معنية برصد انتهاكات حقوق التعبير في حق الأفراد و المؤسسات.

بين أيدي الرقيب.. عن قرار وزيرة الثقافة بإنشاء مقرات للرقابة على المصنفات بسبع محافظات

كيف يساهم القرار في حصار الإبداع

لا يمكننا في نهاية الأمر النظر لقرار وزير الثقافة بإنشاء أفرع جديدة للرقابة على المصنفات الفنية في محافظات مصر، وفهم تبعاته، بمعزل عن صورة أعم وأشمل، تتسع فيها منظومة الرقابة على الأعمال الفنية سواء بتعدد جهات الرقابة وتباين اختصاصاتها، أو بتشريعات وقوانين منظمة تسعى للسيطرة على كل مايخرج للحيز العام، فنجد أن المنتج الثقافي منذ خروجه كفكرة، وحتى تنفيذه وظهوره للعرض العام، يكون مكبلا ومحاصرا بجهات عدة، يضيف إليها هذا القرار بعدًا آخر من الحصار.

فلا يقتصر عمل جهاز الرقابة على منح تصريحات للأفلام السينمائية والموافقة على نصوص الأفلام وحسب، إنما تعد الإدارة المركزية للرقابة على المصنفات السمعية والسمعية البصرية (جهاز الرقابة على المصنفات الفنية) الجهاز صاحب السلطة بالتصريح للمصنفات الفنية بالتسجيل والنسخ والتوزيع والتأجير والبيع والعرض والنشر، وذلك وفقًا للقانون رقم 430 لسنة 1995 بشأن تنظيم الرقابة على الأشرطة السينمائية ولوحات الفانوس السحري والأغاني والمسرحيات والمنلوجات والاسطوانات وأشرطة التسجيل الصوتي، بما يشمل إعطاء تصاريح للمطربين والمطربات والراقصين والراقصات، وكل من يقدم فنًا على كل الأصعدة، إضافة إلى أنه لا يمكن تنظيم أي حفلة إلا بتصريح من الرقابة سواء ضمت محترفين أم هواة. وتمر عملية الرقابة  بمرحلتين؛ الأولى تختص بالتفتيش على الحفلات الفنية وتصريحات جميع أماكن العرض العام سواء كانت أفلام أو مسرحيات أو حفلات أو مناسبات عامة، والمرحلة الثانية تختص بإعطاء تصريحات إجازة للأعمال الفنية في فترة أقصاها ثلاثة أشهر، سواء بالموافقة على العمل بالكامل، أو الموافقة على إجراء تعديلات، أو الرفض.

وبخلاف دور جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، فإن السلطة الحالية دأبت منذ بداية تشكلها بعد 30 يونيو 2013، على السيطرة على كافة المنصات الإعلامية والثقافية، من خلال توسيع صلاحيات بعض الأجهزة والهيئات، أو استحداث أخرى جديدة، وسن ما يلزم لها من تشريعات وقوانين منظمة، لفرض سيطرة ورقابة عن كل ما يخرج للحيز العام، وهو الدور الذي تنشط في لعبه مؤخرًا لجنة الدراما المنبثقة عن المجلس الأعلى للإعلام.

يحاصر العمل الإبداعي في مصر أنواع مختلفة من الرقابة، تختلف في طرق وجهات ممارستها، فهناك رقابة الدولة المباشرة والتي تمارسها من خلال الأجهزة الأمنية -الشرطة-، والعسكرية -الجيش-، وجهات قضائية، ومؤسسات دينية -الأزهر والكنيسة-، والنقابات المهنية -التمثيلية والموسيقية- ووزارات ومؤسسات حكومية. وهناك أيضًا الرقابة المجتمعية، وهي نتاج -بجانب عوامل أخرى- لرقابة الدولة وخطابها المحافظ، حيث يمارسها المواطنون بعضهم على البعض بدافع الإحساس بالمسئولية الوطنية التي تفرضها الدولة عليهم لمحاربة “أهل الشر”، وتنتج هذه البيئة المحاصرة للإبداع الرقابة الذاتية، والتي يمارسها المبدع ذاته على نفسه لتجنب التعرض للخطر.

