معنية برصد انتهاكات حقوق التعبير في حق الأفراد و المؤسسات.

بلا حوار.. عن إعداد قانون تداول المعلومات

للاطلاع على الورقة بصيغة PDF اضغط هنا

 

إعداد:

محمد عبد السلام

مدير الوحدة البحثية بمؤسسة حرية الفكر والتعبير

ملخص تنفيذي

شهدت مصر عدة محاولات ﻹصدار قانون تداول المعلومات، على مدار ما يقرب من سبع سنوات، وقادت تلك المحاولات جهات حكومية متنوعة. حاولت هذه الجهات في بعض الأحيان أن تفتح حوارا مع ممثلي المجتمع المدني حول مسودة القانون، وفي أحيان أخرى لم يتضح من شارك الجهة الحكومية في إعداد مشروعها، أو حتى مجرد التعرف على هذا المشروع. مؤخرا، شكل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لجنة لإعداد قانون تداول المعلومات، ويمكن القول أن تشكيل اللجنة يغلب عليه الطابع الرسمي بين ممثلي جهات حكومية وأعضاء في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام. لم تعلن اللجنة الحالية عن آلية لتوسيع المشاركة في إعداد القانون. ويثير ذلك المخاوف من انعكاس السياسة المتأرجحة تجاه مشاركة ممثلي المجتمع، والتي تبلورت على مدار سنوات، على عمل اللجنة الحالية. لذا هناك حاجة عاجلة أن تتبنى اللجنة الحالية سياسة تدعم الحوار مع ممثلي فئات متنوعة من المجتمع، كما ينبغي للمجتمع المدني أن ينشط في إقامة حوار حول قانون تداول المعلومات كمسار موازي.

 

مقدمة: ما هي آخر المستجدات

أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام عن الانتهاء من مسودة قانون تداول المعلومات، في 25 أكتوبر 2017، وذلك بعد عمل استمر قرابة 4 أشهر من قبل لجنة شكلها المجلس خصصيا ﻹعداد مسودة للقانون يتم تقديمها لمجلس الوزراء لكي يتبناها. وقد تعددت المحاولات منذ عام 2011 ﻹصدار قانون تداول المعلومات، ورغم ذلك ظلت حالة حرية تداول المعلومات في مصر كما هي، أو بمعنى آخر ظل الحق في الوصول وتداول المعلومات معطلا. وتقوم مؤسسات الدولة في مصر على الأرجح بحجب المعلومات وتمنع المواطنين من التماس وتلقي وتداول المعلومات، إذ تأتي هذه الممارسات غالبا تحت ذريعة حماية “الأمن القومي”، بحيث تجعل الدولة من تداول المعلومات استثناء، ويصبح الأصل هو الحجب، وتستفيد الدولة من بيئة تشريعية تقيد تداول المعلومات عبر مجموعة من القوانين واللوائح، التي تقنن عدم إتاحة المعلومات.

هذه السياسة التي تنتهجها مؤسسات الدولة، وتبدو مؤثرة كذلك على عملية إعداد قانون تداول المعلومات، ليست فقط مخالفة لالتزامات مصر الدولية بموجب العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، أو المادة (68) من الدستور المصري، ولكنها تضر بمصالح متعددة للمواطنين، وتترك آثارا سلبية على المشاركة السياسية وتعزيز النقاش العام ومكافحة الفساد وإصلاح الجهاز الإداري للدولة. وقد تكررت القضايا التي يبرز فيها غياب المعلومات على مدار السنوات الثلاثة الماضية، منها ما يتعلق بالمشروعات القومية التي تعلن عنها الحكومة من آن إلى آخر، وشكل التعاون الدولي في مشروعات اقتصادية واتفاقيات ثنائية، والبرامج الحكومية فيما يتعلق بملف الاقتصاد والقروض، وبالطبع السياسات المتعلقة بمكافحة الإرهاب.

