تعليق قانوني علي قرار فصل بحق صحفيين بجريدة اليوم السابع

776

أعدت التعليق القانوني: فاطمة سراج، المحامية بمؤسسة حرية الفكر والتعبير، وحرره: محمد ناجي، الباحث بالمؤسسة.

 

في الثلاثين من شهر يوليو 2017، اجتمع رئيس تحرير مؤسسة اليوم السابع خالد صلاح، بأربعة من صحفيي الجريدة وأبلغهم بقرار فصلهم عن العمل بسبب بعض منشوراتهم عبر حساباتهم الشخصية على مواقع التواصل الإجتماعي، إضافة إلى توقيعهم –ضمن 1600 صحفي آخرين- على بيان لإدانة ورفض موقف الحكومة المصرية من توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع المملكة العربية السعودية. طلب الصحفيون قرارًا رسميًا بفصلهم إلا أن رئيس التحرير أحضر الأمن لإخراجهم من الجريدة.

وكانت إدارة الجريدة قد أبلغت الصحفيين الأربعة وهم سمر سلامة، عبد الرحمن مقلد، ماهر عبد الواحد ومدحت صفوت، ضمن عدد آخر من زملائهم، في السادس والعشرين من الشهر نفسه، باستياءها من موقفهم من قضية جزيرتي تيران وصنافير وطالبتهم بالتوقيع على طلب إجازة بدون مرتب لمدة عام إلا أن الصحفيين الأربعة رفضوا التوقيع على طلب الإجازة في حين أن 6 آخرين من زملائهم قد وقعوا.

قال أحد الصحفيين المفصولين، في شهادته التي أدلى بها لباحث المؤسسة، أن رئيس التحرير قال لهم “في اليوم السابع لا يجوز لك أن تشتم الدولة أو رئيس الجمهورية أو تنتقدهما”.

تقدم ثلاثة من الصحفيين المفصولين بشكوى لنقابتهم بخصوص الواقعة. وقال عضو مجلس النقابة جمال عبد الرحيم أن المجلس فوض نقيب الصحفيين، عبد المحسن سلامة، للتواصل مع “اليوم السابع” وإيجاد حل للأزمة.

على الجانب الآخر، أصدرت “اليوم السابع” بيانًا في 31 يوليو 2017، قالت فيه إن المستشار القانوني للجريدة بصدد التقدم بشكوى لنقابة الصحفيين للمطالبة بإحالة ثلاثة من صحفيي الجريدة للجنة التأديب “لقيامهم بالإساءة إلى صحيفة اليوم السابع والإضرار العمدى بسمعة المؤسسة والتلاعب السياسي العمدي باسم رئيس الجمهورية والزج به دون سند من القانون فى لعبة وضيعة وبـ”تآمر فاضح” مع مؤسسة إعلامية تابعة لحزب الله اللبناني الممول من إيران”.

وصف بيان جريدة “اليوم السابع” الصحفيين بأنهم “قيد التحقيق المهنى فى المؤسسة” ولم يتطرق إطلاقًا إلى قرار الفصل الذي أبلغه رئيس التحرير للصحفيين الأربعة شفهيًا.

انتهت أزمة الصحفيين الذين كانوا قد وقعوا على طلب الأجازة حيث قررت الإدارة إعادتهم للعمل مرة أخرى، إلا أنها استثنت من القرار ثلاثة من الصحفيين والذين كانوا قد تقدموا بشكوى لنقابة الصحفيين ضد الجريدة.

شاب القرار الكثير من جوانب العوار؛ منها الاجراءات المتخذة تجاه الصحفيين ومشروعية قرار الفصل وكذلك الإخلال بضمانات الصحفيين المكفولة لهم وفقاً للقانون والوقائع محل القرار وحمايتها بموجب الدستور ومدى علاقتها بواجبات الصحفي.

هذا التعليق القانوني محاولة للوقوف على تلك الوقائع وقراءتها من حيث مدى اتساقها مع القوانين المنظمة لعمل الصحفي علي مستوي قانون تنظيم الصحافة وقوانين العمل.

 

إجراءات قانونية غائبة

اتخذت إدارة “اليوم السابع” إجراءات تحمل في طياتها مخالفات عدة؛ بدايةً، قام رئيس التحرير باستدعاء الصحفيين لمناقشتهم في آرائهم المنشورة على صفحاتهم الشخصية بخصوص قضايا ذات شأن عام ولا تتعلق بعملهم في الجريدة، وهو الأمر الذي لا يحق لإدارة الجريدة التي يعمل بها الصحفي التدخل فيه إذ لا تمت هذه المواقف التي اتخذها الصحفيين بأي صلة بأعمال الصحفيين المهنية التي أوجب قانون تنظيم الصحافة التزام الصحفي بها خلال ممارسته لعمله.

