مؤسسة حقوقية مصرية تعمل على دعم وتعزيز حرية التعبير

باب مقفول.. ورقة عن العضوية كمدخل لنقابات فنية مستقلة في مصر

 

إعداد: سارة رمضان – باحثة بوحدة الأبحاث

 

قائمة المحتويات:

منهجية الورقة

مقدمة

عضوية النقابات حق دستوري

العضوية أداة لتعزيز استقلالية النقابات

كيف أصبحت العضوية سيفًا مصلتًا على رقاب المبدعين؟

  • تحديد مفهوم الإبداع وفقًا لعضوية النقابات
  • معاقبة مبدعي النقابات

خاتمة وتوصيات

 

منهجية الورقة

اعتمدت الورقة في التحليل على البحث المكتبي وتجميع الأخبار والبيانات والتصريحات المتعلقة بالنقابات، كما ارتكنت في تدليلها على سياسات النقابات الفنية الحالية في مصر إلى رصد جوانب من الانتهاكات بحق جماعة المبدعين كانت المؤسسة قد وثقتها في بيانات وتقارير سابقة في الفترة من 2014 وحتى الآن، وأخيرًا القوانين المتعاقبة وتعديلاتها المختلفة واللوائح الداخلية والتي نظمت عمل النقابات في مصر في أزمنة مختلفة بالتركيز على القانون رقم 35 لسنة 1978 بشأن إنشاء نقابات واتحاد نقابات المهن الموسيقية والتمثيلية والسينمائية.

مقدمة

على الرغم من أن الدستور المصري أكد بوضوح على الحق في تكوين وتنظيم عمل النقابات وإدارتها على أسس ديمقراطية (مواد 76، 77)، فالممارسات على أرض الواقع تختلف، حيث تعكس تضييقًا على الانضمام إلى عضوية النقابات الفنية، وملاحقة المبدعين غير الأعضاء، إضافة إلى معاقبة المبدعين والفنانين الأعضاء على خلفية تعبيرهم عن آراء قد لا تروق لمجلس إدارة النقابات أو النقيب.

تتعدد أشكال ملاحقة الفنانين والمبدعين ومحاصرة أعمالهم، حيث تعزز في السنوات الأخيرة التنسيق بين النقابات الفنية والجهات الأمنية من ناحية، والأجهزة الرقابية من ناحية أخرى، يظهر ذلك في موقف نقابة المهن الموسيقية بقيادة النقيب هاني شاكر، والتي شنت حملة إعلامية وأمنية شرسة لضمان تنفيذ قرار منع مطربي المِهرجانات من الغناء، وحررت بلاغات ضد عدد منهم، إما بسبب الغناء في أماكن عامة[1] وإما لإطلاق أغانٍ جديدة على شبكة الإنترنت[2].

ويؤدي استمرار لعب النقابة أدوارًا مماثلة إلى تحول مفهوم النقابات وإفراغه من مضمونه، بحيث تصبح عملية الانضمام إلى النقابات، التي من المفروض بها أن تكون طواعية لحفظ الحقوق، إلى باب اضطراري لإنتاج المحتوى في مصر، وعبء على الجماعة الفنية. وتجدر الإشارة إلى أن قدرة النقابات الفنية على السيطرة على الإنتاج الثقافي  في مصر محدودة خاصة مع وجود رقمي رحب تتكشف مساراته يومًا بعد يوم، مع دخول منصات المحتوى الرقمي عملية الإنتاج، ما يحيل هذه النقابات مع الوقت إلى أن تصبح كيانات طاردة يتخطاها الفنانون وصناع المحتوى.

رسم القانون الأول لإنشاء النقابات رقم 85  لسنة 1948 ملامح أولية لدور النقابات الفنية، وتضمَّن _رغم مساوئه_ أن تتحرك النقابات لتكون كيانات طوعية ومتنوعة، تعمل كجهة لتنظيم المهنة من أجل ضمان مصالح الأعضاء. وعليه فمن اللازم أن تنظر النقابات الفنية إلى عضويتها والشروط المتعسفة التي تضعها في الوقت الراهن لفرز العضويات الجديدة، وعدم النظر إلى إمكانية شطب العضوية كوسيلة تأديب سياسي وأخلاقي للأعضاء. وما يعد أولوية الآن، هو حث النقابات على الكف عن التحقيق مع الأعضاء ومساءلتهم في أمور تتخطى تنظيم أعمالهم.