فالسلطات المصرية تسعى لتوظيف المعلومات لخدمة سياسات التهميش وعدم تمكين المواطنين من المشاركة السياسية ومحاسبة المسئولين، كما هو حال مجلس النواب على سبيل المثال، الذي يرفض بث جلساته مباشرة ويرفض إطلاق موقع إلكتروني يحتوي على محاضر هذه الجلسات، لمنع المواطنين من متابعة أداء النواب وفهم الدوافع وراء التشريعات التي يقرها المجلس، واﻷهم حرمانهم من محاسبة نواب البرلمان الممثلين لهم، في حال تأثير هذه التشريعات عليهم سلبا. وهنا  مؤسسات الدولة تناقض دورها الأساسي في حماية حقوق المواطنين وتمكينهم من المشاركة.  وبذلك تكون مؤسسات الدولة قد استخدمت المعلومات كأداة سلطوية، ولتهيئة المجال أمام ممارساتها في انتهاك حقوق الإنسان وغلق المجال العام. وهذا التأثير الكبير للحق في المعلومات إضافة إلى النص الدستوري الواضح، يجعل من مناقشة الإعداد لقانون تداول المعلومات، شأنا يمس حقوق ومصالح المواطنين، باختلاف فئاتهم.

ويرى بعض الصحفيين والإعلاميين أن إصدار قانون تداول المعلومات ضرورة كبيرة لعملهم، وذلك صحيح بالطبع، ولكن لا يجب أن يكون بمعزل عن أهمية القانون لتوفير حق كفله الدستور لكل المواطنين. إذ أن الحق في المعلومات يؤثر أيضا على عمل فئات متنوعة مثل الباحثين والأكاديميين ومنظمات المجتمع المدني وخبراء متخصصين في الاقتصاد وغيرها من المجالات. ويمثل ذلك المنطلق الأساسي في تناول مؤسسة حرية الفكر والتعبير لعملية إعداد قانون تداول المعلومات، حيث أن النقاش حول بنود القانون ومدى اتساقه مع المعايير الدولية ليس قاصرا على فئة دون اﻷخرى، وﻹنجاح عملية إعداد القانون، لا بد من تمثيل آراء وفئات متنوعة في المناقشات حوله.

إن اللجنة التي شكلها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وإن كان يغلب عليها الطابع الرسمي، إلا أنها لا تعد جهة تتولى تقديم التشريعات كمجلس الوزراء أو أعضاء البرلمان، وقد تحرك المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بشكل مستقل عن الحكومة لإعداد مسودة قانون تداول المعلومات. ووفقا للمعلن من قبل رئيس الأعلى للإعلام سيتم تقديم مسودة القانون إلى مجلس الوزراء ومجلس النواب حال الانتهاء منها. وهذه التصريحات لا تعد دليلا قاطعا على تبني مجلس الوزراء أو نواب البرلمان لمسودة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.

وثمة فرصة جيدة أمام لجنة إعداد قانون تداول المعلومات لفتح مسارات للحوار حول القانون، لكي يعكس توافق بين فئات ومجموعات متنوعة، وهذا ما تحاول هذه الورقة أن تقدمه، في محاولة لتجنب سياسة انفراد الجهات الحكومية بإعداد مشروعات القوانين.


خلفية: قانون تداول المعلومات.. فرص ضائعة

ترتكز السياسات الحكومية بشأن إعداد قانون تداول المعلومات على منع إجراء حوار مجتمعي أو تهميش مخرجاته، وذلك بحسب الظروف السياسية. وهنا يمكن تقسيم ذلك إلى مرحلتين؛

الأولى:  في الفترة التي أعقبت ثورة يناير 2011، وغلب عليها دعوة منظمات المجتمع المدني وبعض الأكاديميين والصحفيين إلى المشاركة في نقاشات مع الجهات المعنية بإعداد القانون، وربما يعود ذلك إلى وجود انفتاح سياسي واسع بعد ثورة يناير، ولكن السمة المشتركة لهذه المناقشات كانت انفراد الجهات الحكومية بوضع المسودة النهائية للقانون.

أما المرحلة الثانية منذ صيف 2013، فقد شهدت استبعاد تام لفكرة إشراك فئات من المجتمع في النقاش حول قانون تداول المعلومات، وغلب على المسودات التي تناولتها تقارير إعلامية الغموض الذي يصل أحيانا إلى عدم وجود نص المسودة من الأساس.

