مؤسسة حقوقية مصرية تعمل على دعم وتعزيز حرية التعبير

النسخة الموجزة | عزلة مستمرة .. التقرير السنوي عن حالة حرية التعبير في مصر عام 2020

للإطلاع على النسخة الموجزة بصيغة PDF إضغط هنا

قام بإعداد وكتابة التقرير: وحدة الأبحاث بمؤسسة حرية الفكر والتعبير

 ووحدة الرصد والتوثيق بالمؤسسة

 الملخص التنفيذي

تمثل رد فعل الحكومة المصرية الأول مع اندلاع ثورة 25 يناير 2011، منذ عشرة أعوام، في الحجب. هناك تظاهرات واسعة، الناس في الشارع، وسيناريو الثورة التونسية التي نجحت في الإطاحة بِبِن علي، على وشك أن يتكرر في مصر. فكان الحل الأمثل من وجهة نظر السلطة آنذاك، هو عزل المواطنين عن العالم في الخارج، وفصلهم بعضهم عن بعض في الداخل، عن طريق حجب مواقع التواصل الاجتماعي، وقطع الإنترنت، وقطع تغطية شبكات المحمول.

فرض نظام مبارك أشكالًا مختلفة من الحجب على مدار الأيام الثمانية عشر التي سبقت الإطاحة به، لم تفلح كلها في تفادي مصيره بالسقوط. ورغم رحيل مبارك، بقي الحجب مستمرًّا عبر الأنظمة المتلاحقة، وإن اختلفت مستوياته، والحجج التي يتم التذرع بها.

شهد عام 2020 اندلاع جائحة عالمية مع تفشي فيروس كوفيد-19 (كورونا المستجد) في جميع دول العالم تقريبًا. مثلت تلك الجائحة العالمية اختبارًا جديدًا للدولة المصرية في عدة مستويات، وكان من أهمها تزايد أهمية الشفافية وإتاحة المعلومات، وبالرغم من الخطوات المبذولة في إتاحة معلومات عن أعداد المصابين وضحايا فيروس كوفيد-19، فإن حجب المعلومات الممنهج استمر وازدادت خطورته مع الجائحة.

بعد مرور عشرة أعوام على الثورة، وعام على الجائحة العالمية، امتد الحجب ليصبح هو القاعدة، ما بين حجب إلكتروني للمواقع، وعدم تداول للمعلومات، وهو ما يتضح بجلاء مع إدارة الدولة لأزمة الجائحة، فقد واصلت السلطات المصرية ممثلة في نيابة أمن الدولة العليا، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة العامة للاستعلامات حظر عمل الصحفيين، وكذلك حبس النشطاء السياسيين، ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، والأطباء، والباحثين، وحجب المواقع الإلكترونية بزعم نشرهم معلومات “كاذبة” عن الجائحة بما في ذلك معدلات الإصابة في مصر أو انتقاد سياسات الحكومة ووزارة الصحة فيما يتعلق بمواجهة الجائحة واحتوائها. كما استمرت السلطات في الاستئثار بالبيانات والإحصاءات الرسمية _إن وجدت_ لنفسها، في غياب واضح للشفافية. وبذلك النهج تتحول الجائحة إلى ذريعة أخرى لانتهاك قائمة طويلة من الحقوق والحريات.

إن مجابهة أزمة مثل تلك، تحتاج أكثر ما تحتاج إلى الشفافية والتواصل باعتبارهما صمام أمان أساسي للمجتمع والدولة في ظل الجائحة. ولا شفافية دون تداول حقيقي وحر للمعلومات من مصادرها الرسمية ودعم دور وسائل الإعلام باعتبارها فاعلًا في إستراتيجية مجابهة الأزمة، وليست طرفًا في الأزمة يجب حصاره وقمعه، وهو ما يحتاج إلى ساحة إعلامية مفتوحة وتنافسية، وفضاء إليكتروني حر غير مقيد أو محجوب، وذلك ضمن إجراءات حوكمة أفضل للمشهد الإعلامي والصحفي.

تستند مؤسسة حرية الفكر والتعبير في موقفها إلى ما تنص عليه المادة 68 من الدستور المصري من الحق في توفير وإتاحة المعلومات للمواطنين، وهو أمر بالغ الأهمية للأفراد والمجتمعات لحماية أنفسهم من الفيروس، ورغم موافقة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام على مشروع قانون تداول المعلومات منذ عام 2017، فإن البرلمان المصري استمر في تأجيل مناقشة وإصدار هذا القانون، مما يؤثر بشكل واضح على الحق في توفير وإتاحة المعلومات الذي يعتبر من الركائز الأساسية للحفاظ على الصحة العامة أثناء الجائحة.

تعرِض مؤسسة حرية الفكر والتعبير في تقريرها السنوي لعام 2020 ما وصلت إليه أوضاع الحقوق الرقمية، وحريات الإعلام، والإبداع، والحرية الأكاديمية والحقوق الطلابية، ضمن الجائحة، مع إبراز ملامح حجب المعلومات وكيف تتحول الجائحة إلى ذريعة أخرى لانتهاك قائمة طويلة من الحقوق والحريات.

يختتم التقرير بتوجيه مجموعة توصيات إلى صانع القرار المصري، من أجل التوجه نحو ضمان حرية التعبير وكذا حرية تداول المعلومات، وذلك امتدادًا لتأكيد مؤسسة حرية الفكر والتعبير إيمانها بأن الإفصاح عن المعلومات إضافة إلى كونه حقًّا أصيلًا للمواطنين، فإن أهميته تزداد في الوقت الحالي كونه أداة أساسية لمجابهة جائحة كورونا، حيث يسهم في زيادة وعي المواطنين، وحشد قدرات القطاع الصحي والمجتمع المدني، إضافة إلى تنظيم عمل مؤسسات الدولة والقطاع الخاص في ظل تدابير مناسبة.

