مذكرة برنامج الحرية الأكاديمية المقدمة لورشة العمل حول قانونية تواجد قوات الشرطة داخل الجامعة

تاريخ النشر : الإثنين, 22 مايو, 2006
Facebook
Twitter

22 مايو 2006

مجموعة العمل من أجل استقلال الجامعة بالتعاون مع نادي أعضاء هيئة التدريس بجامعة القاهرة

مقدمة لابد منها:

لقد نفذ الأمن إلي الحياة الجامعية وتغلغل داخلها عن طريق مكاتب الأمن التي استغلتها الشرطة وجهاز أمن الدولة كواجهة لها داخل الجامعة حيث قاما بفرض سيطرتها على مجمل الحياة الجامعية وتعاملوا مع الجامعة بنفس العقلية التي يتعاملوا بها مع السجون والمعتقلات وأصبحت الموافقة الأمنية شرط التعيين والترقي والسفر وعقد الندوات أو المؤتمرات فاختنقت الحياة الأكاديمية وأهدرت حرية البحث العلمي وحرية الرأي والتعبير وخرجت الجامعات المصرية من قائمة أفضل خمسمائة جامعة على مستوي العالم، كما خرجت من التصنيف الأفريقي للجامعات.

لم يكن دور الشرطة وأمن الدولة هو الوحيد الذي أدي إلي هذه النتيجة ولكنه أحد الأدوار الرئيسية، فتوحش الأمن داخل الحياة الجامعية فاق كل الحدود ولم يساعدهم على ذلك إلا تواجدهم الدائم داخل أسوار الجامعة من خلال مكاتب الأمن بكل كلية.

أولاً التواجد الأمني يخالف القانون:

إن الجامعة وفقاً للمادة الأولي لقانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972 هي المختصة \”بالتعليم الجامعي والبحث العلمي الذي تقوم به كلياتها ومعاهدها في سبيل خدمة المجتمع والارتقاء به حضاريا متوخية في سبيل ذلك المساهمة في رقي الفكر وتقدم العلم وتنمية القيم الإنسانية، وتزويد البلاد بالمتخصصين والفنيين والخبراء في مختلف المجالات، وإعداد الإنسان المزود بأصول المعرفة وطرائق البحث المتقدمة والقيم الرفيعة ليساهم في بناء وتدعيم المجتمع الاشتراكي، وصنع مستقبل الوطن وخدمة الإنسانية، وتعتبر الجامعات بذلك معقلاً للفكر الإنساني في أرفع مستوياته، ومصدراً لاستثمار وتنمية أهم ثروات المجتمع وأغلاها وهي الثروة البشرية، وتهتم الجامعات كذلك ببحث الحضارة العربية والتاريخية للشعب المصري وتقاليده الأصيلة ومراعاة المستوي الرفيع للتربية الدينية والخلفية الوطنية، وتوثيق الروابط الثقافية والعلمية مع الجامعات الأخرى والهيئات العلمية العربية والأجنبية.

وتكفل الدولة استقلال الجامعات بما يحقق الربط بين التعليم الجامعي وحاجات المجتمع والإنتاج\”.

وانطلاقا من هذا المنهج الوارد بالمادة الأولي من قانون تنظيم الجامعات تعامل المشرع مع الجامعة المصرية بوصفها منارة ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية فهي هيئات عامة ذات طابع علمي وثقافي ولكل منها شخصيتها الاعتبارية (م 7 من القانون)، والدولة تكفل استقلالها حتى يستفيد المجتمع منها ويحقق أغراض إنشائها (م1 من القانون).

لذلك خلي القانون رقم 49 لسنة 1972 من أي نص يتيح تواجد رجال الأمن مدنيين ورجال شرطة رسميين أو سريين داخل أسوار الجامعة المصرية لأن مثل هذه المنارات لا تنمو ولا تتقدم إلا في إطار من الحرية والاستقلالية بمفهومها العام والشامل، ولكن لائحة القانون نصت في مادتها 317 على \”تنشأ بكل جامعة وحدة للأمن الجامعي تتحدد مهامها في حماية منشآت الجامعة وأمنها، وتتبع رئيس الجامعة مباشرة، وتتلقي منه أو ممن ينيبه التعليمات اللازمة لأداء هذه المهام ويكون لإفرادها زى خاص يحمل شعار الجامعة.

