ورقة مؤسسة حرية الفكر والتعبير حول الحق في التعليم العالي «بين التزامات الحكومة المصرية .. وبين ممارستها في الواقع»

تاريخ النشر : الإثنين, 3 مارس, 2008
Facebook
Twitter

مارس 2008

ورقة حقوقية

مقدمة

طرحت وزارة التعليم العالي والدولة للبحث العلمي في سبتمبر 2006 رؤية لتطوير التشريعات التي تحكم مؤسسات التعليم العالي، وقد أثار طرح ملامح التشريع الموحد ردود أفعال رافضة له بين أعضاء هيئة التدريس بالجامعات والمهتمين بشئون التعليم، ورغم الغموض المقصود في بعض ما تطرحه الورقة التي تتضمن ملامح هذا التشريع خاصة ما يتعلق بمحور الإدارة الاقتصادية لمؤسسات التعليم العالي وأن مجانية التعليم هي علاقة مباشرة بين الطالب والدولة، أما علاقة الطالب بالمؤسسة التعليمية فهي علاقة بين طالب خدمة تعليمية ومقدمها بمقابل.

في هذا الإطار تعددت الانتقادات، حيث أكد العديد من أعضاء هيئة التدريس من أساتذة علم الاجتماع بأن مبعث القلق لهذه الرؤية هي كونها بداية للتنفيذ الفعلي لحزمة من السياسات لا تطول سوي الفقراء وأبناء الطبقة الوسطي.

وأنه في إطار السياسات الاقتصادية، أو ما زعم بأنها محاولات إصلاح اقتصادي واجتماعي، تبدو الخصخصة توجهاً سياسياً في الإصلاح المطلوب بتحويل الهياكل المملوكة للدولة إلي هياكل مملوكة للقطاع الخاص لاعتبارات السوق.

وبالنظر إلي هذه الإجراءات نجد أن الرؤية المطروحة من وزارة التعليم العالي حول تطوير القانون ما هي إلا تهيئة الإطار القانوني للضمان الفعلي للالتزامات التي تفرضها اتفاقية الجات كاتفاقية تدعو إلي تحرير جميع الخدمات بما فيها الخدمة التعليمية، ولعل أخطر الآثار الاجتماعية المترتبة على القانون مستقبلاً ليس الإقصاء القهري للفقراء من ميدان التعليم العالي، لكن تكمن أثار هذا القانون في تداعياته على مستقبل التقدم الاجتماعي بشكل عام، وهو ما يساهم في إجهاض كل مقاومات العدالة الاجتماعية التي كانت تكفلها الدولة للفقراء.

وأشار فقهاء القانون الدستوري من أنه إذا كان مشروع القانون الذي تم طرحه يهدف إلي جعل التعليم الحكومي بمصروفات، فالأمر يحتاج أولاً إلي تعديل النصوص الخاصة بالتعليم الحكومي الموجودة في الدستور، وإلا سوف تعد مخالفة دستورية، كما أن جعل التعليم بمصروفات ينبغي إلا يلغي المجانية تماماً، بل يجب أن يربطها بعدة أمور، كالدخل، أو الفقر، أو التفوق، وكل ذلك يحتاج إلي تعديلات دستورية[1].

على الجانب الأخر بدا في الآونة الأخيرة أن التحركات الطلابية بدأت في وضع القضايا المطلبية – خاصة الاجتماعية منها- في قمة اولوياتها ، حيث شهدت الجامعات الحكومية بعض التحركات الطلابية في الفترة الأخيرة التي تطالب إدارات الجامعات بالالتزام بنصوص قانون تنظيم الجامعات الخاصة بتحديد الرسوم الدراسية وعدم تحصيل ما يزيد على المنصوص عليه في ذلك القانون.

وتأتى تلك التحركات في إطار تخلى الدولة بنسبة كبيرة عن كفالة الحقوق الاجتماعية ومنها ضمان تكافؤ الفرص لجميع المواطنين، وهو ما يهدد بشكل اساسى احد الحقوق التي يكفلها القانون والدستور وهو الحق في التعليم .

وتأكيدا من المؤسسة على أن الحق في تعليم مجاني هو جزء لا يتجزأ من منظومة الحقوق الاجتماعية التي ينبغي الدفاع عنها والتوعية بشأنها ، تتقدم المؤسسة بهذا التصور كرؤية مبدئية لقضية مجانية التعليم فى الجامعات المصرية.

