“انتهاكات مستمرة”.. التقرير ربع السنوي الثالث عن حالة حرية التعبير في مصر (١ يوليو – ٣٠ سبتمبر ٢٠٢١)

تاريخ النشر : الخميس, 4 نوفمبر, 2021
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

للإطلاع على نسخة PDF إضغط هنا

إعداد: وحدة الرصد والتوثيق

محتوى

 منهجية

 مقدمة

 القسم الأول: إستراتيجية وطنية لحقوق الإنسان وسط استمرار التعدي على حرية التعبير

  •  أول إستراتيجية مصرية لحقوق الإنسان
  • ما بين سندان الحبس الاحتياطي ومطرقة المحاكمات الاستثنائية.. إحالة متهمي حرية التعبير نمط انتهاك متصاعد خلال الربعين الأخيرين
  • استمرار الأجهزة الأمنية في الاعتداء على حق المواطنين في التجمع السلمي

القسم الثاني: استمرار الانتهاكات على الصحفيين والمواقع الصحفية المستقلة

  • استمرار حبس الصحفيين
  • منع صحفي إيطالي من القدوم إلى مصر لإعداد تقرير صحفي عن الباحث المحبوس باتريك جورج
  • حجب موقع 180 تحقيقات

القسم الثالث: الحرية الأكاديمية

  • استمرار استهداف الباحثين المصريين بالخارج عقب عودتهم والتنكيل بهم
  • استمرار استهداف الأكاديمي أيمن منصور ندا على خلفية تعبيره عن رأيه

القسم الرابع: حرية الإبداع

  • نقابة المهن الموسيقية تفرض وصايتها على الإبداع تحت دعاوى فضفاضة
  • الأجهزة الأمنية مستمرة في ملاحقة المبدعين

القسم الخامس: الحقوق الرقمية

  • استمرار استهداف صانعات محتوى ترفيهي على تطبيقات الإنترنت تحت دعاوى حماية الأخلاق
  • استهداف الأفراد على خلفية تعبيرهم عن آرائهم على مواقع التواصل الاجتماعي

خاتمة وتوصيات

 منهجية

اعتمد التقرير على تحليل سياسة السلطات المصرية وأجهزتها المختلفة تجاه الحق في حرية التعبير وعلى وجه الخصوص ملفات: حرية الإعلام، حرية الإبداع والتعبير الفني، الحرية الأكاديمية والحقوق الرقمية، بالإضافة إلى الحق في التظاهر والتجمع السلمي.

وهي الملفات التي تعمل مؤسسة حرية الفكر والتعبير على رصد وتوثيق الانتهاكات الخاصة بها، فضلًا عن تقديم الدعم القانوني إلى ضحايا تلك الانتهاكات عبر شبكة محامي الوحدة القانونية.

يساعد رصد وتحليل سياسات الحكومة المصرية تجاه الحق في حرية التعبير وحرية تداول المعلومات في تحديد توجه مؤسسات الدولة وموقفها من دعم أو انتهاك تلك الحقوق. كذلك اعتمد التقرير على عرض وتحليل أنماط ووقائع الانتهاكات التي جرى رصدها وتوثيقها، وفق منهجية الرصد والتوثيق الخاصة بمؤسسة حرية الفكر والتعبير. وتم توثيق الانتهاكات في الفترة من 1 يوليو 2021 إلى 30 سبتمبر 2021.

مقدمة

شهد الربع الثالث من عام ٢٠٢١ استمرار الاهتمام الحكومي بملف حقوق الإنسان في مصر، والمتواصل منذ الربع الماضي خصوصًا بعد التوصيات[1] شديدة اللهجة التي خرجت بتوقيع 31 دولة على هامش الدورة الـ46 لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والمنعقد بجنيف في مارس الماضي، والتي انتقدت أوضاع حقوق الإنسان وظروف عمل المدافعين عن حقوق الإنسان في مصر.

خلال هذا الربع والربع الماضي أطلقت السلطات المصرية سراح ما لا يقل عن 15 صحفيًّا/ـة مدافعًا/ـة عن حقوق الإنسان، عبر قرارات من النيابة العامة، وبعضهم كان على ذمة أكثر من قضية.

كذلك شرع قاضي التحقيق في القضية ١٧٣ لسنة ٢٠١١ حصر فحص مكتب قاضي التحقيق، والمعروفة إعلاميًّا باسم قضية التمويل الأجنبي باتخاذ إجراءات من شأنها حفظ التحقيقات في القضية، بعد أن قرر في أغسطس وسبتمبر الماضيين أنه لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية بحق  ثمانية جمعيات، لعدم كفاية الأدلة. مع إلغاء كافة القرارات المترتبة عليها سواء المتعلقة بالمنع من السفر أو تجميد الأموال.

وقد وصل إجمالي عدد المنظمات والجمعيات والكيانات التي صدر أمر بألَّا وجه لإقامة الدعوى الجنائية بشأنها فيما تضمنه تقرير لجنة تقصي الحقائق من وقائع – سواء كان الأمر صادرًا لانتفاء الجريمة أو لعدم كفاية الأدلة – 71 كيانًا. وينتظر أن تستكمل الإجراءات حتى يتم حفظ التحقيقات في القضية بشكل نهائي مع المؤسسات الحقوقية والقائمين عليها والعاملين بها.

قبل ذلك نشرت الجريدة الرسمية في ١١ يناير ٢٠٢١ قرار مجلس الوزراء رقم ١٠٤ لسنة ٢٠٢١ بإصدار اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم العمل الأهلي رقم ١٤٩ لسنة ٢٠١٩، ما يعني أنه يتبقى للمؤسسات العاملة في مجال حقوق الإنسان ثلاثة أشهر لتوفيق أوضاعها وفقًا للقانون الذي منحت لائحته التنفيذية عامًا واحدًا فقط مهلة زمنية لتوفيق الأوضاع من تاريخ إقرار اللائحة في يناير الماضي.

ومع نهاية الربع الثالث استكملت السلطات حالة الحراك في ملف حقوق الإنسان عندما أطلقت اللجنة الدائمة لحقوق الإنسان أول إستراتيجية وطنية لحقوق الإنسان في تاريخ مصر في مؤتمر برعاية وحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي.

قد تبدو الصورة للوهلة الأولى شديدة الإشراق، إلا أن الواقع قد يحمل وجهًا آخر تمامًا، فيما يتعلق بواقع حقوق الإنسان في مصر وظروف عمل المدافعين عن حقوق الإنسان. ففي الوقت الذي يطلق فيه سراح عدد من المدافعين عن حقوق الإنسان ومتهمي الرأي والنشطاء السياسيين، يجري إحالة أعداد أكبر بكثير ـ تمكنت مؤسسة حرية الفكر والتعبير من رصد ٦ قضايا على الأقل شملت ٦٧ شخصًا ـ إلى المحاكمة أمام محاكم استثنائية (محكمة أمن الدولة العليا طوارئ) والتي تصدر أحكامًا قاسية عليهم مع العلم أن أحكامها نهائية وباتة لا يجوز الطعن عليها أو استئنافها. والحقيقة أن القضايا التي يجري إحالتها والتهم التي يواجهها المتهمون على ذمتها تتطابق مع القضايا التي تقرر السلطات إخلاء سبيل آخرين على ذمتها. وهو ما يعني أن المعيار الحاكم هو موقف السلطة السياسية والأمنية مِن شخوص مَن يتم إخلاء سبيلهم أو إحالتهم إلى المحاكمة. بالإضافة إلى استمرار القبض على صحفيين على خلفية عملهم الصحفي، وناشطين سياسيين وأفراد على خلفية تعبيرهم عن آرائهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي الوقت الذي تسعى فيه السلطات المصرية إلى إغلاق ملف قضية التمويل الأجنبي، يستمر المدافعون تحت التهديد من خلال مواجهة خطر التنكيل بسبب اتهامهم في قضايا أخرى بنفس الاتهامات بعضها ما زال أمام القضاء الطبيعي، وبعضها قيد تحقيقات النيابة العامة.

ذلك، بينما جاء إصدار اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم العمل الأهلي بعد ضغوط كبيرة تعرضت لها السلطات المصرية عقب استهداف جاسر عبد الرازق المدير التنفيذي السابق للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية واثنين آخرين من فريق عمل المنظمة، بدعوى مزاولة أنشطة العمل الأهلي دون الحصول على ترخيص من الجهة الإدارية المختصة (وزارة التضامن الاجتماعي) رغم عدم صدور اللائحة التنفيذية حينها.

