معنية برصد انتهاكات حقوق التعبير في حق الأفراد و المؤسسات.

بين أيدي الرقيب.. عن قرار وزيرة الثقافة بإنشاء مقرات للرقابة على المصنفات بسبع محافظات

صدى الهجمة داخل وزارة الثقافة

قالت وزيرة الثقافة ايناس عبد الدايم، في مداخلتها الهاتفية[10] مع أحمد موسى خلال برنامج على مسئوليتي، أن مسرحية “سليمان خاطر” لم تحصل على موافقة من الرقابة على المصنفات الفنية سواء أثناء عرضها بمسرح نادي الصيد، أو في عرضها الأول عام 2016 بمهرجان الهواة بالاسكندرية، كما أعلنت تحرك الوزارة السريع من خلال محاضر أجراها مدير التفتيش والرقابة ضد العاملين بالمسرحية ومن سمحوا بعرضها، وعلى الرغم من تأكيدات مخرج العمل بأنه لا يجرؤ على السخرية من تضحيات الجيش، إلا أن عبد الدايم أعلنت رفضها للعرض واتخاذ ما يلزم من إجراءات.

وقبل شهر من موجة الهجوم الجديدة ضد المبدعين، كانت قد تولت إيناس عبد الدايم[11]، في تعديل وزاري محدود، شمل أربع حقائب، مهام منصبها الجديد كوزير للثقافة خلفًا لحلمي النمنم، جاء التغيير الوزاري في ظل انتقادات بالفشل والتراخي تواجهها وزارة الثقافة. وعلى الرغم من الترحيب الشديد بتولي أول سيدة وزارة الثقافة، والآمال التي عقدها المثقفين نحوها خاصة بعد دورها كأحد قادة اعتصام المثقفين في 2013 ضد ما أسموه “أخونة الثقافة”، إلا أن تصريحات عبد الدايم خلال الأزمة التي تعرض لها المبدعون جاءت كاشفة عن اتجاه الوزارة نحو مزيد من التضييق على الإبداع والمبدعين في مصر، خاصة بعد إدانتها للمسرحية والقائمين عليها، وأن قرارها الأول الذي اتخذته في ضوء الأزمة كان بمزيد من الرقابة عن طريق إنشاء مقرات للإدارة المركزية للرقابة على المصنفات بمحافظات مصر.

اللافت أن تحرك وزارة الثقافة ممثلًا في شخص الوزير لتقديم بلاغات ضد المبدعين، جاء بعد ما أعلنه النائب العام في بيانه[12]، حيث أصدر المستشار نبيل صادق، قرارا بمتابعة وضبط وسائل الإعلام التى تبث الأكاذيب والأخبار غير الحقيقية، وأكد البيان اتخاذ كافة الإجراءات القانونية والجنائية ضد وسائل الإعلام المختلفة ومواقع التواصل الاجتماعي التي تبث عمدًا أخبارا وبيانات وشائعات كاذبة من شأنها تكدير الأمن العام، أو إلقاء الرعب فى نفوس أفراد المجتمع، وما يترتب عليه من إلحاق الضرر بالمصلحة العامة للدولة المصرية.

ويمثل هذا التحرك من جانب الوزارة نقطة تحول شديدة الخطورة، استجابت فيها الوزارة لضغط الإعلام الموالي للدولة، واتخذت تحركات سريعة ومرتبكة ضد المبدعين والإبداع، من خلال تصريحات وقرارات، بحيث تحول دورها لجهة رقابة تطارد المبدعين وتحرر بلاغات ضد الخارجين عن الإطار المحدد والمرسوم سلفًا من قبل الدولة، فيما تخلت عن الأدوار الأساسية المنوطة بها في دعم النشاط الثقافي، والمساعدة على خلق بيئة حاضنة ومحفزة للإبداع تدعم الثقافة والمثقفين في مصر.

القرار وما نعرفه عنه

تمثلت إحدى التحركات المرتبكة لوزارة الثقافة في إصدارها قرارا بالتوسع في عدد أفرع الرقابة على المصنفات الفنية، حيث اتخذت قرارها في ضوء الأزمة، وكرد فعل سريع عليها، في محاولة منها لإثبات الحضور القوي لوزارة الثقافة بإدارتها الجديدة، وسمة هذا الحضور أنه يتماشى مع النظام والرئيس، والصورة التي تحاول السلطة الحالية تصديرها عن نفسها للداخل والخارج. وهو ما بدا جليًا في إطار السياق المرتبك الذي صدر خلاله القرار.

