ماذا تعني حيادية الإنترنت؟ (ورقة مفاهيمية)

تاريخ النشر : الثلاثاء, 10 مايو, 2022
Facebook
Twitter

المحتوى

مقدمة

تعريف حيادية الشبكة

لا للحجب والحظر

منع العرقلة والإبطاء

حظر التمييز أو الأولويات مدفوعة الثمن

خاتمة

مقدمة

تحتل قضايا حوكمة وتنظيم الإنترنت مساحة كبيرة في النقاشات المرتبطة بالحقوق الرقمية، والتي تؤثر على كافة نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية وتمتد آثارها إلى كل بلدان العالم. وفي إطار اهتمام مؤسسة حرية الفكر والتعبير بالعمل على سياسات قطاع الإتصالات بما يشمل الوصول لشبكة الإنترنت واستخدامها، تأتي هذه الورقة المفاهيمية كبداية لفتح نقاش عام حول حيادية الإنترنت في مصر، بهدف ضمان حقوق مستخدمي ومستخدمات الإنترنت.

وعلى صعيد عالمي، تزداد النقاشات حول الكيفية المثلى التي يُمكن من خلالها تنظيم الإنترنت، كساحة حرة للتفاعلات، ما استدعى اهتمام متزايد بمبدأ حيادية الإنترنت أو الشبكة، كضمان للحفاظ على الإنترنت كساحة للمنافسة الاقتصادية وضمان الرفاهة الاجتماعية.

ويشهد قطاع الإنترنت واستخدامه توسعًا كبيرًا على مستوى العالم خاصة خلال العقدين الماضيين، وهي الفترة الزمنية القليلة نسبيًّا التي شهدت طفرات كبيرة في تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، وتقنية الإنترنت. كان لطفرة تقنية الإنترنت دور بالغ في تعزيز النقاش حول الإمكانات والمخاطر المجهولة التي تحملها هذه التقنية وتطورها. لفهم هذا التطور بشكل عملي، يُمكن الإشارة إلى أحد السمات الفنية المستحدثة للتقنية، وهي القدرة على تمييز البيانات والاتصالات عبر شبكات الإنترنت.

شهدت بدايات انتشار الإنترنت الأولى إمكانيات تقنية محدودة مقارنة بالوضع الراهن، كانت تميل فيه التقنية إلى معاملة كل البيانات التي تمر وتُنقل عبر شبكات الإنترنت التي تمتلكها الشركات بشكل متساوٍ وعادل دون أدنى تمييز بينها أو أفضلية في تسريع معالجة بعضها على حساب البعض الآخر. وهو الوضع الذي ساهم فيه عدم قدرة الشبكات على معرفة طبيعة التطبيقات والبيانات العابرة من خلالها وفرزها بشكل كامل، فيما عُرف باسم الشبكات العمياء (Application-blind network)، وبالتالي لم يكن هناك تمايز وفارق واضح للتمييز بين البيانات. إلا أن تطور تصميم الشبكات دفع إلى زيادة حساسية وقدرة الشبكات على معرفة التطبيقات والبيانات العابرة خلالها من خلال نمط (Application – Agnostic network)، والذي جعل الشبكات أكثر قدرة على معرفة ما يمر من خلالها،1 ورسم خرائط للطلبات والضغط الموجود على الشبكة المعروف باسم الـ (Traffic). لا تُترجم هذه المعرفة بالضرورة إلى تدخل مباشر من جانب الشركات المقدمة لخدمة الإنترنت، ولكن هناك احتمال أن يساء استخدام هذه التقنية بالتدخل في إمكانيات الوصول للشبكة.

ومن ثم ازدادت أهمية تطوير رؤية واضحة للتعامل مع الإنترنت والشركات المقدمة له، بما يضمن استمرارية انفتاح الإنترنت كساحة للابتكار والإبداع والمنفعة لقطاعات كبيرة اقتصادية واجتماعية، دون تلاعب من شركات تقديم خدمة الإنترنت وتحولها إلى كيانات احتكارية تُهيمن على سوق الإنترنت، وتندفع بشكل محموم لتحقيق عوائد من خلاله دون مراعاة للمستهلكين وقطاعات مطوري البرامج والتطبيقات.

