معنية برصد انتهاكات حقوق التعبير في حق الأفراد و المؤسسات.

بحكم قضائي … قراءة في حكم حجب “يوتيوب”

الفصل الثالث: مبادئ الحكم.. تطويع للقانون ومعاداة للحرية

أرسى الحكم من خلال حيثياته عدة مبادئ _ربما تكون جديدة على محاكم القضاء الإداري_ وجب الالتفات إليها ونقدها. في النقاط القادمة سوف نتناولها تفصيلًا:

  • الحجب بين اعتبارات الأمن القومي وحرية التعبير

أسست المحكمة الإدارية العليا ومن قبلها محكمة القضاء الإداري الحكم بحجب موقع اليوتيوب والروابط والمواقع التي تعرض الفيلم المُسيء على مزاعم حماية الأمن القومي والسلام الاجتماعي والوحدة الوطنية. واعتبرت المحكمة أن حماية الأمن الاجتماعي مُقدَّم على حرية الرأي والتعبير وهو المصلحة الأولى بالرعاية، وأنه لا مجال للموازنة بين الأمن القومي وأي اعتبارات أخرى، وهنا يجب التوقف عند عدة أمور:

   أولًا: لم تسعَ المحكمة إلى وضع تعريف واضح لمفهوم الأمن القومي والأمن الاجتماعي. وتكمن أهمية وضع هذا التعريف من قبل المحكمة في غياب هكذا تعريفات عن القوانين المصرية ما يجعلها دائمًا مصطلحات فضفاضة وقابلة للتأويل وهو ما يضع على عاتق المحكمة عبء الإيضاح والتحديد كي تدرك جهة الإدارة مدى تقاعسها عن أداء مهامها.

كما أن الخروج على السوابق القضائية لا بد أن يكون مبنًّا على نصوص ومفاهيم واضحة، فإذا أرادت المحكمة الإدارية العليا أن تُرسي مبدأً جديدًا يجب عليها  أن تعرض أولًا طبيعة الحق المحمي وكيف وازنت بينه وبين الحقوق الأخرى، وترد على ما انتهت إليه سوابق قضائية قد غلبت حماية الحقوق الدستورية على اعتبارات الأمن القومي، مثلما ورد بحكم محكمة القضاء الإداري في دعوى غلق الفيسبوك، حيث جاء في حيثيات حكمها[6]:

“سلامة الأمن الوطني لا تكون بتقطيع أوصال المجتمع وفصله عن بعضه البعض وعزل مواطنيه في جزر متباعدة، وأن الأمن يعني التواصل والتشاور والحوار، ولا يملك أحد في مجتمع ديمقراطي أن يدعي الحق الحصري في صيانة أمن المجتمع، الذي يحافظ عليه جموع المجتمع بالتواصل والتشاور والتحاور. كما أن سلامة الأمن الوطني للبلاد لا يحققه إلا تعبير السلطة الحاكمة الصادق عن آمال وطموحات الشعب وفقًا للعقد الاجتماعي الذي قام النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي على دعائمه، وكذا احترام حقوق المواطنين وحرياتهم وأنه قد بات واجبًا على الدولة توفير بيئة ثقافية ومعرفية تضمن تبادل المعلومات والمعارف بشتى صورها وأنواعها دون حجب أو منع أو قطع لوسائل الاتصالات المؤدية لذلك، وأولى تلك الوسائل بلا شك مواقع التواصل الاجتماعي، ومن بينها فيس بوكالذي يتضمن العديد من الصفحات التي تساهم في إرساء روح المعرفة وتبادل المعلومات في شتى مناحي الحياة“.

إلا أن المحكمة الإدارية العليا هنا اكتفت بإيراد عبارات إنشائية وأدبية مثل: “عرض الفيلم المُسيء على موقع اليوتيوب وغيره من المواقع الإلكترونية على شبكة الإنترنت كان له أبلغ الأثر على الأمن القومي الداخلي حيث انتهز بعض أعداء الوطن من مثيري الفتن عرض هذا الفيلم المُسيء باتخاذه وسيلة لتغذية الطائفية البغيضة بقصد تأليب المواطنين على بعضهم البعض وضرب الوحدة الوطنية في مقتل للنيل من وحدة وسلامة الوطن ومواطنيه، كما اجتاحت التظاهرات وأعمال العنف الكثير من أرجاء البلاد تنديدًا بهذا الفيلم المُسيء الذي أهان المقدسات الإسلامية فألهب مشاعر المصريين مسلمين ومسيحيين، الأمر الذي أدى إلى حدوث اشتباكات بين متظاهرين وقوات الأمن أسفرت عن إصابات في الجانبين“.

