سري للغاية.. كيف قيدت القوانين تداول المعلومات في مصر؟

تاريخ النشر : الإثنين, 15 نوفمبر, 2021
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

إعداد: وحدة الأبحاث بمؤسسة حرية الفكر والتعبير

المحتوى

 منهجية

ملخص تنفيذي

مقدمة

  • أولًا: خريطة للقوانين المقيِّدة لتداول المعلومات
  • ثانيًا: ثقافة السرية بين عقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية

خاتمة وتوصيات

منهجية

تستند الورقة إلى قراءة وتحليل للقوانين المتعاقبة على مدار تاريخ مصر، والتي تقيِّد حرية تداول المعلومات، بدايةً من قانون رقم 20 لسنة 1936 في شأن المطبوعات والنشر، وقانون رقم 356 لسنة 1954 في شأن إنشاء دار الوثائق القومية، وقانون رقم (121) لسنة 1975 الخاص بالمحافظة على الوثائق الرسمية للدولة وتنظيم أسلوب نشرها. كما تستند الورقة إلى قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937 بتعديلاته المختلفة، وقانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016، وصولًا إلى قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018.

كما تعتمد الورقة على قرار رئيس الجمهورية رقم (472) لسنة 1979 في شأن المحافظة على الوثائق الرسمية للدولة وتنظيم أسلوب نشرها، بالإضافة إلى إجراء مقابلة مع عاملة لدى إحدى الوزارات، ومقابلة مع باحثة قانونية مهتمة بالحق في تداول المعلومات، وذلك في محاولة لاستعراض القوانين المقيِّدة لتداول المعلومات داخل البنية التشريعية المصرية، وضرورة إجراء تعديلات تشريعية موسعة بخصوصها، جنبًا إلى جنب إصدار قانون لتداول المعلومات في مصر.

ملخص تنفيذي

بعد عشر سنوات من المحاولات، لم يكتب خلالها عن صدور قانون لتداول المعلومات، تبقى هناك عدة قوانين تقيِّد حرية تداول المعلومات. ويجب أن يتم مناقشة هذه القوانين ومراجعة نصوصها المتعارضة مع حرية تداول المعلومات، كجزء من عملية إصدار قانون تداول المعلومات.

تستعرض الورقة عدة قوانين مصرية مقيِّدة لتداول المعلومات، في محاولة لفهم السياق السياسي الذي انطلقت منه هذه القوانين. وتحظر هذه القوانين تداول المعلومات بوضع نصوص مقيِّدة وإجراءات بيروقراطية دون ضمانات، ما يؤدي إلى أن يكون الأصل هو حجب المعلومات، والاستثناء أن تفصح عنها مؤسسات الدولة. وثمة أمثلة كثيرة، مثل: التوسع في حظر النشر ومنع تداول المطبوعات وممارسة الرقابة على الإنترنت. ليس ذلك فقط، بل إن هذه القوانين تفرض عقوبات سالبة للحرية سواء على المواطن، أو موظفي القطاع الحكومي على الأخص.

مقدمة

“الحصول على المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق، والإفصاح عنها، وتداولها، حق تكفله الدولة لكل مواطن، بما لا يمس حرمة الحياة الخاصة، وحقوق الآخرين، ولا يتعارض مع الأمن القومى. وينظِّم القانونُ قواعد إيداع الوثائق العامة وحفظها، وطريقة الحصول على المعلومات، والتظلم من رفض إعطائها، وما قد يترتب على هذا الرفض من مساءلة”.

مادة (47) من الدستور المصري لعام 2012.

منذ بداية جائحة كورونا والحديث عن أهمية المعلومات وتداولها، بات أكثر وضوحًا، خاصة مع ارتباطه بشكل أساسي بالحق في الصحة والحق في الحياة بشكل أوسع. كما أن للحصول على المعلومات ونشرها وتداولها أهمية فيما يخص قدرة الأفراد على ممارسة التعبير عن رأيهم، ومراقبة أداء الحكومة ومحاسبتها. وتضمن الشفافية في نشر المعلومات المشاركة الفعالة للمواطنين في القرارات والمشروعات، التي قد تؤثر بشكل مباشر على حياتهم.[1]

وتجدر الإشارة إلى أنه في الوقت السابق على ثورة الخامس والعشرين من يناير لم يكن الحق في تداول المعلومات منصوصًا عليه داخل الدستور المصري بشكل مباشر، وإنما بشكل غير مباشر من خلال نص المادة 47 من دستور 1971 التي نصت على الحق في حرية التعبير.

وفي دستور مصر المعدَّل عام 2014، تم تغيير نص المادة 47 من دستور 2012 إلى المادة (68) التي نصت على: “المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة، حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية، وينظم القانون ضوابط الحصول عليها وإتاحتها وسريتها، وقواعد إيداعها وحفظها، والتظلم من رفض إعطائها، كما يحدد عقوبة حجب المعلومات أو إعطاء معلومات مغلوطة عمدًا. وتلتزم مؤسسات الدولة بإيداع الوثائق الرسمية بعد الانتهاء من فترة العمل بها بدار الوثائق القومية، وحمايتها وتأمينها من الضياع أو التلف، وترميمها ورقمنتها، بجميع الوسائل والأدوات الحديثة، وفقًا للقانون”.

إذن جاءت نصوص مواد دستور 2012 والذي جرى تعديله عام 2014 كإضافة إيجابية على صعيد الحق في التداول والحصول على المعلومات، إلا أنها لم تُترجَم إلى ممارسات على أرض الواقع. إذ إنه بعد مرور ما يزيد على عقد على ثورة الخامس والعشرين من يناير، لم يكتب خلالها لقانون حرية تداول المعلومات الخروج إلى النور، في ظل غياب الشفافية وثقافة السرية التي تشوب عمل الدولة بكافة قطاعاتها، وتقييد الوصول إلى المعلومات.

وحاول مركز المعلومات لدعم اتخاذ القرار إصدار مسودة لقانون تداول المعلومات في عام 2011، ثم قدم عددٌ من منظمات المجتمع المدني ــ من ضمنها مؤسسة حرية الفكر والتعبير ــ مسودة قانون تداول المعلومات في عام 2012، مرورًا بإصدار عدد من الوزارات والهيئات بالدولة مسودات مختلفة كوزارتي الاتصالات والعدل والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام. وسيطر على المسودات الرسمية التكتم وعدم إشراك أيٍّ من أطياف المجتمع المختلفة، أو الخبراء، ومنظمات المجتمع المدني العاملة في المجال.