إن انفتاح النقابات الفنية في مصر لِتَتَّسع وتضم أشكالًا وألوانًا مختلفة من الفنون يمارسها أفراد متنوعون_دون سلطة منها_ خطوة أولى لضمان التنوع بما ينعكس على تنوع مصادر الدخل بالنقابة. وضمان مصادر تمويل للنقابة _تقوم بشكل أساسي على تمويل الأعضاء الذاتي_ هو خطوة في طريق تحقيق استقلال مادي، وهو ما يؤدي إلى استقلالها السياسي، وزيادة قدرتها على ضمان ورعاية مصالح الأعضاء، وبالتبعية سيبادر العاملون في الوسط الثقافي والفني، إلى الانضمام إليها طواعية.

ومن منطلق الإيمان الكامل لمؤسسة حرية الفكر والتعبير بما يمكن أن يمثله وجود نقابات فنية مستقلة في مصر تدعم الإبداع، خاصة في ظل مشهد ثقافي مُؤمَم، فإن هذه الورقة تحاول تقديم قراءة في إمكانية تحول النقابات من كيانات طاردة بأبواب مقفولة أمام الأعضاء الجدد والمحتملين، إلى كيانات ترعى مصالح الأعضاء، تقف في صف حرية الإبداع ودعم المبدعين، وذلك من خلال تتبع أوضاع العضوية في النقابات من ثلاثة محاور رئيسية: أولًا، العضوية بوصفها حقًّا دستوريًّا، وثانيًا حول كيف يمكن أن تكون العضوية أداة تعزز من استقلالية النقابات، وأخيرًا، تعرض الورقة عددًا من الأمثلة عن تأثير العضوية الذي يمكن أن يصبح سلبيًّا، ومعارضًا لمصالح الفنانين والمبدعين، في حال تحول هدف وجود النقابات من كيان داعم إلى كيان رقابي.

عضوية النقابات حق دستوري

يقوم مبدأ العضوية للنقابات بوجه عام على الطواعية، بما يعني رغبة الأفراد الكاملة في الانضمام إلى صفوف النقابة للحصول على الدعم والامتيازات الممنوحة للأعضاء. وفي واقع الأمر فإن سلاح العضوية سواء بمنحها أو شطبها كان وسيلة النقابة العقابية “المُقننة” بحق العاملين في الوسط الثقافي والفني.

فتحَ القانونُ الأول لإنشاء النقابات في مصر باب العضوية، بحيث تكون لـ”كل عامل مصرى الجنسية بلغ من العمر خمس عشرة سنة على الأقل، ما لم يكن ممنوعًا بمقتضى القانون من الاشتغال بهذه المهنة”. وعلى الرغم من مساوئه فإنه ضَمِن أحقية المستثنين في إنشاء نقابة خاصة بهم ترعى مصالحهم، كما ضَمِن حرية عدم الانضمام إلى النقابة بالأساس.

وظلت القوانين المتعاقبة تمارس تضييقات واسعة فيما يخص شروط الانضمام والعضوية، التي أصبحت تعسفية إلى حد كبير. يظهر ذلك فيما خاضه المخرج سمير سيف ضد تلك الشروط التعسفية، وهو ما ستعرضه هذه الورقة بالتفصيل لاحقًا، لكن تجدر الإشارة هنا إلى حكم المحكمة الدستورية لصالحه في هذا الشأن، والذي جرى الالتفاف عليه عبر تعديلات شكلية فيما بعد.