وفي إطار ذلك، تم استخدام مصطلح حيادية الإنترنت أو حيادية الشبكة على نطاق واسع خلال العقد الأخير بشكل خاص، بعد سنوات من النقاشات والجدل حول التكييف الملائم لتقنية الإنترنت وعلاقتها بالاتصالات، وأدوات تقديم خدمة الإنترنت. إلى جانب هذا التطور التقني، لعب واقع تزايد الطلب على خدمة الإنترنت دورًا في زيادة الضغط بالتبعية على شبكة الإنترنت والتي تُحمَّل بملايين الطلبات المرسلة والمُستقبلة من جانب المستخدمين المختلفين، وهي التقنية التي تتجه إلى المزيد من الاستهلاك العالي للنطاق العريض للإنترنت من خلال أنواع معقدة من الخدمات مثل الڨيديو والألعاب الإلكترونية..إلخ.

ومن ثم ظهرت محاولات الإجابة على الإدارة المثلى لهذا الضغط والتعامل معه بشكل متوازن وعادل يضمن العدالة وعدم الإجحاف في دول مختلفة وفي أطر دولية متعددة. وهذا ما تتطرق له هذه الورقة من خلال استعراض مفهوم حيادية الشبكة والمبادئ الأساسية التي يتضمنها.

تعريف حيادية الشبكة

كانت بداية النقاش حول حيادية الشبكة بشكل واضح عبر مدخل التمييز، والإشارة إلى الممارسات التمييزية التقييدية التي تقوم بها شركات تقديم الإنترنت، من خلال طرح مفهوم التمييز الإلكتروني (Online discrimination)2 ومحاولة رصد هذه الممارسات التمييزية وتوجيه صناع القرار لرفضها لما يُمكن أن تؤثر به على قيم المنافسة الاقتصادية والابتكار في قطاع المعلومات.

ونجح هذا النقاش في التطور بشكل مستمر خلال العقدين الماضيين لينتج منه إطاران تنظيميان بارزان لحيادية الشبكة في عام 2015، هما الأبرز والأكثر وضوحًا وتفصيلًا واستدعاءً في نقاش حيادية الإنترنت، وهما; تنظيم الإنترنت المفتوح للاتحاد الأوروبي رقم 2015/2120،3 وكذلك تنظيم الإنترنت المفتوح للولايات المتحدة الأمريكية.4

تشهد دول أخرى محاولات لتنظيم حيادية الإنترنت، وإن كان غير ممكن الإتيان على ذكرها جميعًا في هذه المساحة، إلا أن استقراء التجارب التي قطعت أشواطًا في الاشتباك مع حيادية الإنترنت يكشف عن عدد من الاعتبارات التي يجب الالتفات إليها، والتي تجعل هناك قدرًا من التمايزات لا يُمكن إغفالها في تعريف حيادية الإنترنت، أولها: أن تعدد الأطراف أو الفاعلين المنخرطين المهتمين بملف حيادية الإنترنت يعني بالتبعية اختلافات في تعريف حيادية الشبكة تبعًا لأولوية كل طرف وزاوية معالجته سواء كانت معالجة قانونية أو تقنية أو من جانب جمهور المستخدمين. يُضاف إلى ذلك عامل آخر هو تباين تعريفات حيادية الشبكة أو الإنترنت تبعًا لاختلاف السياق المحلي الذي تتواجد به محاولة تبني نظام حيادية الشبكة لإدارة الإنترنت فيه، والذي يجد غالبًا طريقه إلى القوانين أو التنظيمات اللائحية، والتي تقدم تعريفات متفاوتة لحيادية الإنترنت تبعًا لتفاوت الأولويات ولاعتبارات عملية الصياغة القانونية. إضافة إلى طبيعة الموضوع الحديثة نسبيًّا، حيث بدأ النقاش حول هذه المسألة على امتداد العقدين الماضيين، ما يُساهم في تباين تعريف حيادية الشبكة.

