المراقبة الجماعية.. ممارسة ممنهجة في مؤسسات الدولة

تاريخ النشر : الخميس, 26 مايو, 2022
Facebook
Twitter

 

للإطلاع على الورقة بصيغة PDF إضعط هنا

 

إعداد: وحدة الأبحاث بمؤسسة حرية الفكر والتعبير

شارك في جمع المادة القانونية: وحدة المساعدة القانونية بالمؤسسة

 المحتوى

 منهجية

 مقدمة

  •  أولًا: إدارة البيان والتوجيه بالنيابة العامة
  •  ثانيًا: الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات بوزارة الداخلية
  •  ثالثًا: المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام
  •  رابعًا: الجامعات الحكومية
  •  خامسًا: الهيئة الوطنية للإعلام

 خاتمة

  منهجية

 استندت الورقة إلى قراءة وتحليل للقوانين ذات الصلة بالخصوصية الرقمية داخل البنية التشريعية المصرية كقانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وقانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020. كما اعتمدت الورقة على التحليل القانوني ﻷوراق قضايا وتحقيقات، تبين ممارسات المراقبة الجماعية لعدد من الجهات، مثل: النيابة العامة والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وإدارة تكنولوجيا المعلومات بوزارة الداخلية.

 مقدمة

 للمراقبة الجماعية التي تمارسها السلطات المصرية بجهاتها المختلفة تأثيرات سلبية واسعة على الخصوصية الرقمية، ما بين المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والنيابة العامة، والجامعات، ووزارة الداخلية (الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات). تشترك كل هذه الجهات في انتهاك الخصوصية والوصول إلى إجراءات تأديبية كالفصل، والملاحقة الجنائية، التي وصلت في بعض الحالات إلى الإحالة إلى محكمة أمن الدولة طوارئ.

ولا يمكن الطعن على أحكام هذه المحكمة، وعلى الرغم من إلغاء حالة الطوارئ، في أكتوبر 2021، فلا تزال هذه المحكمة تنظر الدعاوى التي أحيلت إليها خلال سريان حالة الطوارئ.

وتدعم هذه الممارسات بنية تشريعية بلا ضمانات للحماية من ممارسات المراقبة الجماعية، بداية من قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003، مرورًا بقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، رقم 175 لسنة 2018 وصولًا إلى قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، وأخيرًا قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 والذي على الرغم من دوره المتمثل في حماية خصوصية المواطنين، فإن القانون يشوبه عددٌ من أوجه القصور.

وتسعى مؤسسة حرية الفكر والتعبير من خلال هذه الورقة إلى بيان مدى تغلغل ممارسات مراقبة مستخدمي الإنترنت في جهات تنفيذية وقضائية متنوعة، والتأثيرات التي تطال المواطنين والمواطنات كنتاج لمراقبتهم.

أولًا: إدارة البيان والتوجيه بالنيابة العامة

 “تتولى وحدة الرصد والتحليل دون غيرها المهام التالية: رصد كافة ما ينشر في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي ويتعلق بالنيابة العامة.

– رصد وتحليل التعليقات والآراء على الأخبار المنشورة المتعلقة بالنيابة العامة، وإبداء الرأي، فيما يستوجب إصدار بيانات أو إعلانات أو الرد عليه بتعليقات من قبل الإدارة”.

 قرار رقم 2376 لسنة 2019 بإنشاء إدارة البيان والتوجيه

 لا تتمتع النيابة العامة بالاستقلال عن السلطة التنفيذية، حيث يمنح قانون السلطة القضائية رئيس الجمهورية صلاحية اختيار النائب العام من بين ثلاثة قضاة يرشحهم المجلس الأعلى للقضاء. كما يوفر قرار النائب العام بإنشاء إدارة البيان والتوجيه إمكانية لمراقبة مستخدمي الإنترنت، بما يتيح للنيابة توجيه الاتهامات، لتحريك الدعاوى، ثم مباشرة التحقيق بها.[1]