ولا تحظر هذه البيئة الخانقة للإبداع تناول قضايا سياسية وحسب، إنما كل ما يخرج عن النمط المفروض والمسموح انتاجه، فتناول الأعمال الإبداعية لأجهزة الدولة وأدائها بأي شكل، أو مواضيع كالجنس والدين هو أمر كافي لمنع عمل فني أو حبس صاحبه في كثير من الأحيان، فهناك إعادة ترسيم لحدود جديدة غير معرفة للكود الأخلاقي للدولة، تقف فيه الدولة -إن جاز التعبير- في المنتصف؛ بحيث تمنع تناول القضايا بشكل حر وتعددي ومتنوع أو بشكل محافظ غير متوافق مع طبعتها الرسمية من المحافظة والتدين.

وعلى الرغم من تجذر الرقابة، إلا أن الجهة القانونية الوحيدة المسؤولة عنها “جهاز الرقابة” لم تستطع التفتيش على كل ما يخرج للعرض العام، حيث يوضح خالد عبد الجليل[16]، رئيس الرقابة على المصنفات الفنية، أن هناك 6 مفتشين فقط في الرقابة، مطلوب منهم تغطية 27 محافظة على مستوى الجمهورية.

عجز حملات التفتيش التي تقوم بها الرقابة عن الإلمام بالمشهد الثقافي، بما يسمح بمراقبة وحصار كل ما يخرج منه للحيز العام، دائمًأ ما تفتح مساحة هامشية ومحفوفة بالمخاطر لعمل الأفراد خارج إطار أجهزة الدولة الرقابية؛ وتلجأ بعض المبادرات الثقافية البعيدة عن بؤرة المركز، لإقامة عروض عامة دون الحصول على موافقة رقابية على المحتوى المعروض، تجنبًا لبيروقراطية وعقلية جهاز الرقابة. هذه المساحات -الافتراضية والمادية- التي يسعى المبدعون لخلقها والحفاظ عليها، قابلة للتأكل بشكل تدريجي، خاصة مع محاولات وزارة الثقافة إثبات فاعليتها وقدرتها على السيطرة على المشهد الثقافي، باللجوء لمزيد من التضييق من خلال قرارات مثل التوسع في عدد مقرات الرقابة على المصنفات الفنية. وهو ما يكبل مبادرات ثقافية شبابية ناشئة تسعى للتواجد والانتشار في المساحات الضيقة المتاحة، ويهدد تواجد وانتشار المسارح الحرة/الهواة والتي تساهم بشكل كبير في خروج أجيال تضخ دماء جديدة للحياة الثقافية المصرية.

ترغب وزارة الثقافة إذا بإصدارها مثل هذه القرارات في حصار الإبداع  ببسط نطاق سيطرتها لتمتد خارج حدود المركز، لتراقب بإلمام أكثر وتستبق حدوث انتقادات من مؤيدي السلطة الحالية لعروض أخرى برقابة سابقة عليها. هذه التوجهات المعادية للإبداع تبدو كإستراتيجية تتبعها وزارة الثقافة، وهو ما يبدو جليًا من خلال تصريحات المسئولين بالوزارة، ففي خلال اجتماع لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب حول دور وزارة الثقافة في تطبيق معايير حقوق الإنسان، قالت وزيرة الثقافة[17] إن الأعمال الفنية والإسفاف الموجود في بعض المنتجات والأعمال الفنية المطروحة على الساحة، غير مقبولة، ولكن جزءا كبيرا منها يخضع لإنتاج القطاع الخاص، مشيرة إلى أن الوزارة تعمل من خلال “الرقابة على المصنفات” لمواجهة هذا الإسفاف.

وعلى الرغم مما تروجه وزارة الثقافة في بياناتها من أن القرار في صالح حرية الإبداع، وأن الوزارة تسعى من خلاله لتطبيق مبدأ اللامركزية، من خلال التسهيل على المبدعين والمواطنين، وهو الأمر الذي يمكن اعتباره صحيحًا نسبيًا من أنها ستتيح للمُبدعين في مجال الكتابة وصناعة الأفلام والأعمال الفنية التعامل مع هذه المقرات في المحافظات لاستخراج واستلام التصاريح اللازمة، إلا أن اختصاصات هذه الأفرع لا تقتصر على الجزء الإجرائي فقط، بل تتمتع بصلاحيات الجهة الرقابة من إجازة أو رفض للأعمال.