حرية التعبير أثناء الجائحة في مصر

كان تفشي فيروس كورونا هو محور عام 2020، حيث أصبح تقييم الأمور لا يتم إلا من خلال أخذ الوضع الصحي المستجد في الاعتبار، سواء بشكل مباشر، أو غير مباشر. يعرض القسم الأول من هذا التقرير أوضاع ثلاثة أمور رئيسية: أولًا، الوضع القائم لتداول المعلومات في مصر وتأكيد انتشار المرض على ضرورة وجود بنية تشريعية واضحة تدعم الشفافية. وثانيًا، أحوال الثقافة والإبداع والحقوق الرقمية ضمن الجائحة، وأخيرًا، يتتبع التقرير تأثيرات الجائحة على أوضاع المحبوسين احتياطيًّا على ذمة قضايا مرتبطة بحرية الفكر والتعبير.

يحاول التقرير الوقوف على ما إذا تم التعامل بعدالة وشفافية من جهة الدولة مع ملفات مرتبطة بحرية الفكر والتعبير خلال الجائحة، أم أن الوضع الصحي أعطى فرصة لتقييد عدد من الحريات تذرعًا بالوضع الاستثنائي، وذلك من خلال عرض أبرز وقائع العام، والتي يمكن أن تعطي لمحة عن الأداء الرسمي على الأصعدة التشريعية والقضائية والتنفيذية.

 أولًا: تداول المعلومات أثناء الجائحة

أبرزت الجائحة وتداعياتها الحاجة المضاعفة إلى الحق في الوصول إلى المعلومات وتداولها، وأهمية وجود صحافة مهنية تمارس عملها بحرية في تداول المواضيع والقضايا العامة وعرضها لجمهور المواطنين، والرقابة الشعبية لأداء السلطة التنفيذية ومساءلتها، فضلًا عن أهمية الشفافية والتواصل باعتبارهما ضمانة أساسية لتمكين المواطنين من معرفة التحديات الصحية التي يواجهونها وكذلك لتسهيل تعاون الدولة والمجتمع المدني من أجل تعزيز وحشد جهودهم المشتركة لحماية الصحة العامة من جائحة عالمية هددت ولا تزال حياة الملايين من البشر.

وبالرغم من ذلك، فقد استمر التقييد والمنع والتعتيم كنمط سائد في سياسة الدولة في التعامل مع المعلومات، بدلًا من إتاحتها وتداولها بشفافية، وتعزيز الحق في المعرفة للمواطنين. ويمكن التدليل على ذلك بالمؤشرات الأربعة الرئيسية الآتية:

  • من الناحية التشريعية: انتهى عام 2020 دون إصدار قانون يحمي حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات وتداولها ونشرها، رغم انتهاء المجلس الأعلى للإعلام من إعداد مسودته منذ أكتوبر 2017،[1] وكونه أحد الموضوعات التي تم تسليط الضوء عليها منذ 2011، إذ كانت الدعوة إلى إصدار قانون يتفق مع المعايير الدولية ويتيح تداول معلومات حقيقي لا تقييدًا لها من ضمن التوصيات التي تضمنها تقرير لجنة تقصي الحقائق التابعة للمجلس القومي لحقوق الإنسان في أحداث ثورة يناير في عام 2011.[2] وقد أعطى غياب أي تشريع يحمي حق المواطنين بشكل عام والصحفيين بشكل خاص في الوصول إلى المعلومات من مصادرها الرسمية وتداولها ونقلها، الفرصة للسلطات في القبض على الصحفيين ومعاقبتهم بدعاوى نشر الأخبار الكاذبة وترويج الشائعات والإضرار بالمصلحة العامة، حال تناولهم أيًّا من القضايا أو المعلومات المرتبطة بالجائحة في مصر. وهو ما أثَّر بشكل بالغ على حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات.
  • قصور المعلومات الرسمية الخاصة بالجائحة: شابت عمليات الإفصاح عن المعلومات من قبل الجهات المعنية (مجلس الوزراء، ووزارة الصحة) الكثير من العوار، ظهر ذلك في نقص المعلومات أو عدم إتاحتها بشكل ملائم، ما قيَّد من قدرة الصحفيين والمتخصصين على تحليل تلك الأرقام والبيانات. فضلًا عن تقييد دور الصحف ووسائل الإعلام في كشف الحقائق ومحاسبة المسؤولين ومواجهتهم.

وبالرغم من إطلاق وزارة الصحة موقعًا إلكترونيًّا[3] يحوي إحصائيات يومية عن أعداد الإصابات، والوفيات، والحالات التي تم شفاؤها وخرجت من مستشفيات العزل، وطرق تجنب العدوى، وكيفية التصرف في حال ظهور أعراض الإصابة، فإن المعلومات المتاحة يغيب عنها العدد الفعلي للمسحات التي يتم إجراؤها، فضلًا عن عدم توضيح التوزيع التفصيلي لأعمار الحالات المصابة والمتوفاة، وكذا مناطق انتشار الإصابة جغرافيًّا، والنوع، وغيرها من البيانات المهمة.

إن إتاحة مثل هذه المعلومات، يسمح بزيادة قابلية البيانات للتحليل الإحصائي وغيره من أشكال تحليل البيانات، وكذلك في تيسير اتخاذ إجراءات ملائمة للتصدي لانتشار الفيروس في أماكن ومحافظات بعينها، بحيث تكون الإجراءات مرنة، وفقًا لحالة الخطر بطريقة لا مركزية، بدلًا من تعميم الإجراءات على عموم الجمهورية، نظرًا إلى الارتفاع الكبير في عدد الحالات، فماذا لو كانت أغلبية تلك الحالات في مدينة أو محافظة واحدة؟ أليس من الأجدى أن يعتمد تصميم السياسات على البيانات التفصيلية، وأن يتم إتاحة هذه البيانات بشفافية حتى يشارك الجمهور بحرية، ويتحمل مزيدًا من المسؤولية في الالتزام بإجراءات التباعد الاجتماعي، لأن التزامه حينها يكون التزامًا عن وعي إيجابي، وبناءً على مشاركة البيانات التفصيلية بشفافية. وبذلك يتم دعم المشاركة الحرة والممارسة الديمقراطية ضمن إجراءات مكافحة تفشي الجائحة، بدلًا من تعزيز ممارسات القمع، باسم الصحة العامة هذه المرة بدلًا من الأمن العام والحرب على الإرهاب.