جاءت المحاولة الأولى لإصدار قانون تداول المعلومات بعد ثورة 25 يناير من جانب مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء ومجموعة من منظمات المجتمع المدني وبعض الأكاديميين والصحفيين، حيث عقدت ما يطلق عليها “مجموعة عمل قانون حرية المعلومات” عدة اجتماعات في صيف 2011، وخلال هذه الاجتماعات ناقشت المجموعة مسودة قانون تداول المعلومات وكان هناك عدد من النقاط الخلافية بين مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار من جانب، ومجموعة منظمات المجتمع المدني والأكاديميين والصحفيين من جانب آخر، كان أبرزها ما يتعلق بالاستثناءات على الحق في المعلومات، إذ سعى مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار إلى ترك تحديد مدة حظر وثائق معينة ودرجات السرية الخاصة بها إلى الجهة المختصة بالمعلومات، دون وجود نص قانوني يقيد من سلطتها في هذا الأمر. وقد انتهت هذه المحاولة بعد توقف مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار عن المناقشات مع المجتمع المدني والأكاديميين والصحفيين، وإن كان هناك مسودة تم العمل عليها خلال هذه المناقشات، إلا أنها لم تطرح أمام الرأي العام ولم يتبناها أي من أطراف المناقشات.

في النصف الأول من العام 2012، أعلنت منظمات المجتمع المدني ومجموعة الأكاديميين والصحفيين التي شاركت في المناقشات السابقة عن إصدار مسودة قانون تداول المعلومات باعتبار ذلك استكمالا لجهود هذه المجموعة في الإعداد لمشروع القانون، بينما كان هناك في نفس الفترة مشروع آخر توصلت له وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بالتعاون مع وزارة العدل. حاول البرلمان آنذاك – والذي جاء بانتخابات تعددية بعد ثورة يناير – أن يناقش المشروعات المقدمة من الحكومة ومنظمات المجتمع المدني، ولكن لم تنجح المحاولة وتم حل البرلمان لاحقا في يونيو 2012.
ومع وصول الرئيس السابق محمد مرسي إلى الحكم، برز دور وزارة العدل في إعداد قانون لتداول المعلومات، صدر عن الوزارة مسودة أولى في يناير 2013، تم عرضها على مجموعة من الإعلاميين وأساتذة الجامعات وممثل عن المجلس الأعلى للصحافة ونقيب الصحفيين. قامت وزارة العدل بعد ذلك بدعوة منظمات المجتمع المدني ومجموعة الأكاديميين الذين أعدوا مشروعا لقانون تداول المعلومات، ومن بينهم مؤسسة حرية الفكر والتعبير والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية للنقاش حول القانون، وتكررت جلسات النقاش، حتى قامت الوزارة بإعلان مسودة نهائية لمشروعها في بداية مايو 2013. لم تأخذ المسودة النهائية في الاعتبار ملاحظات منظمات المجتمع المدني، التي شاركت في النقاش.

وقد أصدرت المنظمات بيانا رفضت فيه مشروع وزارة العدل، وأشارت إلى اعتراضاتها المتنوعة عليه وأبرزها غياب تحديد مفهوم الأمن القومي. وكتب الدكتور خالد فهمي مقالا  لتوضيح أسباب رفض المجموعة التي شاركت في النقاش للمسودة النهائية، ومنها ” ثانيا، استثنى مشروع القانون كلا من جهاز المخابرات العامة والمخابرات العسكرية من الخضوع للقانون. وكان موقف مجموعة المجتمع المدنى المبدئى هو ألا تُستثنى جهات برمتها بل يجوز أن تُستثنى بعض وثائق ومكاتبات ومعلومات تتعلق بهذه الجهات”.
كانت السمة الأساسية لهذه المحاولات السابق عرضها السعي المستمر من قبل مؤسسات الدولة لدعوة ممثلي المجتمع المدني للمشاركة في نقاش مسودات القانون، صحيح أن هذه المناقشات لم تحرز تقدما حتى على مستوى الوصول لمسودة متفق عليها من الجانبين، إلا أنها عبرت عن وجود مناخ منفتح يستدعي إقامة حوار مع خبراء وممثلي المجتمع المدني. وبعد صيف 2013 لم تكن هناك مبادرات ﻹقامة حوار حول قانون تداول المعلومات. ففي نوفمبر 2013، أعلنت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات عن مسودة أعدتها لقانون تداول المعلومات، وقالت أنها ستعرض على مجلس الوزراء، ثم ترسل لرئيس الجمهورية المؤقت ﻹقراها.