   ثانيًا: في معرض حديثها عن أهمية الأمن القومي لم تحاول المحكمة أن توازن بين التعارض القائم بين ما أسمته اعتبارات الأمن القومي والحقوق الدستورية التي سوف تُنتقص نتيجة لاتخاذ إجراءات الحجب. غلبت المحكمة وبشكل مفرط الأولى دون توضيح للمعايير والأسس القانونية التي بنت عليها عقيدتها تلك. قالت المحكمة:

   “وإزاء كل ما تقدم كان يتعين على الدولة ممثلة في الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أن تسارع بحجب هذا الفيلم المسيء فورًا من موقع اليوتيوب وكافة المواقع الإلكترونية، وإذا لم يكن هذا في استطاعتها حسبما أفاد به الجهاز المذكور بتقرير طعنه، فكان عليها أن تقوم بحجب موقع اليوتيوب كاملًاً وكل موقع يمكن من خلاله الوصول لهذا الفيلم المُسيء لتحقق الأمن والسلام الاجتماعي بين شعبها ولتنذر تلك المواقع بأن أولويتها الأولى هي سلامة شعبها ومعتقداته حتى وإن اقتضى ذلك ليس الإغلاق لفترة مؤقتة وإنما لأجل غير مسمى“.

يظهر الحكم عدم رغبة المحكمة في التنقيب عن إمكانيات لإيجاد حلول قد توازن بين هذه الاعتبارات المتعارضة أو تعمل على فك الاشتباك بينها. جاء موقف المحكمة على عكس محاولة هيئة مفوضي الدولة لإعمال التوازن بين هذه الاعتبارات والتي ذكرت في تقريرها الذي وضعته بين أيدي هيئة المحكمة كرأي قانوني مُفصل في موضوع الدعوى:

“إننا في مجال الموازنة بين الأمرين نجد أن مفسدة غلق اليوتيوب بالكلية من شأنه أن ينال من حرية الفكر والتعبير بالإضافة إلى المساس بالخدمات التي يقدمها اليوتيوب وتخدم المجالات الأخرى والتي من بينها نشر تعاليم الإسلام السمحة بالإضافة إلى ما يترتب على حجب المواقع بالكلية من أضرار مادية جسيمة قد تصل إلى خسائر مئات الملايين من الجنيهات وفقًاً لما ذكرته الجهة الإدارية“.

– الحكم أخطأ في تفسير وتطبيق القانون

كما أشرنا آنفًا، اعتمدت الأحكام الصادرة في دعوى غلق اليوتيوب على نصوص قانون تنظيم الاتصالات المصري والمادة 19 من العهد الدولي. إلا أن الباحث يرى أن المحكمة أخطأت في تفسير وتطبيق النصوص السابق ذكرها على النحو التالي:

لم تتضمن أحكام قانون تنظيم الاتصالات المصري نصوصًا تتحدث بشكل صريح عن حجب المواقع الإلكترونية كونها _مثل غالبية التشريعات المصرية_ تتسم بغياب المحددات والمقاصد، إلى جانب عدم توافر المرفقات الأساسية المُتعلقة بالتشريع من مذكرات ونقاشات ومسودات أولية تمكن المهتم من الوصول إلى غاية المشرع. أدى ذلك كله إلى الوصول إلى تقديرات وتفسيرات مختلفة للنصوص القانونية ما مكَّن السلطات في غالب الأحيان من استغلال ذلك الأمر واتخاذ إجراءات يشوبها عدم المشروعية، كما اعتمدت عليها بعض المحاكم في أحيان أخرى لإصدار أحكام تعبر عن توجهها المحافظ.

لم تكن رؤية محاكم القضاء الإداري لنصوص قانون تنظيم الاتصالات مُتقاربة، ودائمًا ما اختلفت الرؤى فيما يتعلق بنصوص الباب السادس والمعنون بــ”الأمن القومي والتعبئة العامة” وخاصة المادتين 67 و64، نظرًا إلى الصياغات المبهمة، القابلة للتأويل للنصوص المذكورة. وقد اعتمدت محكمة القضاء الإداري والمحكمة الإدارية العليا على تأسيس حكميهما لإلزام السلطات _الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في هذه الحالة_ لاتخاذ إجراءات الحجب  بموجب نص المادة 67، حيث رأت المحكمتان أن الأساس القانوني للحجب يجد محله في نص هذه المادة.

