النقد الممنوع.. هل يستحق ميدو المحاسبة والعقاب؟

تاريخ النشر : الإثنين, 15 أغسطس, 2022
Facebook
Twitter

النقد الممنوع.. هل يستحق ميدو المحاسبة والعقاب؟

(ورقة موقف)

 

إعداد: مصطفى الأعصر، باحث بوحدة الرصد والتوثيق بمؤسسة حرية الفكر والتعبير

 

محتوى

منهجية

تمهيد

خلفية

هل يستحق ميدو المحاسبة والعقاب؟

الأطباء تسيء إلى حرية التعبير، والدستورية العليا تنتصر لها

خاتمة وتوصيات

 

منهجية

 

اعتمدت الورقة على رصد وتحليل التقارير الإعلامية التي تناولت تصريحات ‏الإعلامي الرياضي ولاعب كرة القدم السابق أحمد حسام (ميدو)، التي اعتبرتها نقابة الأطباء مسيئة إلى الأطباء. كما اعتمدت الورقة على تحليل أحكام المحكمة الدستورية العليا في مصر من حيث تفسير الحق في حرية التعبير.

تمهيد

تابعت مؤسسة حرية الفكر والتعبير عن كثب ردود الأفعال الناتجة من ‏انتشار مقطع فيديو مصور بثه الإعلامي الرياضي ولاعب كرة القدم السابق أحمد حسام “ميدو”، والذي انتقد من خلاله المنظومة الصحية في مصر بلهجة حادة، بناءً على تجربته الشخصية مع أحد المستشفيات الخاصة، الأمر الذي أغضب كثيرًا من الأطباء ما دفع النقابة العامة للأطباء إلى التحرك قضائيًّا ضد ميدو بتقديم بلاغ إلى النائب العام.

وإذ تؤكد مؤسسة حرية الفكر والتعبير على دعمها الكامل لحق المواطنين في التعبير عن ‏آرائهم وانتقاداتهم بحرية عبر الوسائط الرقمية، ولا سيما انتقاد القائمين على تقديم الخدمة العامة، فإنها تطالب السيد المستشار النائب العام حمادة الصاوي، بحفظ البلاغات التي تقدمت بها نقابة الأطباء ضد ميدو، خصوصًا أن خطابه لم يحمل أي تحريض على العنف ضد الأطباء.

كما تدعو المؤسسة النقابة العامة للأطباء إلى التوقف عن التورط في صراعات تسيء إلى حرية التعبير وتنحاز إلى الإجراءات العقابية والحلول الأمنية بغية ترهيب المواطنين من توجيه النقد إلى الأطباء.

 

خلفية

 

بثّ الإعلامي الرياضي ولاعب كرة القدم السابق، أحمد حسام (ميدو)، في 14 يوليو 2022، مقطعًا مصورًا عبر صفحته الرسمية على موقع إنستجرام بعنوان: “القطاع الطبي في مصر في البقلاوة[1]” ينتقد من خلاله بعض مشكلات المنظومة الصحية في مصر، والتقصير في حق المرضى خصوصًا في أوقات الأعياد والإجازات الرسمية. وذلك بناءً على تجربته الشخصية مع المستشفيات الخاصة، حيث وصف المنظومة الصحية في مصر بـ”المهزلة”، وأن المستشفيات ترفض قبول بعض الحالات الطارئة بدون إبداء أسباب، ولا يوجد أطباء كِبار لاستقبال المرضى في فترات الأعياد والإجازات، وأن “معظم الأطباء معندهمش ضمير”، وذلك بسبب رفض أحد المستشفيات استقبال والد زوجته، المريض بالسرطان، بسبب حصول الأطباء على إجازة عيد الأضحى .

‏بعد انتشار الفيديو بشكل واسع، تقدم نقيب الأطباء، د. حسين خيري[2]، ممثلًا عن النقابة العامة للأطباء، في 16 يوليو 2022 ببلاغ إلى النائب العام حمل رقم 176772 ‏عرائض النائب العام، وجه فيه إلى ميدو اتهامات، من بينها: توجيه عبارات السب والقذف إلى جموع أطباء مصر، ومهاجمتهم بسيل من الاتهامات بالإهمال والتقصير وانعدام الضمير، من خلال سرد وقائع مرسلة تستهدف تحريض المجتمع المصري على الأطباء، بالإضافة إلى إهانة مؤسسات الدولة، وتكدير السلم العام والإضرار بالمصلحة العامة، وطالب خيري بالتحقيق مع ميدو فيما نُسب إليه من وقائع يعاقب عليها القانون.