 “حق العمال والمهنيين فى تكوين تنظيمهم النقابي، فرع عن حرية الاجتماع، وأن هذا الحق يتعين أن يتمحض تصرفًا إراديًّا حرًّا لا تتدخل فيه الجهة الإدارية، بل يستقل عنها، ليظل بعيدًا عن سيطرتها، لتكفل لكل عامل حق الانضمام إلى المنظمة النقابية التى يطمئن إليها… وفي أن ينعزل عنها جميعًا، فلا يلج أيًّا من أبوابها، وكذلك فى أن يعدل عن البقاء فيها مُنهيًا عضويته بها”.

حكم الدستورية العليا – الدعوى رقم 2 لسنة 15 قضائية[3]

على الرغم من أن الدستور المصري[4] نص على إنشاء نقابة واحدة لتنظيم كل مهنة، فإنه لم ينص على أن تتعدى النقابة اختصاصها فتصبح جهة تحتكر المهنة بدلًا من تنظيمها، وعلى هذا النحو فإن مطرب المِهرجانات مثلًا ليست لديه حرية الاختيار بين أكثر من نقابة موسيقية كما أن باب النقابة الوحيدة موصد في وجهه، محرومًا ليس فقط من المظلة والمزايا النقابية، وإنما من حق ممارسة فنه من الأصل. وذلك في الوقت الذي تكفل فيه المادة 67 من الدستور المصري حرية الإبداع الفني والأدبي وتحظر توقيع أية عقوبة سالبة للحرية على أي فنان بسبب عمله، كما تكفل المادة 71 نفس الحماية للجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية.

لكن على النقيض من المواد الدستورية، جاء القانون المنظِّم لعمل النقابات الفنية متجاهلًا هذه الحقوق والحريات والضمانات، وقد شدد في مادته 5 و5 مكرر على أنه لا يجوز العمل بأيٍّ من الأعمال التي تنظِّمها النقابة ما لم يكن الشخص حاصلًا على العضوية العاملة أو على تصريح عمل من النقابة، وإلا عُوقب بالحبس أو الغرامة أو كليهما. وقد خاضت المادتان صراعًا تشريعيًّا طويلًا على مدار سنوات، تغير خلالها النص، غير أن صيغته الحالية والتي جرى[5] تعديلها في عام 2003 هي الأشد مدعاة إلى القلق وقد أعقبت، ونقضت، تقدمًا قانونيًّا مهمًّا لصالح المبدعين وحرية الإبداع كانت قد رسَّخته المحكمة الدستورية العليا. وتجدر الإشارة هنا إلى أن المادتين محل الخلاف جزء أصيل من المعركة القانونية للنقابات الفنية ضد ممارسي المهنة من خارجها.

العضوية أداةً لتعزيز استقلالية النقابات

 بالتزامن مع إنشاء نقابتي الأطباء والمهندسين[6]، أَنشئت نقابة المهن الموسيقية[7] (1942)، ثمَّ وفي عام واحد (1943) أنشئت نقابة للممثلين لتشمل المسرح والسينما[8] تلتها نقابة لـ”جميع المحترفين في صناعة السينما”[9]، في ظل أزمة تخص اقتصاديات صناعة الأفلام في مصر، كنقابات عمالية تتبع وزارة الشؤون الاجتماعية، وذلك قبل تعديل شكلها القانوني فيما بعد لتصبح نقابات “مهنية”.[10]

عمد نظام يوليو 1952 إلى فصل المهنيين عن العمال وذلك  بإقراره قانونًا خاصًّا لتنظيم النقابات العمالية عام 1953[11] يختلف عن النقابات المهنية، حيث تنشأ كل منهما بقانون خاص، ويشير نشطاء نقابيون[12] إلى أن هذا الفصل المستمر إلى الآن هو نقطة حاسمة ومفصلية وسبب رئيسي في إضعاف الحياة النقابية في مصر. وبعد أزمة الديمقراطية في 1954، انتقل هذا الإضعاف إلى مستوًى جديد على صعيد النقابات الفنية عند صدور أول قانون لنقابات المهن الفنية الثلاث رقم 142 لسنة 1955، والذي أًلغي لاحقًا لصالح القانون[13] رقم 118 لسنة 1958، والذي بموجبه حظر على النقابة[14] والأعضاء الانشغال بالأمور السياسية أو الحزبية أو الدينية، والجمع بين عضويتي نقابة مهنية وعمالية، وذلك بعد أن تم تقنين وضع كل منهما على حدة، كما أوجد القانون عقوبات الحبس والغرامة ضد محترفي المهنة غير المقيدين بالنقابة.