 ويمكن اعتبار عام 2018 نقطة انطلاق لاهتمام النيابة العامة بالتواجد على مواقع التواصل الاجتماعي، عندما كلف النائب العام السابق المستشار نبيل صادق المحامين العامين ورؤساء النيابة العامة، كلًّا في دائرة اختصاصه، بمتابعة ما ينشر في مواقع التواصل الاجتماعي من أكاذيب وأخبار غير حقيقية تستهدف “أمن وسلامة الوطن”، على أن يتم اتخاذ الإجراءات الجنائية اللازمة حيال أصحاب هذه المنشورات[2]. وجاء في البيان أن النيابة العامة تناشد الجهات المسؤولة عن الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي إبلاغها بكل ما يمثل خروجًا على “مواثيق الإعلام والنشر”[3].

وعقب تظاهرات سبتمبر 2019، التي قُبض خلالها على مئات المواطنين، طالعت النيابة حسابات المتهمين بمواقع التواصل الاجتماعي، خلال التحقيقات معهم. وبعد ذلك، طرحت النيابة أسئلة حول مضمون منشورات المتهمين. وفي 12 نوفمبر 2019، أصدر النائب العام قرارًا بإنشاء إدارة البيان والتوجيه، والتي ضمت ثلاث وحدات: وحدة التواصل مع وسائل الإعلام، ووحدة الإعلام الإلكتروني والتواصل الاجتماعي، وأخيرًا وحدة الرصد والتحليل.

ومنذ ذلك الحين توالت البيانات الصادرة عن النيابة العامة، التي تؤكد على الربط المباشر بين عمل النيابة العامة وما يُثار على وسائل التواصل الاجتماعي، ففي 28 مارس 2020 أصدرت النيابة العامة بيانًا بشأن “شائعات ڨيروس كورونا” وقد تضمن البيان: “ولمَّا كانت النيابة العامة تتابع عن كثب كل ما يتم نشره من أنباء في هذا الخصوص وخاصة المتداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي…”. ثم يقرر البيان أن النيابة سوف تتصدى لتلك الشائعات لإعمال المواد: 80 د , 102, 188، وهي مواد خاصة بنشر الأخبار الكاذبة بقانون العقوبات.

وفيما يلي نستعرض عددًا من أهم أنماط القضايا التي أثارتها النيابة العامة أخيرًا:

أ) قيم الأسرة المصرية (حنين حسام نموذجًا):

كانت النيابة العامة قد بدأت حملة موسعة، في إبريل 2020، بهدف القبض على عدد من الفتيات والسيدات من صانعات المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة موقع تيك توك. وأصدرت النيابة خلال تلك الحملة بيانات عديدة كلها تدور حول قيم المجتمع وضرورة الحفاظ على قيم الأسرة المصرية، وهو الاتهام الذي طال أغلب المقبوض عليهن في تلك الحملة، بموجب المادة (25) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.

بدأت قضية حنين حسام، من خلال قيام عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي بانتقاد أدائها في عدد من الڨيديوهات التي تنشرها، وهو الأمر الذي حثَّ النيابة العامة على إصدار بيان بخصوص الواقعة. كما أرسلت إدارة البيان والتوجيه بمكتب النائب العام، كتابًا إلى نيابة شمال القاهرة الكلية بتاريخ 19 إبريل 2020 مثبتًا به تقرير بشأن شكوى تدوولت بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي ضد فتاة “استغلال الجسد مقابل المال”، بحسب التقرير.

كما تطرق التقرير إلى دعوة حنين حسام الفتيات لكي يشتركن في وكالة أسستها عبر تطبيق لايكي بغية الالتقاء مع الشباب، حسب نص التقرير. وأتى بتقرير إدارة البيان والتوجيه أن وحدة الرصد والتحليل بمكتب النائب العام طالعت ردود أفعال المشاركين على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن هذه القضية. وفي 19 إبريل 2020، أصدرت النيابة العامة أمر ضبط وإحضار لحنين حسام، وطلبت تحريات المباحث عن الواقعة. وقامت الإدارة العامة لحماية الآداب بعمل تحريات، أشارت بوضوح إلى مراقبة ورصد لمواقع التواصل الاجتماعي. حيث جاء في هذه التحريات أنه: “من خلال قيام الإدارة بدورها في رصد الجرائم التي تضر بالأمن الاجتماعي، خاصة عقب انتشار التطبيقات والمواقع الإلكترونية التي انتشرت بشكل كبير داخل المجتمع المصري، والتي يستغلها البعض في نشر صور تحض المواطنين خاصة مجتمع الشباب، على أعمال تنافي العادات والتقاليد… ومن خلال متابعة الإدارة مواقع التواصل الاجتماعي رصد ڨيديو لإحدى الفتيات تم تداوله بشكل كبير وعلى نطاق واسع بين مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي تحت عنوان: “استغلال الجسد مقابل المال”.