وبشكل إجمالي، يُمكن تعريف حيادية الشبكة أو الإنترنت بأنها: “التأكد من أن مقدمي خدمة الإنترنت يوفرون القدر ذاته من إمكانية الوصول إلى المواقع المختلفة، والمحتويات المختلفة، وكافة التطبيقات بالقدر نفسه من السرعة لجميع المستخدمين”.5

وفي بعض الأطاريح يتم تعريف حيادية الشبكة باعتبار أنها موقف ضد تعددية أو طبقية خدمات الإنترنت (Multitier internet services)،6 والتي سيكون لها انعكاسات مخلة بمبدأ (End-to-end user) والذي يعني أن مقدمي المحتوى والمستخدمين كنقطتي اتصال على حافتي الشبكة هم من يحددون الاستخدام وطبيعته، وليس قلب الشبكة، أي الشركات المقدمة لخدمة الانترنت ا(Internet Service Provide).7

أما على صعيد التعريفات القانونية المقدمة لمبدأ حيادية الشبكة، فقد مالت الأجهزة التنظيمية في الاتحاد الأوروبي إلى تعريف حيادية الشبكة بأنها: المعاملة المتساوية لضغط طلبات المستخدمين على شبكة الإنترنت دون تمييز بين هذه الطلبات، حيث يمتلك المستخدمون الحق الكامل في استقبال ومشاركة المعلومات عبر شبكة الإنترنت وفقًا لتفضيلاتهم وخياراتهم.

يمتد هذا الحق إلى أحقيتهم في استخدام أي خدمات مقدمة عبر شبكة الإنترنت أو تطبيقات بإرادتهم واختيارهم الحر المطلق. يعني ذلك من الناحية العملية أن حق المستخدم في استقبال أو إنتاج المعلومات لا يجب تقييده بأي وسائل سواء كانت في شكل حظر أو إبطاء سرعة أو تهميش محتويات بعينها أو تفضيل محتويات ومواقع بعينها بفعل ضغط طلبات المستخدمين عليها.

ولا يؤثر في هذا الحق والتمتع به الأجهزة التي يوظفها المستخدمون في إرسال أو استقبال هذه الطلبات، وبغض النظر عن المحتوى أو الخدمة أو التطبيق الذي يُقبلون عليه.8 وقد كان التنظيم الأوروبي واضحًا في هدفه من تطبيق هذا المبدأ، وهو خدمة المستخدم النهائي بشكل مستقل حتى عن الاعتبارات التجارية والاقتصادية.9

على نفس المسار، مضى تنظيم الإنترنت المفتوح الصادر عن هيئة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية في تعريف حيادية الشبكة، وميز بين الأهداف الكلية المرجو تحقيقها، وبين الجوانب الإجرائية التي يجب تبنيها. تلخصت هذه الأهداف في: حماية حرية الوصول إلى المحتوى من جانب المستخدم النهائي، وحرية استخدام التطبيقات المختلفة، وحرية توصيل واقتران الأجهزة الشخصية بشبكات الإنترنت، وحصول المستهلك على معلومات تخص الخدمة المقدمة له من مقدمي خدمة الإنترنت.10

وتتلخص حيادية الشبكة في مبادئ أساسية، وهي ثلاث (لاءات): لا للحجب، لا لإعاقة وإبطاء الإرسال والاستقبال، ولا لأولويات الوصول مدفوعة الثمن. 11 وهذا ما تتطرق له الورقة في الأجزاء التالية.

لا للحجب والحظر

تُعد ممارسة الحجب أو حظر وصول المستخدم إلى موقعٍ ما أو محتوى أو تطبيق ما، هي الممارسة الأشهر والأكثر وضوحًا والتي تتناقض مع مفهوم حيادية الإنترنت، والتي تعني أن تقوم شركات تقديم الانترنت برفض طلبات الدخول والوصول إلى موقع ما أو محتوى بعينه، التي يُرسلها المشترك العادي عبر الشركة المقدمة للإنترنت.