  • منع تداول المعلومات المرتبطة بالجائحة: لجأت السلطات المصرية إلى مشاركة أقل قدر من المعلومات مع المواطنين، ليس ذلك فحسب، بل عملت جهات رسمية مثل: النيابة العامة، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ومجلس الوزراء، على تهديد وسائل الإعلام والصحافة بشكل مباشر باللجوء إلى إجراءات تأديبية و بالملاحقة القانونية حال محاولة أي منها تقصي الحقائق أو نشر المعلومات غير تلك التي تصدر عن الجهات الرسمية رغم ندرتها وعدم ملاءمة إتاحتها.

فمع بداية الجائحة، كلف رئيس مجلس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولي، الجهات المعنية باتخاذ كافة الإجراءات القانونية “حيال كل من أذاع أخبارًا، أو بيانات كاذبة، أو شائعات، تتعلق بفيروس كورونا المستجد”.  كما أصدرت الهيئة العامة للاستعلامات بيانًا أعلنت فيه سحب اعتماد مراسلة جريدة “الجارديان” في مصر،[4] وإنذار مراسل جريدة “نيويورك تايمز” على إثر نشر “الجارديان” تقريرًا يتناول انتشار الفيروس في مصر،[5] ونشر مراسل “نيويورك تايمز” في مصر عددًا من التدوينات على حسابه على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” تحتوي على بعض الأرقام من نفس الدراسة والتي اعتبرتها الهيئة وفق بيانها بـ”تقديرات غير صحيحة”، وعلى إثر هذه الأزمة اضطرت مراسلة الجارديان روث مايكلسون إلى مغادرة مصر بعد أن كانت مقيمة بها منذ 2014.[6]

وطالت ممارسات منع تداول المعلومات المتعلقة بالجائحة، إصدارات فنية وثقافية لطلاب، فعلى سبيل المثال، في 15 سبتمبر 2020 داهمت قوة من المصنفات الفنية مركز الصورة المعاصر بوسط البلد وتحفظت على اثنتين من العاملات بالمركز، أطلق سراح إحداهن بعد عدة ساعات، بينما أحيلت مسؤولة معمل الصور إلى نيابة قصر النيل، بحسب محاميتها، للتحقيق معها في اتهامات من بينها: توزيع مجلة “القاهرة الكوفيدية”،[7] دون الحصول على تصريح من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام. وتتناول المجلة محل الاتهام مجموعة من الصور القصصية والموضوعات عن وضع فيروس كوفيد ـ 19 والعزل داخل المنازل المصرية. في اليوم التالي أمرت نيابة أمن الدولة بإخلاء سبيل المسؤولة بالمركز على ذمة التحقيق. وجدير بالذكر أن المجلة هي مشروع تخرج لمجموعة من طلاب كلية الفنون التطبيقية بالجامعة الألمانية.[8]

واستمر حجب المواقع الإلكترونية، إذ تم حجب ثلاثة مواقع صحفية بسبب تناول أمور متعلقة بالجائحة، ليبلغ إجمالي عدد المواقع المحجوبة في مصر منذ مايو 2017 إلى 553 موقعًا، من ضمنها 124 موقعًا صحفيًّا، بزيادة 7 مواقع خلال عام 2020، بحسب رصد مؤسسة حرية الفكر والتعبير.

 

  • استهداف الأطباء والصحافيين: رصدت المؤسسة قيام الأجهزة الأمنية بالقبض على 8 من أفراد الطواقم الطبية على الأقل على خلفية تعبيرهم عن آرائهم في السياسات الحكومية لمواجهة خطر انتشار وباء كورونا، واستنكارهم نقص المستلزمات الطبية والوقائية بالمستشفيات.

كما استمرت السلطات المصرية في استهداف الصحفيين، بل نشطت بشكل أكبر في استهدافهم على خلفية الأعمال الصحفية والإعلامية المرتبطة بوباء كوفيد – 19. فمن بين 62 انتهاكًا وثَّقتهم المؤسسة لانتهاكات حرية الصحافة والإعلام خلال عام 2020 كانت نسبة الانتهاكات ضد الصحفيين على خلفية مواضيع صحفية على علاقة بالجائحة بنسبة 30% تقريبًا.

ويُظهر الرصد ارتفاعًا ملحوظًا للانتهاكات ضد حرية الصحافة خلال شهري إبريل ومايو بالمقارنة بباقي الشهور خلال السنة، وهي الفترة التي بدأت أعداد الإصابة تتزايد فيها بنسبة كبيرة خلال الموجة الأولى. ألقت قوات الأمن القبض على ثلاثة صحفيين على خلفية تغطياتهم الخاصة بأزمة انتشار كوفيد-19.

ثانيًا: الثقافة والإبداع بين الرقمنة وتأثيرات الجائحة:

أبقت الجائحة أغلب المواطنين في منازلهم، مما أدى إلى لجوء الكثيرين إلى منصات التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت ومشاركة مقاطع الفيديو على حساباتهم الخاصة. خاصة مع بدء تطبيق إجراءات الإغلاق وحظر التجول على عموم البلاد في مارس 2020، وأدت هذه الظروف إلى توفير أكبر لأشكال مختلفة من التعبير الرقمي لمنتجات ثقافية وترفيهية، شخصية ومؤسسية، وكذا رسمية وغير رسمية.

وفي الوقت الذي رصدت فيه المؤسسة جهودًا إيجابية من وزارة الثقافة في إتاحة إصدارات متنوعة لها، وكذا زيارات افتراضية إلى متاحف مختلفة، من خلال حملة “خليك في البيت.. الثقافة بين إيديك”، والذي أطلقته وزارة الثقافة في مارس 2020،[9] إلا أن تعامل الأجهزة الأمنية وكذا النيابة العامة مع المنتجات الترفيهية وأشكال التعبير عن الرأي للعديد من المواطنين كان خطوة في الطريق المعاكس، بتشديد القبضة الأمنية، والقبض على خلفية التعبير عن الرأي، أو تقديم منتجات ترفيهية على الإنترنت، كفيديوهات الرقص على تطبيق التيك توك.

وفيما يلي نستعرض أبرز الأنماط والتأثيرات التي صاحبت الجائحة على الثقافة والإبداع والحقوق الرقمية في مصر خلال عام 2020:

  • مشاركة الفيديوهات الترفيهية على الإنترنت كجريمة: شهد عام 2020 حملة أمنية قادتها النيابة العامة المصرية ضد مستخدمي منصة التواصل الاجتماعي تيك توك، وخاصة الفتيات والنساء. وثّقت مؤسسة حرية الفكر والتعبير محاكمة ومعاقبة تسع نساء بالسجن _ما بين سنتين وست سنوات_ في 2020 في مثل هذه القضايا.

