمواطنين.

أمام القضاء الإداري لإتاحة المعلومات

تقدمت مؤسسة حرية الفكر والتعبير برفع دعوى قضائية رقم 16534  لسنة 70 الدائرة الأولى حقوق وحريات بمحكمة القضاء الإداري على قرار رئيس البرلمان بتاريخ 11 يناير 2016 بوقف البث التلفزيوني المباشر لجلسات مجلس النواب، وطالبت المؤسسة في دعواها إلزام مجلس النواب بإذاعة الجلسات العامة للبرلمان المصري، إلى جانب إنشاء موقع متخصص على  الإنترنت لنشر وأرشفة جلسات ومضابط البرلمان بشكل دوري بما يسمح الوصول إليها.

انتهت هيئة المفوضين من تقريرها الذي من المفترض أن تسترشد به محكمة القضاء الإداري، بعد عام تقريبًا من رفع المؤسسة دعواها، واتفقت الهيئة في تقريرها مع المؤسسة في أن وقف بث الجلسات قرار إداري  ضمن “ما يصدر عن البرلمان في غير الأعمال التشريعية والبرلمانية “. وأضافت الهيئة أنه:

“ولما كان الأمر وفقاً لما سلف بيانه أن القانون أعطى الحق لمجلس النواب أن تكون جلساته في بعض الأحيان سرية وهو الأمر الذي يدل دلالة قاطعة أن مجلس النواب هو الذي يُقدّر تلك الحالة في ظل ظروفاً وأوقاتاً معينة، فضلاً عن ذلك ما يُتخذ من إجراءات وقرارات داخل مجلس النواب يتم نشرها في الصحف اليومية وتعرض في وسائل الإعلام المختلفة وبالتالي يكون أفصح عنا بشكل علني للكافة وهذا ما يهم الرأي العام في هذا الخصوص، وأيضاً يتم عرض بعض المقتطفات من الجلسات مما يدعم أن فكرة علانية الجلسات ليست في عرضها بل في عرض نتائجها التي تعود علي جموع المواطنين، كما ان مبدأ العلانية يعد من المبادئ التي تتمتع بقدر كبير من النسبية والمرونة، والتي قد تنحصر للبعض في الصحافة وما يُنشر بالجرائد اليومية، وتنحصر للبعض الآخر فيما يُعرض علي شاشات التلفزيون أو يُذاع على الراديو أو يتداول على صفحات الإنترنت”[4]

وفي ظل وجود مساحة لمنع الصحفيين من مزاولة أعمالهم داخل البرلمان خوفًا من الانتقادات، وتسبيب مجلس النواب قراره بوقف الجلسات للحفاظ على الهيبة لا لمصلحة تقتضي سرية المعلومات على سبيل المثال، ترى المؤسسة أن مطالبها في الدعوى القضائية واضحة، ولا تحتمل الاستعاضة عنها بحلول تضفي إحساسًا زائفًا باحترام المادة 120 من الدستور الخاصة بعلانية جلسات البرلمان.

إتاحة وإذاعة جلسات البرلمان بشكل علني هو حق دستوري:

من أين يحصل المواطن على معلوماته؟ في الوقت الذي تزداد فيه أعداد المواقع الصحفية المحجوبة على الإنترنت لتصل إلى 127 موقعًا على الأقل،[5] وفضلًا عن تحكم مجلس النواب في قدر المعلومات التي تصل إلى المواطنين عن العملية التشريعية والرقابية، واختزالها في نشر نتائجها فقط خوفًا من الانتقاد، أو حفاظًا على الهيبة، يجد المواطنون أنفسهم بلا مصدر حقيقي للمعلومات.

ترى المؤسسة أن استخدام الإنترنت كوسيلة إتاحة، سيكون تقدما هائلا في إتاحة المعلومات، ويؤكد على مصداقية الحكومة فيما يخص احترام القانون. وعليه تؤكد المؤسسة على ضرورة تنفيذ مطلبين أساسيين، الأول هو إذاعة الجلسات العامة بالبرلمان المصري، الأمر الذي كان معتادًا من خلال بث قناة صوت الشعب التي أُطلقت في يناير 2012، وهو ما يمكن الاستعاضة عنه باللجوء إلى البث الحي عبر الإنترنت، وهو الحل الذي تلجأ له دول عدة، كما هو الحال في برلمانات دول مثل كينيا،[6] والمملكة المتحدة،[7] وأستراليا.[8]

وفيما يخص المطالبة بإتاحة مضابط الجلسات، انتهى تقرير هيئة المفوضين إلى أن “ليس ثمة نص يلزم رئيس المجلس للقيام بهذا الأمر”. وبذلك صادر التقرير على المطلوب، وهنا  تشدد المؤسسة على أن إنشاء موقع متخصص على شبكة المعلومات الدولية ” الإنترنت” أمر لا يرتبط بالإتاحة فقط، وإنما بالعمل على حفظ الذاكرة والضمير. خاصة وأنه لا يوجد ما يمنع نشرها، حيث أن المضابط يمكن تنقيحها وحذف بعض الجُمل منها بأمر رئيس المجلس في حال طلب أحد الأعضاء حذف عبارات يعتبرها غير ملائمة، الأمر الذي من شأنه حفظ “هيبة المجلس” إذا صح القول، وفي نفس الوقت يساهم في حفظ حق المواطنين في الاطلاع والمتابعة.[9]