لاحقا في يناير 2015، أعلنت لجنة الإصلاح التشريعي التي شكلها الرئيس عبد الفتاح السيسي أنها تناقش مسودة لقانون تداول المعلومات، ولم يتضح ما الذي نتجت عنه محاولة لجنة الإصلاح التشريعي في هذا الصدد، ولكن نقلت صحيفة اليوم السابع عن أحد المصادر بلجنة الإصلاح التشريعي وبالتزامن مع بدء الأعلى للإعلام في العمل على مشروع قانون لتداول المعلومات قوله أن “لجنة الأمن القومى التابعة للجنة كانت  أعدت بالفعل مشروع قانون لحرية تداول المعلومات، وأرسلته إلى اللجنة العليا للإصلاح التشريعى لمناقشته، وقد بدأت بالفعل مناقشات حوله، وتم استطلاع آراء كافة الوزارات والجهات السيادية بشأنه، لكن لم يتم الانتهاء منه”.

وفي المحاولتين، لم تدع هذه الجهات أيا من ممثلي المجتمع المدني والأكاديميين والصحفيين إلى النقاش كما كان الحال سابقا. وعلى مستوى مضمون المسودات، استطاعت وسائل الإعلام الوصول لمضمون مسودة وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بينما ظل مضمون ما ناقشته لجنة الإصلاح التشريعي غامضا.

انضم مجلس النواب إلى الجهات الرسمية التي تعطل إصدار قانون تداول المعلومات. تقدم النائب السابق أنور السادات – والذي تم إسقاط عضويته بسبب معارضة رئيس مجلس النواب – بمشروع قانون لتداول المعلومات، في يونيو 2016، كانت مسودة المشروع تحمل خبرات من المشروعات التي قدمت لمجلس الشعب في عام 2012، عندما كان النائب أنور السادات يرأس لجنة حقوق الإنسان بالمجلس. لم يناقش مجلس النواب المشروع الذي قدمه النائب السادات، حتى تم إسقاط عضويته من المجلس. كما لم يطرح أعضاء آخرون مسودات متعلقة بقانون تداول المعلومات.
وفي هذا السياق الذي يتضح منه انحياز مؤسسات الدولة للإنفراد بوضع قانون لتداول المعلومات، جاءت محاولة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ﻹعداد قانون لتداول المعلومات، فالمجلس الذي أصدر رئيس الجمهورية قرارا بتشكيله، جاء ضمن عدة كيانات ﻹعادة تنظيم المشهد الإعلامي، وهو حديث النشأة حيث بدأ ممارسة مهامه منذ تشكيله في أبريل 2017. حاول المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام التعاطي مع ملف قانون تداول المعلومات بما يتماشى مع دوره كجهة ذات استقلال إداري، فقد شكل المجلس لجنة ﻹعداد قانون تداول المعلومات ضمت إلى جانب بعض أعضاء المجلس وممثلي جهات حكومية اثنين من وزراء الثقافة السابقين، وهما الدكتور عماد أبو غازي والدكتور صابر عرب، كمحاولة ﻹظهار تنوع اللجنة، وتمثيلها ﻵراء شخصيات عامة.
وعلى نفس المنوال، كان إعلان رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مكرم محمد أحمد عن السعي لعقد جلسات نقاش حول قانون تداول المعلومات لاستطلاع رأي 3 مؤسسات صحفية. بلا شك يظهر ذلك وجود نوع من الحوار، ولكنه شكليا لا يضم فئات أخرى.

هذه السياسة التي يتبناها المجلس الأعلى للإعلام قد تمثل امتدادا للسياسات الحكومية التي تم اﻹشارة لها سابقا، وذلك على الرغم من أن لجنة إعداد قانون تداول المعلومات أعلنت في تصريحات الاستعانة بإصدارات مؤسسة حرية الفكر والتعبير ذات الصلة، كما خاطبت مؤسسة حرية الفكر والتعبير ومنظمة المادة 19 رئيس المجلس الأعلى للإعلام وأمدت اللجنة بمسودة قانون أعدتها منظمات المجتمع المدني في 2012.
وهناك عمل إيجابي من قبل اللجنة، ويظهر ذلك في المسودة الصادرة عنها، فعلى سبيل المثال، تمنح المسودة الحق للمواطنين في اللجوء للقضاء في حال رفض طلبات الإطلاع، بحسب المادة (15) من المسودة، كما الزمت المادة (9) الجهات العامة المخاطبة بأحكام القانون باﻹفصاح الاستباقي، ويظهر ذلك استفادة لجنة إعداد القانون من مسودة منظمات المجتمع المدني التي أرسلت لها في سبتمبر 2017.