ويصدر بتنظيم هذه الوحدات وطريقة تشكيلها وتحديد الاعتمادات المالية التي يطلب إدراجها بموازنات الجامعات قرار من رئيس المجلس الأعلى للجامعات\”.

وهي مادة أضيفت للائحة بموجب قرار رئيس الجمهورية 265 لسنة 1979 وكانت الفقرة الأولي تنص على \”تنشأ بكل جامعة وحدة للأمن الجامعي تتبع رئيس الجامعة مباشرة ويكون لإفرادها زى خاص يحمل شعار الجامعة\”، ثم أضيف لهذه الفقرة أن وحدة الأمن الجامعي \”تتحدد مهامها في حماية منشآت الجامعة وأمنها\”، كما أضيفت إلي المادة بشأن الجهة التي تعطيها التعليمات تفويض رئيس الجامعة في إنابة غيره بذلك \”أو من ينيبه التعليمات اللازمة لأداء هذه المهام\”، وذلك بموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 378 لسنة 1984.

ونص المادة 317 من اللائحة يعني أن وحدة الأمن هي أحدى الوحدات الإدارية والوظيفية بالجامعة فهي تتبع رئيس الجامعة وهو الذي يعطيها التعليمات أو ينيب غيره في هذه المهام، وبالتالي فهي تختلف تماما عن الوحدات الشرطية (رسمية أو سرية) والمنتشرة داخل الجامعة تحت مسمي الحرس الجامعي، وداخل الكليات تحت مسمي مكتب رئيس الحرس لإنها جهات شرطية تتبع وزارة الداخلية، وعن محاولة الخلط بين وحدات الأمن الجامعي المنصوص عليها بالمادة 317 من اللائحة وبين الحرس الجامعي ذهبت محكمة القضاء الإداري بأسيوط في حكمها رقم 837 لسنة 7 ق إلي \”إن إلحاق تبعية الأمن الجامعي إلي إدارة الحرس الجامعي يعد مخالفاً للقانون ذلك أن الأولي تتبع رئيس الجامعة والثانية تتبع وزارة الداخلية وقد وصلت هذه التبعية إلي معاملة العاملين بإدارة الأمن ذات المعاملة العسكرية التي يعامل بها أفراد الحرس الجامعي واختصاص الإدارة الأخيرة بتوزيع بين أفراد الأمن الجامعي والتحقيق معهم وتأديبهم ورفع تقاريرهم\”.

وقد جاء هذا الحكم على خلفية عدوان رجال الشرطة على حقوق الموظفين بوحدات الأمن الجامعي بجامعة أسيوط، إلا أنه يوضح الفارق بين الحرس الجامعي ووحدات أمن الجامعة من ناحية، ويوضح كذلك مدي توحش التدخل الأمني الشرطي داخل أسوار الجامعات المصرية من ناحية ثانية.

ونخلص مما سبق عرضة إلي أن تواجد رجال الشرطة المصرية (الرسمية والسرية) داخل أسوار الجامعة وداخل الكليات أمر مخالفاً للقانون رقم 49 لسنة 1972 بشأن تنظيم الجامعات ولائحته التنفيذية.

ثانياً التواجد الأمني يخالف المواثيق الدولية:

1- إن استقلال المؤسسات التعليمية شرط أساسي لنجاح العملية التعليمية ولذلك ذهبت اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالأمم المتحدة في دورتها الحادية والعشرون لسنة 1999 في تعليقها العام رقم 13 إلي أن الحق في التعليم لا يمكن التمتع به إلا إذا صحبته الاستقلالية والحرية الأكاديمية للعاملين والطلاب، وبالتالي ورغم أن المسألة لم تذكر صراحة في المادة 13 من العهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بات من المناسب والضروري أن توضح اللجنة أن خبراتها تبين أن العاملين والطلاب في التعليم العالي هم الذين يتعرضون بوجه خاص للضغوط السياسية وغيرها من الضغوط التي تقوض الحرية الأكاديمية، كما ذهبت اللجنة إلي أن التمتع بالحرية الأكاديمية يتطلب استقلال مؤسسات التعليم العالي والاستقلال طبقا لتعريفها \”هو درجة من الحكم الذاتي لازمة لكي تتخذ مؤسسات التعليم العالي القرارات بفعالية بالنسبة للعمل الأكاديمي ومعاييره وإدارته وما يرتبط بذلك من أنشطة\”

2- أكد إعلان كامبالا بشأن الحرية الفكرية الصادر عن منظمة الوحدة الأفريقية عام 1990 إلي ضرورة أن تتوقف الدولة عن ممارسة الرقابة على أعمال المجتمع الفكري (م 15)، كما ذهب الإعلان إلي ضرورة أن تكون مؤسسات التعليم العالي مستقلة في إدارة شئونها عن الدولة أو أي سلطة عامة أخرى بما في ذلك الإدارة ووضع البرامج الأكاديمية وبرامج التدريس والبحث والبرامج الأخرى ذات الصلة (م 11).

