معنية برصد انتهاكات حقوق التعبير في حق الأفراد و المؤسسات.

بحكم قضائي … قراءة في حكم حجب “يوتيوب”

الفصل الثاني: كيف نقرأ الحكم؟

“والمحكمة إذ تقضي بما تقدم تضع أمام بصرها وبصيرتها أن هذا القضاء ليس لمواجهة الظروف الحالة فقط، وإنما ردعًا وتقويمًا وإنذارًا لتلك المواقع ولكل من تسول له نفسه العبث بالمعتقدات والثوابت الدينية والروحية  للشعب المصري _بحجة حرية الفكر والتعبير_ لإثارة البغضاء والكراهية بين أبناء الشعب الواحد لتأليبه على بعضه البعض وتقسيمه إلى أحزاب وشيع متصارعة”

من حيثيات حكم المحكمة الإدارية العليا بخصوص حجب موقع “يوتيوب”

تبرز حيثيات حكم محكمة القضاء الإداري الصادر في فبراير 2013 ومن بعده حيثيات حكم المحكمة الإدارية العليا سعي درجتي التقاضي الحثيث لإيجاد قاعدة قانونية ومبرر مقبول يمكن الاستناد إليهما لإخفاء الدافع الأخلاقي المحافظ الذي هو أصل حكم حجب “يوتيوب” والروابط والمواقع الأخرى التي تقوم بعرض الفيلم المُسيء (غير محددة في حيثيات الحكم).

استخدمت المحكمة نصوصًا قانونية مُلتبسة ومحل جدل مثل المادة 67 من قانون تنظيم الاتصالات المصري. كما استخدمت المحكمة بعضًا من نصوص مواثيق دولية وقعت عليها مصر وأصبحت جزءًا من تشريعاتها الوطنية مثل المادة 19 من العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية مما يعطي طابعًا جماليًّا لحكم ينتهك بشكل واضح حقوقًا محمية بموجب نصوص الدستور المصري.

حاولت المحكمة منذ البداية البحث في كيفية تبرير وضع قيود على حرية التعبير واستطاعت أن تجد ضالتها في المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية _والتي تعتبر من أكثر مواد العهد الدولي محافظة ورجعية_ والتي تجيز للدول فرض قيود على بعض الحقوق والحريات التي يكرس لها العهد شريطة أن تكون هذه القيود “محددة” و”ضرورية” لاحترام الآخرين وسمعتهم أو لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة. ومن هنا أوجدت المحكمة حالة قانونية تتوافر من خلالها قاعدة قانونية تنص على إمكانية لفرض قيد على حرية الاتصال وحرية التعبير، مع وجود حالة ضرورية تستدعي إعمال هذا النص، على أن يكون تطبيق النص بهدف حماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.

اعتمادًا على هذه المقدمات، استندت المحكمة في حيثياتها إلى نص المادة (67) من قانون تنظيم الاتصالات[4]، والتي تعطي للسلطات المختصة في الدولة أن تخضع لإدارتها جميع خدمات وشبكات الاتصالات في حالة حدوث كارثة طبيعية أو بيئية أو في الحالات التي تعلن فيها التعبئة العامة وأية حالات أخرى تتعلق بالأمن القومي. اعتمدت المحكمة على النص رغم أنه يُعالج أوضاعًا استثنائية محددة لم تتوافر من الأصل، كما أنها لا تتعلق بموضوع الدعوى، كما أن النص لم يذكر صراحة إمكانية اتخاذ إجراءات من شأنها فرض قيود على حرية  الاتصال مثل “الحجب” حيث أن مفهوم “إخضاع الاتصالات” غير واضح المدلول. كما أن المحكمة استندت إلى نصوص أخرى من قانون الاتصالات ليس ثمة علاقة بينها وموضوع الدعوى، واكتفت بأن النص يعطي صلاحيات يتعلق بعضها بالأمن القومي، وأن النص بصياغته هذه يعطي للسلطات الحق في اتخاذ إجراءات الحجب.

