معنية برصد انتهاكات حقوق التعبير في حق الأفراد و المؤسسات.

تعليق على هامش القبض على باحثي المفوضية

لماذا حرية جمع البيانات وإنتاج المعرفة البديلة والمستقلة جريمة؟

 للإطلاع على التعليق بصيغة PDF

تابع برنامج الحق في المعرفة بمؤسسة حرية الفكر والتعبير ما تعرّض له فريق البحث الميداني للمفوضية المصرية للحقوق والحريات، حيث قامت أمس قوة من مركز شرطة الخصوص بالقبض على كل من المهندس عمرو أبو طويلة، المهندس شريف هلال، المحامية مها أحمد، والباحث محمد ثروت، ووجهت لهم تهمًا بجمع معلومات دون تصريح من الجهات المعنية والعمل لمؤسسة غير مشهرة قانونًا، وأخلى سبيلهم اليوم من نيابة الخصوص.

وترى مؤسسة حرية الفكر والتعبير أن ما حدث لفريق البحث الميداني بالمفوضية المصرية هو موقف كاشف لواقع يواجهه المئات من باحثي مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية بشكل يومي في ممارستهم للأنشطة المتعلقة بالبحث الميداني التي تعتمد على جمع معلومات وبيانات بشكل مباشر من المجتمعات المستهدفة بالبحث والدراسة.

وهو واقع طالما وجّهنا له النقد وأشرنا إلى مدى خطورته وانتهاكه لحرية البحث العلمي المنصوص عليها في المادة 66 من الدستور المصري 2014 بأن “حرية البحث العلمي مكفولة، وتلتزم الدولة برعاية الباحثين والمخترعين وحماية ابتكاراتهم والعمل على تطبيقها”.

وحق التماس المعلومات وتداولها المنصوص عليه في الفقرة الثانية بالمادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية “لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها”.

وفي هذا السياق تعيد المؤسسة طرح عدد من الإشكاليات القانونية التي ناقشتها بشكل أشمل في إطار دراستها المنشورة في مارس 2012 ” أزمات إنتاج وإتاحة تداول المعلومات في مصر، الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء نموذجًا” .

ما هي تلك “الجهات المعنية” التي يتوجب على الباحثين الحصول منها على تصريح بجمع معلومات؟!
تنص المادة 10 من القانون رقم 2915 لسنة 1964 بإنشاء وتنظيم الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء على أنه ” لا يجوز لأية وزارة أو هيئة أوجهة أو أي فرد من أفراد الحكومة أو القطاع العام أو القطاع الخاص أن ينشر بأي وسيلة من وسائل النشر أو الإعلام أي مطبوعات أو نتائج أو بيانات أو معلومات إحصائية إلا من واقع الإحصاء.

أما الإحصاءات الغير مقررة ضمن برامج الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فلا يجوز نشرها إلا بموافقة الجهاز”.

وبذلك أصبح الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء -وفقًا لنص المادة السابقة- هو المحتكر الوحيد لعمليات إجراء الإحصاءات وجمع البيانات، حيث لم يعد في وسع أي هيئة علمية أو غيرها جمع البيانات والإحصاءات التي تدخل ضمن برامج الجهاز أو نشرها، كما أنه لم يعد في وسع المؤسسات العلمية والعامة والأفراد أن يقوموا بعمل الإحصاءات أو جمع البيانات التي تخرج عن نطاق البرامج السنوية التي يجريها الجهاز، إلا بعد الحصول على موافقته الكتابية.

بمعني أنه لم يعد في وسع أي هيئة علمية (مراكز البحث العلمي) أو الجهات الحكومية المختصة أن تراجع هذه الأرقام والبيانات أو أن تقدم أرقامًا بديلة عنها.

وفي كتابه، آراء في الشرعية وفي الحرية، أكّد الدكتور جمال العطيفي، أن قرارات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تُفرّق بين نوعين من البيانات: بيانات مقررة ضمن برامج الجهاز فلا يجوز نشرها بأية وسيلة إلا من واقع إحصاءات هذا الجهاز وتعتبر “حظر مطلق”.

وبيانات ليست مقررة ضمن برامج هذا الجهاز فلا يجوز نشرها إلا بموافقة الجهاز كتابة عليها وتعتبر “حظر مقيد”.