يرتكز هذا الهجوم على حرية التعبير والخصوصية على شبكة الإنترنت، على قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، رقم 175 لسنة 2018. تجرم المادتان 25 و26 من هذا القانون “الاعتداء” على المصطلحات الغامضة وغير المحددة الممثلة في “مبادئ أو قيم الأسرة في المجتمع المصري” و”الآداب العامة”. إن ممارسة السلطات المصرية في الحالات المذكورة أعلاه مستندة إلى ذلك القانون، تكشف عن فهمها الأبوي والمتسلط للأخلاق وقمع الحريات من هذا المنطلق.

إن القانون رقم 175 لسنة 2018 ليس فقط مخالفًا للدستور، بالنظر إلى المادة 65 من الدستور المصري التي تضمن حرية الفكر والتعبير، ولكن يغلب عليه تناقض واضح مع التزامات مصر بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في حرية الفكر والتعبير، والحق في الخصوصية والحق في عدم التعرض للاعتقال أو الاحتجاز التعسفي. وفي ملاحظة ذات صلة، فإن المادة 178 من قانون العقوبات المصري التي تعاقب على “انتهاك الآداب العامة” تشارك نفس الجوانب الإشكالية للمادتين 25 و26 من القانون رقم 175.

  • تحول رقمي لإصدارات وزارة الثقافة المصرية: كمواكبة للحدث، برز اهتمام وزارة الثقافة المتزايد بالتواجد على الإنترنت أثناء الجائحة، حيث عملت مع بداية الأزمة على اتخاذ خطوات جادة لمواجهة انتشار الفيروس، عن طريق تدشين حملة “الثقافة أون لاين”، أتاحت من خلالها أشكالًا من الإنتاج الثقافي الرسمي مجانًا عبر منصاتها، وذلك انطلاقًا من دورها في نشر الثقافة بوجه عام، وثقافة مواجهة أزمة وباء عالمي بشكل خاص.

بادرت وزارة الثقافة للمرة الأولى برقمنة وإتاحة أعمالها الفنية من حفلات ومسرحيات ولوحات ومنحوتات للجمهور عبر نوافذها الإلكترونية ومواقعها المختلفة، وذلك في إطار مشروع “خليك في البيت.. الثقافة بين إيديك”، والذي أطلقته وزارة الثقافة في مارس 2020، لتشجيع المواطنين على الالتزام بإجراءات الحظر للحد من سرعة انتشار الجائحة، وقد نجحت الوزارة في إعادة إحياء قناتها على اليوتيوب، والتي دشنتها في عام  2013، ولم تحدث منذ سنوات، وقد وصلت إحصائيات القناة بسبب تحديث المحتوى منذ مارس إلى 2,357,250 مشاهدة، و110 ألف مشترك، بعد أن كانت لا تتعدى مشاهدتها العشرات فقط.

  • استمرار أعمال الإنتاج الفني على حساب الصحة العامة: دارت أزمة على خلفية استمرار تصوير المسلسلات والإعلانات لعام 2020، ومطالبات شركات الإنتاج بضرورة استمرار العمل، وهو ما عارضه عاملون بالوسط الفني، مطالبين بضرورة تدخل النقابات لوقف العمل في القطاع الفني أسوة بباقي القطاعات، من أجل ضمان الصحة العامة، وسلامة العاملين. لكن[10] نقيب المهن التمثيلية أشرف زكي صرح بعد اجتماعه مع صناع الدراما في مصر إنه “حينما تتوقف الحياة تمامًا في مجالات كثيرة، يمكن وقتها أن نقول لجميع الفنانين توقفوا عن العمل”.

ثالثًا: الحرية الأكاديمية والحقوق الطلابية

أوقف الرئيس عبد الفتاح السيسي الدراسة في المدارس والجامعات في عموم جمهورية مصر العربية لمدة تقترب من ستة أشهر من عام 2020، وذلك ضمن إجراءات مجابهة تفشي فيروس كوفيد-19. [11]ويأتي هذا الانقطاع عن الدراسة ضمن انقطاع عالمي هو الأكبر في نظم التعليم في التاريخ، وفقًا للأمم المتحدة.[12]

كان هذا قرارًا منطقيًّا، لكنه لم يكن كافيًا. فبعد انتظام الدراسة في ظل عدم اتباع سياسات تتسم بالشفافية وتداول المعلومات للمساعدة في توفير بيانات ومعلومات صحيحة لمواجهة خطر الجائحة خصوصًا في قطاع التعليم العالي الذي يضم أكثر من ثلاثة ملايين طالب قد يواجهون خطر الإصابة بكورونا نتيجة الخوف من انتقاد الإجراءات الاحترازية والوقائية داخل المنشآت الجامعية.

وبالرغم من إيقاف الدراسة أغلب الوقت المخصص لها في عام 2020، فإن وتيرة انتهاكات الحرية الأكاديمية لم تتراجع، مع استمرار الحبس الاحتياطي المطول لأساتذة جامعات على خليفة تعبيرهم عن آرائهم، ومنع باحثين من السفر وحبس آخرين عائدين، بالإضافة إلى الانتهاكات الإدارية التي قامت بها إدارات الجامعات فقد هدفت إلى التضييق على حرية الفكر والتعبير للطلاب وأساتذة الجامعات لمواجهة أي انتقادات توجه إلى الإجراءات الاحترازية التي تطبقها الجامعات للتصدي لانتشار الجائحة وسياسة التعتيم على المعلومات والإصابات داخل المنشآت التعليمية.

  • محاكمة الأساتذة الجامعيين على الأفكار ونقاشات التدريس: في نوفمبر 2020، تم إيقاف الأستاذ بالمعهد العالي للخدمة الاجتماعية بالإسكندرية محمد مهدلي[13] عن العمل، بعد إحالته إلى التحقيق على خلفية انتشار مقطع مصور، يُظهر نقاشًا بينه وبين طلابه في إحدى المحاضرات، اتهم بسببه بالإساءة إلى الإسلام. بينما قالت وزارة التعليم العالي أنها تلقت شكوى من طلاب بالمعهد، قررت بعدها إيقاف الأستاذ محمد مهدلي إلى حين الانتهاء من التحقيق في الواقعة.