سعت المحكمة إلى تدعيم نص المادة 67 من خلال محاولة تصوير الواقعة على أنها تتعدى نطاق الحماية المتعلق بحرية التعبير وحرية الاتصال، وأسست المحكمة ذلك على أن الأمر لا يتعلق بحرية التعبير التي تحكمها “نظرية الحرية” والتي تقوم على إطلاق حق الفرد في المعرفة بحسبانه حقًّا طبيعيًّا لا يخضع لرقابة أو قيد من أي نوع، ومن ثم حق الفرد في إنشاء الصحف والقنوات الفضائية دون ترخيص أو تصريح، وإنما يحكمها نظرية “المسئولية الاجتماعية” وهي النظرية التي قامت لتواجه نظرية الحرية والتي تعني _وفقًا للمحكمة_ أن للإعلام المقروء والمرئي والمسموع والرقمي وظيفة اجتماعية فهي حق وواجب ومسئولية في وقت واحد والتزام بالموضوعية وبالمعلومات الصحيحة غير المغلوطة.

وبهذا خلُص الحكم إلى أن كلًّا من المادة 67 من قانون تنظيم الاتصالات والمادة 19 من العهد الدولي تشكل قاعدة قانونية تعطي الحق للسلطات المصرية في اتخاذ إجراءات من شأنها المساس بحرية التعبير “حجب موقع اليوتيوب والروابط المُسيئة” وأن تلك السلطات قد خالفت هذه القاعدة حينما تقاعست عن اتخاذ إجراء كان يجب عليها القيام به (الحجب).

تتمثل أهمية هذا الحكم في أنه يسلك مسلكًا جديدًا بالمخالفة لأحكام الدرجات المختلفة من محاكم القضاء الإداري فيما يتعلق بقضايا الحجب/غلق المواقع. تزايدت أعداد تلك القضايا أخيرًا، خاصة تلك المتعلقة بحجب مواقع التواصل الاجتماعي. وعلى عكس الحكم الذي نحن بصدده الآن، قضت معظم دوائر القضاء الإداري برفض أغلب تلك القضايا، ما يشير إلى خروج حكم المحكمة بغلق “يوتيوب” عن المسلك الذي اعتاد عليه القضاء الإداري. كما أنه وفي وقت لاحق على صدور حكم “يوتيوب”، أصدرت الدائرة الثانية بمحكمة القضاء الإداري[5] في 2015 حكمها برفض دعوى طالبت بحجب موقع “فيسبوك”، وناقش الحكم أهمية مواقع التواصل الاجتماعي وقالت المحكمة: “إن امتناع جهة الإدارة (أي الدولة) عن حجب موقع “فيس بوك” لا يشكل قرارًا سلبيًّا بالمعنى المنصوص عليه في قانون مجلس الدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1972، لتصبح الدعوى مفتقدة إلى قرار إداري يمكن أن يطعن عليه.

وأشارت المحكمة إلى أن الرقابة الذاتية لمستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي تعد أنجع الطرق لعلاج ما يعتري بعض ممارسات مستخدمي تلك المواقع من خروج غير مألوف عن الأمور “ولا تسري هذه الرقابة إلا بالحرية المسئولة التي يتوهج سحرها بالحماية الذاتية درءًا للمتربصين بالحريات العامة”. وأكدت أنه على أجهزة الصحافة والإعلام المرئي والمسموع، واجب أساسي في رفع مستوى الخدمة الإعلامية والتعبير الأكمل عن حاجات الشعب الأساسية والاجتماعية والثقافية بما تحمله من مضمون يؤثر سلبًا وإيجابًا على الإعلام فإذا ما حسنت وسائل التعبير انحاز الفرد إلى أفضلها وأكثرها قدرة على التعبير عنه. وردًّا على ما ارتكبته بعض صفحات “فيسبوك” من مخالفات، أكدت حيثيات الحكم أن الحل لمثل هذه الصفحات يكون بمساءلة أصحابها فقط.

يفتح حكم الإدارية العليا الصادر في مايو 2018 والذي أيَّد حكم محكمة القضاء الإداري الصادر في فبراير 2013 بحجب موقع اليوتيوب لمدة شهر الباب واسعًا أمام محاكم القضاء الإداري للاستناد إلى التفسير الذي ركنت إليه ويُرسخ الاعتياد على إصدار أحكام حجب المواقع، خاصة أن القضاء الإداري يعتمد بشكل كبير على السوابق القضائية. كما أن الحكم يدعم _ولو بشكل نظري_ ممارسة الحجب التي تسلكها السلطات المصرية بشكل مُنتظم خلال العامين السابقين.

ذات صلة

Subscribe To AFTE Email List
No Thanks
Thanks for signing up.
We respect your privacy. Your information is safe and will never be shared.
Don't miss out. Subscribe today.
×
×

WordPress Popup Plugin