وكان هذا ترسيخًا قانونيًّا للتضييق على النقابيين الفنيين تمتد آثاره حتى يومنا هذا. إذ ألغي القانون السابق، وأقر بدلًا منه القانون رقم 35 لسنة 1978 في إنشاء النقابات الفنية الثلاث، وتعد نقابات المهن التمثيلية والسينمائية والموسيقية نقابات مهنية منشأة طبقًا لهذا القانون.

ويمكن عزو جانب كبير من هذه التبعية النقابية إلى قانون ضمانات ديمقراطية النقابات المهنية رقم 100 لسنة 1993، والذي صدَّق عليه الرئيس الأسبق حسني مبارك بعد اجتماعه مع النقابات[15]، ربما في إطار تحجيم صعود تيار الإسلام السياسي في قيادة النقابات. وبعد التصديق على القانون استحال إجراء الانتخابات في معظم مجالس إدارات النقابات المهنية، وذلك لصعوبة تحقيق شرط انعقاد الجمعية العمومية بنسبة 50% + 1، وهو ما كان بمثابة نزع لسلطة النقابات التي كانت موازين القوى فيها موزعة بين تيارات سياسية مختلفة. وبالرغم من الحكم بعدم دستورية[16] هذا القانون في مطلع يناير 2011، وإجراء الانتخابات، فإن النظام الحالي قد عمد إلى تصفية جديدة مماثلة لصراع التيارات السياسية داخل النقابات (الثورية والليبرالية والمحسوبة على الإخوان وغيرها).

وفي سياق الحديث عن استقلالٍ سياسيٍّ للنقابات في مصر فلا يمكن تصور ذلك دون وجود ضمانة استقلال مادي. حيث تتلقى النقابات الفنية بموجب المادة 47 من قانونها الهبات والإعانات والتبرعات سواء من القطاع الحكومي أو الخاص، غير أن مصروفات النقابات الفنية تتخطى إيراداتها من مصدر تمويلها الأساسي وهو رسوم القيد والاشتراكات، وذلك في ظل عضوية تصل إلى الآلاف. في مقابل[17] 134 مليون جنيه قيمة مرتبات 41 عضوًا من العاملين بنقابة المهن الموسيقية لعام 2016، كانت إيرادات النقابة من مصدرها الأهم مليون جنيه، منهم 129 ألفًا فقط من مصاريف القيد.

ويجعل القانون في بابه الثاني النقابات المهنية الفنية جهازًا إداريًّا ينوب عن الدولة في دفع وتنفيذ الكثير من الالتزامات المالية والاجتماعية تجاه العاملين، ومنها منح التقاعد والعلاج، ولسداد هذه النفقات تقدم الدولة مساعدات مالية إلى النقابات سنويًّا، وقد قدرت قيمة المصروفات الخدمية للعام ذاته بمليون و300 ألف جنيه تقريبًا. لذا وجب النظر إلى الأعباء المادية التي تلقي بها الدولة على عاتق النقابة على أنها مكبلة، وعليه فيصبح من المهم إعادة البحث عن مصادر تمويل ذاتية قوامها النقابة وأنشطتها وأعضاؤها ورسومها، ما قد يفتح الباب أمام إعادة تولية “العضوية” أهمية بالنسبة إلى النقابة.