 وبحسب تصريحات لمهدلي، فإن المقطع المنتشر تم اجتزاؤه من سياقه وأنه لم يقصد أي إساءة. وكان قد انتشر مقطع مصور من إحدى محاضرات مهدلي يتحدث فيه عن مهر الزواج في الإسلام، واعترض أحد الطلاب على طرح الأستاذ، مستشهدًا بآية قرانية، لينفعل مهدلي ويطرد الطلاب المعترضين خارج القاعة.

وبانتهاء التحقيق بإقرار مهدلي بصحة الوقائع الموجودة في مقطع الفيديو المنتشر، قررت وزارة التعليم العالي إحالة الواقعة إلى النائب العام للتحقيق في ارتكاب الدكتور مهدلي جرائم ازدراء الأديان، وإهانة ثوابت الشريعة الإسلامية، وسب الطلاب _كما ورد في نص التحقيق_ كما أحال وزير التعليم العالي مهدلي إلى مجلس تأديب المعاهد العليا الخاصة مع استمرار وقفه عن العمل. ومن جهة تحقيقات النيابة فقد تقرر حبس الدكتور محمد مهدلي 4 أيام على ذمة التحقيقات في اتهامه بازدراء الأديان وتحليل زواج المحارم. توفي مهدلي، في 24 ديسمبر 2020، إثر تدهور حالته الصحية.

  • حبس الأساتذة الجامعيين: ألقي القبض على الدكتور أحمد التهامي[14] أستاذ مساعد العلوم السياسية بكلية الدراسات الاقتصادية والسياسية بجامعة الإسكندرية، في 3 يونيو 2020، وظل قيد الاختفاء القسري في مقر الأمن الوطني بالقاهرة لمدة 17 يومًا، إلى أن تم عرضه على النيابة في 20 يونيو، وقررت حبسه على ذمة القضية رقم 649 لسنة 2020 أمن دولة عليا. وجهت إليه النيابة اتهامات: الانضمام إلى جماعة إرهابية، نشر أخبار وبيانات كاذبة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. وركز تحقيق النيابة مع التهامي على اتهامه بالتعاون مع الناشط المصري المقيم في الولايات المتحدة محمد سلطان في الدعوى التي أقامها ضد رئيس الوزراء الأسبق حازم الببلاوي، بينما نفى مقربون منه حدوث ذلك. وعانى التهامي من ظروف احتجاز سيئة منذ القبض عليه، حيث يقيم في غرفة احتجاز بها 30 شخصًا، فضلًا عن حرمانه التريض، ومنع أسرته من زيارته حتى شهر أكتوبر 2020.

رابعًا: تأثيرات الجائحة على أوضاع المحبوسين في قضايا حرية التعبير

نشرت منظمة الصحة العالمية عددًا من الاحتياطات التي على كل فرد اتخاذها لتجنب العدوى، من بين هذه الاحتياطات الحفاظ على نظافة اليدين باستخدام المطهرات، إلى جانب الحفاظ على مسافة متر على الأقل بين الفرد والآخرين.[15] هذه الاحتياطات رغم سهولة تطبيقها، فإن تنفيذها في السجون يصبح أصعب، وذلك وفقًا للجنة الدولية للصليب الأحمر التي صرحت بأن السجون بيئة خصبة لانتشار الأمراض المعدية وتفاقمها، مع الأخذ في الاعتبار أن المنظومة الصحية في السجون تكون أكثر تردِّيًا عما هو في خارجها.[16]

بدلًا من اللجوء إلى إطلاق سراح المساجين غير الخطرين والمحبوسين احتياطيًّا تفاديًا لانتشار العدوى كما هو الحال في بلدان مختلفة، وتلبية دعوة مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان،[17] أعلنت وزارة الداخلية تعليق الزيارات بالسجون اعتبارًا من 10 مارس “حرصًا على الصحة العامة وسلامة النزلاء.”[18]

ورغم الدعوات المختلفة، لإطلاق سراح المحتجزين تجنبًا لتفشي الجائحة في السجون، زادت أعداد المحبوسين احتياطيًّا على خلفية ممارسة حقهم في التعبير عن الرأي، حيث انضم إلى قائمة المحتجزين خلال العام المنصرم، عدد من الصحفيين، والباحثين، إلى جانب مواطنين آخرين ألقي القبض عليهم على خلفية اشتراكهم في وقفات أو تظاهرات، أو استخدامهم منصات التواصل الاجتماعي.

لم تَلقَ المطالبات الحقوقية العديدة لوزارة الداخلية، استجابة طوال عام 2020. وتمثلت أبرز تلك المطالبات في الالتزام بالشفافية، والإفصاح عن أعداد وأماكن المحتجزين المصابين بفيروس كورونا المستجد، فضلًا عن تمكين المحتجزين من التواصل مع العالم الخارجي، احترامًا لما تنص عليه القوانين المصرية، والدولية. ويظل الوضع حتى الآن مبهمًا، ويستدعي القلق على حياة جميع المحتجزين في مصر.[19] خاصة بعدما استغلت الحكومة انتشار الفيروس، لتُجري تغييرات على آليات تجديد حبس المتهمين، إلى جانب حرمانهم حقهم القانوني في التواصل مع العالم الخارجي، بدعوى تطبيق إجراءات احترازية لمواجهة الجائحة.