لذا، فإن لجنة إعداد قانون تداول المعلومات بحاجة إلى تطوير عملها حول مناقشة القانون، بحيث يتاح المشاركة والحوار لممثلي فئات متنوعة وممثلي المجتمع المدني. وهذا ما تتطرق له الورقة تفصيلا في الجزء التالي.

 

الخيارات البديلة: كيف يمكن إقامة حوار حول القانون

يتبين من استعراض ملامح السياسة المتبعة ﻹعداد قانون تداول المعلومات وجود قصور في إجراء حوار حول القانون حاليا. لذا ثمة أهمية كبيرة لعرض بعض الخيارات التي تتيح توفير مشاركة للمجتمع المدني وفئات كالصحفيين والأكاديميين في  إعداد مشروع القانون. ويمكن هنا تناول ثلاثة خيارات على النحو التالي:

 

  • الخيار الأول: استمرار اللجنة الحالية في مسار الحوار مع مؤسسات صحفية محددة:

 

إذا استمرت اللجنة المشكلة من قبل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في إجراء مناقشات مع مؤسسات صحفية قومية – تم تحديدها في المؤتمر الصحفي الذي أعلنت فيه اللجنة مسودة القانون – فإن ذلك يعني إجراء حوار مع مؤسسات صحفية مملوكة للدولة فقط. من جانب آخر، تأتي هذه المناقشات على شكل ندوات يحضرها العاملون بالمؤسسات الصحفية، ويتم فيها تحديد الكلمات لمتحدثين رئيسيين كما الحال في الندوة التي نظمتها وكالة أنباء الشرق الأوسط. يعتمد هذا الخيار على الصحفيين وتحديدا من داخل المؤسسات الصحفية القومية، باعتبار أن ذلك كافي ﻹتمام حوار مجتمعي. بينما لا يعكس هذا الخيار رؤى مجموعات مهتمة مثل الباحثين والأكاديميين ومنظمات المجتمع المدني.

يزيد هذا الخيار من فرض الاستثناءات على الحق في المعلومات، فالمسودة التي صدرت عن المجلس تفتح الباب واسعا أمام الجهات الرسمية لحجب المعلومات بدعوى الحفاظ على الأمن القومي، وهو ما يعني تفريغ الحق في المعلومات من مضمونه. ستساعد المناقشات الضيقة على تعزيز هذا التوجه في توسيع نطاق الاستثناءات، خاصة أنها تتم مع مؤسسات مملوكة للدولة.
هذا الخيار سيؤدي إلى انفراد لجنة إعداد قانون تداول المعلومات بوضع المسودة المقدمة إلى الحكومة ومجلس النواب، ما يجعل مقترحها يتعرض لتعديلات، تقيد الحق في المعلومات، حيث أن مجلس النواب عمل سابقا على إعداد وفرض مجموعة من القوانين المعادية للحريات مثل قانون الجمعيات الأهلية وقانون مكافحة الإرهاب وقانون الكيانات الإرهابية.

سيكون هناك جانب إيجابي في خروج المسودة من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وهو جهة رسمية، ما يعني زيادة فرص مناقشتها في مجلس الوزراء وتبني الحكومة للمشروع، ومن ثم تقديمه لمجلس النواب.

 

  • الخيار الثاني: توسيع عضوية اللجنة الحالية وعقد جلسات استماع مفتوحة:

 

يشمل هذا الخيار ضم مزيد من الأعضاء الذين يمثلون الفئات التي يؤثر القانون على عملها وكذلك ممثلي منظمات المجتمع المدني، باﻹضافة إلى تنظيم مجموعة من جلسات الاستماع لخبراء وأكاديميين وصحفيين وكذلك من التكنوقراط الذين عملوا على مسودات سابقة واﻷحزاب السياسية الممثلة في مجلس النواب.