وتبعت النقابة الفرعية لأطباء القاهرة[3]، نفس خطوات النقابة العامة، حيث تقدمت د. شيرين غالب، نقيب أطباء القاهرة، في 17 يوليو 2022، ببلاغ رقم 177146 ‏عرائض النائب العام ضد لاعب الكرة السابق، واتهمته بنفس الاتهامات السابقة، وبتأليب الرأي العام ضد الأطباء، والإساءة إلى سمعة مصر ومؤسساتها الطبية ما يؤثر بالضرر على السياحة العلاجية في مصر. وطالبت غالب بتطبيق القانون وإقرار العدالة الناجزة في وقائع التعدي اللفظي على الأطباء.

 

هل يستحق ميدو المحاسبة والعقاب؟

 

يعد الحق في حرية الفكر والتعبير ضمانة لازمة لأي مناخ صحي وضرورة لا بد منها للوقوف على المشكلات في أية مؤسسة أو منظومة، ولا وجاهة أو منطق يدفع بنقابة الأطباء إلى ملاحقة ميدو قضائيًّا، أو محاولة ترهيبه أو ترهيب المتابعين له من إبداء آرائهم السلبية في أداء المنظومة الصحية في مصر أو أداء بعض المستشفيات أو الأطباء، بناءً على تجاربهم الشخصية.

وإذ تقدّر مؤسسة حرية الفكر والتعبير الجهود التي بذلتها وتبذلها جموع الأطباء وجميع أفراد القطاع الطبي بشكل عام في مواجهة جائحة صحية عالمية خصوصًا ‏في ظل ‏اهتراء المنظومة الصحية بالإضافة إلى نقص الإمكانات الكبير، إلا أن المؤسسة ترى أن الطريق الصحيح للتفاعل مع تصريحات “ميدو” هو الوقوف على النقاط التي انتقدها والرد الموضوعي عليها بدلًا من ملاحقته قضائيًّا، خصوصًا أن الطبيب أحمد حسين، عضو مجلس نقابة الأطباء، في مداخلته مع الإعلامي عمرو أديب[4]، في 17 يوليو 2022، والذي دافع فيها عن قرار النقابة، قد اتفق مع ميدو في كثير من انتقاداته التي تخص اهتراء المنظومة الصحية، كما صرَّح حسين بعد ذلك لموقع المنصة[5] في 23 يوليو 2022، بأننا سنصطدم بكارثة في المنظومة الصحية إذا استمرت سياسات وزارة الصحة التي تدفع الأطباء إلى الاستقالة والانقطاع عن العمل من أجل فصلهم من وظائفهم والتسجيل تحت بند طبيب حر، وأشار إلى زيادة معدلات استقالة الأطباء وعزوفهم عن العمل داخل مصر، ليرتفع العدد في العام الماضي إلى 11 استقالة يوميًّا، وعدَّد حسين بعض الأزمات التي تواجه الأطباء مثل تدني الأجور، والتعسف الإداري، وعدم الأمان الوظيفي، وضعف الإمكانات، وعدم آدمية أماكن العمل، وتعدد الجهات الرقابية، وغيرها من الأسباب.

وعارض الطبيب خالد أمين، عضو لجنة آداب المهنة بنقابة الأطباء، في مستهل حديثه مع الإعلامية لميس الحديدي[6]، في 18 يوليو 2022، فكرة الحديث علنًا عن المشكلات التي يواجهها المواطنون مع القطاع الطبي، حيث استنكر نشر المواطنين فيديوهات تنتقد الأطباء على مواقع التواصل الاجتماعي، بدلًا من اللجوء مباشرة إلى المؤسسات المعنية المنوط بها التحقيق في تلك المشكلات، خاصة في حالة ما إذا كان ناشر هذا الانتقاد شخصية عامة تمثل قدوة لقطاعات في المجتمع.

وأضاف أمين، أنه يتفق مع ميدو في كثير مما عبر عنه خاصة فيما يتعلق بالمنظومة الصحية وضعف الأجور وهو ما يدفع الأطباء إلى الهجرة.