الحق في التعليم بوصفه حق من حقوق الإنسان

التعليم ليس فقط حقا في حد ذاته وإنما هو المحور الاساسى الذي تدور حوله كامل منظومة حقوق الإنسان ، وذلك باعتبار أن التعليم بوصفه أداة للتوعية هو الضمانة الحقيقية لإرساء قيم حقوق الإنسان ونشرها على أوسع نطاق وينطبق ذلك على التعليم في كافة مراحله وبشكل خاص مرحلة التعليم الجامعي ، وقد أكدت على هذا المعنى المادة 13 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي بلورت هذا المفهوم والسبيل إلى تحقيقه عبر تعميم التعليم وجعله إلزاميا ومتاحا للجميع ، كذلك أكدت تلك المادة على أن تفعيل هذا الاتجاه يعتمد بشكل اساسى على أن يكون التعليم مجانيا .

ولم تتوقف الاتفاقيات والمواثيق الدولية المعنية بالحق في التعليم عند العهد الدولي فقط بل تبعه الكثير من الاتفاقيات منها الاتفاقية الخاصة بمكافحة التمييز في مجال التعليم التي اعتمدها المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة في ديسمبر 1960 ، والتي تشير إلى أن التمييز في مجال التعليم لا يكون فقط على أساس اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين وإنما أيضا على أساس الحالة الاقتصادية[2]، وأن أى تمييز على أى من هذه الأسس يعتبر انتهاك للحقوق المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهو ما يدل على أن مجانية التعليم حق وليست منحة، وذلك لضرورة التعايش الانسانى بين أفراد المجتمع حيث يؤدى التمييز في مجال التعليم على أساس اقتصادي إلى حرمان شرائح اجتماعية منه وهو ما يعمق عند هذه الشرائح الشعور بالدونية والانسحاق أمام باقي أعضاء الجماعة الإنسانية وفى ذلك انتهاك للكرامة الإنسانية التي هي أيضا حق اساسى من حقوق الإنسان لا يجوز انتهاكه وفقا للمواثيق الدولية .

كذلك يعتبر الحق في التعليم من ضرورات تطور الفرد الذي هو شرط اساسى لتطور المجتمع ، حيث يعد التعليم الوسيلة الأساسية التي يتشكل بها عقل الإنسان وفكره الذي سوف يترتب عليه مدى تفاعله مع الواقع الذي يعيش فيه.

وتشير اتفاقية التمييز في مجال التعليم إلي أن كلمة التعليم الواردة بالاتفاقية تنصرف إلي جميع أنواع التعليم ومراحله، وتشمل فرص الالتحاق بالتعليم، ومستواه ونوعيته، والظروف التي يوفر فيها.[3]

مخاطر تحويل التعليم إلى سلعة

تنبع إشكالية تحويل التعليم إلى خدمة بمقابل بدعوى رفع كفاءته من واقع التفاوت بين المنتفعين به في القدرة على أداء هذا المقابل ، وهو ما يحمل العديد من التأثيرات السلبية التي تنعكس مباشرة على العملية التعليمية ذاتها . فمن ناحية يعتبر هذا الاتجاه إهدارا لمبدأ تكافؤ الفرص حيث لن يستطيع الحصول على التعليم بوصفه سلعة بمقابل إلا من يملك هذا المقابل ، هذا بالإضافة إلى انه يفقد المؤسسة التعليمية حيادها تجاه الطلاب ويعمق التمييز بينهم على أساس القدرة الاقتصادية.

من ناحية أخرى يؤدى تسليع العملية التعليمية إلى التأثير السلبي على جودة التعليم فمن يستطيع دفع مقابل وسائط تعليمية متطورة ومبان مجهزة وتوفير مادة علمية حديثة ويقتطع مما يدفعه رواتب لأساتذة جائوا خصيصا للتدريس له لأنه يدفع أكثر سوف يحصل على مستوى تعليمي جيد أما من لا يملك دفع مقابل كل ما سبق سوف يظل يدرس في نفس قاعات الدرس الغير صالحة للتدريس وبدون وسائط تعليمية وسوف يدرس له أساتذة يتقاضون رواتب لا تكفى لسد الرمق وبالتالي تكون النتيجة انه يحصل على مستوى تعليمي رديء وتظهر الفجوة بين المستويين عند الوصول إلى مرحلة الالتحاق بسوق العمل بعد التخرج ، ففي ظل اقتصاد السوق الذي يعزز روح المنافسة بين المرتبطين به بشكل أو بآخر ستكون الأفضلية للحاصل على مستوى تعليمي أجود وهو ما يحمل العديد من المخاطر الأخرى التي تتمثل في حرمان الحاصلين على مستوى تعليمي رديء من فرص العمل التي هي الهدف الاساسى من التعليم والتدرج عبر مراحله المختلفة .بما يحمله ذلك من تبعات اجتماعية سلبية تتعلق بازدياد معدل الجريمة والهجرة إلى بلدان أخرى بحثا عن فرص العمل وهو ما ينعكس كلية على المجتمع بأسره ويعوقه عن اللحاق بمسيرة التقدم الحضاري .