وتشهد هذه الممارسة توافقًا كبيرًا من المهتمين بحوكمة الإنترنت وحيادية الشبكة، ولا تُواجه معارضة كبيرة من أي طرف، لرفضها، حيث تُمثل اعتداء صارخًا من الشركة المقدمة للإنترنت على حق المستخدم في الوصول إلى محتوى يرغب في مطالعته، بعد أن سدد ثمن هذه الخدمة إلى شركة تقديم خدمة الإنترنت.

ويرد على منع هذا الحظر استثناءان، يُمكن عندها أن تمضي الشركات المزودة للإنترنت في حجب محتوى معين ومنع المستخدمين من الوصول إليه، وهما:

  • في حال كان المحتوى مخالفًا للقانون، وهو التطبيق الذي يجب أن يسبقه أمر وحكم قضائي واضحان. أي أن الغرض من هذا الاستثناء هو إبقاء سلطة الحظر والحجب خارج صلاحيات الشركات المقدمة للإنترنت والتأكيد على كونها مجرد ناقل وممرر للبيانات، ليبقي أمرًا حكوميًّا.

  • وفي حال وجود تهديد لأمن شبكة الإنترنت أو أمن مستخدميها، من الأجهزة الضارة التي يُمكن أن تُتلف الشبكة بأكملها إذا تم السماح بتمرير هذه الطلبات المرسلة إلى نقاط الاتصال الأخرى.

منع العرقلة والإبطاء

يعني هذا الحظر ألا تتدخل شركة تقديم خدمة الإنترنت في الطلبات التي ترد إليها من المستخدمين للوصول إلى محتوى أو موقع أو تطبيق معين، يستوي في ذلك أن يكون تدخل الشركة إبطاءً أو تسريعًا للوصول إلى المحتوى. من شأن هذه العرقلة لمعالجة البيانات والطلبات واستقبال وإرسال الإشارات أن تجعل من تجربة استخدام الإنترنت بالغة السوء، بسبب بطء تحميل الشبكة والاستجابة لطلب المستخدم للوصول إلى موقع بعينه أو محتوى بعينه.

وهو ما يدفع المستخدم العادي في النهاية إلى الهرب من هذا المحتوى أو الموقع الذي يصاحبه تأخر استجابة الشبكة، لتكون النتيجة النهائية هي حرمان هذا المحتوى أو الموقع من قطاع من الجمهور أو السوق والعكس. ولا تحظى هذه الممارسة بنفس درجة الرفض التي تواجه بها ممارسة الحجب. ولا يتاح على الأغلب للمستخدم تفاصيل شفافة عن كيفية استهلاكه وإدارة طلبه للوصول لمحتوى معين من جانب الشركة المقدمة للانترنت. ويحدث تداخل في المصالح بين بعض المنصات من جهة وبين الشركات المقدمة للانترنت من جهة أخرى؛ ما يجعلها تُسرع معالجة بعض الطلبات وإبطاء أخرى. كما تشهد هذه الممارسة قدرا كبيرا من التنازع بين اللاعبين الرئيسيين في إدارة الانترنت عبر العالم، حيث تٌحاجج الشركات المزودة للانترنت بأهمية هذه التدخلات من جانبها لاعتبارات تقنية عدة مرتبطة بجودة إدارة الشبكة الكلية. ويصعب معرفة حدود هذه الاعتبارات التقنية.

ويرى بعض المسؤولين عن إدارة الشبكات أن الإبطاء والتدخل لإعاقة الوصول إلى موقع أو محتوى ما، قد يكون مدفوعًا من الأساس باعتبارات الأمن، ففي بعض الحالات قد تكون الطلبات الواردة إلى شبكة الإنترنت التي تملكها شركة ما وهمية، تحمل في طياتها برامج مزيفة وضارة مثل الـ spams أو برامج الـ DDOS، والتي قد لا يُدرك المستخدم العادي أن جهازه محمل بها، أو قد يستخدمها البعض بشكل عمدي للإضرار بالشبكة بأكملها أو إبطاء أو إيقاع مواقع بعينها من خلال إرسال طلبات كثيرة جدًّا إلى الشبكة في نفس الوقت،12وهو ما يستوجب تدخل مزود الخدمة للحفاظ على الشبكة من خلال إبطاء هذه الطلبات، إلى حين تحديد طبيعة المشكلة، خاصة إذا ما كانت الشبكة مستضيفة لمواقع هامة وحيوية تخص قطاعات مثل الصحة والتعليم أو قطاعات حكومية أخرى.