إن مؤسسة حرية الفكر والتعبير لا تحاول التقليل من الجهود الحكومية المبذولة بهدف تحسين أوضاع حقوق الإنسان، وتحديدًا خلال الأشهر الستة الماضية، لكنها ترى ضرورة بالغة لإجلاء الوجه الآخر لواقع حقوق الإنسان في مصر بهدف الضغط من أجل تعميق الإصلاحات والخطوات في هذا الاتجاه بحيث تحقق في مجملها تطورًا ملموسًا في أوضاع حقوق الإنسان، وألَّا تكون إجراءات شكلية وخطوات متقطعة بهدف تخفيف الضغوطات الدولية وآثارها.

القسم الأول: إستراتيجية وطنية لحقوق الإنسان وسط استمرار التعدي على حرية التعبير

 أول إستراتيجية مصرية لحقوق الإنسان

 في منتصف سبتمبر ٢٠٢١ أطلقت اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان أول إستراتيجية وطنية لحقوق الإنسان في مصر وذلك خلال مؤتمر بحضور وتحت رعاية رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي الذي أعلن خلال المؤتمر أن العام القادم 2022 هو “عام المجتمع المدني”[2].

تولت اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان المشكلة مطلع عام ٢٠٢٠ برئاسة وزير الخارجية سامح شكري لإعداد الإستراتيجية، وهي العملية التي استغرقت عامًا ونصف العام بحسب السفير أحمد إيهاب جمال الدين مندوب مصر الدائم في جنيف والأمين العام المؤسس للجنة الدائمة لحقوق الإنسان. ويمتد الإطار الزمني للإستراتيجية خمس سنوات أي حتى عام ٢٠٢٦.

بحسب القائمين عليها تستهدف الإستراتيجية تلبية الاستحقاقات الدستورية وكذلك التزامات مصر الإقليمية والدولية بشأن حقوق الإنسان، باعتبارها الى جانب إستراتيجية التنمية المستدامة تشكل مكونات رؤية مصر ٢٠٣٠ المعروفة بالجمهورية الجديدة. وتتبنى الإستراتيجية أربعة محاور جاءت كالتالي: الحقوق المدنية والسياسية، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حقوق المرأة والطفل وذوي الهمم وكبار السن والشباب وأخيرًا التثقيف وبناء القدرات في مجال حقوق الإنسان.

ويقول القائمون على المبادرة أنهم يسعون إلى إحراز تقدم ملموس على مستوى المسارات الأربعة بشكل متوازن ومتكامل عبر إجراء التعديلات التشريعية والمؤسسية اللازمة لضمان دعم وحماية وتعزيز تلك الحقوق.

لا يستهدف هذا العنوان تحليل مضمون الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان بقدر اشتباكه مع عملية وضع الإستراتيجية وسباق إطلاقها وأدوار الفاعلين. حيث أطلقت الإستراتيجية في نهاية الربع الثالث من هذا العام تمهيدًا لعام جديد يبدو أنه سيحمل الكثير بشأن حاضر ومستقبل حالة حقوق الإنسان في مصر، وتحديدًا بعد أن أطلق عليه الرئيس السيسي عام المجتمع المدني.

كان لتزايد الضغوط الدولية بشكل عام والأمريكية بوجه خاص منذ إعلان فوز بايدن في نوفمبر ٢٠٢٠ دور لا يمكن إنكاره في سياق اهتمام الحكومة المصرية بملف حقوق الإنسان، وما تم اتخاذه من خطوات، بداية بالإفراج عن عدد من المدافعين والنشطاء والصحفيين مرورًا بحفظ التحقيق مع عدد من المؤسسات على خلفية قضية التمويل الأجنبي ووصولًا إلى لحظة إطلاق الإستراتيجية.

إلا أن تلك الخطوات لم تعكس رغبة وإرادة سياسية حقيقية لتغيير واقع حقوق الإنسان في مصر، وربما العملية التي خرجت من خلالها الإستراتيجية الوطنية وتركيبة مؤتمر الإطلاق كانت مؤشرات دالة على مدى جدية السلطات المصرية في فتح صفحة جديدة بشأن واقع حقوق الإنسان في مصر.

بحسب وزير الخارجية أثناء كلمته الافتتاحية في مؤتمر الإطلاق فإن عددًا كبيرًا من جلسات الاستماع عقدتها اللجنة الدائمة لحقوق الإنسان في سبيل رفع الاحتياجات اللازمة لدعم وتعزيز وحماية حقوق الإنسان، استمرت لمدة عام ونصف، وشملت كافة الأطراف من المجلس القومي لحقوق الإنسان ولجنة حقوق الإنسان بالبرلمان ومؤسسات العمل الأهلي والمدني وغيرها من النقابات العمالية والمهنية والهيئات والأجهزة الحكومية.

إلا أن واقع عملية إعداد الإستراتيجية يشير بحسب رؤية مؤسسة حرية الفكر والتعبير إلى غياب أي حوار جاد في الفضاء العام، سواء الصحفي أو الإعلامي أو من خلال النوافذ المتعددة للحوار العام. ولم نجد تصريحًا رسميًّا أو أية معلومات تشير إلى اجتماعات اللجنة ونتائجها ومحاضرها، ومواقف الأطراف المختلفة وتصوراتهم.

 استبعدت الجهات الرسمية دعوة أي من المنظمات الحقوقية المستقلة، ومن أبرزها المنظمات الخمس، التي أطلقت مطالب سبعة، في مايو 2021، لتحسين حالة حقوق الإنسان في مصر، وهذه المنظمات هي: المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، المفوضية المصرية للحقوق والحريات، ومركز النديم.

كما اقتصر دور المجلس القومي لحقوق الإنسان على المشاركة في جلسات استماع حددتها اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان، وكذلك الوضع بالنسبة إلى لجنة حقوق الإنسان في البرلمان.

وتؤدي هذه الطريقة الأحادية التي تنتهجها الدولة فيما يخص ملف حقوق الإنسان إلى إنتاج وثيقة حكومية شكلية بهدف سد الذرائع أمام الضغوط الدولية، وليس إستراتيجية وطنية متكاملة، تشاركية وقابلة للتطبيق بمساهمة مباشرة من الفاعلين أنفسهم.

تشبه عملية إقرار الإستراتيجية ـ كثيرًا ـ سوابقها في إصدار قانون تنظيم العمل الأهلي وكذلك اللائحة التنفيذية الخاصة به، حيث استغرقت عملية إصدارهما أكثر من عام دون مشاركة مجتمعية حقيقية من المعنيين بالأساس.

لم توضح الإستراتيجية دور اللجنة الدائمة والصلاحيات والسلطات الممنوحة لها لتنفيذ أهداف الإستراتيجية في مساراتها الأربعة، وأكد وزير الخارجية أثناء كلمته أن عملية تشكيل الأمانة الفنية واستكمال الهيكل وضوابط عمل اللجنة ما زال قيد العمل. ويبدو أنه حتى كتابة هذه السطور لا توجد رؤية واضحة أو آليات محددة لعمل اللجنة الدائمة وكيفية تحقيق مستهدفات الإستراتيجية.

فعلى سبيل المثال تتضمن الإستراتيجية مقترحات والتزامات بعددٍ من التعديلات التشريعية والمؤسسية لضمان حقوق المواطنين، من بينها: إصدار قانون من أجل تعزيز وحماية حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات وتداولها، إجراء تعديل تشريعي بخصوص إنفاذ النص الدستوري الخاص بحرمة الحياة الخاصة، وتحديدًا للشهود والمتهمين والمبلغين، بالإضافة إلى إصدار التشريعات الكفيلة بضمان صيانة الحق في المعرفة. لكن القائمين على اللجنة الدائمة لم يوضحوا سبب تأخر صدور تلك التشريعات طوال السنوات الست الماضية رغم كونها جميعًا استحقاقات دستورية لازمة، منذ إقرار الدستور المصري في ٢٠١٤!

ولم تحدد اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان الدور أو السلطات الممنوحة لها من أجل جعل تلك التشريعات واقعًا حقيقيًّا! فمثلًا انتهى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام من مسودة قانون لحماية الوصول إلى المعلومات وتداولها وهو متاح على الموقع الإلكتروني للمجلس الأعلى منذ ٢٠١٧ ولم تفلح كل محاولات المجلس بتشكيله الحالي أو السابق، وضغط نقابتي الصحفيين والإعلاميين في وضع التشريع كأولوية على أجندة البرلمان التشريعية لسنوات. ويدل هذا المثال على غياب الإرادة السياسية للقيام بخطوات من شأنها تعزيز حقوق الإنسان طيلة سنوات.