التدقيق في نصوص قانون تنظيم الاتصالات يبرز أن نصوص القانون لم تحوِ كلمة الحجب في أيٍّ من نصوصه. وهو ما اتفقت معه محكمة القضاء الإداري عندما قالت في إحدى الدعاوى التي طالبت بحجب أحد المواقع في عام 2006[7]: “ومن حيث إنه بمراجعة التشريعات المصرية المتعلقة بتنظيم الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات (ومنها القرار الجمهوري رقم 379 لسنة 1999 بتنظيم وزارة الاتصالات والقانون رقم 10 لسنة 2003 بتنظيم الاتصالات والقانون رقم 15 لسنة 2004 بتنظيم التوقيع الإلكتروني وإنشاء هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات) يبيِّن أنها لم تحدد الحالات التي تستدعي حجب المواقع الإلكترونية والسلطة المختصة بذلك، كما لم تتضمن هذه التشريعات ثمة نصوص تجيز للأجهزة الحكومية تقرير حظر أو حجب المواقع الإلكترونية من الظهور على شبكة الإنترنت بصفة عامة أو من الظهور لمستخدمي الشبكة داخل مصر بصفة خاصة“.

وهو ما أكدته المحكمة الإدارية العليا في حكم حجب اليوتيوب حيث ذهبت إلى: “إن التشريعات المصرية بما فيها قانون تنظيم الاتصالات لم تحدد الحالات التي تستدعي حجب المواقع الإلكترونية” إلا أنها أضافت: “إلا أن ذلك لا يخل بحق الأجهزة الحكومية والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في حجب بعض المواقع على الشبكة الدولية للإنترنت حينما يكون هناك مساس بالأمن القومي أو المصالح العليا للدولة وذلك بما لتلك الأجهزة من سلطة في مجال الضبط الإداري لحماية النظام العام بمفهومه المثلث، الأمن العام والصحة العامة والسكينة العامة للمواطنين تحت رقابة القضاء”.

أما فيما يتعلق بالاعتماد على ما ورد بالفقرة الثانية من المادة 19 من العهد الدولي فإن الحكم قد استخدم النص بشكل سطحي ولم يبحث في المقصد من ورائه، وكذلك لم تُعمل المحكمة الضوابط المتعلقة بتنفيذ الفقرة الثانية من النص المُشار إليه والتي وردت بتعليق اللجنة المعنية بحقوق الإنسان[8] بما يتعلق بضوابط تطبيق المادة 19 وخاصة الفقرة الثانية التي تنظم القيود الواردة على حرية التعبير.

تنص الفقرة 3 صراحةً على أن ممارسة الحق في حرية التعبير تستتبع واجبات ومسؤوليات خاصة. ولهذا السبب، يسمح بمجالين حصريين من القيود المفروضة على الحق يتعلقان، إما باحترام حقوق الآخرين وإما سمعتهم، أو حماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة. بيد أنه عندما تفرض دولة طرف قيودًا على ممارسة حرية التعبير، لا يجوز أن تعرِّض هذه القيود الحق نفسه للخطر. وتشير اللجنة إلى أنه يجب ألا تنقلب العلاقة بين الحق والقيد وبين القاعدة والاستثناء. وتشير اللجنة أيضًا إلى أحكام الفقرة 1 من المادة 5 من العهد التي تنص على أنه “ليس في هذا العهد أي حكم يجوز تأويله على أنه يفيد انطواءه على حق لأي دولة أو جماعة أو شخص بمباشرة أي نشاط أو القيام بأي عمل يهدف إلى إهدار أي من الحقوق أو الحريات المعترف بها في هذا العهد أو إلى فرض قيود عليها أوسع من تلك المنصوص عليها فيه”.

وتنص الفقرة 3 على شروط محددة، ولا تجيز فرض قيود إلا إذا كانت تخضع لهذه الشروط: فيجب أن تكون “محددة بنص القانون” وألا تُفرَض إلا لأحد الأسباب الواردة في الفقرتين (أ) و(ب) من الفقرة 3، وأن تكون متلائمة مع اختبارات صارمة تتعلق بالضرورة والتناسب (2). ولا يجوز فرض قيود على أسس غير الأسس المحددة في الفقرة 3، حتى وإن كانت هذه الأسس تبرر فرض القيود على حقوق أخرى تخضع لحماية العهد. ولا يجوز تطبيق القيود إلا للأغراض التي وضعت من أجلها كما يجب أن تتعلق مباشرة بالغرض المحدد الذي تأسست عليه.