  • قطع التواصل بين الآلاف من المحبوسين وأهاليهم ومحاميهم: ظلت وزارة الداخلية مصرة على الإبقاء على المحتجزين داخل السجون في ظل الأوضاع المعيشية المتردية، ومع تسارع وتيرة انتشار الجائحة، لم تسمح مصلحة السجون بوجود بديل من الزيارات للحفاظ على حق المحتجزين وذويهم في التواصل، رغم أن المادة 38 من قانون تنظيم السجون تنص على حق التراسل والاتصال التليفوني بمقابل مادي لجميع المحتجزين بغض النظر عن موقفهم القانوني. فمنذ إعلان وزارة الداخلية عن إجراءاتها الاحترازية لمواجهة تفشي الجائحة في السجون، والتي تلخصت في منع الزيارة بشكل تام، لمدة استمرت خمسة أشهر انقطع خلالها المحتجزون بشكل شبه كامل عن ذويهم ومحاميهم، ليتحول بعد ذلك نظام الزيارة إلى شكل يختلف عن ذلك الذي ينص عليه قانون تنظيم السجون. وفي ظل تعليق الزيارات التي يعتمد عليها أغلب المحبوسين احتياطيًّا للحصول على متعلقاتهم الشخصية، من ملابس وأدوات نظافة، زاد القلق على صحة المحتجزين، خاصة في ظل انتشار أخبار عن إصابات بالفيروس بين العاملين بالسجون، ووجود حالات وفيات بين المحتجزين اضطر بعض المحتجزين إلى اللجوء إلى القضاء لتمكينهم من الحصول على المطهرات والمنظفات.[20]
  • تمديد الحبس الاحتياطي، وزيادة عدد المحبوسين: من المفترض أن الحبس الاحتياطي إجراء احترازي وليس عقوبة، ووفقًا للمادة 201 من قانون الإجراءات الجنائية، توجد عدة بدائل له، مثل: إلزام المتهم بعدم مبارحة مسكنه أو موطنه، أو إلزام المتهم بأن يقدم نفسه إلى مقر الشرطة في أوقات محددة، أو حظر ارتياد المتهم أماكن محددة. رغم ذلك تتمسك السلطة القضائية في مصر بالإبقاء على المحبوسين احتياطيًّا رهن الاحتجاز، ونادرًا ما لجأت إلى إجراءات احترازية بخلافه.
  • استمرار ظاهرة تدوير المتهمين وإدراجهم على ذمة قضايا جديدة: استمرت وتزايدت ظاهرة تدوير المتهمين وإدراجها على ذمة قضايا جديدة، والتي تقترن غالبًا بتعرض أولئك المتهمين لفترة من الاختفاء القسري، ليظهروا بعد ذلك وتحقق معهم النيابة بسبب نفس الاتهامات الخاصة بالقضية الأولى والتي تم إخلاء السبيل على ذمتها، وهو ما يُظهر إصرارًا على احتجاز أفراد بعينهم، وتوقيع عقوبات استباقية بحقهم، باحتجازهم في ظروف الجائحة التي تشكل خطرًا على الصحة العامة، دون إحالتهم إلى المحاكمة.

يظهر ذلك على سبيل المثال في القضية 855 حصر أمن الدولة لسنة 2020، والتي ضمت كلًّا من المحامين الحقوقيين: محمد الباقر، وماهينور المصري، وعمرو إمام، إلى جانب الصحفيين إسراء عبد الفتاح وسولافة مجدي، ومحمد صلاح حيث تم تدويرهم جميعًا على ذمة هذه القضية في نفس الوقت الذي كانوا محبوسين احتياطيًّا على ذمة قضايا أخرى.

  • الموت داخل السجون نتيجة الإهمال الطبي: في صباح يوم 2 مايو 2020، توفي الشاب شادي حبش في محبسه بسجن طرة، نتيجة للإهمال الطبي. كان حبش قد انقطع عن التواصل عن أهله نتيجة قرار تعليق الزيارات بالسجون منذ مارس 2020، فضلًا عن أنه قد قضى 26 شهرًا من الحبس الاحتياطي، بمخالفة القانون وذلك بسبب عدم قيام الدائرة المسؤولة عن النظر في أمر حبسه بإطلاق سراحه بعد انتهاء مدته القانونية. كان سبب حبس شادي احتياطيًّا عندما كان يبلغ من العمر 22 عامًا، هو اتهامه في القضية 480 حصر أمن الدولة لسنة 2018، بسبب اشتراكه في إصدار أغنية مصورة بعنوان: “بلحة” تنتقد عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية.[21] لم تصر السلطات المصرية على احتجاز المحبوسين احتياطيًّا في ظل انتشار الجائحة فقط، بل أبقت على شادي حبش الذي مات في السجن دون وجود أي مبرر قانوني لتقييد حريته.
  •  تكنولوجيا الاحتجاز التعسفي: في ذروة موجة الجائحة الأولى، ودون حضور المتهمين أو دفاعهم، وفي اختصار مُخلٍّ لعمليات النظر في أمر تجديد الحبس الاحتياطي، قامت دوائر الإرهاب التابعة لمحكمة جنايات القاهرة، بتمديد حبس 1600 متهم على الأقل في الفترة من 4 إلى 6 مايو 2020. معظم أولئك المتهمين تم إلقاء القبض عليهم بسبب انخراطهم في العمل العام، أو بسبب تعبيرهم عن آرائهم بشكل سلمي، وجاء هذا التمديد بأثر رجعي.[22]

في 18 أكتوبر 2020، أعلنت وزارة العدل عن إطلاق نظام لتجديد حبس المتهمين احتياطيًّا عن بعد، لعدة أسباب من بينها: “تقليل فرص انتشار كورونا بين المحبوسين والمواطنين”.[23] البداية كانت بربط محكمة القاهرة الجديدة بكل من سجن طرة العمومي، و15 مايو والنهضة المركزيين، وعلى سبيل التجربة تم اتصال القاضي بالمتهمين داخل محبسهم، وبحضور دفاعهم من خلال شبكات تليفزيونية، على أن يتم تعميم المشروع بين باقي المحاكم والسجون. للوهلة الأولى يبدو المشروع خطوة في اتجاه حماية المحتجزين والمحامين والقضاة من خطر العدوى، وفي نفس الوقت طريقة للحفاظ على سلامة الإجراءات القانونية. إلا أنه بالتمعن أكثر في هذا النظام الجديد، يتضح أن الحكومة المصرية تصر على التوسع في استخدام الحبس الاحتياطي الممتد بدلًا من إطلاق سراح المحتجزين لتخفيف التكدس بالسجون.