ورغم أن الدستور الحالي ينص على حق إنشاء النقابات والاتحادات على أساس ديمقراطي ويؤكد على كفالة استقلاليتها في مادته 76[18]، بينما يحدد أهدافها بأنها “تُسهم فى رفع مستوى الكفاءة بين أعضائها والدفاع عن حقوقهم، وحماية مصالحهم”، وعاد في مادته 77 يخص النقابة بتحديد إدارتها من خلال القانون المنظِّم على أساس ديمقراطي يكفل استقلاليتها، فإنه لا يمكن الحديث عن استقلال حقيقي وممكن لهذه الكيانات في ظل سلطة تمارس القمع بأشكال مختلفة يوميًّا. ويمكن رغم ذلك رسم محاولات حقيقية وإن كانت أولية، وخلق حوار بنَّاء حولها وتطويرها على أمل أن تساهم هذه المحاولات مجمعة في إحداث صدع في موقف النقابات من ناحية التزاماتها تجاه الأعضاء.

كيف أصبحت العضوية سيفًا مصلتًا على رقاب المبدعين؟

تبلغ عضوية النقابات الفنية الثلاث مجتمعة 47600 عضو وذلك بحسب آخر إحصاء نشر للمركز القومي للتعبئة العامة والإحصاء عام[19]2018. ومن الملاحظ[20] أن النقابات الفنية يتزايد عدد المنضمين إليها عامًا بعد عام بشكل مطرد _وإن كان في الأغلب غير متناسب مع أعداد المبدعين والفنانين_ باستثناء نقابة المهن الموسيقية، والتي انخفضت عضويتها خلال آخر إحصاء إلى 22386 في مقابل 63023 عضوًا خلال عام 2016، أي ما يقارب الثلث. وتنسجم هذه الحقيقة مع ملاحظة أن نقابة المهن الموسيقية هي النقابة الأكثر عضوية بين النقابات الفنية كما أنهاالأبرز من حيث محاولات الضبط والتطويع واستخدام سلطتها ودعايتها الإعلامية خاصة في السنوات الأخيرة، مع استمرار مطالبتها بالمزيد من السلطة على الأعضاء والأعضاء المحتملين.

ورغم أن النقابات تستمد وجودها وقوتها من قوامها الأساسي وهو العضوية، ودستوريًّا ينضم الأفراد طواعية إلى صفوفها للحصول على الامتيازات والخدمات المتوفرة للأعضاء، فعملية إنتاج أي محتوًى فني يجب أن يحصل صاحبها على تصريح من النقابة، وتحاجج النقابة بأن فتح الباب “للدخلاء على المهنة” بحسب تعبيرهم يحد من قدرتها على توفير موارد لدعم عضويتها الموجودة بالفعل وعلى توفير فرص عمل لهم في ظل ارتفاع الطلب في السوق.

وتتجاهل النقابة بذلك أن دورها يتمثل أولًا في العمل على دعم وتطوير الأعضاء، وأن توفير فرص عمل للأعضاء لا يخلو من تأهيل وتطوير وخلق مجال خصب لهؤلاء الأفراد بحيث تزداد قدرتهم على المنافسة في سوق العمل، بينما ما تمارسه النقابة حاليًّا من مطاردة للأعضاء وغيرهم،  يتعارض مع  أدوارها ويحض من قدرتها في تقديم الدعم. وإذا ما أصبحت النقابات معنية أولًا بكفالة مصالح الأعضاء وتطويرهم والتفاوض من أجلهم كما حدد لها القانون في مادته الثالثة، فسينعكس ذلك على حجم إيراداتها حيث ستنعكس تلك السياسات في جذب جميع الفنانين غير المسجلين بالنقابة سواء كانوا منشقين من النقابة أو مستقلين عنها ليصبحوا أعضاءً كما سيكون من السهل أن تضاعف النقابة من إيراداتها في بيئة انتشار أنواع متعددة من الفنون وجمهور واسع متنوع أيضًا.

