معنية برصد انتهاكات حقوق التعبير في حق الأفراد و المؤسسات.

بعد افراج اسرائيل عن مجموعة جديدة من وثائق حرب أكتوبر ..من يملك مفاتيح خزائن التاريخ فى مصر ؟؟؟

1-6-oct[1]

تداول عددا من الصحف المصرية أمس الجمعة 21 سبتمبر أخبارا تفيد بكشف إسرائيل عن مجموعة جديدة من الوثائق السرية الخاصة بحرب أكتوبر73 وذلك بمناسبة الذكرى التاسعة والثلاثين لحدوثها، وإلى جانب ما أثارته من جدل حول مضامينها ودلالاتها السياسية فى أوساط الباحثين والمهتمين، إلا أن مؤسسة حرية الفكر والتعبير ترى أن هناك تساؤلا مهما لابد من الإجابة عليه الآن وهو \”أين الوثائق التاريخية المتعلقة بالجانب المصري؟ \”،بل ولابد من توسيع الرؤية في هذه الإطار وطرح تساؤلا أشمل \”أين الوثائق التاريخية المتعلقة بالكثير من الأحداث والمراحل المحورية من تاريخ مصر؟ ومن المسئول عن حجبها ومنعها عن الجمهور؟\”.

 

وترى المؤسسة أن بداية الإجابة على هذه التساؤلات تعتمد على طرح رؤية جذرية حول تغيير السياسات والتشريعات الحاكمة لهيكل وإدارة دار الوثائق القومية والتاريخية، منها القانون رقم 356 لسنة 1954 بإنشاء دار الوثائق التاريخية القومية الذي نص على أنها تقوم بجمع الوثائق التي تعد مادة لتاريخ مصر وما يتصل به في جميع العصور وبحفظها وتيسير دراستها والعمل على نشرها ، و القانون رقم 121 لسنة 1975 بشأن المحافظة على الوثائق الرسمية للدولة وتنظيم أسلوب نشرها، و القرار رقم 472 لسنة 1979 بشأن نظام المحافظة على الوثائق الرسمية للدولة وأسلوب نشرها واستعمالها.

 

وفي قراءة نقدية قام بها باحثو برنامج الحق في المعرفة بالمؤسسة، رأوا أن مثل هذه القوانين تعكس أزمة تتعلق بالفلسفة التي قامت عليها تلك التشريعات،فقد اعتمد المشرع المصري على مدار النصف الثاني من القرن العشرين وحتى الآن، فلسفة قانونية مضمونها الأساسي هو ضمان فرض السرية على بعض الوثائق ،على حساب ترسيخ مبدأ إتاحة الوثائق للجمهور كي يتمكن من الإطلاع عليها في إطار ممارسة الأفراد لحقهم في المعرفة، بالإضافة إلى أنه يجب العمل على إنهاء الغياب الطويل لقانون مستقل ينظم ممارسة حرية تداول المعلومات وحق الجمهور في المعرفة كأصل عام أكدت على حمايته عدد من المواثيق الدولية كالمادة 19 من الاعلان العالمى لحقوق الانسان ، و إعلان مبادئ حرية التعبير للجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب بتأكيدهم على أن الجهات العامة لا تحتفظ بالمعلومات لنفسها بل كنائب عن الصالح العام ، وحق الجميع في الحصول على المعلومات التي تحتفظ بها جهات عامة وإلزامها حتى في حال عدم وجود طلب للحصول عليها بنشرها بشكل دوري وفعّال للإطلاع العام ، ومن ثم أدى غياب مثل هذا القانون إلى تحويل الدور الرئيسي للقوانين والقرارات المنظمة لحفظ الوثائق وتنظيم إطلاع الجمهور عليها إلى قوانين تمنح الجهات الحكومية سلطة منع هذه الوثائق عن الجمهور فضلا عن استثناء بعض هذه الجهات من الأساس من تطبيق هذه القوانين.

 

وفى لقاءات ميدانية مع الباحثين والمتعاملين مع دار الوثائق وجد باحثو البرنامج أن إشكاليات إتاحة الوثائق لا تقتصر فقط على التشريعات المنظمة ، فعلى مستوى التطبيق نجد أن مفهوم \”الجمهور العام\” تقلص ليقتصر على الباحثين المعنيين وفقط الذين لهم الحق في التعامل مع دار الوثائق ، وحتى بعد قصرها على الباحثين فهم يواجهون أيضا الكثير من العراقيل الإدارية التي لم تتشكل فقط بفعل القانون وإنما بسيطرة ثقافة الحجب والمنع بشكل عام على فلسفة الإدارة ؛ فيسيطر القائم على تنفيذ القانون على صلاحيات واسعة خاصة بمنح التصاريح للباحثين وتحديد توقيت الحصول عليها والذي غالبا ما يطول ، ولا مانع فى أن يضيف تفسيراته الخاصة لمفهوم \”الأمن القومي\” لنجد أن هناك مجموعات أرشيفية كاملة ممنوع الاطلاع عليها بدعوى مساسها بالأمن القومى بالرغم من إتاحتها بموجب القانون !، مما يمثل انتهاكا لمبدأ \”الإفصاح المطلق\” الذي يؤكد أنه ليس من الضرورة أن يتمتع طالب المعلومات بحيثية معينة أو اهتمام معين بالمعلومات حتى يمكنه الحصول عليها ، وأن على الجهة المعنية فى حال رفضها الإطلاع على معلومات معينة أن تبرر رفضها بطريقة واضحة في كل مرحلة من مراحل إجراء الطلب ،ومبدأ \”نطاق الاستثناءات المحدود\” الذي حدد معايير دقيقة يتم من خلالها التعريف الواضح لمفهوم \”الأمن القومي\” وما هى الوثائق التى يمكن لإتاحتها المساس به .

 

لذا تؤكد مؤسسة حرية الفكر والتعبير على أهمية أن تُطرح تلك الرؤى من خلال حملات موسعة ومنظمة تضم الأطراف المعنية والمهتمة بتعزيز أوضاع إتاحة وتداول الوثائق التاريخية والرسمية في مصر من الباحثين والإعلاميين والحقوقيين ، وعلى ضرورة أن تعمل مؤسسات الجمهورية الثانية على تطوير فلسفة جديدة تؤكد على أن الدولة هى وكيل عن الشعب في حفظ وثائق ذاكرته وتاريخه، وأن تُدرك أنه لا وجود لطريق حقيقي لبناء مستقبل إلا بإتاحة قراءة الماضي لوضع نهاية لعقود طويلة تحكم فيها النظام السياسى الحاكم في كتابة التاريخ وفرض قراءته وترجمته له على وعي وضمير الشعب المصري بأكمله .

 

ذات صلة