   وقد وضعت اللجنة شروطًا مُحددة لإعمال القيود الواردة بالفقرة الثالثة من المادة 19 من العهد الدولي:

  • يجب أن تكون القيود محددة بنص القانون “ضرورة وجود قاعدة قانونية ونظرًا إلى أن أي تقييد لحرية التعبير يشكل انتقاصًا خطيرًا من حقوق الإنسان، فإن تكريس التقييد في القوانين التقليدية أو الدينية أو غيرها من القوانين العرفية يتنافى مع العهد.
  • ولأغراض الفقرة الثالثة، يجب أن تصاغ القاعدة التي ستعتبر بمثابة “قانون” بدقة كافية لكي يتسنى للفرد ضبط سلوكه وفقًا لها ويجب إتاحتها لعامة الجمهور. ولا يجوز أن يمنح القانون الأشخاص المسؤولين عن تنفيذه سلطة تقديرية مطلقة في تقييد حرية التعبير. ويجب أن ينص القانون على توجيهات كافية للمكلفين بتنفيذه لتمكينهم من التحقق على النحو المناسب من أنواع التعبير التي تخضع للتقييد وتلك التي لا تخضع لهذا التقييد.
  • ويجب أن تكون القوانين المقيِّدة للحقوق الواردة في الفقرة الثانية من المادة 19، بما في ذلك القوانين المشار إليها، ليس فقط متلائمة مع الشروط الصارمة للفقرة 3 من المادة 19 من العهد، بل يجب أن تكون هي نفسها أيضًا متلائمة مع أحكام العهد وأهدافه وأغراضه.
  • ويقع على عاتق الدولة الطرف بيان الأساس القانوني لأي قيود مفروضة على حرية التعبير.
  • ويجـب ألا تكون القيود المفروضة مفرطة. وقد لاحظت اللجنة في التعليق العام رقم 27 أن “التدابير التقييدية يجب أن تتمشى مع مبدأ التناسب، ويجب أن تكون مناسبة لتحقيق وظيفتها الحمائية، ويجب أن تكون أقل الوسائل تدخلًا مقارنة بغيرها من الوسائل التي يمكن أن تحقق النتيجة المنشودة، ويجب أن تكون متناسبة مع المصلحـة الـتي ستحميها.. ولا بد من احترام مبدأ التناسب، لا في القانون الذي يحدد إطار القيود وحده، بل أيضًا في تطبيقه من جانب السلطات الإدارية والقضائية. ويجب أيضًا أن يراعي مبدأ التناسب شكل التعبير موضع النظر فضلًا عن وسائل نشره. وعلى سبيل المثال، يولي العهد أهمية بالغة بشكل استثنائي للتعبير الحر في حالات النقاش العام الذي يتناول في مجتمعٍ ديمقراطي شخصيات موجودة في المجال العام والسياسي.
  • وعندما تحتج دولة طرف بأساس مشروع لفرض قيود على حرية التعبير، فإن عليها أن تثبت بطريقة محددة وخاصة بكل حالة على حدة الطبيعة المحددة للتهديد، وضرورة الإجراء المعين المتخذ ومدى تناسبه، ولا سيما بإقامة صلة مباشرة وواضحة بين التعبير والتهديد.

وقد ذيلت اللجنة تقريرها بتعقيب يتعلق بالممارسات المتعلقة بفرض قيود على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي حيث أوصت بأنه “ولا ينبغي أن يسمح بفرض أي قيود على تشغيل المواقع الشبكية أو المدونات الشبكية أو غيرها من نظم نشر المعلومات عن طريق الإنترنت أو الوسائل الإلكترونية أو أي وسائل أخرى، بما في ذلك نظم دعم هذا الاتصال، كموردي خدمة الإنترنت أو محركات البحث، إلا في الحدود التي تكون متماشية مع الفقرة وينبغي بوجه عام أن تكون القيود المسموح بها خاصة بالمحتوى، ويتنافى فرض حظر عام على تشغيل بعض المواقع والأنظمة مع الفقرة الثانية ويتعارض أيضًا مع الفقرة الثانية منع موقع أو نظم لنشر المعلومات من نشر مواد معينة لسبب لا يزيد عن كونها تنتقد الحكومة أو النظم الاجتماعية والسياسية التي تتبناها الحكومة.[9]

وبمطالعة ما جاء بحيثيات كلٍّ من حكم محكمة القضاء الإداري والمحكمة الإدارية العليا المتعلق بحجب موقع اليوتيوب نجد أن كلًّا من الحكمين لم يُعملا ضوابط تطبيق الفقرة الثانية من المادة 19 من العهد الدولي، بل إن تطبيق هذه المعايير يستلزم بدايةً وجود  نص قانوني داخلي (تشريع محلي) يُعطي الحق لجهة الإدارة باتخاذ إجراءات الحجب وهو ما أقرت المحكمة الإدارية العليا بعدم وجوده وهو ما يعني عدم جواز استدعاء نص الفقرة الثانية من المادة 19 وتطبيقها للنص دون إعمال ضوابطه.