ولم تقف فلسفة الحجب والمنع عند هذا الحد، بل أن رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أصدر قرارًا حمل رقم 22 لسنة 19681 أعاد فيه النص على الحظر المفروض على أية وزارة أو هيئة أو جهة أو فرد في نشر البيانات أو المعلومات الإحصائية، ثم أضاف في هذا القرار سريان الحظر على ما ينشر في الصحف والمجلات والمطبوعات على اختلاف أنواعها من البيانات والمعلومات الإحصائية ونتائج الاستفتاءات. وصيغة النص المطلقة على هذا النحو تسمح للجهاز بأن يفرض ستارًا من الصمت على الصحافة ومراكز البحث العلمي والجامعات في نشر أي بيانات أو معلومات إحصائية أو استفتاءات، ما لم تتم موافقته كتابة عليها حتى ولو كانت هذه البيانات أو المعلومات أو الاستفتاء متعلقة بإبداء الرأي في أي نشاط اجتماعي، ولو لم تكن لهذه البيانات أو المعلومات علاقة بأسرار الدولة وأمنها.2

وفي شهر أغسطس أكتشف رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أنه قد فاته إضافة حظر الاستقصاءات أيضًا، فأصدر القرار رقم 33 لسنة 1968 والمعدّل بالقرار رقم 231 لسنة 19683 وبالتالي أصبح محظور إجراء أي إحصاءات أو تعدادات أو استفتاءات أو استقصاءات.
وأصبح لا يقتصر المنع على نشر الإحصاءات أو الاستقصاءات بل على القيام بها أيضًا، هذا بالإضافة إلى أنه أمتد إلى التعاقد على استخدام آلات إحصائية أو حسابية أو إجراء برامج أو اختبارات لها إلا بإذنه وموافقته ولو كانت الجهة المتعاقدة هي جهة عامة.

هل الجهاز المركزي هو المحتكر الوحيد لإنتاج ونشر المعلومات إذن ؟
إن سلطة الاحتكار مفعّلة بقوة تجاه المبادرات الأكاديمية والبحثية الأهلية والمستقلة، وشكلية تجاه كافة هيئات وأجهزة الدولة الأخرى.
فبالنظر لصلاحيات الجهاز المركزي نجد أنه الجهة الوحيدة ذات الحق في إنتاج ونشر المعلومات، ولا يحق لأي جهة أو مؤسسة أن تنشر أو تعتمد أي من الإحصاءات إلا من واقع ما ينتجه وينشره الجهاز، إضافة إلى أنه ذا سلطة في السماح بممارسة وتنفيذ أي مبادرات ومشروعات بحثية أهلية أو أكاديمية ذات صلة بجمع معلومات وإحصاءات من المجتمع.

وعلى الرغم من ذلك، فنجد أن تلك السلطة الاحتكارية مُنتَهَكة فعليًا من أجهزة ومؤسسات الدولة الأخرى فنجد الوزارات والهيئات المختلفة تقوم بإنتاج ونشر النشرات الإحصائية الخاصة بها دون أي ارتباط بالجهاز المركزي.

فبموجب القرار رقم (627) لسنة 1981م بإنشاء مراكز المعلومات والتوثيق في الأجهزة الإدارية للدولة والهيئات العامة، أصبح لكل وزارة أو جهة حكومية قاعدة البيانات الخاصة بها والتي من خلالها يتم جمع البيانات من كافة الجهات وتخزينها وإصدار الإحصاءات والمؤشرات والمعلومات طبقًا للمعايير والمفاهيم الخاصة بتلك الجهة، وهو ما يتعارض مع أحكام المادة (10) من قرار إنشاء الجهاز المركزي. وعلى الرغم من نصّ المادة الرابعة من القرار على عدم الإخلال بأحكام قرار رئيس الجمهورية بإنشاء الجهاز المركزي إلا أنه لم يتضمن بشكل واضح آليات التنسيق مع الجهاز المركزي، وجاء في كامل مضمونه منفصلًا عن قرار إنشاء الجهاز المركزي وخاصة فيما يتعلق بضرورة الاتساق مع المفاهيم والمعايير القياسية والمنهجية لإعداد البيانات والمعلومات ويؤكد هذا الأمر نص المادة الثانية من قرار إنشاء مراكز المعلومات ” يتولى رئيس الجهة المنشأ بها المركز تحديد الاختصاصات التفصيلية والعناصر المكونة للبناء التنظيمي للمركز ونظمه ومقرراته الوظيفية”.