وفي 21 إبريل 2020 تم القبض على حسام، ليتم توجيه اتهامات إليها بالإعلان عن طريق حسابات على شبكة المعلومات دعوة تتضمن لفت الأنظار إلى الدعارة، الاعتداء على المبادئ والقيم الأسرية في المجتمع المصري، وإنشاء وإدارة واستخدام حساب خاص على شبكة المعلومات يهدف إلى ارتكاب الجريمة موضوع الاتهامات السابقة. ثم تم إضافة الاتهام الرابع في تحقيق لاحق  بالاتجار في البشر.

وقد قررت النيابة العامة إحالة حسام إلى المحكمة الاقتصادية بالاتهامات سالفة الذكر، وظلت محبوسة حتى صدر الحكم عن محكمة جنح مستأنف اقتصادية بالبراءة، ليتم إخلاء سبيلها بتاريخ 27 يناير 2021. وفي اليوم التالي، حركت النيابة العامة قضية جديدة تتهم حنين بالاتجار بالبشر، ومن ثم أحالتها إلى محكمة الجنايات لتصدر حكمها غيابيًّا بحبس حنين حسام 10 سنوات. وفي إبريل 2022، قضت محكمة الجنايات بتخفيف عقوبة حنين حسام إلى ثلاث سنوات سجنًا، بعد إعادة محاكمتها حضوريًّا.

ب) قضايا ازدراء الأديان

في 13 نوفمبر 2020، أصدرت النيابة العامة بيانًا عن حبس ثلاثة متهمين بالترويج لأفكار متطرفة بقصد ازدراء أحد الأديان السماوية والتعدي على مبادئ وقيم المجتمع المصري عن طريق الشبكة المعلوماتية. وبدأت القضية من خلال تداول صورة لمحادثة على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل واسع، وكرد فعل على ذلك أصدرت النيابة العامة بيانًا أوضح أن وحدة الرصد والتحليل بمكتب النائب العام قد رصدت ڨيديو لأشخاص يسخرون من هيئة الصلاة في الدين الإسلامي[4]. وبعد اعتذار المتهم يوسف هاني أمام القاضي وتأكيده على احترام الدين الإسلامي، أخلي سبيله في 14 نوفمبر 2020.

ثانيًا: الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات:

 تتبع هذه الإدارة قطاع نظم الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بوزارة الداخلية، وطبقًا لتعريف القرار الوزاري رقم 7638 لسنة 2004، تختص الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات بإنشاء منظومة معلومات متكاملة للوزارة تعتمد على التكنولوجيا الحديثة التي تؤدي إلى رفع مستوى الأداء لكافة جهات الوزارة…”.[5]

وتعد إدارة تكنولوجيا المعلومات الجهة الفنية التي من المفترض اللجوء إليها في حال الرغبة في مطالعة أحراز وأدلة اتهام لأشخاص على ذمة قضايا بعينها، وفي خلال السنوات الأخيرة تقوم تلك الإدارة بمراقبة مستخدمي الإنترنت دون مسوغ قانوني، ويتكرر ذكر هذه الإدارة في أخبار حول ضبط أشخاص من خلال رصدهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي[6].

وبحسب شهادات محامي مؤسسة حرية الفكر والتعبير، بدأت إدارة تكنولوجيا المعلومات بمراقبة مستخدمي الإنترنت في العام 2011، عندما رصدت منشورات بحسابات شخصية للمتهم أحمد أنور، وقدمت ذلك إلى النيابة للحصول على إذن ضبط وإحضار[7]. ويمكن فهم دور هذه الإدارة في مراقبة مستخدمي الإنترنت من خلال استعراض قضية صفحة القط الأسود.