– الحكم أيد صحة إجراءات قطع الاتصالات إبان ثورة يناير

حكم حجب “يوتيوب” لم ينطلق من مجرد وقائع مرتبطة بعرض أحد المقاطع التي قد يختلف البعض على طريقة التعامل معها أو يختلف مع طُرق مواجهتها، بل إن المحكمة سعت إلى محو كافة آثار الأحكام التي صدرت في الفترة الأخيرة المرتبطة بموضوع الاتصالات. فالأحكام التي صدرت في وقائع تتعلق باستخدام وسائل الرقابة أو المراقبة على وسائل الاتصال تم إبطال مفعولها، فالحكم يربط بين وقائع مختلفة لا يوجد بينها ثمة رابط سوى إساءة السلطات لاستخدام مواد ونصوص قانون تنظيم الاتصال، وقد حاولت المحكمة التأكيد على ذلك في مواضع مختلفة، حيث جاء في حيثيات الحكم:

   “دون أن ينال من ذلك ما ذكره الجهاز الطاعن من أن حجب موقع اليوتيوب يرتب خسائر تتجاوز مئات الملايين من الجنيهات، إذ إن ذلك مردود بأن حماية المجتمع المصري من الفتن والاضطرابات وحماية معتقداته وثوابته الدينية مقدم على أي اعتبار مادي آخر، خاصة وأن الدولة المصرية حينما استشعرت أن هناك ما يمكن أن يهدد الأمن القومي وذلك في ظل ظروف أخرى لم تدخر جهدًاً نحو قطع الاتصالات وإغلاق شبكة الإنترنت بكل ما تحويه من مواقع وإيقاف بث القنوات الفضائية، ودون أن تعبأ بأضرار مادية، إذ إن أمن المواطن والوطن مقدم على أي اعتبار آخر، فهو الأولوية  الأولى والأهم للدولة الحديثة“.

بعيدًا عن فساد المنطق الذي استخدمه الحكم، إلا أن وقائع الدعويين _المقصود هنا دعوى قطع الاتصالات ودعوى حجب موقع يوتيوب_ شديدتي الاختلاف فعملية قطع الاتصالات ناجمة عن رغبة سياسية واضحة لدى مُصدر القرار أما دعوى اليوتيوب فإن المحكمة تبني حكمها بالكامل على تقاعس جهة الإدارة عن حجب الموقع، الموقف بأكمله شديد الاختلاف ويثير القلق، لماذا تدعو المحكمة الجهة الإدارية لاتخاذ هذا المسلك، ولم القياس على موقف الجهة الإدارية في أمر قطع الاتصالات.

   الأمر قد يجده البعض غير مُرتبط وأنها صدفة غير ذات أهمية، ولكن مع بعض البحث نجد أن الدائرة مُصدرة حكم قطع اليوتيوب هي ذات الدائرة التي أصدرت حكمًا في 24 مارس 2018 بإلغاء حكم بطلان قرار قطع الاتصالات إبان ثورة يناير، وكان من المنطقي أن تُصدر الحكم بقطع اليوتيوب حتى لا يحمل تطبيقها للنصوص تناقضًا بيِّنًا، وربما للتأكيد على موقفها من دور أو سلطة جهة الإدارة في اتخاذ إجراءات الرقابة، وربما لمحو كافة آثار المبادئ التي أرستها محاكم القضاء الإداري في أكثر من موضع في تحديد سلطة جهة الإدارة لفرض رقابة على الاتصالات.