إلتزامات الحكومة المصرية تجاه الحق في التعليم:

اقر العهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بمحدودية الموارد المتاحة لكل دولة من الدول، إلا أنه يلزمها باتخاذ خطوات لضمان التمتع الفعلى التدريجي بالحق في التعليم، وقد أشارت المادة 13 من العهد فقره (2/ج) على \”جعل التعليم العالي متاحاً للجميع على قدم المساواة، تبعاً للكفاءة، بكافة الوسائل المناسبة ولا سيما بالأخذ تدريجياً بمجانية التعليم\”.

وبالرغم من أن العهد ينص على الإعمال التدريجى ويعترف بقيود الموارد المتاحة، إلا أنه لا ينبغي اعتبار أن الإعمال التدريجي للحق في التعليم \” على أنه يفرغ التزامات الدول الأطراف من أي مضمون جاد، فالإعمال التدريجى يعني أن على الدول الأطراف التزاماً محدداً ومستمراًً\”[4]، وأن تتحرك بسرعة في سياق الاستخدام الكامل لأقصى مواردها المتاحة، والالتزام بأن تتخذ خطوات ملموسة تهدف إلى الإعمال الكامل للحق في التعليم.

وتعني عبارة \”الأخذ تدريجياً بمجانية التعليم\” الواردة في نص المادة 13 من العهد الدولى الخاص بالحقوق الاقتصادية الاجتماعية والثقافية، أنه لابد إعطاء الأولوية لتوفير تعليم ابتدائي مجاني، كما يجب أن تتخذ تدابير ملموسة من أجل تحقيق مجانية التعليم الثانوي والعالي.[5]

وإذا كانت الدول تبرر عدم الايفاء بكافة التزاماتها تجاه إعمال الحق في التعليم بشكل كامل بسبب نقص الموارد، إلا أن هناك التزامات محددة لا يجب أن تتنصل منها:

أولاً: ضمان ممارسة الحق دون تمييز من أي نوع، حيث يجب أن يكون التعليم في متناول الجميع، خصوصا الفئات الضعيفة والمهمشة[6]

ثانياً: الالتزام بأن تتخذ الدول خطوات نحو التنفيذ الكامل لحق التعليم.

ثالثاً: عدم السماح باتخاذ \”تدابير تراجعية بالنسبة للحق في التعليم، فإذا اتخذت أى تدابير تراجعية عمدية تحملت الدولة الطرف عبء إثبات أنها أدخلت بعد دراسة دقيقة للغاية لكل البدائل، وأنها مبررة تماماً بالرجوع إلى مجموع الحقوق المنصوص عليها في العهد، وفي سياق الاستخدام الكامل لأقصى الموارد المتاحة للدولة الطرف\”[7] .

توجهات الحكومة المصرية في خصخصة التعليم العالي

أكدت اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على إلتزام الدولة الطرف باتخاذ خطوات نحو توفير التعليم الثانوى والعالي والتربية الأساسية لكل من يدخلون في ولايتها. وكحد أدنى تلتزم الدولة الطرف باعتماد وتنفيذ استراتيجية تعليم وطنية تتضمن توفير التعليم الثانوى والعالي والتربية الأساسية، وينبغى أن تتضمن هذه الاستراتيجية آليات يمكن بها مراقبة التقدم عن كثب مثل مؤشرات ومقاييس الحق في التعليم[8].

وتعد الخطوات التى تنتهجها الحكومة المصرية بداية من رؤية وزارة التعليم العالي وما تتضمنه من غموض حول الموقف من مجانية التعليم حيث تقترح الرؤية الجديدة أن تدار المؤسسة التعليمية اقتصاديا كوحدة مستقلة على أن تقدم الخدمة التعليمية المقننة الجودة على أساس التكلفة الفعلية لهذه الخدمة، فالصياغة التى تتضمنها الرؤية تحتمل الشك بخصوص إلغاء مجانية التعليم وحصرها على القادرين، وهو ما يخل بمبدأ تكافؤ الفرص، ويشكل تمييزاً ضد الفئات الفقيرة والمحرومة اجتماعيا وفقا لالتزامات الحكومة المصرية.