بشكل عام، ترحب مؤسسة حرية الفكر والتعبير بالاتجاه نحو رقمنة عمليات التقاضي، والذي بدأ بالإعلان عن رفع الدعاوى ومباشرتها عن بعد، خاصة في حال إذا ساعد هذا التوجه على تسهيل الإجراءات القانونية، واختصار كَمٍّ من الوقت والمجهود في سبيل الوصول إلى العدالة. لكن تظل بعض الأسئلة قائمة عما إذا كان سيتم أخذ بعض الأمور في الاعتبار، مثل سهولة الوصول إلى هذه الخدمة وتحقيق العدالة الجغرافية، وضمان الأرشفة والتوثيق، فضلًا عن إتاحة البيانات، والأمان الرقمي.

من ناحية أخرى، تظهر أسئلة حول دوافع الاتجاه إلى استخدام التكنولوجيا في إطار العدالة الجنائية، وخاصة في أمرٍ مثل تجديد الحبس الاحتياطي، حيث يظهر عدد من العقبات في تطبيق التجديد الإلكتروني للحبس الاحتياطي، أولها هو فصل المتهم عن محاميه، حيث يتحول التواصل بينهما ليصبح افتراضيًّا، مما يضر بتمثيل الدفاع، وجدية التواصل. فضلًا عن أن الإبقاء على المتهم داخل السجن دون تواصله مع أي شخص سوى موظفي وزارة الداخلية من ضباط يبقون معه بعد إدلائه بأقواله أمام الكاميرا يطرح سؤالًا ملحًّا: ما الذي يضمن أن المتهم الماثل أمام الكاميرا لا يتعرض لضغط أو إكراه يتحكمان فيما يقوله في التحقيقات؟ رغم أن النظام الإلكتروني الجديد ظاهره هو التطور، فإن خطوة مثل هذه لا بد أن لا تأتي إلا بعد دراسة حقيقية، واستخدامها لتعزيز حقوق الإنسان وضمانات المحاكمة العادلة، لا تكريس الظلم.

خاتمة وتوصيات

انطلقت ثورة 25 يناير، منذ عشرة أعوام، بمسيرات وتظاهرات، بالتزامن مع تحول وسائل التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت إلى أدوات فعالة للتعبير عن الرأي، وكما استخدمها المواطنون، بدأت الحكومة والأجهزة الرسمية في اللجوء إلى هذه المنصات باعتبارها منابر رسمية لنشر خطابها بالمقابل.

حاولت مؤسسة حرية الفكر والتعبير من خلال تقريرها السنوي لعام 2020 الوقوف على وضع حرية الفكر والتعبير مع نهاية عقد بدا مبشرًا في بدايته، حيث كان التظاهر والتعبير عن الرأي، وتداول المعلومات والبيانات بوضوح وشفافية ضمن ما طمحت الثورة المصرية إلى ترسيخه.

تزامن انتشار فيروس كورونا في مصر مع مطلع عام 2020، ما أعطى منظورًا مختلفًا عند تقييم أوضاع ملفات، مثل: حرية التعبير والإبداع والحرية الأكاديمية والحقوق الطلابية، إلى جانب الحقوق الرقمية وحق التظاهر والتجمع السلمي. وفي وقت يتسم بالاستثنائية، يمكن القول إن الوضع يتشابه مع لحظة اندلاع الثورة ويختلف في آن واحد. حيث غابت مطالبات الثورة ولم يعد ممكنًا الدعوة إلى التظاهر أو استخدام الإنترنت كمنصة خطاب حر دون التفكير في العقبات والتوابع  الناتجة عن مثل تلك الأفعال، بينما تضيف الجائحة عبئًا وتحديًا جديدًا عند التفكير في أمور مرتبطة بالشفافية وحرية تداول المعلومات.

بينما تشجع المؤسسة محاولات الدولة في الاتجاه نحو الرقمنة، والذي ظهر في إتاحة وزارة الثقافة لأعمالها الفنية والثقافية عبر منصاتها على الإنترنت، فضلًا عن إعلان وزارة العدل شروعها في التوجه إلى التقاضي الإلكتروني، الأمر الذي يجب دراسته بتأنٍّ، ومراعاة الحفاظ على حقوق وحريات المتقاضين، خاصة أولئك الذين يتعاملون في إطار التقاضي الجنائي، حتى لا تتحول هذه الرقمنة إلى أداة جديدة للانتهاك.

ترى مؤسسة حرية الفكر والتعبير في تقييمها لعام 2020، أن وضع الحقوق والحريات المرتبطة بالفكر والتعبير في تراجع وتهديد مقلق، وتؤكد المؤسسة على أن الوضع يستلزم التفاتًا جادًّا من مؤسسات الدولة للتأكيد على التزامها، خصوصًا في ظل جائحة عالمية أدت إلى إصابة الملايين من البشر حول العالم، وعليه تتوجه المؤسسة بطرح التوصيات التالية:

أولًا: على السلطة القضائية ممثلة في النيابة العامة ومحاكم الجنايات ودوائر الإرهاب، العمل على الإفراج الفوري عن جميع المحبوسين احتياطيًّا من الصحفيين والنشطاء السياسيين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي والأطباء والطلبة والأكاديميين في القضايا المتعلقة بنشر معلومات كاذبة عن جائحة كورونا، والمتهمين بالاعتداء على “مبادئ أو قيم الأسرة في المجتمع المصري” أو “الآداب العامة”. فضلًا عن حفظ القضايا الجارية، والتي لا تتضمن أحرازًا أو أدلة حقيقية، من شأنها إدانة المتهمين.

ثانيًا: على مجلس النواب المصري إصدار قانون حرية تداول المعلومات، وسرعة النظر فيه تمهيدًا لإصداره وتفعيله في أقرب وقت ممكن.

ثالثًا: على مجلس الوزراء المصري، ممثلًا في وزارة الصحة، الإفصاح عن جميع البيانات المرتبطة بالوضع الصحي في مصر في ظل انتشار فيروس كورونا، بما في ذلك البيانات المرتبطة بأعداد الإصابات والوفيات والمسحات التي تم إجراؤها، والإعلان بشكل واضح عن تفاصيل اللقاح وخطوات الحصول عليه.

رابعًا: على السلطة التنفيذية ممثلة في الهيئات التنظيمية لوسائل الإعلام، أو جهات غير معلنة بالوكالة من أجهزة حكومية، أن تتوقف عن ممارسات حجب المواقع الإلكترونية.