في 10 مايو 2016، أعد رائد بالإدارة العامة للمعلومات بوزارة الداخلية محضر تحريات، بهدف متابعة الجرائم التي يمكن أن تكدر الأمن العام، وذلك: “في إطار خطة العمل الموضوعة بإدارة البحث الجنائي والتي تهدف إلى مجابهة الجرائم المعلوماتية التي ترتكب من خلال شبكة المعلومات الدولية، الإنترنت، ورصد ومتابعة الأخبار والمعلومات”.

وأشار المحضر إلى رصد أحد الضباط المهندسين بالإدارة وجود صفحة على موقع فيسبوك تحمل اسم (القط الأسود 2) يقوم المسؤول عنها بنشر عبارات تحريضية ضد الجيش والشرطة والقضاء ومؤسسات الدولة. وبالاستعلام عن مالكها، اتضح أنه ممدوح صفوت، وأصدرت نيابة عابدين أمرًا بضبط وتفتيش شخص ومسكن وضبط أجهزة الحاسوب والهواتف الشخصية. ونُفذ الضبط وقُبض على ممدوح صفوت – مالك الصفحة.

وفي 11 مايو أعد الضابط المهندس بالإدارة تقريرًا فنيًّا عن فحصه الأجهزة والصفحة (القط الأسود 2) والحساب المرتبط بها خلال عملية القبض (دون إذن قضائي بما يخالف القانون). وحصل على صور ضوئية من المنشورات الموجودة على الصفحة والحساب وأيضًا أنه اكتشف أن الحساب يُدير صفحة أخرى تحمل اسم (طبق فول)، وأعد التقرير الفني بناءً على تلك الصور.

وحققت النيابة العامة مع ممدوح صفوت في اتهام نشر أخبار كاذبة، وسألته عن مشاركته في ثورة 25 يناير وعن انتمائه إلى حركة 6 إبريل وحزب الغد وعن مشاركاته في أي تظاهرات. ثم حصلت النيابة منه على اسم الحساب على موقع فيس بوك والرقم السري للدخول عليه. بعدها قررت النيابة حبسه احتياطيًّا على ذمة القضية.

بالإضافة إلى ذلك ونتيجة لطبيعة مهامها الفنية، يمكن اعتبار الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات بمثابة جهة وسيطة، فنجد اسمها يتكرر سواء من خلال تعاونها مع جهاز الأمن الوطني/ نيابة أمن الدولة وغيرهم، أو حتى لمتابعة بلاغات المواطنين.

ثالثًا: المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام

استحدث المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بموجب قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام رقم 92 لسنة 2016، والذي أُلغي في 2018، بناءً على إصدار قانون لاحق وهو قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018. وبحسب قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، يحق للمجلس الأعلى للإعلام حجب أي موقع إلكتروني أو حتى حساب إلكتروني شخصي يبلغ عدد متابعيه خمسة آلاف أو أكثر، ما يعني عمل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام على مراقبة مستخدمي الإنترنت، وبالتبعية إمكانية تطبيق عقوبات عليهم. ويمكن التعرف على ممارسات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في المراقبة من خلال استعراض قضية الأستاذ بجامعة القاهرة أيمن منصور ندا.

في 25 مارس 2021، تقدمت الإعلامية رانيا هاشم عضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ببلاغ إلى النائب العام ضد أيمن ندا، لنشره عدة مقالات على صفحته الشخصية على موقع فيسبوك، تتضمن سب وقذف لشخصها والمجلس الأعلى للإعلام ورئيسه وأرفقت بالبلاغ محتوى المقال.