كما يعد التوسع فيما يعرف بالتعليم المتميز الذي يكرس ازدواجية مستوي التعليم ويرسخ مفهوم التباين الطبقي في مجال يجب أن تتحقق فيه مبادئ تكافؤ الفرص.

هناك العديد من الخطوات والسياسات التى اتخاذتها الحكومة المصرية تخالف بوضوح التزاماتها القانونية سواء على المستوي المحلي أو على المستوي الدولي، فالدستور المصري يؤكد على أن التعليم في مؤسسات الدولة مجاني في مراحله المختلفه (المادة 20)، كما أكد على ذلك قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972 في مادته رقم 169 حيث نص على أن \”التعليم مجاني لأبناء الجمهورية في مختلف المراحل الجامعية….\”.

كما أن فتح الباب على مصراعيه للتعليم الجامعى الخاص، وذلك على الرغم من سلبياته المحققة حيث تقتصر الدراسات المتاحة في معظم تلك الجامعات على تخصصات قليلة الإنفاق في إنشائها وعظيمة العائد في مردودها مع غياب الاهتمام بإنشاء كلية للعلوم الأساسية أو الزراعية، واعتماد هذه المؤسسات اعتماداً شبه كامل على أعضاء هيئة التدريس من الجامعات الحكومية مما يشكل استنزافا عظيما لها وتكريس الاستقطاب الطبقي في المجتمع المصري.[9]

وبالتالي أي خطوات يمكن أن تتخذها الحكومة المصرية فيما يتعلق بإلغاء مجانية التعليم أو الالتفاف حولها يعد خطوة تراجعية غير مسموح بها، وبالتالي تعد انتهاك واضح لالتزامات الحكومة المصرية وتعهداتها الدولية.

وأخيراً

يجب أن تتخلي الحكومة عن منهجها في إعداد مشاريع القوانين في غفلة وبعيداً عن الفئات المستهدفة بهذه القوانين، كما أن قضية مجانية التعليم أهم وأخطر من أن يترك أمرها لوزراة التعليم العالي أو المجلس الأعلى للجامعات، فمجانية التعليم تمس أحد ركائز الدستور المصرى.

التوصيات:

وتطالب مؤسسة حرية الفكر والتعبير

1- أن تعلن الحكومة بشكل واضح عن التزاماتها بضمان وحماية الحق في التعليم دون تمييز ضد الفئات المهمشة والمحرومة اجتماعياً، وبلورة هذه الالتزامات في القوانين والسياسات التي تتبنها في هذا الشأن.

2- ضرورة ضمان إتاحة التعليم دون تمييز من أي نوع، حيث يجب أن يكون التعليم في متناول الجميع، خصوصا الفئات الضعيفة والمهمشة.

3- وإذا كانت الحكومة تدعى أنها غير قادرة على إتاحة التعليم الجامعي المجاني لمن يريد نظرا للظروف الاقتصادية الصعبة، فإنه يجب عليها أن تترك للجامعة الحق في وضع المعايير الأكاديمية لقبول الطلاب بحرية دون قيود وأن تحدد الجامعة قدرتها الاستيعابيه لقبول الطلاب حتى تقدم الخدمة التعليمية الجيدة. وهو ما يتطلب توافر استقلالية الجامعة في اتخاذ قراراتها دون تدخل من الحكومة أو أى قوي أخرى داخل المجتمع المصري.

4- ضرورة استخدام الحكومة المصرية أقصى مواردها المتاحة لزيادة اللإنفاق على التعليم.

[1] – جريدة المصري اليوم الصادرة بتاريخ 2 أكتوبر 2006، كتب فروق الدسوقى وأخرين.

[2] – الاتفاقية الخاصة بمكافحة التمييز في مجال التعليم، ديسمبر 1960 ، المادة الأولي، الفقرة رقم 1.

[3] – المصدر السابق المادة الأولى فقرة رقم 2.

[4] – لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التعليق العام رقم 13 (1999) الفقره رقم 44، وثيقة الأمم المتحة رقم

[5] – المصدر السابق، الفقر رقم 14.

[6] – المصدر السابق الفقرة رقم 43.

[7] – المصدر السابق الفقرة رقم 45.

[8] – – لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التعليق العام رقم 13 (1999) الفقره رقم 52، وثيقة الأمم المتحة رقم

[9] – جريدة الأهرام الصادرة بتاريخ 3 أكتوبر 2006 ، كتب الدكتور محمد غنيم.

محتوى الموقع منشور برخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف 4.0