  • ما بين سندان الحبس الاحتياطي ومطرقة المحاكمات الاستثنائية.. إحالة متهمي حرية التعبير نمط انتهاك متصاعد خلال الربعين الأخيرين

وبالتوازي مع إطلاق الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، شرعت نيابة أمن الدولة في إحالة عدد كبير من صحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء إلى محكمة أمن الدولة طوارئ، حيث تمكنت مؤسسة حرية الفكر والتعبير من رصد إحالة ست قضايا على الأقل إلى المحاكمة أمام محاكم أمن الدولة العليا طوارئ، شملت ٦٧ متهمًا، قضى أغلبهم فترات حبس احتياطي مطولة على خلفية اتهامات مكررة مبنية على محاضر تحريات جهاز الأمن الوطني. بعض تلك القضايا صدرت فيها أحكام متسرعة وقاسية (قضيتان)، علمًا بأن أحكام محاكم أمن الدولة العليا طوارئ نهائية وباتة لا يجوز الطعن عليها أو استئنافها, والمتاح فقط التماس إلى رئيس الجمهورية باعتباره الحاكم العسكري، حيث يمنحه القانون سلطة عدم التصديق على الحكم وإعادة المحاكمة أو العفو عن العقوبة بشكل نهائي.

إن حرية الفكر والتعبير إذ تؤكد أن العدد المذكور من القضايا والمتهمين لا يمثل بأي حال إحصاءً دقيقًا بالقضايا التي تمت إحالتها خلال الأشهر الستة الماضية، فإنها تحاول التحذير من سلوك متصاعد يهدف إلى التنكيل بمتهمي الرأي والمدافعين الحقوقيين ممن لا ترضى عنهم السلطات الأمنية بالأساس. فكما ذكرنا سابقًا لا فارق بين هذه القضايا التي يتم إحالتها والتهم الموجهة إلى المتهمين على ذمتها وقضايا أخرى تقرر السلطات الأمنية والقضائية إطلاق سراح المحبوسين عليها، تمت خلال نفس الأشهر الستة الماضية.

ارتبطت الإحالات التي رصدتها المؤسسة في الربعين المنقضيين وبشكل خاص الربع الثالث من عام ٢٠٢١، بسياق مهم لا يمكن إغفاله، هو المتعلق بالضغوط الدولية الواسعة التي تعرضت لها السلطات المصرية بخصوص إساءة استخدام سلطة الحبس الاحتياطي، وبشكل خاص ضد متهمي حرية التعبير والمدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء السياسيين، ما جعلها أداة للتنكيل والعقاب وتصفية الحسابات وليس مجرد إجراء احترازي الهدف منه حماية التحقيقات.

وتحذر مؤسسة حرية الفكر والتعبير من أن يكون نهج السلطات القضائية في إحالة تلك القضايا هو أحد أشكال إنهاء حالات الحبس الاحتياطي المطولة التي تسبب القلاقل الدولية. فإحالة هذه القضايا والمتهمين على ذمتها إلى المحاكمة ليس وقفا للتنكيل بهم ولا يمكن فهمه سوى أنه لي لذراع المطالبات الحقوقية المحلية والدولية بإجراء التعديلات التشريعية اللازمة لتخفيض الحد الأقصى لفترة الحبس الاحتياطي، فضلًا عن إنهاء حالات الحبس الاحتياطي المطولة، إما باخلاء سبيلها وإما بإحالتها.

وعندالإحالة إلى محاكم استثنائية، يفقد المتهم أمامها أبسط حقوقه الأساسية في محاكمة عادلة، وأهمها حقه في الطعن والاستئناف على ما يصدر عليه من أحكام.

خلال الندوة المنعقدة على هامش مؤتمر إطلاق الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، طالب إبراهيم عيسى الصحفي المقرب من دوائر السلطة بضرورة تعديل تشريعي للحماية من استخدام الحبس الاحتياطي كعقوبة والنظر في حالات الحبس الاحتياطي المطول. إلا أن الإستراتيجية لم تتبنَ نفس الموقف ولم تدرج تعديل الحد الأقصى للحبس الاحتياطي ضمن مقترحاتهم للتعديلات التشريعية في السنوات الخمس المقبلة.

  • استمرار الأجهزة الأمنية في الاعتداء على حق المواطنين في التجمع السلمي:

واستمرارًا في الاعتداء على حق المواطنين في التظاهر والتجمع السلمي، أمر قاضي المعارضات بمحكمة الجيزة الابتدائية في 26 سبتمبر الماضي بإخلاء سبيل الستة المحبوسين احتياطيًّا من أهالي نزلة السمان، بكفالة خمسة آلاف جنيه لكلٍّ منهم على ذمة التحقيقات في القضية رقم 14259 لسنة 2021 إداري الهرم وفقًا لتصريحات محاميهم محيي خطاب، لموقع مدى مصر[3].

كانت قوة من الشرطة قد ألقت القبض على ستة من أهالي نزلة السمان بعد مشاركتهم في وقفة احتجاجية للمطالبة بمعرفة مصير منازلهم على خلفية تنفيذ محافظة الجيزة مجموعة من الإزالات في نطاق منطقة سن العجوز بنزلة السمان ضمن إطار خطة تطوير المنطقة القريبة من أهرامات الجيزة.

وأضاف خطاب أن المقبوض عليهم الستة قد أكدوا للنيابة أنهم فقط كانوا “يستفسرون عن  مصيرهم في منطقتهم بعد التطوير” نافيًا أن يكون تجمعهم بغرض الاعتراض على شيء، بعد ان اتهمتهم نيابة الهرم بالتظاهر بدون ترخيص، والتجمهر، والبلطجة.

وتقيد مصر حق المواطنين في التظاهر والتجمع السلمي، عن طريق القانون رقم 107 لسنة 2013 والمعروف باسم “قانون التظاهر” والذي أقره الرئيس السابق عدلي منصور في نوفمبر من عام 2013، وسط اعتراضات حزبية وحقوقية ترى أن القانون كبَّل بشكل تام حق المواطنين في التظاهر والتجمع السلمي بشكل فعلي، إذ استخدمت السلطات المصرية – وفقًا للقانون – القوة في فض أي تظاهرات أو تجمعات للمواطنين منذ وقتها وإلى الآن. كما سمح لها القانون بملاحقة الداعين إلى التظاهرات والمشاركين فيها وأقر سلب المواطنين حقهم في التظاهر والتجمع السلمي. وزيادة في التأكيد على أن القانون هو مجرد وعاء تشريعي الهدف منه هو تقنين الاعتداء على الحق وليس تنظيمه، فقد رفضت الأجهزة الأمنية في أوقات سابقة طلبات للتظاهر من أحزاب سياسية تقدمت لتسيير تظاهرات وفقًا للقانون رغم اعتراضها عليه.

القسم الثاني:  استمرار الانتهاكات على الصحفيين والمواقع الصحفية المستقلة

رصدت مؤسسة حرية الفكر والتعبير خلال الربع الثالث من العام 2021 استمرار انخفاض الانتهاكات التي تتعرض لها الجماعة الصحفية، حيث سجلت حرية الفكر والتعبير خلال تلك الفترة 5 وقائع انتهاكات اشتملت على 7 انتهاكات جميعها تدل على استمرار السلطات المصرية وأجهزتها المختلفة في استهداف الصحفيين. ويأتي ذلك بالرغم من قلة التغطيات الصحفية المناهضة لروايات تريد السلطات المصرية تسييدها، بفضل تراجع معدلات حرية الصحافة في مصر خلال السنوات السبع السابقة.

ونجحت مجموعة من الحملات الأمنية والإجراءات القمعية في خنق المجال أمام الصحفيين والمواقع الصحفية المستقلة التي تعرضت للحجب وتعرض صحفيوها لتقييد الحرية لفترات زمنية طويلة باستخدام الحبس الاحتياطي كعقوبة للتنكيل بالصحفيين خارج دوائر السلطة.