على الجهة الأخرى، يوجد ما يزيد على أحد عشر قانونًا على الأقل، ترسخ موادهم تقييد وتجريم تداول المعلومات. ويمتد ذلك إلى تقييد عمل الصحفيين، الذي هو في أساسه يقوم على نشر وتداول المعلومات، وكذلك منع موظفي الدولة من تداول المعلومات بداعي الحفاظ على السرية.

أولًا: خريطة للقوانين المقيِّدة لتداول المعلومات:

“لمست الحكومة على إثر قيام الحركة الأخيرة ــ المقصود حركة الضباط الأحرار ــ الحاجة إلى هيئة تهيمن على الإرشاد والتوجيه والدعوة وغايتها التوجيه القومي ومكافحة العيوب الاجتماعية وإذاعة الأفكار والمعلومات الصحيحة في الداخل والخارج”.

المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 270 لسنة 1952 بشأن إنشاء وزارة الإرشاد القومي.

اتخذنا من قانون إنشاء وزارة الإرشاد القومي نقطة انطلاق للورقة، بسبب ما تنص عليه المذكرة الإيضاحية الخاصة بقانون إنشائها، من أن الهدف من إنشائها كان الهيمنة على المعلومات، ونشر المرغوب في نشره والعكس صحيح. وقد تبع ذلك القانون، قانون آخر لإنشاء دار الوثائق القومية رقم 356 لسنة 1954 التابع بدوره لوزارة الإرشاد القومي ــ آنذاك ــ وغيرها من القوانين التي اتبعت النمط ذاته في التعامل مع المعلومات وتداولها، التي سنتوسع في ذكرها خلال أجزاء هذه الورقة. وبالإضافة إلى ذلك، انقسمت وزارة الإرشاد القومي فيما بعد إلى وزارتي الثقافة والإعلام اللتين تلعبان دورًا محوريًّا في مسألة تداول المعلومات.

وعلى الرغم من اعتبار قانون إنشاء وزارة الإرشاد القومي نقطة الانطلاق ــ التي استطعنا الوصول إليها ــ فيما يتعلق بالقوانين المقيِّدة لتداول المعلومات داخل البنية التشريعية المصرية، فإن قانون 20 لسنة 1936 في شأن تداول المطبوعات، يعتبر النواة التشريعية التي بنيت عليها قوانين تقيِّد تداول المعلومات.

إذ إنه من خلال تتبع القوانين التي تنطوي على تقييد حق المواطنين في الاطلاع على/ تداول المعلومات، ومحاولة الوصول إلى السياقات السياسية/ الاجتماعية المرتبطة بصدورها، يتضح عودة جذور تقييد تداول المعلومات داخل البنية التشريعية المصرية إلى فترة الاحتلال البريطاني من خلال قانون تداول المطبوعات رقم 20 لسنة 1936، إلا أن الفترة المحورية/ الفاصلة فيما يتعلق بنمط تداول المعلومات، وترسيخ ثقافة السرية بشكل واسع هي فترة الخمسينيات ــ حكم جمال عبد الناصر ــ التي صدرت فيها أغلب القوانين التي تحويها الدراسة.

وتعد نقطة التحول منذ أواخر التسعينيات وحتى وقتنا الحالي هي القوانين الهادفة إلى الضبط والرقابة المحكمة على الإنترنت. ويمكن ملاحظة صدور القوانين سالفة الذكر في سياق سياسي واجتماعي محدد استجابة لحاجة ملحة في تلك الفترات، كحالة الحرب أو الاضطراب السياسي. ولكن لم يتم تعديل تلك القوانين للتماشي مع متطلبات العصر والتوجه العالمي السائد بخصوص التوسع في نشر وتداول المعلومات، وهو ما سنشير إليه خلال هذه الورقة.

إذن لتحقق حرية تداول المعلومات في مصر تواجهنا العديد من العوائق، بداية من عدم وجود قانون يُلزم جهات الدولة بالسماح بنشر المعلومات بشكل استباقي، مرورًا برفع الوعي بخصوص أهمية تداول المعلومات والخطوات المطلوبة للحصول على المعلومات، وصولًا إلى تعديل مواد عدد من القوانين داخل البنية التشريعية المصرية، والتي تتعارض بشكل واضح مع أبسط مبادئ تداول المعلومات.

ومن خلال قراءة عدد من القوانين التي صدرت ومعمول بها حتى وقتنا الحالي يتقاطع بشكل أو بآخر مع تداول المعلومات ومن تبعات تلك القوانين وجود نوعين من الرقابة على تداول ونشر المعلومات، رقابة إجرائية، وأخرى موضوعية.

يوجد شكل من أشكال حالة الاستثناء، تحدَّث عنها ساري حنفي في تصديره كتاب “حالة الاستثناء” للفيلسوف الإيطالي جورجيو أجامبن، وهي حالة استثناء البيروقراطية، “أي عندما يحكم المجتمع بواسطة البيروقراطية أكثر من اللوائح والقوانين”[2]. وهو ما يمكن أن ينطبق على الإجراءات الصارمة والبيروقراطية المطلوبة لنشر وتداول المعلومات. وفيما يلي نستعرض عددًا من القوانين التي تمثل عائقًا حقيقيًّا أمام تداول المعلومات داخل البنية التشريعية المصرية:

أ) وثائق غير متاحة للجمهور:

 “لوحظ أن وثائق مصر القومية مبعثرة في عدة أمكنة، فالوثائق الأصلية للقوانين والمراسيم لا ترسل قط إلى دار المحفوظات بالقلعة وإنما تبقى في مجلس الوزراء والمعاهد، والوثائق الخاصة بالمفاوضات التي أجرتها مصر بعضها في وزارة الخارجية وبعضها في رئاسة مجلس الوزراء، ووثائق تاريخ مصر منذ عهد محمد علي، بعضُها سُلِّم للقسم التاريخي بقصر الجمهورية، وبعضها في مكان على حدة، ولم يكن الاطلاع عليها ميسورًا في عهد الملكية إلا بإجراءات غاية في الصعوبة.
وقد آن الأوان لجمع كل هذه الوثائق في مكان واحد على أن ترتب ترتيبًا علميًّا وأن ييسر البحث فيها والاطلاع عليها ونشر ما يتقرر نشره منها وأن تنشر الحقائق التي تحويها على الشعب. لهذا نص القانون على إنشاء دار للوثائق التاريخية ونصَّ في مادته الأولى على تبعيتها لوزارة الإرشاد القومي، وذلك لأن مهمة الدار ألصق ما تكون بمهمة تلك الوزارة التي تُعنَى بنشر الحقائق للرأي العام، ودار الوثائق مستودع للحقائق التاريخية، ومن ثم فمكانها الطبيعي حيث وضعها هذا القانون“.

المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 356 لسنة 1954 بشأن إنشاء دار الوثائق القومية

 على الرغم من كون المذكرة الإيضاحية تنص بشكل واضح على أن الهدف من إنشاء الدار هو نشر الحقائق للرأي العام، وتيسير قدرته على البحث والاطلاع، فإن القانون يقيِّد الحق في الاطلاع لما شابه من غموض فيما يتعلق بالإجراءات المطلوبة للاطلاع والبحث في الوثائق المحفوظة داخل الدار. وبالتالي، لا يعلم المواطن إلى أين يذهب في حال تم رفض طلبه في الاطلاع ومن له سلطة الرفض وما هي المعايير للرفض أو القبول.

ويضاف إلى غموض الإجراءات داخل القانون، غموض تصنيف الوثائق، ومعاملة بعض تلك الوثائق ضمن نطاق قانون حماية الآثار، من خلال النص في المادة 2 على الاطلاع والدراسة “مع عدم الإخلال بأحكام القانون رقم 215 لسنة 1951 ــ قانون حماية الآثار ــ المشار إليه”.

وفي ظل احتمالية وجود بعض الوثائق التي يمكن أن تصنَّف بشكل فعلي كنوع من أنواع الآثار كأوراق بردي، أصبح ذلك عاملًا مساعدًا في التعامل مع أغلب الوثائق في الوقت الحالي بصفة الآثار، وأصبح يتعامل الموظفون داخل الدار وفق هذا المنطلق، بحسب باحث تعامل مع دار الوثائق.

وفي أعقاب توقيع مصر اتفاقية فض الاشتباك الثانية مع إسرائيل في سبتمبر 1975، التي أنهى بها السادات ضمنيًّا حالة الحرب مع إسرائيل[3]، فقد صدر القانون رقم 121 لسنة 1975، الذي ينص في مادته الأولى على أحقية رئيس الجمهورية في وضع نظام للمحافظة على الوثائق والمستندات الرسمية للدولة مع إمكانية حظر نشر بعضها لمدة تصل إلى خمسين عامًا[4].

وبعد مرور أربع سنوات من تاريخ صدور قانون 121 لسنة 1975، أي في سياق توقيع مصر اتفاقية كامب ديفيد التي كانت تواجه رفضًا شعبيًّا على المستوى الوطني المحلي والعربي، صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 472 لسنة 1979 بشأن نظام المحافظة على الوثائق الرسمية للدولة، وأسلوب نشرها واستعمالها الذي نص على:

“تعتبر الوثائق والمستندات والمكاتبات التي تتعلق بالسياسات العليا للدولة أو بالأمن القومي سرية لا يجوز نشرها أو إذاعتها كلها أو بعضها كما لا يجوز تداولها أو الاطلاع عليها إلا لمن تستوجب طبيعة عمله ذلك وذلك كله ما لم تكن مما ينص الدستور أو القانون على نشرها فور صدورها”.

وهو ما أكد على استمرار النمط ذاته فيما يتعلق بتداول المعلومات ونشرها، واطلاع الجمهور عليها، خاصة في ظل إضفاء مزيد من الغموض على القانون، فيما يتعلق بالمدى الزمني الذي من الممكن خلاله نشر أو تداول تلك المعلومات، في إطار عدم وجود تعريف “للأمن القومي والسياسات العليا للبلاد”، فضلًا عن عدم وضوح الجهة التي من الممكن التظلم إليها.

ب) تداول المطبوعات:

“لا يجوز لأحد أن يتولى بيع أو توزيع مطبوعات في الطريق العام أو في أي محل عمومي آخر ولو كان ذلك بصفة عارضة أو مؤقتة إلا بعد الحصول على رخصة بذلك من وزارة الداخلية”.

مادة (7) من قانون رقم 20 لسنة 1936 في شأن تداول المطبوعات

يمكن اعتبار قانون تداول المطبوعات رقم (20) لسنة 1936، من القوانين الأولى المقيِّدة لتداول المعلومات داخل البنية التشريعية المصرية، وعلى الرغم من صدوره في سياق نجاح دعوات وتظاهرات لإلغاء دستور 1930 الصادر حديثًا آنذاك ــ بضغط من الاحتلال البريطاني ــ والعودة إلى العمل بدستور 1923 الذي كان ينص على حقوق أساسية كحرية الرأي والتعبير، التي أغفلها دستور 1930 اللاحق له[5] فإنه جاء لتقييد تداول المطبوعات وبيعها وعرضها من خلال فرض سيطرة مركزية من قِبَل وزارة الداخلية على حركة المطبوعات والنشر، بالإضافة إلى ذلك نصت المادة (5)[6] منه على إيداع عشر نسخ من أي مطبوع في المديرية التابع لها.

كما تنص المادة (10) على أنه يجوز لمجلس الوزراء أن يمنع أيضًا من التداول في مصر المطبوعات المثيرة للشهوات وكذلك المطبوعات التي تتعرض للأديان تعرضًا من شأنه تكدير السلم العام، وهو ما يضيف مزيدًا من القيود على تداول المعلومات وفق مصطلحات غير واضحة كالتعرض للأديان.

وعلى الرغم من صدور القانون في سياق سياسي مختلف بشكل كلي عن الوضع الحالي ــ في سياق الاحتلال البريطاني ــ وتعديله في سياق ــ العدوان الثلاثي على مصر 1956 ــ فإن القانون ما زال معمولًا به حتى وقتنا الحالي، دون محاولة لإعادة النظر فيه.

ج) قرارات حظر النشر:

“للصحفي حق الحصول على المعلومات والإحصاءات والأخبار المباح نشرها طبقًا للقانون من مصادرها سواء كانت هذه المصادر جهة حكومية أو عامة، كما يكون للصحفي حق نشر ما يتحصَّل عليه منها”.

مادة 8 من قانون رقم 96 لسنة 1996

  في الوقت الذي مُنح الصحفيون الحقَّ في الحصول على المعلومات سواء في قانون تنظيم الصحافة رقم (96) لسنة 1996، أو داخل القانون الأحدث لتنظيم عمل الصحافة رقم (180) لسنة 2018 في المادة (10) منه[7]، فإنها تبقى حقوقًا صورية بسبب وجود عدد من القوانين التي تتعارض مع حقهم في الحصول ونشر تلك المعلومات وبالتالي تحقق تداول المعلومات على مستوى جماهيري واسع.