وعلى مستوى توسيع عضوية اللجنة، يمكن أن يتم ذلك من خلال ضم ممثلين عن مجلس نقابة الصحفيين ومنظمات المجتمع المدني والأكاديميين الفاعلين في دراسة تجارب تداول المعلومات وكذلك رجال الأعمال وخبراء. ومن شأن ذلك أن يفتح مساحة أكبر للنقاش داخل اللجنة، لتطوير المسودة الحالية. وكذلك يمنح مقترحها مزيد من التأييد من جانب فئات مؤثرة، خاصة في حال توجه مجلس النواب نحو مناقشة قيود جديدة على الحق في المعلومات.

أما جلسات الاستماع التي يمكن للجنة أن تعمل على عقدها، سيكون لها أهمية من حيث تمثيل آراء متنوعة في المناقشات حول القانون، ويمكن أن يتم ذلك من خلال عدة جلسات، يتاح تغطيتها إعلاميا والنشر حول مضمونها. ويمكن توزيعها على منظمات المجتمع المدني وممثلي نقابة الصحفيين ومجموعة من الأكاديميين وباحثين في مجالات متنوعة تعتمد على المعلومات مثل الاقتصاد ومكافحة الإرهاب ومجموعة من الصحفيين والإعلاميين المستقلين ومجموعة من التكنوقراط الذين شاركوا سابقا في مسودات مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار ووزارة العدل إلى جانب الخبراء المتخصصين في تداول المعلومات والاتصالات ومجموعة من ممثلي الأحزاب السياسية.

وبنهاية هذه الجلسات يمكن للجنة أن تعيد صياغة المسودة بناء على المقترحات المقدمة لها، بحيث تعكس الدعم من فئات متنوعة لمشروع القانون.

وهنا ستكون اللجنة بحاجة إلى موقع الكتروني تتيح من خلاله مسودة القانون ومحاضر اجتماعاتها وكذلك محاضر جلسات الاستماع ويترك به مساحة للمواطنين ﻹرسال تعليقاتهم على القانون، والموقع بذلك سيوفر إتاحة كافة المعلومات المتعلقة بعمل اللجنة للمواطنين.

يساهم هذا الخيار في تجنب انفراد جهة بعينها بوضع مسودة قانون تداول المعلومات، ويؤدي إلى فتح النقاش العام حول القانون بعد سنوات من تعطيله وتهميش الحق في المعلومات. كما أن ذلك الخيار يقوي من الاعتماد على المعايير الدولية ذات الصلة، بدلا من التوجه الحكومي نحو التذرع بالأمن القومي لتوسيع نطاق الاستثناءات على الحق في المعلومات.

 

  • الخيار الثالث: تعاون المجتمع المدني مع نواب بالبرلمان لتجهيز مسودة قانون:

 

هذه السياسة تعتمد باﻷساس على جهود منظمات المجتمع المدني كورقة يمكن استخدامها لتحقيق نقاش عام وبلورة مقترح أكثر ضمانا للحق في المعلومات. يشمل هذا الخيار قيام المجتمع المدني بجمع فئات مثل الصحفيين والاكاديميين وممثلي الأحزاب السياسية، في جلسات نقاش حول مسودة القانون، ومن ثم التنسيق مع نواب بالبرلمان من المهتمين بالحقوق والحريات، لكي يتبنوا هذا المشروع في مجلس النواب.

هذه المبادرة من شأنها كسب الوقت لصالح اﻷصوات المؤيدة لقانون ضامن للحقوق ويقلل من الاستثناءات. ويمكن أيضا استخدامها للتواصل مع اللجنة في حال رفضها عقد جلسات استماع حول قانون تداول المعلومات. يتيح هذا الخيار لمنظمات المجتمع المدني حال عدم تمكنها من التواصل والعمل مع لجنة إعداد القانون، أن تساهم برؤية متماسكة في المناقشات النهائية في البرلمان من خلال تواصلها مع نواب يتبنون مشروعها.

وهناك سلبيات لهذا الخيار بينها القيود المفروضة على منظمات المجتمع المدني التي قد تؤثر على فعالية قيامها بهذا الدور، إضافة إلى موقف مجلس النواب الذي يعادي الحقوق والحريات بشدة، وقد يتخذ إجراءات ضد النواب الذين يتواصلون مع منظمات المجتمع المدني.