استمرار حبس الصحفيين

جاءت حالات القبض على رأس الانتهاكات التي تعرض لها الصحفيون خلال الربع الثالث، حيث تعرض 5 صحفيين للقبض وهم:

1-     القبض على رئيس تحرير جريدة الأهرام الأسبق عبد الناصر سلامة:

في 18 يوليو 2021 ألقت قوة من الشرطة القبض على الكاتب الصحفي عبد الناصر سلامة[4] رئيس تحرير جريدة الأهرام الأسبق. عرض سلامة على نيابة أمن الدولة في اليوم التالي للقبض عليه والتي أمرت بحبسه 15 يومًا على ذمة التحقيقات في اتهامه بنشر أخبار كاذبة والانضمام إلى جماعة أسست على خلاف القانون، وارتكاب جريمة من جرائم تمويل الإرهاب. يأتي ذلك بعد أيام من نشر سلامة عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك مقالًا ينتقد فيه الرئيس عبد الفتاح السيسي وإدارته ملف أزمة سد النهضة، محملًا إياه مسؤولية الفشل في هذا الملف ومطالبًا تنحيه عن رئاسة الجمهورية وتقديم نفسه إلى المحاكمة.

2-     الصحفي بقناة الجزيرة مباشر مصر، ربيع الشيخ:

بالرغم من التقارب المصري القطري في الآونة الأخيرة وظهور مراسلي قنوات الجزيرة من القاهرة مباشرة فإن الأجهزة الأمنية في مصر مستمرة في استهداف صحفيي ومذيعي مجموعة قنوات الجزيرة والتي تملكها قطر. تأتي أحدث تلك الاستهدافات بإلقاء أجهزة الأمن بمطار القاهرة الدولي القبض على الصحفي بقناة الجزيرة، مباشر ربيع الشيخ، فور عودته من العاصمة القطرية الدوحة في زيارة قصيرة لزيارة عائلته وفقًا لموقع القناة[5]. عرض الشيخ على نيابة أمن الدولة في اليوم التالي والتي أمرت بحبسه 15 يومًا على ذمة التحقيقات في اتهامه بنشر أخبار كاذبة والانضمام إلى جماعة إرهابية.

3-     القبض على ثلاثة صحفيين من أمام نقابة الأطباء:

ألقت قوة من شرطة قسم قصر النيل القبض على 3 صحفيين[6] رفضوا ذكر أسماءهم أثناء تغطيتهم لما كانوا يعتقدون أنه مؤتمر لعرض مشروع داخل نقابة الأطباء بشارع القصر العيني. إلا أنه وأثناء تصويرهم مع الطبيب فوجئوا بتجمع عدد من الأشخاص حوله حاملين لافتات دعم للطبيب وما هي إلا دقائق حتى وصلت الشرطة وألقت القبض على الجميع وحررت محضرًا اتهمتهم فيه مع آخرين بالتظاهر. فبعد يومين من القبض عليهم أمرت النيابة بإخلاء سبيلهم بعد تقديم أماكن عملهم بما يفيد وجودهم أمام نقابة الأطباء بغرض تغطية صحفية.

منع صحفي إيطالي من القدوم إلى مصر لإعداد تقرير صحفي عن الباحث المحبوس باتريك جورج

وفي سياق مختلف صرح الصحفي الإيطالي جاستون زاما لموقع مدى مصر[7] عن رفض السلطات المصرية التصريح له بالقدوم إلى مصر لإعداد تقرير مصور عن الباحث المصري المحبوس باتريك جورج زكي.

وأضاف زاما وهو كاتب صحفي إيطالي وصانع لأفلام وثائقية أنه قام بالتواصل مع السفارة الإيطالية بالقاهرة في يناير الماضي بهدف القدوم إلى القاهرة لاستكمال متابعة قضية زكي والذي أعد عنها تقريرًا في إيطاليا في وقت سابق، إلا أن السفارة الإيطالية بالقاهرة أبلغته بضرورة التقدم بطلب للحصول على تصريح من خلالها. ويضيف زاما، في إبريل الماضي، أرسلت الشركة المنتجة للبرنامج خطابًا رسميًّا باسم البرنامج وباسم زاما للتصريح له بالقدوم إلى مصر لتصوير التقرير في أقرب فرصة، وهو الخطاب الذي أرسلته السفارة إلى المركز الصحفي في نفس الشهر.

لم يتلقَ زاما ردًّا حتى الأسبوع الأول من أغسطس حيث تواصلت معه السفارة وأخبرته برفض التصريح له من قبل المركز الصحفي وأنه لا يمكنه القدوم إلى مصر لتغطية هذا الموضوع لأن زكي لم يحاكم بعد، وربما بعد صدور الحكم ضده يمكن التقدم بطلب جديد.

حجب موقع 180 تحقيقات

في 3 يوليو الماضي فوجئ المسؤولون عن موقع 180 تحقيقات بحجب السلطات المصرية رابط الموقع الإلكتروني بشكل نهائي داخل مصر دون أي إخطار من أية جهة رسمية، أو حتى معرفة أسباب الحجب. إلا أن مسؤولين عن الموقع قاموا بالتواصل مع مسؤولين بنقابة الصحفيين للإبلاغ عن حجب الموقع ومحاولة معرفة الأسباب وراء القرار[8]. ووفقًا لمؤسس الموقع علي أبو هميلة فإن مسؤولين بنقابة الصحفيين أبلغوهم أن حجب الموقع جاء بسبب شبهة تمويله من قبل جماعة الإخوان المسلمين والتي تعتبرها السلطات المصرية جماعة إرهابية بالإضافة إلى اتهام أبوهميلة بأنه عضو في التنظيم الدولي لجماعة الإخوان ويدير الموقع من تركيا.

وأضاف أبوهميلة، بأن مسؤولين بالنقابة وصفوا حجب الموقع بالأمر الطبيعي بسبب عمل الموقع ضد الوطن. لاحقًا أطلق الموقع رابطًا بديلًا لمحاولة تفادي الحجب ولم يتم حجبه حتى كتابة سطور هذا التقرير.

كانت السلطات المصرية قد بدأت حملة في مايو 2017 استهدفت حجب كل المواقع الصحفية المستقلة المعنية بالشأن المصري سواء كانت تبث من داخل مصر أو خارجها ما دامت تتبنى خطابات مناهضة للسياسات الحكومية المصرية. ووصل عدد المواقع الصحفية التي تعرضت للحجب خلال السنوات الماضية وإلى الآن 126 موقعًا ورابطًا صحفيًّا.

القسم الثالث: الحرية الأكاديمية

تستمر السلطات المصرية في استهداف الأكاديميين والباحثين المصريين وخصوصًا الباحثين المصريين الدارسين في الخارج والذين يتم استهدافهم بعد عودتهم إلى مصر. فقد رصدت مؤسسة حرية الفكر والتعبير 3 حالات انتهاكات، تمثلت في إلقاء القبض على رئيس قسم الإذاعة والتليفزيون بكلية الإعلام جامعة القاهرة، أيمن منصور ندا، والأكاديمية المصرية بالخارج، عاليا مسلم، بالإضافة إلى إحالة باحث الماجستير بجامعة بولونيا، باتريك جورج زكي إلى محكمة أمن الدولة طوارئ بعد حبسه احتياطيًّا ما يزيد على 19 شهرًا على ذمة تحقيقات نيابة أمن الدولة.

تأتي تلك الانتهاكات متماشية مع نشاط السلطات المصرية في وضع قيود على الحرية الأكاديمية واستهداف الباحثين خاصة في الخارج، فقد ألقي القبض على مسلم بعد أيام معدودة من تصريحات وزيرة الهجرة المصرية نبيلة مكرم، التي وصفت الدارسين المصريين بالخارج بأنهم “أخطر شريحة من المهاجرين المصريين”، وسببت هذا الوصف بكونهم يتعرضون كثيرًا للأفكار المغلوطة والتي يروج لها أصحاب التوجهات المعادية لمصر حسب وصفها.

  • استمرار استهداف الباحثين المصريين بالخارج عقب عودتهم والتنكيل بهم

في 11 يوليو 2021 ألقت الأجهزة الأمنية بمطار القاهرة القبض على الأكاديمية والباحثة عليا مسلم[9] أثناء وصولها بصحبة زوجها وأطفالها مطار القاهرة قادمين من العاصمة الألمانية برلين حيث تنهي أبحاث ما بعد الدكتوراه في مؤسسة ألكسندر فون هومبولت.

احتجزت مسلم داخل مطار القاهرة إلى ما يقارب 17 ساعة تم خلالها مصادرة هاتفها ومنعها من التواصل مع زوجها والتحقيق معها من قبل ضباط من الأمن الوطني، قبل أن يسمح لها بالتواصل مع زوجها لإخباره بانتقالها إلى نيابة أمن الدولة بالتجمع الخامس.