من أكثر المآخذ التي ترد على هذه الممارسة التقييدية، هو الإضرار بمبدأ المنافسة بين المواقع والمحتويات والتطبيقات المختلفة، فقد تكون الشركة المقدمة للإنترنت مدفوعة برغبة دعم أحد المواقع أو التطبيقات على حساب أخرى، فتقوم بتسهيل وصول المستخدم إليها على حساب إبطاء الوصول إلى محتويات أخرى، والذي ينتهي على المدى البعيد بالنيل من قواعد النزاهة والعدالة في إدارة قطاع المعلومات، والإضرار بفرص محتويات الفاعلين محدودي النطاق في الانتشار والتطور، وإجبار المستخدمين على انتهاج سلوك وتفضيلات ما غير حقيقية ولكن مدفوعة بالاضطرار.

تأخذ ممارسات العرقلة والإبطاء عدة صور، كتأخر الاستجابة لطلب المستخدم عبر الشبكة، أو الاستجابة لطلبه لكن مع التقليل من جودة المادة المرسلة إليه13 أو تشويه المحتوى على نحوٍ يساهم في تضليل المستخدم حول المعلومات أو المادة التي يُريد التحقق منها أو استخدامها، وهو ما ينتهي أيضًا بالإضرار بمستخدم الإنترنت.

حظر التمييز أو الأولويات مدفوعة الثمن

يقع جوهر هذه الممارسة في التمييز داخل الشبكة الواحدة، أي أن تقوم الشركات المقدمة للإنترنت بمعالجة طلبات وبيانات المستخدمين التي تمر من خلالها بشكل متفاوت، بحيث تكون الأفضلية في المعالجة وتسهيل وصول طلبات المستخدمين إليها، لمن يقوم بدفع مبالغ وأسعار إضافية إلى الشركات المزودة للإنترنت.

تتعدد الصور التي قد تأخذها الممارسات التمييزية، والتي قد يكون بعضها مباشرًا وبعضها الآخر غير مباشر; لتشمل في النهاية كل معاملة تمييزية مضرة بخلاف الحجب. تنبع هذه الممارسات التمييزية من حقيقة تزايد الطلب والضغط على استهلاك الإنترنت من المستخدمين ومقدمي المحتوى، وكذلك تزايد تعقد المادة التي يُرغب في نقلها عبر الشبكة.

عندها تلجأ الشركات المقدمة للإنترنت إلى مواجهة هذا الضغط والاحتقان في مسارات الشبكة الواحدة من خلال ممارستين واضحتين وإن كان التطبيق التقني يعتمد على تطبيقات متقدمة ومعقدة المعالجة التمييزية لحزم البيانات في الشبكة، والتسعيرة التمييزية.

بالنسبة إلى المعالجة التمييزية، فإنها تُشير إلى نمط من التمييز في حزم البيانات المنقولة عبر شبكة الإنترنت لا يقابله مقابل مالي بالضرورة. فتميل الشركات المقدمة لخدمة الإنترنت إلى تقرير ما يكون له الأولوية في الوصول والمعالجة أولًا، وما يأتي من طلبات كأولوية ثانية وثالثة وهكذا. يعني ذلك من الناحية العملية أن هناك تفضيلًا يتم بشكل أو بآخر لطلب مجموعة من المستخدمين على حساب مستخدمين آخرين لاعتبارات تقديرية من الشركة، كتقرير ما هو ذو منفعة وجدوى أكبر وما هو ترفيهي أو ثانوي، أو مخل بالآدابإلخ.14

وتكمن إشكالية هذا النوع من التمييز في أنه يخرق القاعدة الرئيسية التي ارتبطت بتطور تقنية الإنترنت وهي من يصل أولًا، يحصل على الخدمة أولًا، ليُصبح ذلك غير موجود في هذه الحالة، ويُلجأ حينها إلى أدوات تقنية تتعمد تأخير بعض البيانات وتؤخر الاستجابة لها في مقابل التعجيل بمعالجة أخرى والتي تُعرف بتقنية الـ (Traffic shaping).