  • تحديد مفهوم الإبداع وفقًا لعضوية النقابات

قضت المحكمة الدستورية العليا[21] في عام 1997 بعدم دستورية ما نصَّت عليه الفقرة الرابعة من المادة الخامسة والخامسة مكرر من القانون رقم 35 لسنة 1978، وذلك في الدعوى التي أقامها المخرج السينمائي سمير سيف ضد نقابة المهن التمثيلية، بعد أن رفع نقيب المهن التمثيلية دعوى ضده في محكمة الجنح عام 1992 ليُلزمه بدفع غرامة عقابية فرضتها النقابة لما اعتبرته خطأً قانونيًّا إداريًّا، وذلك بعد أن أخرج سيف عام 1992 عملًا مسرحيًّا باسم “حب في التخشيبة” لصالح فرقة ثلاثي أضواء المسرح. ووفقًا للنقابة، فإن سيف مخرج سينمائي، ولم يكن من حقه أن يخرج عملًا مسرحيًّا. لذلك، كما حاججوا، كان لزامًا عليه أن يسجل نفسه في نقابة المهن التمثيلية ويقوم بدفع مبلغ تعسفي بشكل واضح وقدره 40.000 جنيه مصري إلى النقابة[22]. بل وتُلزم نقابة المهن السينمائية أعضاءها بالعمل فقط في حدود القسم المسجل به العضو في النقابة، وتُغرِّمه في حال مخالفة ذلك.[23]

في حكمها، عرَّفت الدستورية العليا الإبداع سواء كان علميًّا أم أدبيًّا، فنيًّا أم ثقافيًّا على أنه “موقف حر  واعٍ  يتناول ألوانًا من الفنون والعلوم تتعدد أشكالها، وتتباين طرائق التعبير عنها” و”يتخذ كذلك ثوبًا ماديًّا، ولو كان رسمًا أو صوتًا أو صورة أو عملًا حركيًّا، فلا ينغلق على المبدع استئثارًا، بل يتعداه إلى آخرين انتشارًا، ليكون مؤثرًا فيهم”. وقد التفَّ المشرعون لاحقًا على الحكم وأعادوا صياغة المادة في ثوبٍ مختلفٍ، وما كان من التعديل إلا أن حدَّد نطاق عقوبة ممارسة المهنة دون الرجوع إلى النقابة لتصبح، من شهر إلى 3 أشهر، بعد أن كانت مفتوحة وهو نفس ما تم فيما يخص الغرامة المالية. فجاء  تعديل القانون عام 2003،  في اتجاهٍ أكثر تقييدًا. ومنذ ذلك الوقت، فإن صانعي الأفلام غير التابعين لأي نقابة يمكن أن يواجهوا ما يصل إلى ثلاثة شهور في السجن وغرامة قد تصل إلى 20.000 جنيه إذا قُبض عليهم وهم يصورون فيلمًا دون تصريح.[24]

  • معاقبة المبدعين من أعضاء النقابات

في عام 2019 وقَّعت النقابات الفنية عقوبات تأديبية على الأعضاء لأسباب سياسية وأخلاقية. فشطبت نقابة المهن التمثيلية عضويتي “خالد أبو النجا” و”عمرو واكد” دون تحقيق، كما وجهت إليهما تهمة “الخيانة العظمى” بعد حضورهم جلسة استماع بمجلس الشيوخ الأمريكي، تناولت أوضاع حقوق الإنسان في مصر. وفي العام ذاته أوقفت نقابة المهن الموسيقية “شيرين” عن الغناء وأحالتها إلى التحقيق بتهمة الإساءة إلى سمعة مصر والإضرار بالأمن القومي بعد أن ألمحت في إحدى حفلاتها بالخارج إلى وضع حرية التعبير في مصر، وهو القرار الثاني بالإيقاف بعد قرار النقابة في 2017 بوقفها عن الغناء بسبب تصريحات ساخرة عن مياه النيل، كما شطبت نهائيًّا عضويتي “فيفي” و”لميس” بسبب “عدم الالتزام بمبادئ المهنة ولائحة النقابة السلوكية، وإصرارهما على تقديم أغاني البورنو والعري”، وذلك بحسب بيان النقابة. وخلال هذه السنوات أيضًا عوقب فنانون إما بالحبس وإما بالشطب من جداول النقابات على خلفية آرائهم السياسية[25] وغير السياسية[26] بل وحتى ملابسهم[27] وأسمائهم الفنية.[28]

خاتمة وتوصيات

تصدُر هذه الورقة في ظل تصاعد معدلات انتهاك حرية التعبير والإبداع، وفي ظل جائحة غيَّرت مفاهيم العمل والوقت والصحة النفسية والعقلية، وهي الجائحة التي استغلتها السلطة الحالية، إلى جانب حرب الدولة المستمرة على الإرهاب، لتمرير المزيد من التضييق.