ومن أهم الآثار التي عمل الحكم على محوها محاولة تعريف محكمة القضاء الإداري مفهوم الأمن القومي أثناء نظر دعوى قطع الاتصالات أثناء أحداث يناير 2011 حيث ذهبت المحكمة في وضعها لمفهوم الأمن القومي إلى أنه:

   “ليس تعبيرًا فضفاضًا أو مطاطًا أو متسعًا لتأويلات وتفسيرات السلطات الإدارية، وإنما هو ذو مفهوم محدد ومدلول قاطع لا يتسع  للامتداد لغيره من المصطلحات، فالأمن القومي هو قدرة الدولة على حماية أراضيها وقيمها الأساسية والجوهرية من التهديدات الخارجية وبخاصة العسكرية منها، انطلاقًا من أن تأمين أراضي الدولة ضد العدوان الأجنبي وحماية مواطنيها ضد محاولات إيقاع الضرر بهم وبممتلكاتهم ومعتقداتهم وقيمهم هو دافع الولاء الذي يمنحه الشعب للدولة بالعقد الاجتماعي المُبرم معه“.

وتزيَّدت المحكمة فأوضحت الأبعاد المختلفة لمصطلح الأمن القومي حيث ذهبت المحكمة إلى: ومع تطور مفهوم قدرة الدولة اتسع مفهوم الأمن القومي إلى القدرة الشاملة للدولة والمؤثرة على حماية قيمها ومصالحها من التهديدات الخارجية والداخلية، لذلك كان للأمن القومي أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية وأيدلوجبة وجغرافية“.

واستطردت المحكمة في شرح هذه الأبعاد من حيث التعريف ونطاق إعمال المفهوم، وانتهت إلى:

   “في ضوء ما تقدم جميعه فإن مشروعية قرار قطع خدمات الاتصال وخدمات الإنترنت لا تقوم إلا بتوفر حالة من حالات المساس بمفهوم الأمن القومي بالمعني المتقدم بيانه. وحيث أن الثابت من الأوراق أن قرار قطع الاتصالات وخدمات الإنترنت لم يبغيا تحقيق البعد السياسي الداخلي أو الخارجي للأمن القومي، كما أن الُبعد الاقتصادي الذي يعني تنمية واستخدام كافة موارد الدولة لتحقيق أهدافها السياسية والبعد الاجتماعي باستهداف حماية العدالة الاجتماعية وتقليل الفوارق بين الطبقات وتطوير الخدمات وإزالة الظلم الاجتماعي.. كما لم يستهدف القرار المذكور حماية البُعد العسكري للأمن القومي بتحقيق مطالب الدفاع والأمن والهيبة الإقليمية من خلال بناء قوة عسكرية قادرة على تلبية احتجاجات التوازن الإستراتيجي العسكري والردع الدفاعي على المستوى الإقليمي لحماية الدولة من العدوان الخارجي.. وكذلك لم يصدر القرار المشار إليه بغاية حماية البُعد الأيدلوجي للأمن القومي لمواجهة أي تهديدات أمنية خارجية أو داخلية، ومن ثم جاء سبب القرار الطعون فيه الظاهر والمُعلن والمتدثر بعباءة مقتضيات الأمن القومي عاريًا من الصحة.”[10]

ونظرًا إلى أن حكم قطع الاتصالات يعتبر من الأحكام النادرة التي تطرق من خلالها القضاء إلى محاولة تعريف مفهوم الأمن القومي وأبعاده، فكان لزامًا على المحكمة الإدارية العليا أن تُعيد تعريف الأمن القومي من منظور يمكن من خلاله فهم ممارسة حجب خدمات الاتصال، إلا أن حكم الإدارية العليا بحجب اليوتيوب قد اكتفى بإلغاء آثار حكم قطع الاتصال ومن ضمنها تعريف الأمن القومي دون وجود إضافة تذكر، بل دون بذل أي مجهود في نقد التعريف الذي انتهت إليه محكمة القضاء الإداري في وقت سابق.

  • محكمة القضاء الإداري تناقض نفسها

يطرح حكم غلق اليوتيوب أسئلة تتعلق بكيفية تنفيذ الحكم، وهي الأسئلة التي طرحت مرارًا وتكرارًا خلال المراحل المختلفة لنظر الدعوى. ففي عام 2013، بعد صدور حكم محكمة القضاء الإداري، قام الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بتقديم استشكال على الحكم مبديًا ملاحظات تتعلق بكيفية تطبيق الحكم حيث أشار إلى ذلك في طعنه المقدم إلى المحكمة الإدارية العليا:

الخطأ في تطبيق القانون لتكليف الجهاز بأمور فنية يستحيل عليه القيام بها حيث أن الموقع المحكوم بغلقه مسجل خارج جمهورية مصر العربية وتابع لدولة الولايات المتحدة الأمريكية والتي تملك وحدها غلقه  سواء من تلقاء نفسها أو بموجب حكم قضائي أمريكي ويتم بثه من عدة دول أجنبية باستخدام تقنيات الحوسبة السحابية التي توزع المحتوى في عدة مواقع لضمان كفاءة توصيلها بحيث يستمر البث حتى لو توقفت بعض تلك المواقع سواء بالأعطال أو الحجب وبالتالي ليس في إمكان الحكومة المصرية تنفيذ الحكم المُشار إليه وإن ما يمكن اتخاذه هو حجب رابط الفيلم المُسيء داخل جمهورية مصر العربية، وهو ما شرع الجهاز في إجراءاته“.