كما تطرح وزارة الثقافة أن زيادة عدد أفرع الرقابة على المصنفات يعد تطبيقا للامركزية ويمثل خدمة يستفيد منها المبدعون، ومن انتشارها بشكل لامركزي في المحافظات. ويمثل ذلك فهم خاطئ لمفهوم اللامركزية والذي يقوم على إفراد المساحات للنشاط الثقافي خارج بؤرة المركز، وليس تقييده بالرقابة. وفي هذا السياق يقول خالد عبد الجليل[18]، رئيس جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، إن هناك الكثير من المحافظات والمدن الساحلية في مصر يقام بها حفلات بشكل يومي، يضطر منظموها للنزول إلى القاهرة لإنهاء التصاريح اللازمة؛ لذلك صدر هذا القرار للتيسير عليهم، وأن العجز العددي لمفتشي الرقابة يجعل حملاتهم لتغطية المحافظات “عاجزة”، لذلك جاء هذا القرار في “صالح الرقابة”، ويضيف سنقوم باختيار المفتشين من أبناء كل محافظة؛ لأنهم الأكثر دراية بمحافظتهم وظروف وأحوال سكانها.

لا تكمن فقط خطورة القرار في الزيادة العددية للرقباء بما يسمح لهم بإلمام ومراقبة أوسع للمشهد الثقافي على مستوى الجمهورية، انما أيضًا في مضمون وآليات عمل الرقابة على المصنفات الفنية، بحيث تخضغ الرقابة لتقديرات شخصية ومتغيرة تبعًا لرؤية وحدود الرقيب الإجتماعية والدينية والسياسية والجغرافية، فما يقبل رقيب القاهرة إجازة عرضه قد يرفض رقيب محافظة أخرى عرضه، سواء بدافع التسلط أو لمخالفة العمل لمفهومه الشخصي عن الرقابة، وهو ما يظهر بشكل جلي في قرارات متذبذبة للرقابة على المصنفات الفنية بمنع أعمال من العرض، ثم إجازتها بعد تغيير لجان المشاهدة أو العكس[19].

خاتمة

في نهاية الأمر، إذا نظرنا لهذا القرار في سياق السلطة الحالية منذ بدايات تشكلها في يونيو 2013، سنجد أن الدولة تتبنى مجموعة من السياسات المحافظة والمعادية لأي حراك خارج عن الإطار الموضع من قبلها، فبعد سيطرة السلطة الحالية على شركات الإنتاج الكبيرة، والأعمال الإبداعية الإحترافية، باستخدام التشريع تارة ورأس المال تارة أخرى، تسعى الآن هذه السلطة بوضوح جلي للسيطرة على مساحات الإبداع الحر، التي تحاول مبادرات شبابية ناشئة استغلالها، لتضمن بعد غلقها لمنافذ الصحافة والإعلام والإنترنت، سيطرة تامة وشاملة على باقي المساحات الثقافية البعيدة عن بؤرة المركز، وهو ما يزيد من حاجة الوسط الثقافي للالتفاف لرفض ومقاومة سياسات وزارة الثقافة المكملة لسياسات الدولة في احتكار المجال العام، وسيطرتها على مفاصل الحياة السياسية والثقافية والإعلامية.

للاطلاع على الورقة بصيغة PDF من هنا

 

[1] أحمد موسى، برنامج على مسئوليتي، يوتيوب نشر في 11 مارس 2018، آخر زيارة: أبريل 2018

https://www.youtube.com/watch?v=Tg4BkBLugwY
[2] وزيرة الثقافة تصدر قرارا بإنشاء مقرات للرقابة علي المصنفات في ٧ محافظات، الموقع الرسمي لوزارة الثقافة، نشر في: 12 مارس 2018، آخر زيارة: مارس 2018، https://goo.gl/M1ZCXq
[3] أيمن بدرة، جريمة ضد الجيش فى نادى الصيد، نسخة الكترونية من المقال الأصلي ينشره موقع ايجيبت فانز، نشر في 27 فبراير 2018، تاريخ آخر زيارة أبريل 2018