هذه التصريحات من أعضاء في مجلس نقابة الأطباء تعطي انطباعًا أن الأزمة لم تكن في مضمون تصريحات ميدو، بل إنهم متفقون معه في كثير مما قاله في انتقاد المنظومة الصحية، ولكن المشكلة تتمحور حول الحديث العلني ‏واستخدام الوسائل الرقمية لنشر رأيه إلى الجمهور، الأمر الذي يدفع بآخرين إلى التعبير عن آرائهم أيضًا وانتقاد ما يرونه خطأ أو تقصيرًا، ومن هنا كانت البلاغات التي تقدمت بها النقابة بمثابة إساءة واضحة إلى الحق في حرية الرأي والتعبير.

 

الأطباء تسيء إلى حرية التعبير، والدستورية العليا تنتصر لها

 

أشار محمود عباس، المستشار القانوني لنقابة الأطباء، في البيان الصادر عن النقابة[7]، إلى أن ميدو ارتكب جرائم السب والقذف ونشر أخبارًا كاذبة يعاقب عليها القانون بالحبس والغرامة، حيث بثّ فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي من شأنه الإضرار بالمصلحة العامة وتكدير السلم العام وإهانة مؤسسات الدولة والتحريض ضد جموع الأطباء وإلقاء الرعب بين الناس، وأن هذه الجريمة عقوبتها الحبس والغرامة طبقًا لنصوص المواد 102 مكرر و184 و188 من قانون العقوبات، كما أكد عباس على ثبوت جريمة السب، والتي تعاقب عليها المادة 306، إلى جانب جريمة القذف التي تعاقب عليها المادتان 171 و302 من قانون العقوبات.

تدفعنا هذه التصريحات الصادرة عن عباس، إلى الرجوع إلى ‏حيثيات حكم الدستورية العليا في القضية رقم لسنة 11ق، حيث تضمنت: “ولا يسوغ بحال أن يكون الشطط في بعض الآراء مستوجبًا إعاقة تداولها. وتقتضي الحماية الدستورية لحرية التعبير، بل وغايتها النهائية في مجال انتقاد القائمين بالعمل العام، أن يكون نفاذ الكافة إلى الحقائق المتصلة بالشؤون العامة، وإلى المعلومات الضرورية الكاشفة عنها متاحًا، وألا يُحال بينهم وبينها اتقاءً لشبهة التعريض بالسمعة، ذلك أن ما نضيفه إلى دائرة التعريض بالسمعة – في غير مجالاتها الحقيقة – لتزول عنه الحماية الدستورية، لا بد أن يقتطع من دائرة الحوار المفتوح المكفول بهذه الحماية، ما يخل في النهاية بالحق في تدفق المعلومات، انتقاد الشخصيات العامة بمراجعة سلوكها وتقييمه، وهو حق متفرع من الرقابة الشعبية النابعة من يقظة المواطنين المعنيين بالشؤون العامة الحريصين على متابعة جوانبها السلبية وتقرير موقفهم منها. ومؤدى إنكاره أن حرية النقد لن يزاولها أو يلتمس طرقها إلا أكثر الناس اندفاعًا أو أقواهم عزمًا. وليس أدعى إلى إعاقة الحوار الحر المفتوح من أن يفرض قانون جنائي قيودًا باهظة على الأدلة النافية لتهمة التعريض بالسمعة – في أقوال تضمنها مطبوع – إلى حد يصل إلى إهدار الحق في تقديمها”.

وأضافت المحكمة في حيثيات الحكم أنه: “من الصحيح كذلك أن الطبيعة الزاجرة للعقوبة التي توقعها الدولة على من يخلون بنظامها، لا تقدم ضمانًا كافيًا لصونه، وإن من الخطر فرض قيود ترهق حرية التعبير بما يصد المواطنين من ممارستها، وأن الطريق إلى السلامة القومية إنما يكمن في ضمان الفرص المتكافئة للحوار المفتوح لمواجهة أشكال من المعاناة – متباينة في أبعادها – وتقرير ما يناسبها من الحلول النابعة من الإرادة العامة. ومن ثم كان منطقيًّا، بل وأمرًا محتومًا أن ينحاز الدستور إلى حرية النقاش والحوار في كل أمر يتصل بالشؤون العامة، ولو تضمن انتقادًا حادًّا للقائمين بالعمل العام”.