أمرت نيابة أمن الدولة بإخلاء سبيل مسلم بكفالة 10 آلاف جنيه بعد 24 ساعة على احتجازها من مطار القاهرة. مسلم زميلة ما بعد الدكتوراه بمؤسسة ألكسندر فون همبولت في برلين، وباحثة زائرة تعمل بالأرشيف الصوتي في جامعة همبولت. وقد نُشرت أبحاثها في مطبوعات رائدة في مجالات التاريخ والأنثروبولوجيا والعلوم الثقافية، ودرَّست في الجامعة الأميركية في القاهرة، والجامعة الحرة في برلين، ومعهد القاهرة للفنون والعلوم الليبرالية، وهي حاصلة على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية.

وفي نفس السياق فقد أحالت نيابة أمن الدولة العليا باحث الماجستير بجامعة بولونيا باتريك جورج زكي إلى محكمة أمن الدولة طوارئ بعد 19 شهرًا من حبسه احتياطيًّا على ذمة القضية رقم 1766 لسنة 2020 حصر تحقيقات أمن الدولة العليا[10]. وأوضحت نيابة أمن الدولة أن إحالة زكي إلى المحاكمة استندت إلى مقال نشره زكي على موقع “درج الصحفي” في يوليو 2019 تحت عنوان: “تهجير وقتل وتضييق: حصيلة أسبوع في يوميات أقباط مصر”، والذي تناول فيه أسبوعًا في حياته كمسيحي مصري يتلقى أخبارًا تخص أوضاع المسيحيين المصريين كشأن خاص وعام في آن واحد.

وجدير بالذكر أن الأحكام الصادرة عن محكمة أمن الدولة العليا طوارئ نهائية، ولا يمكن الطعن عليها، باعتبارها إحدى مؤسسات القضاء الاستثنائية التي يحال المتهمون إليها في ظل سريان حالة الطوارئ، والتي يجري تجديدها بشكل دوري بقرار من رئيس الجمهورية في التفاف واضح على مواد الدستور. ولا يتبقى أمام المحكوم حينها إلا عدم تصديق رئيس الجمهورية على الحكم.

كان زكي قد ألقي القبض عليه من قِبَل أجهزة الأمن بمطار القاهرة في فبراير 2020 أثناء عودته لقضاء إجازة دراسية قبل أن ينقل إلى أحد مقرات الأمن الوطني بالقاهرة والذي تعرض فيه للتعذيب أثناء التحقيق معه بشكل غير قانوني لمدة 24 ساعة من قبل ضباط بجهاز الأمن الوطني، قبل أن ينقل بعد ذلك إلى مدينة المنصورة حيث عرض على نيابة المنصورة الكلية في اليوم التالي 8 فبراير، والتي قررت حبسه 15 يومًا على ذمة التحقيق في المحضر رقم 7245 لسنة 2019 إداري ثان المنصورة.

واطلع محامو جورج على محضر ضبط محرر بتاريخ 8 فبراير 2020 يدعي إلقاء القبض عليه في أحد الكمائن في مدينة المنصورة بناءً على أمر ضبط وإحضار صادر عام 2019. وأصدر النائب العام بيانًا قال فيه إن تحريات الأمن الوطني قد توصلت في غضون شهر سبتمبر إلى استغلال زكي حسابه على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك لنشر أخبار وبيانات كاذبة بغرض الترويج للشائعات والتحريض ضد مؤسسات الدولة. أ

صدرت النيابة العامة إذنها بضبط جورج وتفتيش مسكنه إلا أنه لم يتم العثور عليه. وقدمت جهة التحري إلى النيابة العامة عشر ورقات مطبوعة من حساب جورج على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك تضمن ما وصفته بمنشورات تحريضية ضد مؤسسات الدولة ورموزها. وفي 7 مارس، بعد شهر من إلقاء القبض عليه، بدأت نيابة أمن الدولة بالتحقيق مع باتريك في القضية بعد أن أخذت رقم 1766 لسنة 2020 تحقيقات أمن الدولة العليا، موجهة إليه اتهامات، منها: إشاعة أخبار وبيانات كاذبة والتحريض على التظاهر دون تصريح، والترويج لارتكاب جريمة إرهابية.

  • استمرار استهداف الأكاديمي أيمن منصور ندا على خلفية تعبيره عن رأيه

في 28 سبتمبر الماضي أمر قاضي المعارضات بمحكمة القاهرة الجديدة، حبس الأستاذ بكلية الإعلام، جامعة القاهرة[11]، دكتور أيمن منصور ندا 15 يومًا على ذمة التحقيق معه في اتهامات تتعلق بسب وقذف عدد من الشخصيات والترويج لمنع إحدى مؤسسات الدولة من ممارسة أعمالها. كانت نيابة أول التجمع قد قررت في وقت سابق حبس ندا 4 أيام على ذمة التحقيق.

كان ندا قد قام بنشر مقال على حسابه على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك تعرض فيه بالنقد لرئيس جامعة القاهرة الحالي، الدكتور محمد عثمان الخشت، والذي اتهمه باستخدام أسماء شخصيات ومسؤولين من بينهم رئيس الجمهورية لتمرير قرارات غير قانونية.

وتعود أولى وقائع استهداف ندا إلى 28 مارس الماضي حيث نشر على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” صورة من استدعاء النيابة العامة له إلى جلسة تحقيق في اليوم التالي على ذمة التحقيقات في القضية رقم 8 لسنة 2021 حصر تحقيق نيابة استئناف القاهرة، إلا أنه لم يُشر إلى سبب الاستدعاء، وكان على الأرجح على خلفية بلاغ قال المجلس الأعلى للإعلام في بيان[12] له إنه سيتقدم به إلى النائب العام ضد ندا على خلفية مقالات نشرها على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” انتقد فيه أداء بعض الإعلاميين ووضع الإعلام في مصر حاليًّا، اعتبره المجلس في بيانه سبًّا وقذفًا، للإعلام المصري برمته والزملاء بأسمائهم.

بدأت الأزمة بعد نشر ندا عددًا من المقالات على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” انتقد خلالها الوضع الذي وصفه بغير المهني الذي وصل إليه الإعلام المصري، ومستوى الإعلاميين المتصدرين للإعلام ووجَّه انتقادات إلى العديد منهم وعلى رأسهم الإعلامي بقناة صدى البلد أحمد موسى، الذي انتقد أداءه على الشاشة واصفًا إياه بعدم امتلاكه أي مواصفات من الواجب توافرها في المذيع كما تقول الكتب، ورغمًا من ذلك تفرد له مساحات واسعة على الهواء.

وفي سياق آخر قالت كلية الإعلام جامعة القاهرة إنه منفصل، قررت الكلية  وقف ندا[13] عن العمل في واقعة سماها منشور الجامعة على حسابها على “فيسبوك” تعديه على وكيل الكلية الأسبق. وسبَّب البيان القرار والصادر في 29 مارس 2021 بالحفاظ على عدم التأثير على سير واستكمال التحقيقات التي يتم إجراؤها بكلية الحقوق. وتضمنت الشكوى حسب البيان ارتكاب ندا العديد من التجاوزات والمخالفات التي تتنافى مع قيم وتقاليد العمل الجامعي خلال اجتماع لجنة الدراسات العليا بالكلية. ونفت كلية الإعلام أية علاقة بين القرار والاستهداف الإعلامي والقانوني الرسمي للأكاديمي.

القسم الرابع: حرية الإبداع

رصدت مؤسسة حرية الفكر والتعبير 10 وقائع انتهاكات اشتملت على 14 انتهاكًا تعرض لها مبدعون خلال الربع الثالث من العام الحالي. كانت أغلبية الانتهاكات صادرة عن النقابات الفنية وعلى رأسها نقابة المهن الموسيقية والتي أصدرت عدة قرارات ضد 11 مطربًا شعبيًّا من مؤدي المهرجانات لا تعبر إلا عن رغبة المهن الموسيقية في فرض وصايتها وسيطرتها على الفنانين خاصة مطربي المهرجانات، بينما أعيد تدوير الشاعر جلال البحيري أثناء إجراءات إطلاق سراحه بعد قضائه مدة الحكم التي قضت به المحكمة العسكرية على خلفية ديوان ينتقد فيه الجيش المصري.