الأمر الغريب أن محكمة القضاء الإداري التي أصدرت حكم أول درجة والتي نظرت الاستشكال على تنفيذ الحكم قد اقتنعت بهذا الدفع وقبلت الاستشكال وأمرت بوقف تنفيذ الحكم في 10 مارس 2013، وقالت في حيثيات حكمها:

إن غلق الموقع في الظروف الحالية التي تمر بها البلاد قد يؤدي إلى فتنة مجتمعية وغضب شعبي ومظاهرات، لما في ذلك من شبهة حجر على حرية الرأي، وأن الموقع المحكوم بحجبه (يوتيوب)، مسجل خارج مصر، وتابع للولايات المتحدة الأمريكية التي تملك وحدها القدرة على غلقه، سواء من تلقاء نفسها أو بموجب حكم قضائي أمريكي، وبالتالي ليس في الإمكان إعمال مقتضى الحكم خارج حدود مصر، وما يمكن اتخاذه من إجراءات هو حجب رابط الفيلم المسيء داخل مصر“.

إلا أن كل ما ذُكر لا يعني أنه لا يمكن تنفيذ الحكم بحجب موقع “يوتيوب” داخل مصر، بل الخلاف هنا يتعلق بالمنطوق حيث نص الحكم على مصطلح: “غلق الموقع” وليس حجبه وهو الأمر غير منطقي الحدوث ولهذا انصبت ردود الجهاز على عدم إمكانية الغلق خارج جمهورية مصر العربية. إلا أنه بالطبع من الممكن أن يتم حجب الموقع داخل مصر، ويؤكد ذلك ما قام به الجهاز في بداية عام 2013 عندما قام بنشر رابط للإبلاغ عن الروابط التي تقوم بعرض الفيلم. بالإضافة إلى الممارسة الفعلية التي تقوم بها السلطات المصرية منذ شهر مايو 2017 حتى وقتنا هذا حيث حجبت السلطات المصرية ما يزيد على 500 موقع إلكتروني دون إبداء أسباب واضحة ودون وجود إعلان من جانب السلطات المصرية بشكل رسمي.

خاتمة

في ظل محاولات الحكومة الدائمة لفرض رقابة مشددة على مستخدمي الإنترنت وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي سواء من خلال الممارسات الفعلية أو من خلال استحداث قوانين جديدة فإن لحكم غلق موقع “يوتيوب”، والذي صدر عن إحدى المحاكم العليا، أثرًا بالغ السوء حيث يُلغي الخطوات التي قامت بها محاكم القضاء الإداري منذ إقرار قانون تنظيم الاتصالات المصري لغل يد السلطة التنفيذية عن محاولات فرض أدوات الرقابة على الإنترنت وأهمها حجب مواقع الوِب وحجب التطبيقات والخدمات الصوتية وغيرها. كما أن صدور الحكم في ظل الوقت الذي تُناقش فيه القوانين الجديدة المنظمة لعملية الحجب، يعطي رسالة سلبية توحي بتماهي السلطة القضائية مع السلطة التشريعية والتنفيذية في محاولات تضييق نطاق حرية التعبير. ومن جانب آخر، أغلق الحكم الباب أمام القضايا المنظورة أمام محاكم القضاء الإداري حتى الآن والتي تتعلق بالممارسات التي اتخذتها الحكومة المصرية بحجب مواقع الوِب وبعض التطبيقات والخدمات الإلكترونية خلال العامين المنصرمين.