وتأتي قرارات حظر النشر كعامل أساسي من عوامل تقييد تداول المعلومات، إذ جاء في نص المادة (11) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018: “مع مراعاة أحكام المادتين (9، 10) من هذا القانون، للصحفي أو الإعلامي الحق في تلقي إجابة على ما يستفسر عنه من معلومات وبيانات وأخبار، وذلك ما لم تكن هذه المعلومات أو البيانات أو الأخبار سرية بطبيعتها أو طبقًا للقانون”. ويقيِّد القانون حق الصحفي في تداول المعلومات إذا كانت سرية بطبيعتها، وهو الأمر المبهم، خاصة مع عدم وجود قانون لتداول المعلومات، الذي في العادة يحتوي على المعلومات التي تعتبر سرية، ويقوم على تصنيف درجة سرية تلك المعلومات، والمدة الزمنية التي يجب أن تبقى سرية قبل الإفصاح عنها.

تمثل قرارات حظر النشر الصادرة عن سلطة التحقيق أو المحكمة عائقًا أساسيًّا لأداء عمل الصحفيين، خاصة في ظل “حالة الغموض التي تشوب تلك القرارات، لعدم وجود تفاصيل داخل القانون”، وتمتعهم بسلطات تقديرية مطلقة فيما يخصها، فلا توجد حالات محددة لإصدار مثل تلك القرارات، ولا يوجد نطاق زمني محدد لها، كما لا يوجد تعقيب أو طعن على مثل تلك القرارات[8]، إذ إنها قرارات قضائية لا يجوز الطعن عليها، وهو ما يعني عدم وجود ضمانات كافية لتفعيل حقوق الصحفيين، ومن جهة أخرى عدم ضمان حق المواطنين عامة في الحصول على المعلومات.

د) قانون الطوارئ:

“لرئيس الجمهورية متى أُعلنت حالة الطوارئ أن يتخذ التدابير المناسبة للمحافظة على الأمن والنظام العام وله على وجه الخصوص:
(2) الأمر بمراقبة الرسائل أيًّا كان نوعها ومراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات والرسوم وكافة وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها وضبطها ومصادرتها وتعطيلها وإغلاق أماكن طبعها, على أن تكون الرقابة على الصحف والمطبوعات ووسائل الإعلام مقصورة على الأمور التي تتصل بالسلامة العامة أو أغراض الأمن القومي”.

مادة 3 من قانون الطوارئ رقم 162 لسنة 1958

على الرغم من كون قانون الطوارئ قانونًا استثنائيًّا، فإنه أصبح جزءًا من البنية التشريعية المصرية بسبب استمرار سريانه دون انقطاع، سوى في سنوات قليلة ما بين عامي 2012 إلى 2017، حيث تم إعلان حالة الطوارئ في إبريل 2017 وتمديدها دون انقطاع حتى تم إلغاء تمديده في أكتوبر من العام الحالي. وقد أضاف قانون الطوارئ  في المادة (3) فرض رقابة على الصحف والنشر والمطبوعات، وكافة وسائل التعبير والدعاية. وفي سياق هزيمة يونيو 1967، صدر الأمر الجمهوري رقم 1 لسنة 1967 الذي استند إلى تلك المادة، وفُرضت رقابة عامة حينها في جميع أنحاء البلاد ومياهها الإقليمية على الكتابات والمطبوعات والصور والطرود، التي ترد إلى مصر أو ترسل منها إلى الخارج أو تتداول داخل البلاد، وكذلك جميع الرسائل التلغرافية والتليفونية السلكية واللاسلكية وعلى جميع الأخبار أو المعلومات أو غيرها من المواد المعدة للإذاعة اللاسلكية.[9] وهو ما يمكن تكرار تطبيقها طالما القانون قابل للتجديد في أي وقت.

ه) حجب المواقع كممارسة لتقييد تداول المعلومات:

في ظل وجود قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة  2003 ومع مركزية البنية التحتية للإنترنت، فضلًا عن مركزية إدارة منظومة الاتصالات المصرية ككلٍّ من قبل الدولة، كما ذكرنا في الجزء الأول من “سلسلة الإنترنت والقانون” الصادرة عن مؤسسة حرية الفكر والتعبير[10]، يسهل فرض رقابة ومراقبة على مستخدمي الإنترنت ككل، وبالتالي فرض قيود على تداول المعلومات.

ومع بداية ظهور المدونات في مصر، بدأت السلطات المصرية في الانتباه إلى مدى أهمية وفاعلية تلك المدونات كوسيلة للتعبئة السياسية، وهو ما أدى إلى زيادة الالتفات إلى الإنترنت، من خلال ملاحقة أصحاب المدونات، أو محاولة ضبط الإنترنت بشكل واسع بقوانين جديدة كمشروع قانون تنظيم البث المرئي والمسموع وذلك في أعقاب أحداث 6 إبريل من عام 2008 الذي لم يكتب له الخروج إلى النور في حينها.

وفي أعقاب ثورة الخامس والعشرين من يناير تم حذف وتصفية محتويات منشورة على الإنترنت كصور المتظاهرين، إلى أن قطعت خدمات الاتصالات والإنترنت عن كافة أنحاء الجمهورية[11]. وعاد اهتمام السلطات بضبط سلطة الإنترنت بعد الثورة، إذ أعلن الحزب الحاكم حينها ــ الحرية والعدالة ــ عن مشروع قانون لمكافحة جرائم الإنترنت، الذي لم يكتب له أيضًا الخروج إلى النور.[12]

إلا أنه بداية من انتخاب مجلس نواب في دورة 2015/2020 أولت لجنة الاتصالات بالمجلس اهتمامًا واضحًا بضبط ورقابة الإنترنت. وبدأت السلطات بشكل موازٍ موجة واسعة من حجب المواقع منذ عام 2017 تلاها صدور عدد من التشريعات التي تقنن حجب المواقع، مثل: قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وقانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018.

ويعتبر حجب المواقع الإلكترونية ــ خاصة الصحفية ــ نوعًا من أنواع تقييد تداول المعلومات، في ظل الاعتماد على الإنترنت بشكل واسع كوسيلة بديلة للحصول على المعلومات، في ظل غلق الحكومة كافة النوافذ الممكنة للحصول على المعلومات.

إجمالًا إلى جانب القوانين التي تناولناها خلال الجزء الأول من الورقة، وذلك من خلال حجب المواقع، وعدم إتاحة الوثائق الرسمية للدولة للجمهور، بالإضافة إلى تقييد تداول المطبوعات وقرارات حظر النشر. نتناول في الجزء الثاني من الورقة العقوبات المفروضة على المواطنين بشكل عام، وعلى موظفي القطاع العام بشكل خاص، في حال تم نشر وتداول أيٍّ من المعلومات التي تخص عمل الحكومة.