قبل يوم من إعلان الموقع الرسمي لوزارة الثقافة عن قرار عبد الدايم إنشاء أفرع للرقابة على المصنفات الفنية بالمحافظات، أعلن الإعلامي أحمد موسى الخبر العاجل[13] أثناء حلقة برنامجه على مسئوليتي، وقال إن القرار “الخاص بالبرنامج” – يقصد مرتبط ببرنامجه – جاء استجابة لما ناقشه الأسبوع الماضي عن مسرحية سليمان خاطر وكتاب خير نسوان الأرض.

يأتي هذا القرار على الأرجح لتفادي القصور في حملات التفتيش التي تقوم بها الرقابة على المصنفات الفنية – يعني ذلك قيام الرقابة على المصنفات الفنية بحملات تفتيش دورية لأماكن العرض العام للتأكد من حصولها على التراخيص اللازمة وكذلك حصول الأعمال المعروضة بداخلها على تراخيص للعرض العام -، وبالتالي تحاول وزارة الثقافة أن تتجنب التعرض لانتقادات مؤيدي السلطة الحالية بسبب أعمال إبداعية مثل مسرحية سليمان خاطر.

وتستغل وزارة الثقافة بقرارها هذا قصور الثقافة كمقرات للرقابة على المصنفات الفنية، عوضًا عن تطويرها وفتح المغلق منها وتفعيل دورها في نشر وتطوير الثقافة الجماهيرية في محافظات مصر، وهو ما وعدت[14] به وزير الثقافة عقب توليها منصبها، من أن الهيئة العامة لقصور الثقافة من أهم الملفات التي ستنكب عليها، وأن خطتها على رأس الوزارة هي وجود الثقافة “خارج الجدران”.

ومنذ صدور القرار الخاص بإنشاء أفرع للرقابة على المصنفات الفنية، في مارس 2018، لم تعلن الوزارة بشكل رسمي حتى الآن عن اي تفاصيل أو آليات تخص تنفيذ القرار، كما لم تنشر الجريدة الرسمية، حتى وقت نشرنا هذه الورقة، أي تفاصيل تخص إنشاء مقرات للإدارة المركزية للمصنفات الفنية بالمحافظات. ويتماشى عدم إتاحة الوزارة معلومات عن هذه القرارات التي تؤثر بشكل مباشر على عمل المبدعين مع سياسة الدولة في احتكار المعلومات، وهو مايجعلنا عاجزين عن فهم تبعات القرار بشكل تفصيلي.

إلا أن جريدة اليوم السابع، المقربة من السلطة الحالية، بعد تواصلها مع متخصصين داخل وزارة الثقافة، نشرت[15] تقريرا نقلا عن مصادرها بشأن اختصاصات عمل الفروع، وآليات العمل داخل فروع الرقابة الجديدة. وجاء بتقرير اليوم السابع أن الرقابة سيكون اختصاصها تنظيم الأشرطة السينمائية، والأغاني، والمسرحيات، والمونولوجات، والاسطوانات، وأشرطة التسجيل الصوتي طبقا للقانون، وأضاف التقرير أن قصور الثقافة فى المحافظات السبع التي أعلنت عنها وزيرة الثقافة، ستخصص مكاتب خاصة للرقابة على المصنفات، وأنه من الممكن ندب موظفي الرقابة من الإدارة المركزية بالقاهرة لهذه المحافظات، أو استغلال بعض من موظفى قصور الثقافة للعمل فى رقابة المصنفات من خلال إعدادهم عن طريق تقديم دورات تدريبية لهم للعمل فى الرقابة، وأن قرار الوزيرة جاء تسهيلاً للعمل الرقابى فى محافظات الجمهورية بدلاً من الاعتماد الكامل على الإدارة المركزية فى القاهرة.

وبالنظر للسياق المحيط بقرار وزارة الثقافة، نجد أن السلطة الحالية تسعى بخطى حثيثة لخلق موجة استعداء ضد أي خطاب مغاير لها، وتستدعي شعارات كالحرب على الإرهاب ووقت المعركة لإخراس معارضيها ولبسط السيطرة على ما يخرج من الأفراد والجماعات والمؤسسات الثقافية في أي من المساحات العامة.

ذات صلة