وفي 27 مارس 2021، تقدم المجلس الأعلى للإعلام مُمَثلًا في رئيسه ببلاغ إلى النائب العام، يذكر فيه أن المجلس قد ناقش في إحدى جلساته مقالًا نشره الدكتور أيمن ندا على صفحته بعنوان: “كرم جبر أنا مش عارفني أنا تهت مني”. وأن المجلس قد رأى في المقال تعديًا على المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وعلى رئيسه وعلى أعضائه بوصفهم بالجهل وعدم القدرة على القيام بمهام المجلس. ثم أرسل المجلس القومي للمرأة كتابًا إلى الإدارة العامة لحقوق الإنسان بمكتب النائب العام شكوى مقدمة من الإعلامية وعضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رانيا هاشم تشكو تعدي الدكتور أيمن ندا عليها وتشبيهها بـ (لوسي أرتين الشهيرة بإدارة بيوت للدعارة). واعتبر المجلس القومي للمرأة أن هذا تعدٍّ على حرمة الحياة الخاصة وتعدٍّ على قيم الأسرة المصرية.

بعد وصول تلك البلاغات إلى نيابة استئناف القاهرة قررت النيابة الاستماع لأقوال مقدمي تلك البلاغات، واستمعت أولًا لأقوال الإعلامية رانيا هاشم، وسألتها النيابة عن مكان نشر المقال، محل البلاغ، فأجابت بأنه على الصفحة الشخصية للدكتور أيمن ندا على موقع فيس بوك. ثم سألت النيابة العامة هاشم عن هوية مستخدم هذه الصفحة فأجابت قائلة: “إحنا عندنا آلية في المجلس الأعلي لتنظيم الإعلام للتأكد من صلة صاحب الصفحة بالشخص والمجلس متحركش في الشكوى غير لمَّا إتأكد من الموضوع ده ويُسأل في التفاصيل ممثل المجلس”.

وقال ممثل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في تحقيقات النيابة إن أيمن منصور ندا هو صاحب هذا الحساب، وأن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لديه آلية للتأكد من صلة الصفحة بالشخص، وتعهد بتقديم تقرير فني من المجلس القومي لتنظيم الاتصالات يثبت ذلك.

وفي 20 إبريل 2021، استدعت نيابة استئناف القاهرة الدكتور أيمن ندا إلى التحقيق في اتهامات بسب هيئات مستقلة (المجلس الأعلي للصحافة والهيئة الوطنية للصحافة)، وقذف كل من كرم جبر رئيس المجلس الأعلى للإعلام ورانيا هاشم عضو المجلس الأعلى للإعلام وعبد الصادق الشوربجي رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، واستخدام حساب على شبكة المعلومات بغرض ارتكاب جرائم.

وقررت النيابة إخلاء سبيله بكفالة 20 ألف جنيه. و في 27 سبتمبر 2021 أُحيلت الجنحة إلى محكمة الجنايات باتهامات نشر أخبار كاذبة وسب هيئات مستقلة وسب وقذف كرم جبر ورانيا هاشم وعبد الصادق الشوربجي وطارق معوض – نقيب الإعلاميين – باستخدام حساب على شبكة المعلومات بغرض ارتكاب جرائم. وفي 31 مارس 2022 قضت محكمة جنايات القاهرة في القضية رقم 9840 لسنة 2021 جنح التجمع الخامس، بحبس أيمن ندا سنة مع إيقاف التنفيذ.

رابعًا: الجامعات الحكومية

خلال السنوات الأخيرة اتخذت إجراءات قانونية كفتح تحقيقات إدارية قد تنتهي بالفصل، أو التصعيد إلى الملاحقة الجنائية، لعشرات من الأساتذة الجامعيين، لأسباب تتعلق بالتعبير عن آرائهم على الفضاء الإلكتروني. إذ رسخت الإدارات الجامعية مراقبة حسابات أساتذة الجامعات بمواقع التواصل الاجتماعي.

وتتم تلك المراقبة على الأرجح من خلال تكليفات شفهية من رؤساء الجامعات إلى بعض الإدارات، مثل: إدارة العلاقات العامة والإعلام، وهي الإدارة المختصة بالمهام الإعلامية، أو إدارة الأمن، وهي الإدارة المختصة بتأمين الجامعة ومنشآتها.