يُدافع مزودو خدمة الإنترنت/الشركات المزودة للانترنت عن هذه الممارسة بالإشارة إلى محدودية النطاق العريض المعروض من الإنترنت (Bandwidth)، ما يجعله موردًا نادرًا بحاجة إلى إدارة جيدة تقوم على تحديد الأولويات، لضمان عدم استحواذ مستهلك أو مستخدم بعينه على نطاق وحصة أكبر من نصيب مستخدمين آخرين لإنترنت النطاق العريض.

التسعيرة التمييزية للأولويات، وهي تقوم على قناعة بسيطة مفادها، أنه طالما كان الطلب والضغط متزايدين على الشبكة، وأن الطلب على استخدام الإنترنت والخدمات الموجودة عبر الشبكة في تزايد; فالحل قد يكون في إيجاد مسارات داخل الشبكة سريعة (Fast lanes) وأخرى بطيئة (Slow Lanes)15. تُمنح المسارات السريعة لمن يدفعون أكثر، أما المسارات الأبطأ فتُخصص لمن لا يدفع هذه التكلفة وبإمكانه الانتظار.

وتعني هذه الممارسة بشكل مباشر الإضرار بآلية التنافس في سوق تكنولوجيا المعلومات، وتعزيز الاحتكار فيها من جانب شركات تقديم محتوى وكيانات لديها القدرة على الدفع إلى الشركات المقدمة للإنترنت للحصول على خدمة أفضل، وبالتالي يجعلها متاحة أكثر للجمهور، في حين تُحرم قطاعات وفاعلون ناشئون اقتصاديًّا من هذه الفرصة لعدم توافر القدرة لديهم على الدفع للحصول على مكان في المسارات السريعة.

لفهم كلا النمطين التمييزين، من المهم الالتفات إلى طبيعة وأنواع الطلبات والخدمات التي يتم إرسالها عبر شبكات الإنترنت والتي يميل قطاع واسع من الشركات المقدمة للإنترنت في الاستناد إليها في تبرير سياساتها التمييزية ضد المحتويات والطلبات المرسلة إلى شبكاتها وهي صحيحة فنيًّا وتقنيًّا والتي تستند إلى عدد من المحددات المفرقة بين المحتويات16:

  • نطاق الإنترنت أو المعروف بـ (Bandwidth): المقصود به حجم البيانات الأقصى التي يُمكن نقلها في الثانية الواحدة عبر كل شبكة، وهو عامل مهم في فهم مقدرة كل شبكة إنترنت.

  • التأخير (Delay): هو وقت النقل الذي يستغرقه انتقال أو تحرك حزمة الخدمة/ البيانات من نقطة إلى أخرى، بحيث كلما زاد التأخير قلت جودة الخدمة.

  • معامل اختلاف التأخير (Delay Variation): ويعني الفارق بين تأخر إرسال ووصول حزم البيانات في نفس التدفق، وهو ما يُمكن أن يؤدي في حال زيادته إلى انقطاع الخدمة.

  • معدل فقد البيانات عند إرسالها: يعني المعدل الذي تُفقد به حزم البيانات عند نقلها، وكلما زادت حزم البيانات قلت فرص أن تُفقد عند إرسالها، أي يضمن لها فرص وصول إلى وجهتها أكبر وأدق وبجودة أعلى.

تفرض هذه التباينات بالتبعية نوعًا من الهيراركية في التعامل مع البيانات أو طلبات استخدام شبكة الإنترنت. حيث توجد في قاعدة الهرم الطبقة الأولى وهي تشمل خدمات أساسية وبسيطة لا تستهلك نطاقًا كبيرًا من الإنترنت ولا تتطلب حساسية معينة على صعيد المعايير الأربعة السابقة; مثل خدمات التصفح، وخدمات الإيميل والتي لا تتأثر جودتها في حال تأخر الإرسال والاستقبال لثوانٍ معدودة.