  • نقابة المهن الموسيقية تفرض وصايتها على الإبداع تحت دعاوى فضفاضة:

تصدرت نقابة المهن الموسيقية قائمة الجهات التي اعتدت على حرية الإبداع، حيث رصدت حرية الفكر والتعبير عدة قرارات ضد 11 مطربًا أغلبهم من مطربي المهرجانات ولأي أسباب حتى ولو ليس لها علاقة بالمحتوى الفني وجرت أغلبية أحداثها على مواقع التواصل الاجتماعي ولعل أبرز تلك الوقائع خلال الربع الحالي هو قرار المهن الموسيقية إيقاف المطربين: حسن شاكوش ورضا البحراوي، عن الغناء وإحالتهما إلى التحقيق بعد تصاعد الخلاف بينهما على خلفية خلاف على أسبقية الغناء في إحدى الحفلات بمنطقة الساحل الشمالي، وهو الأمر الذي تطور عبر مواقع التواصل الاجتماعي بين المطربين، إلا أن الغريب هو تدخل نقابة المهن الموسيقية دون استدعاء من أحد أطراف المشكلة، حيث أصدرت النقابة بيانًا قررت فيه إحالة المطربين إلى التحقيق مع وقف تصاريح الغناء لكليهما حتى انتهاء التحقيق.

وسبَّب بيان النقابة القرار بتبادلهما للكلمات أمام الجمهور والتنمر، وهو ما اعتبرته النقابة بالحدث الذي يحط من قيمة الفن المصري الذي ظل طوال عقود طويلة هاديًا للقيم والأخلاق ولم يكن أبدًا داعمًا لإهدار الأخلاق والفضيلة.

ودعا البيان الفنانين والمطربين إلى التمسك بمسؤولية الكلمة والأخلاق، مشددًا على أن نقابة المهن الموسيقية لن تتوانى عن دورها في حفظ قيم المجتمع الراسخة والرصينة على حد وصف البيان.

وفي الأول من سبتمبر أعلنت النقابة قرار التحقيق مع المطربين بإلغاء تصريح الغناء لشاكوش لأجل غير مسمى حسب تصريحات المستشار القانوني للنقابة، بينما تقرر وقف البحراوي عن الغناء شهرين من تاريخ إيقافه عن الغناء بعد الأزمة على أن يتحمل جميع رواتب فرقته الموسيقية خلال فترة الإيقاف[14].

وفي نفس الإطار وتأكيدًا على رغبة نقابة المهن الموسيقية في فرض وصايتها على الفنانين خاصة مطربي المهرجانات فقد قررت النقابة منع استعانة الفنانين بفلاشة[15] في أي حفل غنائي ابتداءً من 16 سبتمبر 2021، على أن يصاحب الفنان فرقة موسيقية تضم ثمانية عازفين على الأقل ، ويسري القرار على جميع الديسكوهات والحفلات العامة في النوادي وقاعات الأفراح وفقًا لبيان النقابة.

وأشار البيان إلى أنه في حالة مخالفة تلك القرارات سيتم منع التعامل مع المنشأة وسحب الترخيض الخاص بالفنان الذي خالف القرارات.

وبالفعل وفي 16 سبتمبر الماضي أصدرت المهن الموسيقية بيانًا[16] أعلنت فيه تغريم المطرب أحمد سعد 20 ألف جنيه بعد إحيائه حفلًا بالساحل الشمالي بطريقة البلاي باك وصاحبه فقط أربعة عازفين إيقاع. وأضاف البيان أنه تم تصوير الحفل وإرساله إلى الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية والذي تواصل مع مجلس إدارة النقابة وأكد أنه لا تهاون ولا استثناء مع مخالفة أي من قرارات النقابة. وأكد البيان أنه في حالة تكرار المطرب للمخالفة سيتم إحالته إلى مجلس تأديب.

كما أكد الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية أن هذا القرار عام، ويطبق على جميع من يخالف قرارات النقابة بلا تمييز وأن النقابة عازمة بكل حزم على المضي في طريقها نحو إصلاح منظومة الموسيقى والغناء كما هي معنية بتشغيل الأعضاء وتطوير منظومتها الخدمية لأعضائها.

وفي نفس السياق فقد أصدرت النقابة قرارًا بمنع التعامل مع مطربي المهرجانات[17] (ريشا وكوستا ومحمود معتمد)، حيث أنهم ليسوا أعضاء في النقابة ولم يحصلوا على تصاريح بالغناء، بالإضافة إلى مخالفتهم قرار النقابة بالغناء بدون فلاشة. كما أصدرت النقابة قرارًا بمنع مطربي المهرجانات: “عفروتو ومروان موسى” حيث أنهما ليسا أعضاء بالنقابة أو حاصلين على تصريح بالغناء.

الأجهزة الأمنية مستمرة في ملاحقة المبدعين

وفي سياق آخر تستمر الأجهزة الأمنية في التنكيل بالمبدعين على خلفية أعمال إبداعية تنتقد السياسات الحكومية، ففي 31 يوليو 2021، أنهى الشاعر المصري جلال البحيري حبسه في الحكم الصادر ضده في القضية رقم 4 لسنة 2018 جنح المدعي العام العسكري، والذي كان متهمًا فيها بعدة اتهامات، منها: إذاعة أخبار وشائعات كاذبة بتأليف كتاب يحتوي على أخبار وبيانات كاذبة، عن القوات المسلحة المصرية، إهانة الجيش المصري بإصدار كتاب يتضمن عبارات تسيء إلى الجيش المصري، على خلفية نشره لديوان تحت عنوان: “خير نسوان الأرض”.

لم تسمح وزارة الداخلية بإطلاق سراحه حيث ظل محتجزًا منذ وصوله إلى قسم شرطة كفر شكر والتابع له محل إقامته من يوم 5 أغسطس 2021 إلى 16 من نفس الشهر، قبل أن يتم نقله إلى مقر الأمن الوطني ببنها حتى ظهر معروضًا على نيابة أمن الدولة العليا بالتجمع الخامس في 5 سبتمبر 2021 متهمًا على ذمة القضية رقم 2000 لسنة 2021.

وجهت نيابة أمن الدولة العليا إلى البحيري في القضية الجديدة اتهامات منها: الانضمام لجماعة إرهابية على علم بأغراضها، ونشر وإذاعة أخبار وبيانات كاذبة من شأنها الإضرار بالأمن العام قبل أن تأمر بحبسه 15 يومًا على ذمة التحقيقات[18].

تعود وقائع الاستهداف إلى  مارس 2018، حيث ألقت سلطات أمن مطار القاهرة القبض على البحيري أثناء سفره إلى الخارج. عرض جلال على نيابة أمن الدولة متهمًا على ذمة القضية رقم 480 لسنة 2018 أمن دولة عليا والمعروفة إعلاميًّا بـ”قضية أغنية بلحة”. وجهت إليه نيابة أمن الدولة اتهامات، منها: “الانضمام لجماعة إرهابية، ونشر أخبار كاذبة، وإهانة رئيس الجمهورية”، وأمرت النيابة بحبسه 15 يومًا على ذمة القضية، أخلي سبيله بتدابير احترازية في تلك القضية في 17 إبريل 2019، ورفعت نيابة أمن الدولة عنه التدابير الاحترازية في 24 فبراير 2020.

وفي اليوم التالي للقبض عليه باشرت النيابة العسكرية التحقيقات مع البحيري بشأن ديوان “خير نسوان الأرض” والذي كتب البحيري ضمن قصائده “أغنية بلحة” قبل أن تقرر النيابة العسكرية حبس البحيري على ذمة القضية رقم 4 لسنة 2018 جنح إداري المدعي العام العسكري.

وفي 31 يوليو أمرت محكمة عسكرية بحبس البحيري لمدة 3 سنوات مع الشغل والنفاذ وغرامة 10 آلاف جنيه على ذمة القضية رقم 4 لسنة 2018 جنح إداري المدعي العام العسكري. لاحقًا، ألغى النقض الغرامة المالية وأيد حكم الحبس لمدة 3 سنوات مع الشغل والنفاذ.

القسم الخامس: الحقوق الرقمية

تستمر السلطات المصرية في محاولاتها للسيطرة على المحتوى المنشور على الإنترنت ضمن مساعيها المستمرة لمنع نشر أي انتقادات ضد السياسات الحكومية، عن طريق إلقاء القبض على الأفراد على خلفية نشرهم معلومات على الإنترنت تخالف الروايات الرسمية للحكومة أو أية انتقادات توجه إليها. كما تستمر الأجهزة الأمنية بتواطؤ وتحريض من قبل النيابة العامة في تعقب واستهداف مستخدمات تطبيقات التواصل الاجتماعي وأبرزهم “تيك توك” على خلفية ما أسمته النيابة العامة في بيانات سابقة بالتعدي على القيم والمبادئ المجتمعية للشعب المصري.