ويمكن فهم المزيد حول نمط مراقبة أساتذة الجامعات من خلال قضية أستاذ جامعي بجامعة كفر الشيخ، تحفَّظ على ذكر اسمه حفاظًا على أمانه.

أ) جامعة كفر الشيخ

في 29 يوليو 2015، وصل إلى أستاذ جامعي بجامعة كفر الشيخ، إخطار من إدارة الشؤون القانونية بجامعة كفر الشيخ بالمثول أمامها، بجلسة 4 أغسطس 2015، للتحقيق في وقائع الظهور في وسائل الإعلام والمشاركة في ندوات والاشتراك في هيئات دون الحصول على إذن من السلطة المختصة وكذلك الانتماء إلى حزب سياسي بالمخالفة للقانون.

وخلال جلسة التحقيق، أعلمه المحقق أن إدارة العلاقات العامة والإعلام بجامعة كفر الشيخ رصدت منشورات من حسابه على فيس بوك ينتقد فيها رئيس الجامعة، وذلك في إطار متابعة الإدارة لحسابات أعضاء هيئة التدريس على مواقع التواصل الاجتماعي. وكنتيجة لهذا التحقيق، أُحيل الأستاذ الجامعي إلى مجلس تأديب للنظر في الاتهامات، والذي قرر توجيه عقوبة اللوم إليه، ثم لاحقًا، ألغى رئيس الجامعة اللاحق هذه العقوبة.

ب) أكاديمية السادات

في 12 مارس 2022 استدعت إدارة الجامعة، الأستاذة الجامعية سهير المسلمي – الأستاذ المتفرغ بقسم الرياضة والإحصاء بأكاديمية السادات – للتحقيق في 17 مارس 2022، وخلال التحقيق تم إعلامها بأنه بناء على رصد إدارة الأمن بالجامعة لصفحتها على فيسبوك، تم رصد تفاعلها ومشاركتها منشورات حول السجناء والنشطاء السياسيين في مصر، وهي في أغلبها منشورات تعود إلى فترات زمنية بعيدة ما بين 2015 إلى 2020.

ووجهت إليها اتهامات بإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والتشكيك في مشروعات مصر القومية. ولم تصدر لجنة التحقيق حتى وقتنا الحالي قرارًا بخصوص المسلمي.

خامسًا: الهيئة الوطنية للإعلام

 تتخذ الهيئة الوطنية للإعلام (اتحاد الإذاعة والتلفزيون سابقًا) تجاه العاملين بها عديدًا من الإجراءات التأديبية كالفصل من الوظيفة، أو التقدم بدعوى جنائية. يعمل قطاع الأمن، والذي يختص بتأمين المنشآت التابعة لمبنى الإذاعة والتليفزيون، على مراقبة الحسابات الشخصية للعاملين بالهيئة الوطنية للإعلام عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

في 10 إبريل 2016، قدم قطاع الأمن باتحاد الإذاعة والتليفزيون مذكرة إلى الإدارة المركزية للشؤون القانونية برئاسة اتحاد الإذاعة والتليفزيون عن قيام المخرج علي أبو هميلة بكتابة منشورات على حسابه الشخصي على موقع فيسبوك تتضمن عبارات غير لائقة برئيس الجمهورية وذلك تعليقًا على اتفاقية إعادة ترسيم الحدود بين مصر والمملكة العربية السعودية. وأرفق قطاع الأمن بالمذكرة صورًا للمنشورات.

وأجرت الإدارة المركزية للشؤون القانونية برئاسة اتحاد الإذاعة والتليفزيون تحقيقًا إداريًّا رقم 105 لسنة 2016 مع المخرج علي أبو هميلة بخصوص تلك المنشورات ووجهت إليه اتهامًا بنشر وكتابة عبارات غير لائقة برئيس الجمهورية وذلك على صفحته الشخصية خلال شهر إبريل 2016.

وأرسلت الإدارة المركزية للشؤون القانونية برئاسة اتحاد الإذاعة والتليفزيون بلاغًا بالشكوى إلى النيابة الإدارية والتي بدورها أحالت القضية إلى المحكمة التأديبية التي حكمت في 20 يونيو 2018 بفصل المخرج علي أبو هميلة من وظيفته لارتكابه مخالفة تأديبية وهي الخروج عن مقتضيات الوظيفة العامة بكتابة عبارات إهانة لرئيس الجمهورية على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك.