على عكس الطبقة الثانية من الخدمات مثل خدمات الاتصال الصوتي عبر بروتوكول الإنترنت (VOIP) والذي يعد سكايب وڨايبر من أهم أمثلتها، والتي تمتلك حساسية أكبر للتأخر في نقل البيانات بين المستخدمين ما يؤثر على جودة الخدمة وبالتالي تأخر نقل الصوت، والذي يتفاوت بين ثوانٍ قليلة جدًّا إلى أكثر من ذلك.

أما الطبقة الثالثة فهي خدمات أو تطبيقات الڨيديو، وهي بالطبع أكثر تأثرًا بمتغير التأخر في الإرسال وبمتغير معدلات فقد حزم البيانات عند الإرسال; لتتأثر جودتها والاستفادة بها بفعل هذا التأخر. وأخيرًا هناك طبقة أعلى وهي التي تقع في نطاقها التطبيقات التي تتطلب جودة عالية من خدمة الإنترنت،17ومهما قلَّ هامش التأخير أو الحساسية فيها فإنه يمثل تقليلًا من الجودة وكفاءة الاتصال.

يعني هذا التمييز بين الخدمات الأساسية والخدمات المحسنة، خرائط أسعار داخل الشبكة الواحدة، وهي التي تستهدف مقدمي المحتوى وأحيانًا المستخدمين النهائيين، للحصول على كل خدمة بعينها.18

تُعتمد هذه التقسيمات – حسب تخوفات المؤيدين لحيادية الإنترنت – في إمكانيات عقد اتفاقيات بين شركات وكيانات تقديم محتوى الإنترنت من جهة والشركات المقدمة للانترنت من جهة أخرى، في سبيل ضمان الحصول على جودة أعلى من الخدمة وسرعة أكبر وإمكانية وصول المستخدمين إليها بشكل أكبر، من خلال ما يُعرف بمبدأ جودة الخدمة (Quality of service). وهو ما يضر في النهاية بالمنافسين الأصغر في قطاع المعلومات والأعمال الناشئة اقتصاديًّا، حيث لا يمكن لهم دفع مقابل مادي للحصول على مسارات سريعة.

لكن يبقى هناك نمط ثالث من الممارسات التمييزية والتي يُمكن تسميتها بالتمييز الإيجابي، والتي بالرغم مما تبدو عليه للوهلة الأولى من أفضلية، فإنها تنتهي إلى التمييز ضد بعض اللاعبين في سوق الإنترنت والاتصالات، وهي ممارسة الـ Zero rating. تعني هذه الممارسة ببساطة أن تقوم الشركة المقدمة للإنترنت بإتاحة استهلاك بعض التطبيقات أو المواقع من جانب المستخدم النهائي دون أن يُحسب هذا الاستهلاك من الباقة الشهرية التي يدفع ثمنها وسعرها إلى الشركة المقدمة للإنترنت، أي تخرج هذه التطبيقات من نطاق حساب استهلاكه الشهري للإنترنت، وخطة الاستهلاك الشهري القصوى له وخطط الأسعار الثابتة والمعلنة داخل شركة الإنترنت.

و قد تأخذ هذه الممارسة شكل حساب المستخدم على استهلاك هذه التطبيقات أو أنواع هذه التطبيقات بأسعار أرخص.19 النتيجة العملية لهذه الممارسة هو تحقيق نوع من التشبع في السوق بفعل سلوك الشركة المقدمة للإنترنت هذا – من تطبيق بعينه أو نوعية معينة من التطبيقات، وبالتالي هجر المستخدمين لتطبيقات أخرى، وهو ما يعني في النهاية إخراج منافسين عديدين من سوق تكنولوجيا المعلومات لصالح فاعلين آخرين تُفضلهم الشركات المزودة للإنترنت أو ترتبط معهم بمصالح مباشرة.