وإذا ما نظرنا لجدوى هذه الخيارات، ينبغي التأكيد على خطورة استمرار السياسة الحالية التي تمنع المجتمع المدني وممثلي فئات متنوعة من النقاش والإعداد لمشروع قانون تداول المعلومات، بينما يبدو الخيار الثاني أكثر قابلية للتحقق على الأقل جزئيا من خلال تبني لجنة إعداد قانون تداول المعلومات عقد جلسات استماع أكثر تمثيلا في عملية إعداد القانون. وربما يساعد اللجنة في ذلك حصولها على التعاون من قبل منظمات المجتمع المدني والنقابات والأكاديميين، وهو يعزز توجه المجلس الأعلى للإعلام ﻹظهار دوره بشكل مستقل عن السلطة التنفيذية.

بينما يواجه الخيار الثالث صعوبات في مدى فعالية المجتمع المدني لعقد حوار موسع حول القانون، وكذلك مدى استعداد نواب البرلمان لتبني مشروع قانون من خارج الأطر الرسمية. ويمكن لهذا الخيار أن يتحقق حتى لو بشكل جزئي في حال نجاح منظمات المجتمع المدني في عقد جلسات نقاش وإدخال تعديلات على المسودة الحالية، يمكن تقديمها للجنة المعنية بغض النظر عن إمكانية تبني نواب بالبرلمان له.

 

توصيات:

  • على المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام توسيع عضوية لجنة إعداد قانون تداول المعلومات بحيث تضم ممثلين عن مجلس نقابة الصحفيين ومنظمات المجتمع المدني واﻷكاديميين ورجال الأعمال وخبراء.
  • على لجنة إعداد قانون تداول المعلومات عقد عدة جلسات استماع معلنة تشمل فئات بينها منظمات المجتمع المدني، الأكاديميين، الباحثين، الصحفيين، التكنوقراط الذين عملوا على مسودات سابقة، وممثلي اﻷحزاب السياسية.
  • على لجنة إعداد قانون تداول المعلومات إطلاق موقع إلكتروني يتيح مسودة قانون تداول المعلومات ومحاضر اجتماعات اللجنة وأي جلسات تقوم بها للحوار حول القانون.  
  • يجب أن تقوم منظمات المجتمع المدني بتنظيم مناقشة حول قانون تداول المعلومات وتقديم مقترحاتها إلى اللجنة المعنية ونواب البرلمان.
  • على المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ومجلس الوزراء ومجلس النواب الالتزام بحماية حرية تداول المعلومات وفق مواد الدستور المصري والمعايير الدولية ذات الصلة.


خاتمة

تؤدي مشاركة المجتمع المدني والفئات التي يتأثر عملها بتداول المعلومات في مناقشة مشروع قانون تداول المعلومات إلى ضمان وجود آراء متعددة وخبرات مختلفة. ويساعد ذلك لجنة إعداد قانون تداول المعلومات على الخروج بمشروع قانون يضيق من مساحة الاستثناءات الواردة على الحق في المعلومات من جانب، ويحظى بدعم مجتمعي من جانب آخر. هناك أولوية كبيرة لتعديل مسار عملية إعداد القانون واعتماد آلية جلسات الاستماع فورا. ويبقى أمام المجتمع المدني تحديا كبيرا في العمل مع فئات متنوعة ونواب البرلمان، لتجنب تهميش اﻷصوات المدافعة عن حرية تداول المعلومات.

 

ملحقات

مسودة مركز المعلومات لقانون تداول المعلومات

مسودة منظمات المجتمع المدني لقانون تداول المعلومات

مسودة وزارة العدل الأولى لقانون تداول المعلومات

مسودة وزارة العدل الثانية لقانون تداول المعلومات

مسودة وزارة الاتصالات لقانون تداول المعلومات

مسودة نائب مجلس النواب السابق طلعت السادات لقانون تداول المعلومات

مسودة اللجنة الحالية لإعداد قانون تداول المعلومات

للاطلاع على الورقة بصيغة PDF اضغط هنا

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

Subscribe To AFTE Email List
No Thanks
Thanks for signing up.
We respect your privacy. Your information is safe and will never be shared.
Don't miss out. Subscribe today.
×
×

WordPress Popup Plugin