ترى مؤسسة حرية الفكر والتعبير أن اللحظة تستوجب مراجعة الأطراف المعنية لسياساتها وأساليبها مراعاةً لحاجات جماهير ومستهلكي الفنون والثقافة من ناحية، وصناعها ومبدعيها من ناحية أخرى، وكذلك إلى استعادة أجواء أكثر انفتاحًا على الأخص في ظل انتشار منصات ووسائط رقمية عابرة للحدود، ومن ثم ضرورة الانتقال من أساليب الملاحقة والتضييق إلى تحويل النقابات الفنية إلى كيانات حاضنة وجاذبة للفنانين ومدافعة عن مصالحهم وحقوقهم وراعية لإبداعاتهم وأفكارهم على تنوعها واختلافها بمرونةٍ تضع نصب عينها المصالح الواسعة الاجتماعية والاقتصادية وليس فقط الاعتبارات السياسية والأمنية الضيقة.

وعلى النقابات الفنية في مصر أن:

  • تتوقف عن ملاحقة الأعضاء داخل النقابة وخارجها من العاملين في المجال وعن مساءلتهم سياسيًّا وأخلاقيًّا.
  • تفتح الباب أمام عضويات جديدة، وأن تدافع عن مصالح أعضائها الفكرية والقانونية والمادية.
  • تلتزم بأدوارها كجهات تنظيم للمهنة وألَّا تتعداها إلى احتكار شؤونها.
  • تعمل على ضمانة استقلالها المادي عن مؤسسات الدولة وباعتبار حقها غير المشروط في التمويل العام والمساهمات الخاصة الطوعية إلى جانب مساهمات أعضائها.

 

[1]  محمود نبيل، المصنفات الفنية والمهن الموسيقية تحرران محاضر ضد حمو بيكا وأحد فنادق الإسكندرية، فيتو، نشر في 24 فبراير 2020، آخر زيارة ديسمبر2020

https://bit.ly/2V2E0by

[2] ياسمين الشرقاوي، بعد طرح "عود البطل" و"إنت جدع".. "الموسيقيين" تقاضي شاكوش وكمال ومحمد رمضان، مصراوي، نشر في 3 مارس 2020، آخر زيارة ديسمبر 2020

https://bit.ly/2VkV4Zo

[3] مبادئ الحكم في الدعوى رقم 2 لسنة 15 قضائية المحكمة الدستورية العليا "دستورية"، جامعة منيسوتا مكتبة حقوق الإنسان، آخر زيارة ديسمبر 2020.

https://bit.ly/3pkSKi7

[4] المادة (77) من دستور عام 2014 "ينظم القانون إنشاء النقابات المهنية وإدارتها على أساس ديمقراطى، ويكفل استقلالها ويحدد مواردها، وطريقة قيد أعضائها، ومساءلتهم عن سلوكهم فى ممارسة نشاطهم المهني، وفقاً لمواثيق الشرف الأخلاقية والمهنية. ولا تنشأ لتنظيم المهنة سوى نقابة واحدة. ولا يجوز فرض الحراسة عليها أو تدخل الجهات الإدارية في شؤونها، كما لا يجوز حل مجالس إدارتها إلا بحكم قضائي، ويؤخذ رأيها في مشروعات القوانين المتعلقة بها."

[5] قانون رقم 8 لسنة 2003 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 35 لسنة 1978 فى شأن إنشاء نقابات واتحاد نقابات المهن التمثيلية والسينمائية والموسيقية.

http://bit.ly/3rkSMIR

[6] المصدر السابق.