ونهي الإعلان في مادته رقم 14 على \”لا تنشر الدولة أي قوات عسكرية أو قوات الدفاع المدني أو قوات الأمن أو المخابرات أو أي قوات مشابهة داخل مباني وأراضي المؤسسات التعليمية، وفي حالة ما إذا كان نشر مثل هذه القوات ضروريا من أجل حماية الحياة والممتلكات ففي هذه الحالة تراعي الشروط التالية:

أ‌- أن يكون هناك خطر واضح على الحياة والممتلكات.

ب‌- أن يكون رئيس المؤسسة المعنية قدم دعوة خطية بهذا المعني.

ج- أن تتم الموافقة على مثل هذه الدعوة من قبل لجنة قائمة منتخبة من المجتمع الأكاديمي تشكل لهذا الغرض\”

3- كما ذهب إعلان عمان للحرية الأكاديمية والصادر عن مؤتمر الجامعات العربية في 2004 في ديباجته إلي أن \”مؤسسات التعليم والبحث العلمي في البلاد العربية تعاني من مشاكل كبيرة تشمل طرق التعليم، ومناهج البحث وأساليب الإدارة وسوء استخدام الموارد وتأهيل المدرسين لكن المشكلة الأكبر التي تتصل بجميع هذه المشاكل وتزيد في تفاقمها هي إخضاع التعليم العالي والبحث العلمي لغايات خارجة عن غايات التأهيل والتكوين والبحث العلمي، ففي معظم البلاد العربية تفرض السلطات العمومية، لا بل الأجهزة الأمنية، وصايتها المباشرة على الحياة الجامعية وتتعامل مع أعضاء الهيئة الإدارية في جميع المستويات حسب منطق الولاء والمحسوبية وتخضع المناهج والبرامج والمشاريع العلمية لحساسيات السياسة الضيقة وأغراض الحفاظ على الحكم واحتكار السلطة وهي لا تخضع القيود على تداول المعارف فحسب ولكنها تحد من حركة الباحثين والعلماء داخل البلاد وخارجها وتصادر الرأي وتستخدم الجامعات كمراكز للدعاية الحزبية أو الدعوة الأيديولوجية .

ويفسِر هذا جميعُه الفشلّ الذي مُنِيت به السياسات التعليمية العالية بالرغم من التوسع الكبير الذي شهدته حركة بناء الجامعات والمراكز العلمية والاستثمارات الضخمة التي وضعت فيها. وهذا الفشل هو الذي يُبقي العالم العربي في حالة تبعية مستمرة وواسعة للخبرة العلمية والفنية الأجنبية إلى اليوم، كما يحكم على مئات آلاف الخريجين من الشباب الجامعيين بالبطالة المستديمة أمام هذا التردي المتواصل لمؤسسات ومستويات التعليم العالي والبحث العلمي أصبحت الحاجة ملحّة إلى لفت أنظار المسؤولين العرب وتنبيه الرأي العام إلى مخاطر التمادي في إخضاع الجامعات ومؤسسات البحث العلمي العربي لمصالح فئوية وظرفية، وحرمانها من الاستقلالية، وإلى ضرورة تطوير بيئة علمية صالحة لتكوين نسق علمي عربي منتج ومستقل معاً\”.

4- جاء أول مبدأ من مبادئ إعلان عمان للحرية الأكاديمية على النحو التالي \” ضرورة إلغاء الوصاية السياسية عن المجتمع الأكاديمي، والتزام السلطات العمومية باحترام استقلال المجتمع العلمي بمكوناته الثلاثة من أساتذة وطلبة وإداريين، وتجنيبه الضغوط الخارجية والتدخلات السياسية التي تسئ إلي حرية الهيئات الأكاديمية مما يوفر شرطا ضروريا لنجاح العملية التعليمية وتطور البحث العلمي.