ثانيًا: ثقافة السرية بين عقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية:

 يترتب على خرق القوانين السابق ذكرها والتي تقيِّد من تداول المعلومات فرض عقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية سواء على المواطنين بشكل عام أو الصحفيين بشكل خاص، فضلًا عن موظفي القطاع العام، كما يلي:

 أ) الموظفون:

تقول إحدى العاملات بالحكومة في مقابلة أجرتها الباحثة: “إحنا طول الوقت كل حاجة سري للغاية وغير قابل للتداول، أنا كمهندسة في الوزارة وفي القطاع اللي كله معلومات عن “….” ماليش السلطة إني أقول لهم أنا عايزة المعلومات دي، منعوا إني أقدر آخد المعلومات دي، لازم مديري يبدي موافقته على ده الأول ويقول للمسؤولين عن المعلومات دي وإتاحتها ليَّا، علشان المعلومات دي لو تمت إتاحتها للكل ممكن يتم تداولها وبالتالي تعمل قلق في الصحافة، وهمه مش عايزين كده”.

وهكذا يتبدَّى أثر ثقافة السرية التي تشوب عمل الدولة بكافة مؤسساتها، وما يتركه من تأثير سلبي على إنجاز الموظفين لأعمالهم بكفاءة. وترسَّخت تلك الثقافة لدى المؤسسات الحكومية بفعل عددٍ من القوانين التي تعاقب الموظفين على أي محاولة للإدلاء بمعلومات حول طبيعة عملهم بأي شكل، بداية من مادة 75 من قانون رقم 210 لسنة 1951 التي تنص على: “لا يجوز للموظف أن يفضي بمعلومات أو إيضاحات عن المسائل التي ينبغي أن تظل سرية بطبيعتها أو بمقتضى تعليمات خاصة. ويظل الالتزام بالكتمان قائمًا ولو بعد انفصال الموظف عن عمله.

كما أن هناك المواد 56 من قانون رقم 46 لسنة 1964[13]، والمادة 53 من قانون رقم 58 لسنة 1971، مادة 77 من قانون رقم 47 لسنة 1978[14]، وأخيرًا القانون الحالي الخاص بالخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016.

وتنص المادة 150 من اللائحة التنفيذية رقم 1216 لسنة 2017 لقانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 على بنودٍ منها:

(1)  إفشاء أية معلومات يطلع عليها بحكم وظيفته إذا كانت سرية بطبيعتها أو بموجب تعليمات تقضي بذلك دون إذن كتابي من الرئيس المختص، ويظل هذا الالتزام قائمًا بعد ترك الخدمة.

(7) أن يفضي بأي تصريح أو بيان عن أعمال وظيفته عن طريق الصحف أو غير ذلك من طرق النشر إلا إذا كان مصرحًا له بذلك كتابة من الرئيس المختص.

(8) أن يفشي الأمور التي يطلع عليها بحكم وظيفته إذا كانت سرية بطبيعتها أو بموجب تعليمات تقضي بذلك، ويظل هذا الالتزام بالكتمان قائمًا ولو بعد ترك العامل الخدمة.

وهكذا يتم معاقبة الموظفين في حال قاموا بإفشاء معلومات بخصوص عملهم، إذ يُلزم القانون الموظفين المدنيين بالدولة بالكتمان فيما يخص كافة الأنشطة والأعمال السرية بطبيعتها أو بحكم التعليمات الصادرة لهم[15].

وعلى الرغم من التغيرات والتعديلات التي طرأت على القوانين الخاصة بوضع نظام للعاملين بداية من عام 1951 حتى 2016، فإن تلك المادة بالصياغة ذاتها لم تتغير، وأضيف إليها بعض التفاصيل التي تزيد من القيود على تداول المعلومات.

وفي السياق نفسه يعاقب قانون رقم 12 لسنة 1999 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 87 لسنة 1960 في شأن التعبئة العامة في المادتين 35 و36 العاملين في حال إفشاء أسرار خاصة بوحدات الجهاز الإداري للدولة أو الأفراد أو شركات القطاع العام أو الخاص[16].

ب) عقاب الصحفيين والمواطنين:

“جاء مشروع القانون في ظل توجه الدولة وخطاها الثابتة في سبيل تعديل تشريعاتها بما يتواكب والظروف القائمة وما أفرزه الواقع العملي حيث أن أخطر ما يواجه الدولة في هذه المرحلة هو تلك الموجة من الجرائم المستحدثة، ما استوجب إجراء التعديل بهدف مواكبة الظروف المستحدثة بما يتلاءم مع هذه الظروف والتي كان أبرزها الجرائم المضرة بأمن الدولة. فضلًا عن أن الحروب في العصر الحديث قد اتخذت صورًا وأساليب لا عهد للماضي بها، وكشف ذلك التطور عن أنواع من الأفعال الإجرامية التي لم تكن معروفة من ذي قبل، بما يوجب على الدولة أن تعمل على توقيعها ودفعها عن نفسها، لذلك وجب الحفاظ على هذه الأوضاع التي بلغتها الدولة ضد أي خطر قد يأتيها من ناحية الخارج أو تأليب عليها من ناحية الداخل”.

المذكرة الإيضاحية لمشروع قانون تغليظ العقوبات على جمع المعلومات عن أفراد الجيش “من خلال استبدال نص المادة 80 فقرة (أ)

 في الثالث والعشرين من أكتوبر من العام الحالي، أقر مجلس النواب تعديلًا على المادة 80 (أ) من قانون العقوبات في شأن تغليظ العقوبات على جمع المعلومات والبيانات تتعلق بالقوات المسلحة أو أفرادها الحاليين أو السابقين، لينضم إلى عدد هائل من القوانين التي تنص على حظر نشر مطلق بخصوص عدد من الموضوعات أبرزها: “أنشطة الجهات العسكرية والأمنية” بداية من القانون رقم 313 لسنة 1956، والذي جاء بمذكرته الإيضاحية ما يلي:

“لا يخفى ما لتشكيلات الجيش وتجهيزاته وعتاده من أهمية بالغة من ناحية أمن الدولة وسلامتها في الداخل والخارج مما يقتضي إحاطتها دائمًا بسياج من السرية التامة والحيلولة دون تسرب أنبائها إلى الجهات التي تفيد منها في النيل من صالح البلاد. وقد تضاعفت هذه الأهمية في العهد الحاضر بصفة خاصة نظرًا لما نيط بالقوات المسلحة من الاشتراك في الدفاع عن البلاد العربية إلى جانب الدفاع عن مصر ضد العدو المشترك – بحيث أصبح الأمر يستدعي جعل نشر أو إذاعة أي أخبار عن الجيش وتشكيلاته وتحركاته وعتاده وكل ما يتعلق بالنواحي العسكرية والإستراتيجية بصفة عامة منوطًا بالحصول على موافقة القيادة العامة للقوات المسلحة باعتبارها الجهة المختصة التي تستطيع تقدير ما من شأن نشره أو إذاعته أن يضر أو لا يضر بصالح الأغراض العسكرية. وقد وضع هذا القانون لتحقيق هذه الأغراض”.