خاتمة وتوصيات:

ترحب مؤسسة حرية الفكر والتعبير، بإذاعة الجلسة الافتتاحية لدور الانعقاد الأول للفصل التشريعي الثاني لمجلس النواب (2021-2026)،[10] وتوجه بضرورة احترام حقوق المواطنين الدستورية في المعرفة، وذلك من خلال إتاحة البيانات والمعلومات الخاصة بالمجلس من خلال استمرار بث الجلسات العلنية كاملة دون اقتطاع لعموم المواطنين، وعدم الاكتفاء بالجلسة الافتتاحية، وتؤكد المؤسسة على أن مطلبها بالبث أمر متعارف عليه عالميًا.

وتؤكد المؤسسة على نواب الشعب الجدد، ضرورة عدم اتباع نفس الأسلوب السابق الذي يميل إلى حجب المعلومات عن المواطنين، والالتزام بلائحة المجلس الداخلية، والسماح للصحفيين بمزاولة عملهم داخل أروقة المجلس دون تضييقات. حيث تم منع أكثر من 80 صحفيًا من مزاولة أعمالهم كمحررين برلمانيين،[11] وفي حال استمرار امتناع البرلمان المصري عن إتاحة الجلسات العلنية، سواء بالبث المباشر، أو نشر المضابط، سيؤكد المجلس الجديد على شروعه في إرساء قاعدة التعتيم على أداء النواب، دون أسباب حقيقية.

[1]  بنك المعرفة المصري، خريطة مشروعات مصر. آخر زيارة: 31 يناير 2021

https://egy-map.com/project/%D8%A8%D9%86%D9%83-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A-%28EKB%29%E2%80%8E

[2] بعد تمكن حرية الفكر والتعبير من إرساء سابقة في الطعن على قرارات البرلمان.. دعوى بث جلسات البرلمان إلى اﻹدارية العليا، نشر في 20 مايو 2020، آخر زيارة 31 يناير 2021، رابط:

 https://afteegypt.org/law_unit/2018/05/09/15151-afteegypt.html

[3]   الشروق، منع «صحفية» من دخول البرلمان .. و«مصادر»: «قائمة أخرى» فى الطريق، نشر في 4 أكتوبر 2016، آخر زيارة 31 يناير 2021، رابط:

https://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=04102016&id=8a30ccdb-86d0-45c8-b8fd-d3aea7db4a30

[4]  تقرير هيئة مفوضي الدولة في الدعوى رقم 16534 لسنة 70ق. للإطلاع على التقرير:

https://afteegypt.org/wp-content/uploads/afte001-01-17-2017.pdf

[5] مصطفى شوقي، وسارة محسن، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، ما لم يُرَ!: دراسة حول آثار الحجب على المواقع الصحفية في ثلاث سنوات، نشر في 25 يونيو 2020، آخر زيارة 31 يناير 2021، رابط:

https://afteegypt.org/digital_freedoms/publications_digital_freedoms/2020/06/24/19520-afteegypt.html

[6] الموقع الرسمي لبرلمان كينيا، آخر زيارة 31 يناير 2021، رابط:

 http://www.parliament.go.ke/the-national-assembly/live-proceedings

[7]   الموقع الرسمي لبرلمان المملكة المتحدة، آخر زيارة 31 يناير 2021، رابط:

 https://www.parliament.uk/get-involved/watch-parliament-work/

[8]  الموقع الرسمي لبرلمان اأستراليا، آخر زيارة 31 يناير 2021، رابط:

https://www.aph.gov.au/news_and_events/watch_parliament

[9] حسن أزهري، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، في دعوى “بث جلسات البرلمان”: كيف نقرأ تقرير هيئة المفوضين ؟، 20 مايو 2018، آخر زيارة 31 يناير 2021، رابط:

 https://afteegypt.org/law_unit/2017/01/18/12737-afteegypt.html

[10] ابتسام تعلب، مينا غالي, محمد غريب،  المصري اليوم، إذاعة جلسة البرلمان على الهواء غدا .. هل يتم بث باقى الجلسات على شاشة التليفزيون؟، نشر في 11 يناير 2021، آخر زيارة 31 يناير 2021، رابط: https://www.almasryalyoum.com/news/details/2231607

[11] مينا غالي, عاطف بدر, ابتسام تعلب، المصري اليوم، «استقلال الصحافة» تستنكر منع دخول 80 محررًا برلمانيًا من مجلسي النواب والشيوخ، نشر في 11 يناير 2021، آخر زيارة 31 يناير 2021، رابط:

https://www.almasryalyoum.com/news/details/2231510

ذات صلة