[7] شريف حمدي، من أم كلثوم إلى هاني شاكر، صدى البلد، نشر في يوليو 2019، آخر زيارة ديسمبر 2020.

http://bit.ly/38Ph9FY

[8] محمود عثمان، ورش تقييم الممثلين: باب خلفي جديد لقمع حرية الإبداع في مصر، المفكرة القانونية، نشر في أكتوبر 2018، آخر زيارة ديسمبر 2020.

http://bit.ly/2MluUos

[9] تاريخ نقابة المهن السينمائية، الموقع الرسمي لنقابة المهن السينمائية، آخر زيارة ديسمبر 2020.

http://bit.ly/34V7VXJ

[10]شطب نقابة المهن التمثيلية عضوية أبو النجا وواكد انتهاك لحرية التعبير، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، مصدر سابق.

[11] قانون رقم 62 لسنة 1964 بشأن تعديل بعض أحكام قانون العمل الصادر بالقانون رقم 91 لسنة 1959، آخر زيارة ديسمبر 2020.

https://bit.ly/3gT4Pbt

[12] إلهامي المرغني، تاريخ ودور النقابات المهنية في مصر، الحوار المتمدن، نشر في مارس 2010، آخر زيارة ديسمبر 2020.

https://bit.ly/3o3kjfL

[13]قانون  رقــم 118  لسنة  1958، بشأن نقابات المهن التمثيلية والسينمائية والموسيقية في الإقليم المصري.

http://bit.ly/2Lb7yRC

[14] مادة 11 من القانون 142 لسنة 1955.

[15] هبة كمال عبد الحميد، النقابات المهنية في عهد مبارك والتحولات بعد ثورة يناير، مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط، نشر في ديسمبر 2015، آخر زيارة ديسمبر 2020 .

https://bit.ly/3hatcSh

[16] نص عدم دستورية قانون النقابات المهنية رقم 100 لسنة 1993، الأرشيف الرقمي منشورات قانونية، آخر زيارة ديسمبر 2020.

http://bit.ly/3rqg1Bs

[17] تاريخ نقابة المهن السينمائية، الموقع الرسمي لنقابة المهن السينمائية، مرجع سابق، آخر زيارة ديسمبر 2020.

http://bit.ly/34V7VXJ

[18] نص المادة 76 من دستور عام 2014.

http://bit.ly/2KrnhMk

[19] الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، نشرة الخدمات الاجتماعية (النقابات المهنية) لعام 2018.

https://bit.ly/34tsuuf

[20] الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، نشرة الخدمات الاجتماعية (النقابات المهنية) من العام 2013 حتى 2018.

https://bit.ly/3h1Y5Iv

[21] مبادئ الحكم في الدعوى رقم 2 لسنة 15 قضائية المحكمة الدستورية العليا "دستورية"، جامعة منيسوتا مكتبة حقوق الإنسان، آخر زيارة ديسمبر 2020.

https://bit.ly/3pkSKi7
                                                                                                                                            
[22] لارا الجبالي، من الدستور إلى القانون: أربع حكايات قانونية عن صناعة الفن، مدى مصر، نشر في يوليو 2017، آخر زيارة ديسمبر 2020.

https://bit.ly/38KsFCM

[23] المصدر السابق.

[24] المصدر السابق.

[25] شطب نقابة المهن التمثيلية عضوية أبو النجا وواكد انتهاك لحرية التعبير، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، نشر في مارس 2019، آخر زيارة ديسمبر 2020.

http://bit.ly/34u56g0

[26] ريهام جودة، بيان تحذيري من نقابة المهن التمثيلية بشأن "عبدالرحمن أبو زهرة"، المصري اليوم، نشر في يوليو2020، آخر زيارة ديسمبر 2020.

http://bit.ly/2KOGp7e

[27] محاكمة الفنانة رانيا يوسف: اعتداء جديد على حرية الملبس وعلى نقابة المهن التمثيلية أن تتوقف عن المساءلة الأخلاقية وتدعم المبدعين، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، نشر في ديسمبر 2018، آخر زيارة ديسمبر 2020.

http://bit.ly/34yOkwb

[28] "الموسيقيين": حسن شاكوش وعدنا بتغيير اسمه ولم يفعل، أخبارك، نشر في سبتمبر 2020، آخر زيارة ديسمبر 2020.

http://bit.ly/3rj0tPx

ذات صلة