وتم تعديل قانون رقم 313 لسنة 1965 بالقانون رقم 14 لسنة 1967 في شأن حظر نشر أي أخبار عن القوات المسلحة، الذي جاءت مذكرته الإيضاحية مؤكدة على أهمية المعلومات الخاصة بالجيش، وضرورة الاحتفاظ بسريتها. وذلك على الرغم من إلغاء قانون 313 لسنة 1965 وتم استبدال به المادة (85) من قانون العقوبات، والتي تنص على:

“يعتبر سرًّا من أسرار الدفاع: (1) المعلومات الحربية والسياسية والدبلوماسية والاقتصادية والصناعية التي بحكم طبيعتها لا يعلمها إلا الأشخاص الذين لهم صفة في ذلك ويجب مراعاةً لمصلحة الدفاع عن البلاد أن تبقى سرًّا على مَن عدا هؤلاء الأشخاص.

(2) الأشياء والمكاتبات والمحررات والوثائق والرسوم والخرائط والتصميمات والصور وغيرها من الأشياء التي يجب لمصلحة الدفاع عن البلاد ألا يعلم بها إلا من يناط بهم حفظها أو استعمالها والتي يجب أن تبقى سرًّا على من عداهم خشية أن تؤدي إلى إفشاء معلومات مما أشير إليه في الفقرة السابقة.

(3) الأخبار والمعلومات المتعلقة بالقوات المسلحة وتشكيلاتها وتحركاتها وعتادها وتموينها وأفرادها وبصفة عامة كل ما له مساس بالشؤون العسكرية والإستراتيجية ولم يكن قد صدر إذن كتابي من القيادة العامة للقوات المسلحة بنشره أو إذاعته”.

وعلى الرغم من إلغاء القانون بواسطة القانون رقم 112 لسنة 1957، فإنه قد صدر تعديلًا للقانون في عام 1967 على القانون الذي سبق وتم إلغاؤه وهو ما يتعارض مع القاعدة القانونية “الساقط لا يعود”.

ويأتي قانون المخابرات العامة رقم 100 لسنة 1971 الذي يضفي صفة السرية على كل ما يخص جهاز المخابرات العامة. ومن الملاحظ أن صفة السرية لا تنزع من تلك المعلومات حتى وإن أذيعت من قبلُ عدة مرات، كما أنها لا تندرج تحت الخطط العسكرية والتشكيلات فقط، ولكن تضم أي معلومة يمكن أن تخص المؤسسة العسكرية أو المخابرات سواء من قريب أو من بعيد، ومن أشهر الأمثلة على ذلك قضية “أحمد حسن بسيوني” الذي قام بإنشاء صفحة على فيسبوك باسم “إدارة التجنيد والتعبئة بجمهورية مصر العربية”، للرد على أسئلة الشباب بخصوص مواعيد التقديم، وشروط الإعفاء. والذي تم استدعاؤه من قبل المخابرات العسكرية واتهمته النيابة العسكرية بإذاعة سر من أسرار الدفاع عن البلاد.

وفي عام 2019 تم الحكم على خالد لطفي مدير مكتبة تنمية، من قبل محكمة عسكرية بقضاء خمس سنوات في السجن، لإفشاء أسرار عسكرية. وذلك بسبب إصدار طبعة مصرية من رواية “الملاك” على الرغم من كونها منشورة في دول عديدة خارج مصر.

وتنص المادة  171 من قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937 والمعدل بالقانون رقم 141 لسنة 2020. على: “كل من حرض واحدًا أو أكثر بارتكاب جناية أو جنحة بقولٍ أو صياح جَهَرَ به علنًا أو بفعل أو إيماء صدر عنه علنًا أو بكتابة أو رسوم أو صور أو صور شمسية أو رموز أو أية طريقة أخرى من طرق التمثيل جعلها علنية أو بأية وسيلة أخرى من وسائل العلانية يعد شريكًا في فعلها ويعاقب بالعقاب المقرر لها إذا ترتب على هذا التحريض وقوع تلك الجناية أو الجنحة بالفعل.
أما إذا ترتب على التحريض مجرد الشروع في الجريمة فيطبق القاضي الأحكام القانونية في العقاب على الشروع. ويعتبر القول أو الصياح علنيًّا إذا حصل الجهر به أو تم ترديده بإحدى الوسائل الميكانيكية في محفل عام أو طريق عام أو أي مكان آخر مطروق أو إذا حصل الجهر به أو ترديده بحيث يستطيع سماعه من كان في مثل ذلك الطريق أو المكان أو إذا أذيع بطريق اللاسلكي أو بأية طريقة أخرى. ويكون الفعل أو الإيماء علنيًّا إذا وقع في محفل عام أو طريق عام أو في أي مكان آخر مطروق أو إذا وقع بحيث يستطيع رؤيته من كان في مثل ذلك الطريق أو المكان.
وتعتبر الكتابة والرسوم والصور والصور الشمسية والرموز وغيرها من طرق التمثيل علنية إذا وزعت بغير تمييز على عدد من الناس أو إذا عرضت بحيث يستطيع أن يراها من يكون في الطريق العام أو أي مكان مطروق أو إذا بيعت أو عرضت للبيع في أي مكان”.

بداية من نص قانون العقوبات في المادة  [17]174 منه على اعتبار التحريض على قلب نظام الحكم من خلال إحدى الوسائل المذكورة في المادة 171 من القانون التي تضم الكتابة والرسوم والصور جريمة يعاقب عليها بالسجن مدة أقصاها خمس سنوات وغرامة تتراوح بين 5000 إلى 10000 آلاف جنيه وعلى الرغم من تقييد ذلك لحرية التعبير والرأي فإن تأثيره يمتد ليشمل حرية تداول المعلومات خاصة مع كون الأفعال المعاقب عليها يمكن أن تنطبق على العديد من الأمور والموضوعات. خاصة مع ذكر المادة 178 مكرر من القانون ذاته بتطبيق غرامة ما بين 10 آلاف إلى 30 ألف جنيه تجاه “كل من نشر أو صنع أو حاز بقصد الاتجار أو التوزيع أو الإيجار أو اللصق أو العرض صورًا غير حقيقية من شأنها الإساءة إلى سمعة البلاد”.[18]

ونلاحظ من خلال عرض العقوبات التي قد يتعرض لها من قام بالتداول والإفصاح عن معلومات “لها صفة السرية” خاصة تلك التي تتعلق بالأمن القومي سواء كانوا موظفين عموميين أو صحفيين أو مواطنين، الخلط بين المصطلحات واستخدام الأمن القومي كوسيلة لإخفاء المعلومات، وتقييد تداولها، بل وملاحقة من يحاول تداولها جنائيًّا.