https://goo.gl/2A2n31
[4] أحمد موسى، حلقة برنامج على مسئوليتي، يوتيوب، نشر في 28 فبراير 2018، تاريخ آخر زيارة مايو 2018

https://goo.gl/zc92kt
[5] ضاد» تعتذر وتفسخ تعاقدها مع صاحب الديوان «المسيء للجيش»، المصري اليوم، نشر في 1 مارس 2018، آخر زيارة مايو 2018

http://www.almasryalyoum.com/news/details/1265068
[6]  “خير نسوان الأرض” ديوان شعر … كاتبه متهم بـ”الإساءة” للجيش المصري، القدس العربي، نشر في 1 مارس 2018، آخر زيارة في مايو 2018

https://goo.gl/AuS6gk
[7] حبس مخرج ومؤلف عرض مسرحي احتياطيا بتهمة "الإساءة للجيش"، بي بي سي عربي، نشر في 6 مارس 2018، آخر زيارة مايو 2018

https://goo.gl/9FZwpY
[8] طارق سمير، محامية منتجة فيلم "سالب 1095": ما زلنا ندرس تسليم سلمى للنيابة، مصراوي، نشر في 1 مارس 2018، آخر زيارة في مايو 2018

https://goo.gl/frX9uP
[9] لوسي تدافع عن الراقصة جوهرة بعد القبض عليها، في الفن، نشر في 6 فبراير 208، تاريخ آخر زيارة مايو 2018

https://goo.gl/XfemKr
[10]  أحمد موسى، حلقة برنامج على مسئوليتي، يوتيوب، نشر في 28 فبراير 2018، تاريخ آخر زيارة مايو 2018

https://goo.gl/zc92kt
[11] نهال ناصر، إيناس عبد الدايم وزيرة للثقافة.. أول سيدة في هذا المنصب، في الفن، نشر في 14 يناير 208، تاريخ آخر زيارة مايو 2018

https://goo.gl/5Ckh6s
[12] إبراهيم قاسم وسمير محسن، النائب العام يأمر بضبط وسائل الإعلام المتورطة ببث أخبار كاذبة وشائعات، اليوم السابع، نشر في 28 فبراير 2018، آخر زيارة مايو 2018

https://goo.gl/z9MVjt
[13] أحمد موسى، د.إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة تصدر قرارا بإنشاء فروع للرقابة على المصنفات الفنية، على مسئوليتي، يوتيوب، نشر في 11 مارس 2018، آخر زيارة مايو 2018

https://goo.gl/z9MVjt
[14] منة الله الأبيض، إيناس عبدالدايم: فك حصار الثقافة يبدأ بتفعيل نشاط قصور ثقافة المحافظات، بوابة الأهرام، نشر في17  مايو 2018، آخر زيارة يونيه 2018

https://goo.gl/ddgsCL
[15]بسنت جميل، ننشر التفاصيل الكاملة لإنشاء 8 مقرات للرقابة على ننشر التفاصيل الكاملة لإنشاء 8 مقرات للرقابة على المصنفات فى 7 محافظات، اليوم السابع، نشر في 12 مارس 2018، آخر زيارة مايو 2018

https://goo.gl/Bd74bJ
[16]أحمد الشعراني، تفاصيل إنشاء مقرات للرقابة بـ 7 محافظات وزيادة عدد «المفتشين»، التحرير الإخباري، نشر في 13 مارس 2018، آخر زيارة مايو 2018

https://goo.gl/4nntwr
[17] محمد طارق، وزيرة الثقافة: سنواجه "إسفاف" الأعمال الفنية بالرقابة على المصنفات، الوطن، نشر في 13 فبراير 2018، آخر زيارة  مايو 2018
 https://goo.gl/yYs3RC

[18] أحمد الشعراني، تفاصيل إنشاء مقرات للرقابة بـ 7 محافظات وزيادة عدد «المفتشين»، التحرير الإخباري، نشر في 13 مارس 2018، آخر زيارة مايو 2018

https://goo.gl/4nntwr

[19] محمد حميدة، وزيرة الثقافة المصرية تسمح بعرض فيلم "كارما" الذي منعت الرقابة عرضه، بي بي سي عربي، نشر في 12 يونيه 2018، آخر زيارة يونيه 2018

https://goo.gl/G67kWe
ذات صلة