حيث رصدت مؤسسة حرية الفكر والتعبير 7 وقائع انتهاكات بحق مستخدمي الإنترنت اشتملت على 13 انتهاكًا تنوعت  ما بين القبض على مواطنين لأسباب سياسة أو “أخلاقية” وحجب موقع 180 تحقيقات الصحفي، وإحالة 3 ناشطين إلى المحاكمة على خلفية تدوينات سابقة على الإنترنت بعد استدعائهم لاستكمال التحقيقات بعد سنتين تقريبًا من حبسهم احتياطيًّا.

تهدف تلك الممارسات القمعية إلى بناء رقابة ذاتية عند جمهور مستخدمي الإنترنت المصريين تقلل من حجم المحتوى المنشور على الإنترنت  سواء الناقد للسياسات الحكومية أو فرض وصاية أخلاقية على المحتوى.

استمرار استهداف ناشرات  محتوى ترفيهي على تطبيقات الإنترنت تحت دعاوى حماية “الأخلاق”

 رصدت مؤسسة حرية الفكر والتعبير 3 وقائع انتهاكات اشتملت على 5 انتهاكات جسيمة على اثنين من ناشرات المحتوى على تطبيقات التواصل الاجتماعي ومساعد إحداهما.

في 26 يوليو 2021 ألقت الإدارة العامة لمباحث الآداب بالإسكندرية القبض على ياسمين عبد الرازق الفولي والشهيرة بـ”كائن الهوهوز” على موقع تيك توك[19] ومصور فيديوهاتها ويدعى أسامة. على خلفية عدة بلاغات تتهمها بنشر فيديوهات منافية للآداب العامة وقيم المجتمع، كان أبرزها بلاغ من المحامي أشرف فرحات، مؤسس حملة “تطهير المجتمع”، والذي حمل رقم 85101 عرائض مكتب فني.

وفي 18 سبتمبر قضت المحكمة الاقتصادية في الإسكندرية، بحبس الفولي ومساعدها أسامة، لمدة ثلاث سنوات مع النفاذ وغرامة 200 ألف جنيه على كل منهما، بتهمة نشر الفسق والفجور عبر بث مقاطع فيديو على تطبيق تيك توك.

وفي نفس السياق ألقت مأمورية الإدارة العامة لمباحث الآداب القبض على “موكا حجازي”[20] من ميدان الحصري بمدينة 6 أكتوبر، بسبب نشر فيديوهات “فاضحة” بحسب محضر شرطة  رقم 5679 جنح أول أكتوبر لسنة 2021.

وجهت النيابة إلى حجازي اتهامات من بينها التحريض على الفسق والفجور والإساءة لقيم ومبادئ المجتمع المصري عن طريق نشر فيديوهات مخلة بالآداب على مواقع التواصل الاجتماعي، كما أمرت النيابة بضبط شخص يدعى معاذ كان يساعد حجازي على تصوير ورفع الفيديوهات على الإنترنت. كان المحامي أشرف فرحات، قد تقدم ببلاغ إلى النائب العام المستشار حمادة الصاوي، تحت رقم 82671 ضد حجازي يتهمها فيه بـ”نشر الفسق والفجور”.

وتعود وقائع تلك الحملة الأمنية على صانعات المحتوى على الإنترنت إلى بدايات انتشار وباء كورونا في مصر وفرض واقع التباعد الاجتماعي الأمر الذي زاد من انتشار بعض التطبيقات على الإنترنت وأبرزها تطبيق “تيك توك” نتيجة لجلوس المواطنين في منازلهم. وقد استغلت السلطات المصرية عبر النيابة العامة، والإدارة العامة لمباحث الآداب، وباء كورونا لبسط مزيد من الخطوط الحمراء على محتوى المواطنين على الإنترنت عبر استهداف عدد من مستخدمي/ات تلك التطبيقات تحت دعاوى نشر الفسق والفجور، والاعتداء على الأخلاق والقيم المجتمعية.

وتبرِز تلك الوقائع ما يمكن تسميته بمحاولة فرض النيابة العامة ووزارة الداخلية وصايتهما على المحتوى الذي يقدمه المواطنون على الإنترنت من خلال فرض مجموعة من المحاذير تحت دعاوى فضفاضة وغير محددة كالحفاظ على القيم والمبادئ الأسرية.

لم تكتفِ النيابة بالقبض على بعض مستخدمي/ات تلك التطبيقات بل دعت إلى التوسع في التشريعات المتعلقة بالفضاء السيبراني، ودعوتها إلى مستخدمي مواقع التواصل من الشباب أن يسهموا بدور فعال في معاونة السلطات المصرية لحراسة ما أسمته “الحدود المستحدثة” وهي حسب بيان النيابة العامة حدود جديدة سيبرانية مجالها المواقع الإلكترونية. وأكدت النيابة العامة بأن حماية تلك الحدود الجديدة لن تتم إلا بوعي شامل وتفاعل متكامل من كافة طوائف المجتمع من أجل حصر الضار منها وما فيه من شرور ورفع القيود، وتستُّر وراء شخوص مستعارة وحقائق مزيفة.

وارتكزت النيابة العامة في حملتها على مستخدمي/ات تلك التطبيقات على مجموعة من التشريعات التي سنَّتها السلطات المصرية والتي كان الهدف منها التضييق على مرتادي الإنترنت ومراقبة المحتوى ولعل أبرزها، قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 والذي يفرض عقوبة الحبس والغرامات المالية على جرائم أخلاقية يصعب معرفة أركانها أو التأكد من صحتها، منها ما سمي بجريمة الاعتداء على المبادئ والقيم الأسرية في المجتمع. كما أعطى القانون وقانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 صلاحيات للجهات القضائية والشرطية والمجلس الأعلى للإعلام تسمح بحجب المواقع والحسابات لاعتبارات “الأمن القومي” أو في حالات نشر أخبار كاذبة، أو إهانة للأديان السماوية أو العقائد الدينية.

ورصدت حرية الفكر والتعبير منذ بدء الحملة وإلى الآن استهداف ما لا يقل عن 19 مستخدمًا لتلك التطبيقات على خلفية اتهامات بالتعدي على القيم والمبادئ المجتمعية.

استهداف الأفراد على خلفية تعبيرهم عن آرائهم على مواقع التواصل الاجتماعي

تستمر الأجهزة الأمنية في تعقب المنشورات التي يقوم الأفراد بنشرها على الإنترنت خاصة تلك التي تحمل انتقادات للسياسات الحكومية حيث رصدت المؤسسة خلال الربع الحالي القبض على 4 مواطنين على خلفية نشر آراء على مواقع التواصل الاجتماعي. ففي 9 سبتمبر تم القبض على اثنين من أفراد عائلة واحدة، وهما ناجي فوزي علي معوض وابن أخيه طه حمدي فوزي عوض، حيث تم القبض على طه أولًا قبل أن يسلم عمه نفسه إلى مقر الأمن الوطني بالمنيا بعد القبض على ابن أخيه. ظهر الاثنان في نيابة أمن الدولة في 21 سبتمبر الماضي والتي أمرت بحبسهما 15 يومًا على ذمة التحقيقات في القضية رقم 910 لسنة 2021 حصر نيابة أمن الدولة العليا.

واجهتهما نيابة أمن الدولة باتهامات من بينها الانضمام لجماعة إرهابية، ونشر أخبار كاذبة، وإساءة استخدام حساب على موقع التواصل الاجتماعي.