وفي ظل عدم وجود تعريف محدد وواضح لمصطلح الأمن القومي، فضلًا عن غياب قانون لتداول المعلومات يقوم بتصنيف المعلومات وفقًا لفئات السرية (سري – سري للغاية – محظور). إذ يجب أن يكون تقييد تداول المعلومات مبررًا في نطاق المبدأ نفسه[19]،  كما نصت مبادئ تشواني، ومبادئ جوهانسبرج بشأن الأمن القومي وحرية التعبير وتداول المعلومات[20] على ضرورة إحداث توازن مناسب ما بين الإفصاح عن المعلومات وحجبها.[21]

 خاتمة وتوصيات

 “كثيرًا ما يُنظر إلى مسألتي الأمن القومي وحق الشعب في المعرفة على أنهما تتنافران في اتجاهات متعاكسة، في حين تواجد التوتر في بعض الأحيان ما بين رغبة الحكومة في الاحتفاظ بسرية المعلومات على أساس الأمن القومي، وبين حق الشعب في الحصول على المعلومات التي لدى السلطات العامة، فإن  إذا كانت هناك مراجعة متمحصة في التاريخ الحديث لكانت كفيلة لبيان أن قانونية مصالح الأمن القومي بالممارسة تكون محمية في الأكثر عندما يكون الشعب ملمًّا جيدًا بنشاطات الدولة، بما فيها تلك التي تتكفل بحماية الأمن القومي”.

المبادئ العالمية للأمن القومي وحرية تداول المعلومات “تشواني”

في إطار الاهتمام العالمي المتزايد بخصوص الحق في تداول المعلومات، تم تطوير المبادئ العالمية للأمن القومي وحرية تداول المعلومات “تشواني” في يونيو 2013 لمراجعة صياغات أو تطبيق التشريعات المتعلقة بسلطة الدولة في حجب المعلومات لأسباب تتعلق بالأمن القومي أو لتطبيق عقوبات نتيجة الإفصاح عن تلك المعلومات[22]، وهو ما يجب وضعه في عين الاعتبار عند التفكير في وضع قانون لتداول المعلومات في مصر.

إذ إنه من خلال تتبع القوانين المقيِّدة لتداول المعلومات داخل البنية التشريعية المصرية ترى مؤسسة حرية الفكر والتعبير ضرورة التدخل بتعديلات تشريعية موسعة بخصوص القوانين السالف ذكرها داخل البنية التشريعية المصرية، والتي تعتبر عاملًا مساعدًا في تعثر تداول المعلومات، جنبًا إلى جنب الإسراع في إصدار قانون لتداول المعلومات. وبناءً على ذلك توصي مؤسسة حرية الفكر  والتعبير بالآتي:

  • إلغاء قانون رقم 121 لسنة 1975 في شأن المحافظة على الوثائق الرسمية للدولة، والذي يعتبر الوثائق والمستندات والمكاتبات التي تتعلق بالسياسات العليا للدولة أو بالأمن القومي سرية لا يجوز نشرها أو إذاعتها كلها أو بعضها كما لا يجوز تداولها أو الاطلاع عليها إلا لمن تستوجب طبيعة عمله ذلك.
  • إلغاء قرار رئيس الجمهورية رقم 472 لسنة 1979، في شأن المحافظة على الوثائق الرسمية للدولة.
  • تعديل قانون رقم 356 لسنة 1956 المنظِّم لإنشاء دار الوثائق القومية على النحو الذي يتماشى مع الحق في المعرفة وتداول المعلومات، من خلال إلغاء تبعية محتويات الدار بشكل عام لوزارة الآثار، على أن يتم تفصيل ما يمكن أن يندرج تحت مظلة الآثار كـ”أوراق البردي” على سبيل المثال. بالإضافة إلى ضرورة تعديل السماح للجمهور بالاطلاع على الوثائق التاريخية، من خلال عدد من الإجراءات الواضحة والمحددة، على أن يتم إرجاعها إلى قانون تداول المعلومات المنتظر، من خلال النظر في طلبات الاطلاع على الوثائق من قبل هيئة مستقلة مثل مفوضية المعلومات.
  • إلغاء القانون رقم 313 لسنة 1956، والذي على الرغم من إلغائه بواسطة القانون رقم 112 لسنة 1957، فإنه صدر تعديلًا للقانون في عام 1967، وهو ما يتعارض مع القاعدة القانونية “الساقط لا يعود”.
  • إلغاء قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 لما يحمل من معاداة لوسيط من أهم الوسائط في عصرنا الحالي فيما يتعلق بتداول المعلومات، وهو الإنترنت.
  • تعديل المادة (11) قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 على النحو الذي يضمن للصحفي القدرة على الحصول على المعلومات وفقًا لضوابط وآليات محددة وواضحة بعيدًا عن مصطلحات فضفاضة، مثل: “معلومات سرية بطبيعتها”.
  • إلغاء قانون تداول المطبوعات رقم 20 لسنة 1936، لما يفرضه من تقييد تداول المطبوعات وعرضها من خلال فرض سيطرة مركزية من قبل وزارة الداخلية على المطبوعات والنشر.
[1] Applied knowledge services. “Access to information and its constraints”. August 2011. Accessed on august 2021. link: https://gsdrc.org/topic-guides/communication-and-governance/access-to-information-and-its-constraints/  
[2] جورجو أجامبن، حالة الاستثناء، (مدارات للأبحاث والنشر: القاهرة، ص28).
[3] جلال أمين، "ماذا حدث للثقافة في مصر"، (دار الكرمة: القاهرة، 2019)، ص49 وما بعدها.
[4] مادة 1 من قانون رقم 121 لسنة 1975 " يضع رئيس الجمهورية بقرار منه نظاما للمحافظة على الوثائق والمستندات الرسمية للدولة ويبين هذا النظام أسلوب نشر واستعمال الوثائق والمستندات الرسمية التي تتعلق بالسياسات العليا للدولة أو بالأمن القومي والتي لا ينص الدستور أو القانون على نشرها فور صدورها أو إقرارها.
ويجوز أن يتضمن هذا النظام النص على منع نشر بعض هذه الوثائق لمدة لا تجاوز خمسين عاما إذا ما اقتضت المصلحة العامة ذلك"
[5] قرار رقم 118 لسنة 1935 بشأن النظام الدستوري للدولة.
[6] المادة (5) من قانون رقم 20 لسنة 1936 في شأن تداول المطبوعات: "عند إصدار أي مطبوع يجب إيداع عشر نسخ منه في المحافظة أو المديرية التي يقع الإصدار في دائرتها. ويعطى إيصالًا عن هذا الإيداع."
[7]  مادة (10) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018: "يحظر فرض أي قيود تعوق توفير المعلومات أو إتاحتها، أو تحول دون تكافؤ الفرص بين مختلف الصحف المطبوعة والإلكترونية ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة، أو حقها في الحصول على المعلومات، وذلك كله دون الإخلال بمقتضيات الأمن القومي، والدفاع عن الوطن".
[8]  د. أسامة أحمد عبد النعيم، "الضوابط القانونية لقرار حظر النشر"، 2014، المؤتمر العلمي الرابع للقانون والإعلام، آخر زيارة تمت في أغسطس 2021، الرابط: https://law.tanta.edu.eg/files/conf4/%D8%AC%D9%84%D8%B3%D8%A9%20%D8%AB%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A9%20%D9%8A%D9%88%D9%85%20%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%89/%D8%A7%D9%84%D8%B6%D9%88%D8%A7%D8%A8%D8%B7%20%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86%D9%8A%D8%A9%20%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1%20%D8%AD%D8%B8%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B4%D8%B1.pdf
[9] مؤسسة حرية الفكر والتعبير، "حرية تداول المعلومات.. دراسة قانونية"، 2012، تاريخ آخر زيارة في سبتمبر 2021، الرابط: _AFTE_LegalStudyFreedomThought_AR%20(1).pdf
[10] مؤسسة حرية الفكر والتعبير، "سلسلة الإنترنت والقانون"، يونيو 2021، تاريخ آخر زيارة في سبتمبر 2021، الرابط:https://afteegypt.org/legislations/legislative-analysis/2021/06/29/23248-afteegypt.html
[11]  المرجع السابق.
[12] المرجع السابق.
[13] مادة 56 من قانون رقم 46 لسنة 1964 "يحظر على العامل:
(1) أن يُفشي الأمور التي يطلع عليها بحكم وظيفته إذا كانت سرية بطبيعتها أو بموجب تعليمات تقضي بذلك ويظل هذا الالتزام قائمًا ولو بعد ترك العامل الخدمة.
(2) أن يحتفظ لنفسه بأصل أية ورقة من الأوراق الرسمية أو ينزع هذا الأصل من الملفات المخصصة لحفظه ولو كانت خاصة بعمل كلف به شخصيًّا.
(3) أن يخالف إجراءات الأمن الخاص والعام التي يصدر بها قرار من الوزير المختص أو مَن يمارس سلطاته".
[14] مادة 77 من قانون رقم 47 لسنة 1978 "يحظر على العامل:
7) أن يفضي بأي تصريح أو بيان عن أعمال وظيفته عن طريق الصحف أو غير ذلك من طرق النشر إلا إذا كان مصرحًا له بذلك كتابة من الرئيس المختص.
(8) أن يفشي الأمور التي يطلع عليها بحكم وظيفته إذا كانت سرية بطبيعتها أو بموجب تعليمات تقضي بذلك، ويظل هذا الالتزام بالكتمان قائمًا ولو بعد ترك العامل الخدمة.
[15] مرصد الموازنة العامة وحقوق الإنسان، "نحو قانون حرية تداول المعلومات في مصر"، مايو 2015، تاريخ آخر زيارة في سبتمبر 2021، الرابط: نحو-قانون-حرية-تداول-المعلومات-في-مصر.pdf
[16] مادة 36 من قانون التعبئة العامة " ـ يعاقب كل مشتغل في شؤون التعبئة أفشى أسرارًا خاصة بوحدات الجهاز الإداري للدولة أو الأفراد أو الهيئات أو شركات القطاع العام أو شركات قطاع الأعمال العام أو شركات القطاع الخاص مما يتصل بأداء واجبهم بالحبس وبغرامة لا تقل عن ألفين وخمس مئة جنيه ولا تزيد على خمسة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين.
فإذا وقعت الجريمة خلال مدة التعبئة تكون العقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة أو السجن".
[17]  مادة 174 من قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937 " يعاقب بالسجن مدة لا تتجاوز خمس سنين وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه كل من ارتكب بإحدى الطرق المتقدم ذكرها فعلًا من الأفعال الآتية:
أولًا) التحريض على قلب نظام الحكومة المقرر في القطر المصري.
ثانيًا) ترويج المذاهب التي ترمي إلى تغيير مبادئ الدستور الأساسية أو النظم الأساسية للهيئة الاجتماعية بالقوة أو بالإرهاب.
ويعاقب بنفس العقوبات كل من شجع بطريق المساعدة المادية أو المالية على ارتكاب جريمة من الجرائم المنصوص عنها في الفقرتين السابقتين دون أن يكون قاصدًا الاشتراك مباشرة في ارتكابها".
[18] المادة 178 مكرر من قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937: "يعاقب بغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على ثلاثين ألف جنيه كل من نشر أو صنع أو حاز بقصد الاتجار أو التوزيع أو الإيجار أو اللصق أو العرض صورًا غير حقيقية من شأنها الإساءة إلى سمعة البلاد.
ويعاقب بهذه العقوبة كل من استورد أو صدر أو نقل عمدًا بنفسه أو بغيره شيئًا مما تقدم للغرض المذكور، وكل من أعلن عنه أو عرضه على أنظار الجمهور أو باعه أو أجره أو عرضه للبيع أو الإيجار ولو في غير علانية وكل من قدمه علانية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ولو بالمجان وفي أي صورة من الصور وكل من وزعه أو سلمه للتوزيع بأية وسيلة".
[19] مؤسسة حرية الفكر والتعبير، "حرية تداول المعلومات.. دراسة قانونية مقارنة"، 2011، تاريخ آخر زيارة في أغسطس 2021، الرابط: 2011_AFTE_LegalStudyFreedomThought_AR%20(1).pdf
[20] The Johannesburg principles on national security, freedom of expression, and access to information. October 1995. Accessed in September 2021. Link:  https://www.article19.org/wp-content/uploads/2018/02/joburg-principles.pdf
[21] المبادئ العالمية للأمن القومي والحق في المعلومات، يونيو 2013، تاريخ آخر زيارة في سبتمبر 2021، الرابط: https://www.justiceinitiative.org/uploads/31661743-7a3e-433a-8235-4408a45278aa/tshwane-arabic-20150209.pdf
[22] المبادئ العالمية للأمن القومي وتداول المعلومات "تشواني"، 2013، تاريخ آخر زيارة في نوفمبر 2021، الرابط: https://www.justiceinitiative.org/uploads/31661743-7a3e-433a-8235-4408a45278aa/tshwane-arabic-20150209.pdf

محتوى الموقع منشور برخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف 4.0