خامسًا: على وزارة الداخلية، الإفصاح عن سياسات مجابهة الجائحة في أماكن الاحتجاز، وتمكين السجناء والأشخاص المقيدة حريتهم من التواصل مع ذويهم ومحاميهم.

[1] مشروع قانون حرية تداول المعلومات، الموقع الرسمي للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، رابط: https://bit.ly/2z64Hnk

[2]  تقرير عن نتائج أعمال لجنة تقصي الحقائق بشأن الجرائم والتجاوزات التي ارتكبت خلال أحداث ثورة 25 يناير 2011. المجلس القومي لحقوق الإنسان، 2011. ص 22.

[3]  موقع Egypt Care رابط:

https://www.care.gov.eg/EgyptCare/index.aspx

[4]  الهيئة العامة للاستعلامات، سحب اعتماد مراسلة "الجارديان" في مصر وتوجيه إنذار لمراسل "نيويورك تايمز" 17 مارس 2020، آخر زيارة 30/12/2020، رابط:  https://bit.ly/3p04zKW.

[5]   Ruth Michaelson, The Guardian, Egypt: rate of coronavirus cases 'likely to be higher than figures suggest', 15 March 2020, Last visit, 12 February 2021, Link: https://cutt.ly/VkLUazK

[6]  Michael Safi, The Guardian, Egypt forces Guardian journalist to leave after coronavirus story, 26 March 2020, last visit 12 February 2021, Link: https://cutt.ly/TkLUO2r

[7] مجلة القاهرة الكوفيدية، إصدار غير دوري، العدد الأول مايو – يونيو 2020، آخر زيارة 9 فبراير 2021، رابط: https://drive.google.com/file/d/1ugzFsU5O-pYF6YGH2KBcNfvuQCSpFBu_/view

[8]  مؤسسة حرية الفكر والتعبير، إخلاء سبيل جيلان حفني مسؤولة معمل الصور بمركز الصورة المعاصرة، 16 سبتمبر 2020، رابط:

https://afteegypt.org/law_unit/law_unit_news/2020/09/16/19983-afteegypt.html

[9]  وزير الثقافة تطلق المبادرة الإليكترونية: "خليك في البيت.. الثقافة بين إيديك" على شبكة الإنترنت، موقع وزارة الثقافة، 22 مارس 2020، آخر زيارة 10 فبراير 2021، رابط:https://bit.ly/2Y6la46

[10] أحمد حمدي، المال، دراما رمضان تتحدي "كورونا" والتصوير مستمر.. وأشرف زكي: الفن صناعة هامة،  31 مارس 2020، آخر زيارة 10 فبراير  2021، رابط:

https://bit.ly/365aLtW

[11] سي إن إن عربية، مصر.. السيسي يوجه بتعليق الدراسة في الجامعات والمدراس لأسبوعين بسبب فيروس كورنا، 14 مارس 2020، آخر زيارة 10 فبراير 2021 رابط: https://cnn.it/39dzOg1

[12] الأمم المتحدة، موجز سياساتي التعليم أثناء الجائحة كوفيد-19 وما بعدها، أغسطس 2020، آخر زيارة 10 فبراير 2021، رابط: https://bit.ly/3a09FRl

[13] مؤسسة حرية الفكر والتعبير، ازدراء الأديان.. ذريعة لقمع الحرية الأكاديمية، 31 ديسمبر 2020، رابط: https://bit.ly/3sMiZAV

[14] مؤسسة حرية الفكر والتعبير تطالب بإخلاء سبيل أستاذ مساعد العلوم السياسية أحمد التهامي ووقف التدخلات في العمل الأكاديمي، 2 نوفمبر 2020، رابط : https://bit.ly/3c3yEph

[15] منظمة الصحة العالمية، مرض فيروس كورونا (كوفيد-19): سؤال وجواب، آخر زيارة 23 يناير 2021، رابط:  https://cutt.ly/yjC3Cvn

[16] ICRC, COVID-19: Protecting prison populations from infectious coronavirus disease,last visit March 11 2020, link: https://www.icrc.org/en/document/protecting-prison-populations-infectious-disease?utm_source=twitter

[17] أخبار الأمم المتحدة، مفوضية حقوق الإنسان لرؤساء حكومات العالم: لا تنسوا القابعين خلف القضبان خلال جهود التصدي لفيروس كورونا، 25 مارس 2020، آخر زيارة 23 يناير 2021، رابط: https://news.un.org/ar/story/2020/03/1052032

[18] محمود عبد الراضي، اليوم السابع، تعليق الزيارات بالسجون 10 أيام حرصًا على الصحة العامة وسلامة النزلاء، 9 مارس 2020، آخر زيارة 23 يناير 2021، رابط: https://cutt.ly/AjC7Xos

[19] بيان مشترك، منظمات حقوقية تطالب النائب العام ووزير الداخلية بالإفصاح عن حقيقة أعداد وأماكن المصابين بكوفيد-19 في أماكن الاحتجاز، 11 يونيو 2020، آخر زيارة 23 يناير 2021، رابط: https://cutt.ly/qjC5bp4

[20] مؤسسة حرية الفكر والتعبير، حجز دعوى محمود شحاتة للسماح بإدخال مستلزمات طبية وقائية من "كوڤيد-19" للسجن للحكم في جلسة 15 أغسطس، 5 يوليو 2020، آخر زيارة 23 يناير 2021، رابط:https://afteegypt.org/law_unit/2020/07/05/19653-afteegypt.html

[21] مؤسسة حرية الفكر والتعبير، وَفاةٌ مُعلنةٌ وانتهاكات مسكوت عنها.. تقرير عن وقائع وفاة شادي حبش، 13 سبتمبر 2020، رابط: https://afteegypt.org/publications_org/2020/09/13/19941-afteegypt.html

[22] منظمة العفو الدولية، مصر: المحكمة تمدد الحبس الاحتياطي تعسفيًّا لما يزيد عن 1600 متهم، 17 مايو 2020، آخر زيارة 23 يناير 2021، رابط: https://cutt.ly/yjC4rKe

[23] الهيئة العامة للاستعلامات، وزارة العدل تطلق نظام تجديد الحبس الإلكتروني عن بعد، 18 أكتوبر 2020، آخر زيارة 23 يناير 2021، رابط : https://cutt.ly/WjC4beR
ذات صلة