خاتمة

مازال النقاش حول حيادية الشبكة مفتوح، وهو النقاش الذي يبدو أنه أثمر عن عدد من التوافقات عالميا حول الممارسات الضارة بحيادية الانترنت؛ على النحو الذي تكشفه الأطر القانونية والتنظيمية للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك المعايير الاسترشادية للأمم المتحدة حول حرية الرأي والتعبير في عصر التقنية، وهي التي تمثل مراجع يُحال لها كثيرا عند التفكير في صياغة أطر محلية تشريعية لتنظيم حيادية الانترنت عبر العالم.

لكن، مازال هناك بعض من المسائل التي لم تٌحسم بعد في النقاش حول حيادية الشبكة، والتي يدور أغلبها حول الجانب التقني الأمثل لإدارة الشبكات خاصة في حالات الضغط والاحتقان.20

1 Marvin Ammori, Keira Poellet, “Security versus freedom on the internet: Cybersecurity and net neutrality”, SAIS Review of International affairs, volume 30, Number 2, summer-fall 2010, p:54

2 Tim Wu, “Network neutrality, broadband discrimination,"Journal of Telecommunication and High technology law, Vol.2, 2003, available at: https://scholarship.law.columbia.edu/faculty_scholarship/1281/
3 All what you need to know about the open internet rules in the EU, available at: https://berec.europa.eu/eng/open_internet/

4 FCC release Open Internet Order, available at: https://www.fcc.gov/document/fcc-releases-open-internet-order
5 https://www.thestreet.com/technology/what-is-net-neutrality-14816850

6 Jay Pil Choi and Byung – Cheol Kim, “Net neutrality and investment incentives”, The RAND Journal of Economics, Autumn 2010, Vol. 41, No. 3, p:448

7 Jay Pil Choi and Byung – Cheol Kim, “Net neutrality and investment incentives”, The RAND Journal of Economics, Autumn 2010, Vol. 41, No. 3, p:448

Recommendation CM/Rec(2016)1 of the Committee of Ministers to member States on protecting and promoting the right to freedom of expression and the right to private life with regard to network neutrality, Council of Europe, available at: https://is.gd/vJqPvL 8  

9 Yapeng Wang and Ramjee Prasad, “Network neutrality impact on Human bond communications”, Wireless Per Commun (2016), 88, p:99

10 Simone A. Friedlander, “Net neutrality and the FCC’s 2015 open internet order”, Berkeley Technology Law Journal, Vol. 31, No. 2, Annual Review (2016), p:915

11 Simone A. Friedlander, “Net neutrality and the FCC’s 2015 open internet order”, Berkeley Technology Law Journal, Vol. 31, No. 2, Annual Review (2016), p:920

12 Marvin Ammori, Keira Poellet, “Security versus freedom on the internet: Cybersecurity and net neutrality”, SAIS Review of International affairs, volume 30, Number 2, summer-fall 2010, p:54

13 Martin Peitz and Florian Schuett, “Net neutrality and inflation of traffic”, International Journal of Industrial Organization, 46 (2016), p:17

14 سعيد عطا الله، "ما هي حيادية الشبكة؟"، موقع أراجيك، 5 إبريل 2019، متاح على الرابط التالي: https://www.arageek.com/l/%D9%85%D8%A7-%D9%87%D9%8A-%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A8%D9%83%D8%A9

15 Hassan Habibi Gharakhell, “Perspectives on Net neutrality and Internet fast lanes”, ACM SIGCOMM computer communication Review, January 2016, p:5

16 Quality of service and net neutrality, WCIT 2012, available at: https://www.itu.int/en/wcit-12/Documents/WCIT-background-brief11.pdf
17 Yapeng Wang and Ramjee Prasad, “Network neutrality impact on Human bond communications”, Wireless Per Commun (2016), 88, p:100

18 Jay Pil Choi and Byung – Cheol Kim, “Net neutrality and investment incentives”, The RAND Journal of Economics, Autumn 2010, Vol. 41, No. 3, p:449

19 Barbara Van Schewick, “Network neutrality and quality of service: What a nondiscrimination rule should look like”, Stanford Law Review, Vol. 67, No. 1 (January 2015), p:30

20  framework for classification of traffic management practices”, P:3

محتوى الموقع منشور برخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف 4.0