وإذ تستنكر ‏مؤسسة حرية الفكر والتعبير سلوك النقابة ‏العامة للأطباء في ملاحقة ‏أحد المواطنين قضائيًّا ‏بسبب التعبير عن رأيه، ومطالبات المستشار القانوني بمعاقبة ميدو، فإن المؤسسة تذكّر بأن الأجهزة الأمنية في محاصرتها حرية التعبير لا تفرّق بين أعضاء مجلس النقابة أو الشاكين، حيث عانت النقابة نفسها من الملاحقات الأمنية لأعضائها  بسبب معارضتهم سياسات وزارة الصحة في التعامل مع وباء كورونا[8]. وألقت وزارة الداخلية في حينها القبض على عدد من الأطباء الذين أفصحوا عن معلومات أو نشروا أخبارًا أو آراء شخصية تخالف سياسات الوزارة والحكومة، وتم التحقيق معهم باتهامات نشر أخبار كاذبة وانضمام إلى جماعة إرهابية على ذمة القضية رقم 535 لسنة 2020 حصر أمن دولة، إلى جانب حالات القضية 558 لسنة 2020، والتي أطلق عليها إعلاميًّا “قضية كورونا” لكثرة عدد المدونين الذين شاركوا في الكتابة عن الوباء أو مؤازرة الأطباء.

وكان قد أُلقي القبض على عدد من الأطباء في بداية أزمة وباء كورونا، من بينهم الطبيب أحمد صفوت، عضو مجلس نقابة أطباء القاهرة، بسبب رفضه تصريحات مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، في حينها، والتي اتهم فيها الأطباء بالتقصير وأنهم السبب في ازدياد عدد الوفيات، متجاهلًا عجز الإمكانيات وقلة المستلزمات الطبية.

 

خاتمة وتوصيات

 

تجدد مؤسسة حرية الفكر والتعبير رفضها الكامل ‏لاستغلال قضايا التشهير الجنائي بهدف تقييد حق المواطنين في التعبير عن آرائهم بحريه عبر الوسائط المختلفة. ‏وتطالب النائب العام بحفظ البلاغات المقدمة من ‏النقابة العامة للأطباء ونقابة أطباء القاهرة ‏ضد الإعلامي الرياضي أحمد حسام ميدو، ‏وتحذر المؤسسةُ نقابةَ الأطباء من أن يكون سلوك ملاحقة المواطنين بهدف ترهيبهم من انتقاد الأطباء أو المنظومة الصحية نمطًا اعتياديًّا، باعتباره سلوكًا ‏مسيئًا إلى الحق في حرية التعبير ‏يعزز من القيود المفروضة أصلًا من قبل الأجهزة الأمنية على حق المواطنين في التعبير.

[1] القطاع الصحي في مصر في البقلاوة، حساب الرياضي أحمد حسام ميدو على إنستجرام،  14 يوليو 2022، تاريخ آخر زيارة 1 أغسطس 2022، https://bit.ly/3JrCCHb.

[2] الأطباء تتقدم ببلاغ ضد لاعب كرة قدم سابق، الحساب الرسمي للنقابة العامة للأطباء على فيسبوك، 17 يوليو 2022، تاريخ آخر زيارة، 1 أغسطس 2022، https://bit.ly/3QjXUZn.

[3] أطباء القاهرة تلحق بالعامة، بلاغ جديد ضد لاعب الكرة السابق، حساب النقابة العامة للأطباء على فيسبوك، 18 يوليو 2022، تاريخ آخر زيارة، 1 أغسطس 2022، https://bit.ly/3bqkv7X.

[4] نقاش ساخن بين ميدو وعضو مجلس نقابة الأطباء حول فيديو مستشفيات بلا أطباء في العيد وبلاغ ضد ميدو، قناة برنامج الحكاية مع عمرو أديب على يوتيوب، 17 يوليو 2022، تاريخ آخر زيارة، 1 أغسطس 2022، https://bit.ly/3SsqwRW.

[5] حسن عبد العزيز، نقابي يتهم وزارة الصحة بتطفيش الأطباء، المنصة، 23 يوليو 2022، تاريخ آخر زيارة: 1 أغسطس 2022، https://bit.ly/3cU9cFc.

[6] عضو نقابة الأطباء يرد على ميدو.. ولميس: هُوَّه كل واحد يشتكي ناخده النيابة! قناة برنامج كلمة أخيرة على يوتيوب، 18 يوليو 2022، تاريخ آخر زيارة، 1 أغسطس 2022، https://bit.ly/3Juo75i.

[7] راجع المصدر رقم (2)

[8] الجائحة لا توقف القمع.. كيف تعاملت الدولة مع الإنترنت في ظل كوفيد 19؟ مؤسسة حرية الفكر والتعبير، 30 يونيو 2020، تاريخ آخر زيارة 2 أغسطس 2022، https://bit.ly/3w23FU3.

محتوى الموقع منشور برخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف 4.0