ويعود استهداف الاثنين إلى اشتراكهما في نشر فيديو يتناول بشكل ساخر الأوضاع المعيشية السيئة في مصر وارتفاع الأسعار معللين نشرهما الفيديو بالظروف التي يمران بها وضيق الحال ورغبتهما في كسر ما يعانيانه من هموم، منكرين أن يكون لهما أية علاقة بأية جماعة إرهابية أو أحزاب سياسية، كما أكدا أنهما لا يمتلكان حتى هاتفًا محمولًا أو حسابًا على أيٍّ من مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي نفس السياق ألقت قوات الشرطة في 31 يوليو الماضي القبض على فوزي بلال من داخل محل عمله في محطة الرمل بالإسكندرية على إثر نشره فيديو على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك يناشد فيه المسؤولين بعودة نجله إلى العمل في إدارة المرور التابعة لوزارة الداخلية. تم اصطحاب بلال بعد القبض عليه إلى مكتب الأمن الوطني للتحقيق معه ثم إلى قسم شرطة ثان الرمل حيث استمر احتجازه. وبتاريخ 3 أغسطس 2021 ظهر بلال في نيابة أمن الدولة العليا والتي أمرت بحبسه لمدة خمسة عشر يومًا احتياطيًّا على ذمة القضية رقم 910 لسنة 2021 بتهمة الانضمام لجماعة إرهابية. يذكر أن المتهم رجل مُسن يعاني من فتق شديد بالبطن وأمراض مزمنة أخرى تستدعي رعاية طبية.

خاتمة وتوصيات

بالرغم من الخطوات الحكومية في ملف حقوق الإنسان وإطلاق أول إستراتيجية مصرية لحقوق الإنسان تحت رعاية رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، فإن تلك الخطوات  لم تعطِ انعكاسًا حقيقيًّا على ممارسات الأجهزة المختلفة، حيث استمر تعدي تلك الأجهزة على حق المواطنين في التعبير عن آرائهم بطرق مختلفة ما يفرغ تحركات الحكومة من مضمونها ويجعلها مجرد تحركات تهدف إلى امتصاص الغضب الدولي المتصاعد من استمرار الانتهاكات الجسيمة  لحقوق الإنسان في مصر.

وعليه، تدعو مؤسسة حرية الفكر والتعبير السلطات القضائية في مصر إلى اتخاذ خطوات جادة ومعلنة لإنهاء حالات الحبس الاحتياطي المطول وخاصة التي على النشطاء والحقوقيين والصحفيين وأصحاب الرأي. على أن يكون هناك إطار زمني واضح وشفاف بشأن الخطوات في هذا الملف.

كما تطالب المؤسسة رئيس الجمهورية باعتباره الحاكم العسكري ووفقًا للقانون بعدم التصديق على الأحكام التي صدرت عن محكمة أمن الدولة العليا طوارئ.

وتحذر المؤسسة من استمرار ملاحقة النقابات الفنية للمشتغلين بالمهن الموسيقية والسينمائية والتمثيلية تحت دعاوى أخلاقية، ودعاوى مرتبطة بما أسموه إصلاح وتنظيم منظومة الموسيقى والغناء.

كما تدعو المؤسسة قاضي التحقيق في قضية التمويل الأجنبي (١٧٣ لسنة ٢٠١١) إلى ضرورة استكمال الخطوات التي من شأنها حفظ التحقيقات في القضية بالكامل وإغلاق هذا الملف بشكل نهائي. كذلك نكرر الدعوة إلى ضرورة إنهاء كافة القضايا الأخرى المتداولة على نفس المؤسسات والعاملين فيها.

وأخيرًا تدعو المؤسسة النيابة العامة والأجهزة الأمنية إلى وقف ملاحقة صانعات المحتوى على تطبيقات التواصل الاجتماعي تحت دعاوى حماية الأخلاق والقيم المجتمعية.

[1] 31 دولة تدين انتهاك الحريات في مصر أمام مجلس حقوق الإنسان، دويتشه فيلا، ١٢ مارس ٢٠٢١، اخر زياره ١٧ اكتوبر ٢٠٢١، https://bit.ly/3pcyxOI.

[2] الرئيس السيسي يشهد إطلاق الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في مصر، قناة دي إم سي على يوتيوب، 11 سبتمبر 2021، تاريخ آخر زيارة، 17 أكتوبر 2021، https://bit.ly/3BQEPY5.

[3] إخلاء سبيل أهالي نزلة السمان المحبوسين بعد وقفة "سن العجوز"، مدى مصر، 26 سبتمبر 2021، تاريخ آخر زيارة: 17 أكتوبر 2021، https://bit.ly/3APgn7W.

[4] محمد فرج، حبس عبد الناصر سلامة رئيس تحرير الأهرام الأسبق بتهمة نشر أخبار كاذبة، الشروق، 19 يوليو 2021، تاريخ آخر زيارة: 17 اكتوبر 2021، https://bit.ly/3aM3cu.

[5] اعتقال صحفي بالجزيرة مباشر مصر، الجزيرة مباشر مصر، 3 أغسطس 2021، تاريخ آخر زيارة 17 أكتوبر 2021، https://bit.ly/3vi2xKh.

[6] مفاجأة في القبض على 3 صحفيين أمام نقابة الأطباء، المرصد المصري لحرية الإعلام، 12 سبتمبر 2021، تاريخ آخر زيارة: 17 أكتوبر 2021، https://bit.ly/3DPScIo.

[7] هدير المهداوي، صحفي إيطالي: السلطات المصرية رفضت منحي تصريح لإعداد تقرير عن باتريك جورج لسبب "زائف"، مدى مصر، 12 أغسطس 2021، تاريخ آخر زيارة: 17 أكتوبر 2021، https://bit.ly/3FVrvnx.

[8] شهادة من مؤسس الموقع.

[9] القبض على الباحثة والمؤرخة عالية مسلم في مطار القاهرة وإحالتها إلى نيابة أمن الدولة، مدى مصر، 11 يوليو 2021، تاريخ آخر زيارة: 17 أكتوبر 2021، https://bit.ly/3ARYkhv.

[10] بعد عام ونصف من الحبس الاحتياطي: إحالة باتريك چورچ زكي لمحكمة أمن الدولة طوارئ بجلسة الغد، بيان حقوقي مشترك، 13 سبتمبر 2021، تاريخ آخر زيارة: 17 أكتوبر 2021، https://bit.ly/3lOFT9l.

[11] حبس أستاذ الإعلام أيمن منصور ندا احتياطيًّا لاتهامه بالسب والقذف، الشروق، 28 سبتمبر 2021، تاريخ آخر زيارة، 17 أكتوبر 2021، https://bit.ly/3AMyWJX.

[12] بيان عاجل من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، حساب المجلس الرسمي على "فيسبوك"، 25 مارس 2021، تاريخ آخر زيارة: 14 إبريل 2021، https://bit.ly/32dZ41o.

[13] قرار من المحقق بتوقيف رئيس قسم الإذاعة والتليفزيون عن العمل في واقعة تعديه على وكيل الكلية الأسبق وخروجه عن التقاليد والأعراف الجامعية، حساب كلية الإعلام جامعة القاهرة الرسمي على "فيسبوك"، 29 مارس 2021، تاريخ آخر زيارة: 14 إبريل 2021، https://bit.ly/2Q2vw4x.

[14] عبد الله نبيل، رسميًّا: سحب ترخيص شاكوش ومنعه من الغناء.. ووقف رضا البحراوي شهرين، فيتو، 5 سبتمبر 2021، تاريخ آخر زيارة: 17 أكتوبر 2021، https://bit.ly/3n3rghK.

[15] هاني صابر، أحدهما يخص كل المطربين.. 3 قرارات لـ"الموسيقيين" بعد التحقيق مع شاكوش والبحراوي، مصراوي، 5 سبتمبر 2021، تاريخ آخر زيارة 17 اكتوبر 2021، https://bit.ly/3vo4sx0.

[16] ريهام جودة، بسبب الغناء بـ"فلاشة" أول قرار من المهن الموسيقية ضد المطرب أحمد سعد، المصري اليوم، 18 سبتمبر 2021، تاريخ آخر زيارة: 17 أكتوبر 2021، https://bit.ly/2XoBmB.

[17] علي الكشوطي، نقابة الموسيقيين تمنع عفروتو ومروان موسى وآخرين من الغناء، اليوم السابع، 22 سبتمبر 2021، تاريخ آخر زيارة: 17 أكتوبر 2021،https://bit.ly/3BPqafF.

[18] شهادة من محاميه.

[19] محمد عامر، من التريند إلى السجن..تسلسل زمني لقضية "كائن الهوهوز في الإسكندرية، مصراوي، 18 سبتمبر 2021، تاريخ آخر زيارة: 17 أكتوبر 2021، https://bit.ly/3DRZ5c7.

[20] محمد شعبان، "معاذ كلمة السر".. كيف اقتحمت موكا حجازي عالم فيديوهات الإثارة؟ مصراوي، 9 يوليو 2021، تاريخ آخر زيارة: 17 أكتوبر 2021، https://bit.ly/3n3tvSc.

محتوى الموقع منشور برخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف 4.0