وأيضًا، بموجب القرار رقم (1) لسنة 1992م بإنشاء مركز المعلومات و دعم اتخاذ القرار؛ والذي لم يُشر هو الآخر بشكل واضح إلى مواد قرار إنشاء الجهاز المركزي، وعلى الرغم من تضمين رئيس الجهاز المركزي كعضو بمجلس أمناء المركز وفق المادة الرابعة من القرار، إلا أنه تضمّن العديد من المواد التي تجعل للمركز دورًا مؤثرًا في النظام القومي للإحصاء حيث يقوم المركز بإعداد الخطة القومية وإستراتيجية الدولة في مجال المعلومات، كما أن قيام المركز بتقديم المساعدة الفنية والتكنولوجية لإنشاء مراكز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بالوزارات والمحافظات جعل ولاء الأخيرة لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار فيما يتعلق بإمداده بالبيانات التي يحتاجها، وبالتالي فقد تم -عمليًا- تعطيل السلطات والصلاحيات المخوّلة للجهاز المركزي حتي لو احتفظ بها بموجب نصوص القانون المكتوبة وبموجب الإجراءات الكتابية، ذلك إلى جانب الإخلال بمفهوم مركزية نشر الإحصاءات والمعلومات، ومستوى الإنتاجية والكفاءة، فالواقع العملي يشير إلى قيام كل وزارة أو جهة أو هيئة بإنتاج ونشر ما يخصها من إحصاءات ومعلومات دون الرجوع للجهاز، وكذلك عدم وجود أي التزام لديها بمد الجهاز المركزي بكل ما تنتجه لأنها غير تابعة له وفق إطار تأسيسها ونشأتها.

وبالتالي فإن سلطة الجهاز في جمع ما يحتاج من المعلومات والبيانات من الجهات والهيئات الحكومية، وسلطته باعتباره الجهة الوحيدة المخوّل لها القرار بالإتاحة والنشر أصبحت موضع خلل إن لم تكن مُعطّلة وشكلية تجاه كافة مؤسسات الدولة الأخرى المعنية بإنتاج ونشر المعلومات، في حين ما زالت سلطة احتكاره مفعّلة بقوة تجاه المبادرات الأكاديمية والبحثية الأهلية والمستقلة.

أخيرًا، ترى مؤسسة حرية الفكر والتعبير أن إشكالية الحركة البحثية في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية تكمن في صراعها مع سياسات وممارسات النظم البيروقراطية والسلطوية من أجل انتزاع نسبة أعلى من الاستقلالية و حرية السعي للمعرفة والحقيقة ونقلها، حول كافة القضايا والموضوعات التي تجتهد تلك النظم في منع التعرض لها بالبحث والطرح سواء بفزاعات تهديد الأمن القومى أو تكدير السلم الاجتماعي العام أو حتى بدافع الحفاظ على القيم الأخلاقية والدينية واحترام عقائد ومعتقدات المجتمع. ويعتبر الحصول على المعلومات الكاملة والصحيحة هو أحد أهم جبهات ذلك الصراع، حيث يحتاج الإنتاج البحثي المعرفي للحصول على المعلومات الكاملة والمنضبطة والصحيحة والمحدّثة سواء عن طريق ضمان حرية الجمع الميداني المباشر أو عن طريق حرية الحصول عليها من الجهاز الرسمي المعنى بإنتاجها وإتاحتها.

لذا تؤكد المؤسسة على:

  • ضرورة المراجعة الشاملة لكافة القوانين والتشريعات المتعلقة بإنتاج وإتاحة ونشر المعلومات والبيانات الصادرة من الجهاز الرسمي الممثل في الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وكافة الأجهزة الحكومية وغير الحكومية المعنية بإنتاج وإتاحة ونشر المعلومات بما يمكّن من إصدار قانون موحد للإحصاء والمعلومات في مصر يحدد طبيعته وكافة الأدوار والمسئوليات للجهات العاملة والمهتمة بمجال الإحصاء والمعلومات.
  • أهمية كسر احتكارية الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لإنتاج ونشر المعلومات والإحصاءات ليصبح الجهاز الأساسي للمعلومات –وليس الوحيد- في إنتاجها وإصدارها وله حق التنظيم والتنسيق والإشراف العلمي الموضوعي على منهجيات التطبيق وليس التحكم في سياسات الموضوعات والبرامج المُراد تنفيذها من قبل المؤسسات الأخرى سواء الحكومية منها أو المستقلة والأهلية والخاصة.
  • وضع آليات للتنسيق وتنظيم العمل بين مكونات منظومة إنتاج وإتاحة المعلومات، تتلخص في إنشاء ” المجلس(اللجنة) القومية للإحصاء” تضم في عضويتها ممثلين من الحكومة والقطاع الخاص والجامعات ومنظمات المجتمع المدني.

 للإطلاع على التعليق بصيغة PDF

ذات صلة