وفي 18 أكتوبر 2020 حكمت المحكمة الإدارية العليا حكمًا نهائيًّا غير قابل للطعن بفصل علي حسنين أبو هميلة المخرج باتحاد الإذاعة والتليفزيون والذي كان يعمل مديرًا للتسجيلات الخارجية بقناة النيل للدراما.

 خاتمة

تعد النيابة العامة مشاركًا أساسيًّا في ممارسة المراقبة الجماعية، من خلال وحدة الرصد والتحليل. ومن جانب آخر، تمارس جهات أخرى المراقبة الجماعية مثل الجامعات الحكومية، الهيئة الوطنية للإعلام، إدارة تكنولوجيا المعلومات بوزارة الداخلية، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام. وتؤدي الممارسة الممنهجة للمراقبة الجماعية سواء من خلال المؤسسات العامة أو القضائية إلى أضرار جسيمة لمستخدمي الإنترنت، منها التعرض للحبس أو صدور عقوبات تأديبية بالفصل.

وتشير هذه الحالات التي تناولتها الورقة إلى ضرورة تغيير السياسات التي تتبعها الجهات التنفيذية والأمنية، وتأمل مؤسسة حرية الفكر والتعبير أن تساهم هذه الورقة في دفع جهود المنظمات الحقوقية للتصدي لممارسة المراقبة الجماعية.

[1] مؤسسة حرية الفكر والتعبير، "التحول الرقمي في النيابة العامة"، أغسطس 2021، تاريخ آخر زيارة في مايو 2022، الرابط: https://afteegypt.org/research/policy-papers/2021/08/08/24357-afteegypt.html
[2] مؤسسة حرية الفكر والتعبير، "التحول الرقمي في النيابة العامة، أغسطس 2022، تاريخ آخر زيارة في مايو 2022، الرابط: https://afteegypt.org/research/policy-papers/2021/08/08/24357-afteegypt.html 
[3] جريدة الشروق، "النائب العام يكلف بتعقب أكاذيب "قوى الشر" في وسائل الإعلام ومواقع التواصل"، 2018، تاريخ آخر زيارة في مايو 2022، الرابط: https://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=28022018&id=19f5d81a-cd2c-4dba-85e5-1543c764c456https://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=28022018&id=19f5d81a-cd2c-4dba-85e5-1543c764c456
[4] صفحة النيابة العامة بموقع فيسبوك، "النيابة العامة" تباشر التحقيق في واقعة ازدراء للدين الإسلامي، 11 نوفمبر 2020، تاريخ آخر زيارة: 25 مايو 2022، رابط:
https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=pfbid037gdxhcbBzahCyVJ9Ej9a2BARbMZJqdeNdunZ1giKWXf1hZawfQjhjpybEKD7ucv7l&id=1999202686854290&__cft__[0]=AZWcDPd0RUF7rqSHCXLY8H7t8ZGvdAHTrtpVictEvxzFnyJw4rL-OJtv9z_J0HF7qQTS1Vbipm2UOVW6hz4A4e7zB-58DmB-NpDHA2hFUybpnxuL3bvxe1qNW_AcOXZdYzxQ5sN6L2dtuBb9MN-_fk0Uink55WxG5mP1kCt5w3Vdmo_6Hf7z1HmPqdLb-KDNkhY&__tn__=%2CO%2CP-R
[5] الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية، الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات، تاريخ آخر زيارة في مايو 2022، الرابط: https://site.moi.gov.eg/it/Pages/home.aspx
[6] موقع جريدة الأهرام، "إدارة "تكنولوجيا المعلومات".. عيون ساهرة لضبط الجرائم الإلكترونية"، ديسمبر 2020، تاريخ آخر زيارة في مايو 2022، الرابط: https://gate.ahram.org.eg/News/2546817.aspx
[7] مقابلة مع أحد محامي مؤسسة حرية الفكر والتعبير.

محتوى الموقع منشور برخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف 4.0