   يعتبر حكم الإدارية العليا الذي نحن ناقشناه أحد الخطوات التي مهدت الطريق أمام القوانين الجديدة التي تمنح الجهات القضائية والسلطة التنفيذية حق حجب المواقع، حيث ناشد الحكم مجلس النواب والحكومة المصرية بسن قوانين تجيز الحجب،

جاء في حيثيات الحكم: وفي هذا المقام فإن المحكمة تهيب بالدولة ومجلس نوابها سن تشريع يمنع ويجرم كل بث أيًّا كانت وسيلته، من شأنه أن ينال من المعتقدات والثوابت الدينية للشعب المصري حفاظًا على السلام الاجتماعي ووحدة النسيج الوطني“. بعد صدور الحكم بأيام أقر مجلس النواب المصري في شهر يونيو من العام الجاري قانون الصحافة والإعلام والذي نظم عملية حجب المواقع والصفحات الإلكترونية حيث أعطى نص المادة  19 من القانون صلاحية للمجلس الأعلى للإعلام باتخاذ إجراءات، منها: حجب المواقع أو المدونات أو الحسابات الشخصية. كما أقر البرلمان في غضون نفس الفترة قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات والذي ينظم ممارسة الحجب بدءًا من اتخاذ القرار مرورًا بتنفيذه وانتهاءً بإجراءات التظلم منه.

للاطلاع على الورقة كاملة بصيغة PDF

[1]  يعني الطعن على القرارات السلبية أن يكون القانون قد فرض على جهة الإدارة/ الحكومة اتخاذ قرارًا معينًا بلا أدنى تقدير لها في هذا الشأن، وأن يثبت بيقين أنه قد طُلب منها اتخاذ القرار الواجب عليها اتخاذه، وأنها امتنعت عن تنفيذ حكم القانون، والتزمت السلبية ولم تنهض لاتخاذ القرار الذي فرض المشرع عليها اتخاذه، وعندئذ يكون تخلفها عنه بمثابة امتناع عن أداء هذا الواجب بما يشكل قرارًا سلبيًّا يجوز الطعن عليه بدعوى الإلغاء. وبمعنى آخر يجب ثبوت أن صاحب الشأن قد استنهض جهة الإدارة بطلب إصدار القرار الذي أوجبت عليه القوانين واللوائح اتخاذه، وأن يكون قد توافرت فيه الشروط والضوابط التي استلزمها القانون وأوجب توافرها على جهة الإدارة التدخل بقرار لإحداث الأثر الذي رتبه القانون وأن تكون جهة الإدارة قد امتنعت أو قعدت عن اتخاذ ذلك القرار.

 [2] رابط للإبلاغ عن الفيلم المسيء إلى الرسول   https://bit.ly/2tSlfJd

[3] يقصد بالطعنين الطعون المقدمة من كل من مؤسسة حرية الفكر والتعبير والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات على حكم محكمة القضاء الإداري .

[4] المادة 67 من القانون رقم 10 لسنة 2003 بشأن تنظيم الاتصالات "للسلطات المختصة في الدولة أن تخضع لإدارتها جميع خدمات وشبكات اتصالات أي مشغل أو مقدم خدمة وأن تستدعي العاملين لديه القائمين على تشغيل وصيانة تلك الخدمات والشبكات وذلك في حالة حدوث كارثة طبيعية أو بيئية أو في الحالات التي تعلن فيها التعبئة العامة طبقًا لأحكام القانون رقم 87 لسنة 1960 المشار إليه وأية حالات أخرى تتعلق بالأمن القومي".

[5] الدائرة الثانية بمحكمة القضاء الإداري أصبحت مختصة بنظر الدعاوي المتعلقة بالاتصالات و… بدلًا من الدائرة السابعة بداية من……..

[6]  من حيثيات الحكم الصادر في الدعوى رقم 97978 لسنة 68 ق- الصادر عن الدائرة الثانية بمحكمة القضاء الإداري .

[7] الدعوى رقم 34781 لسنة 58 قضاء إداري المقامة من أحمد هريدي بصفته رئيس مجلس إدارة الميثاق العربي "طعنًا على القرار السلبي بحجب موقع الجريدة الإلكتروني".

[8]  اللجنة المعنية بحقوق الإنسان الدورة الثانية بعد المئة - جنيف، 11-29 تموز/يوليو 2011 التعليق العام رقم 34  المادة 19- حرية الرأي وحرية التعبير - يحل هذا التعليق العام محل التعليق العام رقم 10 (الدورة التاسعة عشرة).

[9] البند رقم 43 من تقرير اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في التعليق رقم 34 المُشار إليه سابقًا.

[10] يُراجع في هذا المعنى حيثيات الحكم الصادر في الدعوى رقم 21855 لسنة 65 ق والصادر عن الدائرة السابعة بمحكمة القضاء الإداري.
ذات صلة

Subscribe To AFTE Email List
No Thanks
Thanks for signing up.
We respect your privacy. Your information is safe and will never be shared.
Don't miss out. Subscribe today.
×
×

WordPress Popup Plugin