5- ذهبت ديباجة إعلان ليما بشأن الحرية الأكاديمية واستقلال مؤسسات التعليم العالي والصادر عن المنظمة العالمية للخدمات الجامعية 1988 إلي أن التأكيد على أهمية الحق في التعليم من أجل التمتع بجميع حقوق الإنسان وتطور الأفراد والشعوب. كما تري الجمعية العمومية للخدمات الجامعية العالمية أن الحق في التعليم لا يمكن التمتع به بصورة كاملة إلا في مناخ من الحرية الأكاديمية واستقلال مؤسسات التعليم العالي.

كما ذهب الإعلان إلي تعريف الاستقلال بأنه يعني \”استقلال مؤسسات التعليم العالي عن الدولة وغيرها من قوى المجتمع، وصنع القرارات المتعلقة بسير العمل الداخلي فيها وبماليتها وإدارتها، وإقرار سياساتها للتعليم والبحث العلمي والإرشاد وغيره امن الأنشطة ذات الصلة\”.

كما أفرد الإعلان ستة بنود حول استقلال مؤسسات التعليم العالي وهي البنود من 14 حتى 19 ذهبت إلي إلزام مؤسسات التعليم بالحفاظ على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية للإنسان وضرورة العمل على منع استخدام العلم والتكنولوجيا لما يلحق الضرر بتلك الحقوق، كما أوجب على المؤسسات التعليمية أن تتناول بالنقد أحوال القهر السياسي وانتهاكات حقوق الإنسان داخل مجتمعها، وأن تعمل المؤسسات على حماية إفراد المجتمع الأكاديمي من اضطهاد، وألزمت الدول بعدم الإخلال باستقلال مؤسسات التعليم وكذلك الحيلولة دون مثل هذا الإخلال من جانب قوي أخرى في المجتمع.

إن كل ما سبق بيانه من مبادئ وردت في ديباجات أو بنود وثائق وإعلانات دولية وإقليمية وعربية توضح القيمة الأدبية التي أولتها تلك الوثائق للحرية الأكاديمية ولاستقلال المؤسسات التعليمية وعلى ضرورة التزام الدول بالحفاظ على هذا الاستقلال لعدم التدخل في أعمال تلك المؤسسات سواء من الناحية الإدارية والتعليمية أو الأكاديمية، كما توضح تلك النصوص أيضاً أنه لا مكان لقوات الشرطة داخل أسوار الجامعة أو مكاتب الكليات، وهو ما يخالف الوثائق الدولية والإقليمية والعربية السالف بيانها.

ثالثاً: التواجد الأمني يخالف الدستور:

نصت المادة 18 من الدستور على أن \”التعليم حق تكفله الدولة وهو الزامي في المرحلة الابتدائية. وتعمل الدولة على مد الإلزام إلي مراحل أخرى. وتشرف على التعليم كله. وتكفل استقلال الجامعات ومراكز البحث العلمي، ذلك كله بما يحقق الربط بينه وبين حاجات المجتمع\”.

لقد كفل المشرع الدستوري استقلال الجامعة المصرية وألقي على عاتق الدولة تحقيق هذا الاستقلال، وهو ما يمنعها من القيام بتصرفات تتعارض وهذا المبدأ، وقيام الدولة ممثلة في رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء، ووزير الداخلية، ووزير التعليم العالي والبحث العلمي، ورؤساء الجامعات، بالسماح لرجال الشرطة بالتوغل داخل الجامعات والكليات المصرية دون سند من القانون يمثل عدوانا على مبدأ استقلال الجامعة المصرية في أوضح صوره.

وقد ذهبت المحكمة الدستورية العليا في معرض تعليقها على هذه المادة 18 من الدستور. إلي أن \”كفالة الدستور لحق التعليم إنما جاء انطلاقا من حقيقة أن التعليم يعد من أهم وظائف الدولة وأكثرها خطرا، وأنه أداتها الرئيسية التي تنمي في النشء القيم الخلقية والتربوية والثقافية، وتعده لحياه أفضل يتوافق فيها مع بيئته ومقتضيات انتمائه إلي وطنه، ويتمكن في كنفها من اقتحام الطريق إلي آفاق المعرفة وألوانها المختلفة\”.

فهل استمرار رجال الشرطة داخل الجامعات المصرية دون سند من القانون هو عدوان على الاستقلالية أم هو إعداد من الدولة لطلاب مصر حتى يتوافقوا مع البيئة المصرية خارج الجامعة.

محتوى الموقع منشور برخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف 4.0