إضافة إلى ذلك، أبلغ رئيس التحرير الصحفيين الثلاثة بفصلهم شفويًا، وهو ما يعني توقيع عقوبة إدارية نتيجة لاعتناق آراء شخصية دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة في هذا الشأن؛ حيث تنص المادتين 34 من باب تأديب الصحفي في قانون تنظيم الصحافة رقم 96 لسنة 1996 على “تختص نقابة الصحفيين وحدها بتأديب الصحفيين من أعضائها” وتضيف المادة 35 “يحيل نقيب الصحفيين بعد العرض علي مجلس النقابة الصحفي الذي تنسب إليه مخالفة تأديبية إلي لجنة التحقيق علي أن تنتهي من إجراء التحقيق خلال ثلاثين يوماً من تاريخ الإحالة إليها…”.

أما إذا كانت مخالفة الصحفي من غير المخالفات المتعلقة بالمهنة، وإنما من المخالفات التي أجاز فيها قانون العمل فصل العامل، فإن القانون ذاته كفل مجموعة من الضمانات التي لا يجوز الإخلال بها وفقاً لطبيعة العلاقة التعاقدية بين العامل (الصحفي) وجهة العمل (الجريدة)، ومنها عدم جواز فصل الصحفي/ العامل إلا بعد إخطار نقابة الصحفيين بمبررات الفصل ليدخل الأمر في مرحلة أخرى وهي محاولة النقابة التوفيق بين الصحفي والجريدة، فإذا استنفدت النقابة مرحلة التوفيق دون نجاح تطبق الأحكام الواردة في قانون العمل في شأن فصل العامل.

إلا إن إدارة الجريدة، أو بالأحرى رئيس تحريرها، قرر “شفويًا” فصل الصحفيين الثلاثة دون إجراء تحقيق داخلي معهم وإخبارهم بالجهة التي تقدمت بشكوى ضدهم وما هي المخالفات القانونية التي ارتكبوها وكذلك كفالة حقهم في الدفاع عن أنفسهم، هذا كله فضلًا عن إحالة الأمر برمته إلى نقابة الصحفيين إذ أنها الجهة المخولة بتأديب الصحفيين وفقًا للقانون.

 

هل ما فعله الصحفيون يستلزم العقوبة الإدارية؟

إذا تركنا الإجراءات جانبًا وتناولنا الواقعة محل النقاش في حد ذاتها، هل ما فعله الصحفيون يعتبر مخالفة إدارية تستوجب توقيع عقوبة تأديبية عليهم؟ بالنظر في واجبات الصحفي التي تعرضه للمساءلة حال مخالفتها، نجد أن المواد 18 و19 و20 و21 من قانون تنظيم الصحافة حددتها حصرًا في التالي؛ التزام الصحفي بمبادئ الدستور، احترام الحياة الخاصة للمواطنين، التزام الصحفي التزامًا كاملًا بميثاق الشرف الصحفي والامتناع عن الانحياز إلى الدعوات العنصرية أو التي تنطوي على امتهان الأديان أو الدعوة إلى كراهيتها أو الطعن في إيمان الآخرين أو ترويج التحيز أو الاحتقار لأي من طوائف المجتمع…الخ.”.

أما قانون العمل رقم 12 لسنة 2003 فقد أجاز، في مادته 69، فصل العامل من عمله في حالات معينة والتي حصرها في؛

1ـ إذا ثبت انتحال العامل لشخصية غير صحيحة أو قدم مستندات مزورة.

2ـ إذا ثبت ارتكاب العامل لخطأ نشأت عنه أضرار جسيمة لصاحب العمل بشرط أن يبلغ صاحب العمل الجهات المختصة بالحادث خلال أربع وعشرين ساعة من وقت علمه بوقوعه.

3ـ إذا تكرر من العامل عدم مراعاة التعليمات اللازم إتباعها لسلامة العمال والمنشأة – بشرط أن تكون هذه التعليمات مكتوبة ومعلنة في مكان ظاهر – رغم التنبيه عليه كتابة بمراعاة ذلك.

4- إذا تغيب العامل بدون مبرر مشروع أكثر من عشرين يوما متقطعة خلال السنة الواحدة أو أكثر من عشرة أيام متتالية، على أن يسبق الفصل إنذار كتابي بخطاب موصى عليه بعلم الوصول من صاحب العمل للعامل بعد غيابه عشرة أيام في الحالة الأولى، وبعد غيابه خمسة أيام في الحالة الثانية.

5- إذا ثبت أن العامل أفشى أسرار المنشأة التي يعمل بها أدت إلى إحداث أضرار جسيمة بالمنشأة.

6- إذا قام العامل بمنافسة صاحب العمل في ذات نشاطه.

7- إذا وجد العامل أثناء ساعات العمل في حالة سكر بين أو متأثرا بما تعاطاه من مادة مخدرة.

8- إذا ثبت اعتداء العامل على صاحب العمل أو المدير العام، و كذلك إذا وقع منه اعتداء جسيم على أحد رؤسائه أثناء العمل أو بسببه.

9- إذا لم يراع العامل الضوابط الواردة في المواد من (192) إلى (194) من الكتاب الرابع من هذا القانون.

إذن فإن أيًا من الصحفيين المفصولين لم يرتكب أي من تلك الأفعال التي تستوجب المسائلة الإدارية سواء وفقًا لقانون تنظيم الصحافة أو قانون العمل. كما أن الوقائع محل قرار الفصل لا تخرج عن كونها ممارسة هؤلاء الصحفيين لحقهم –كمواطنين-  في التعبير عن آرائهم وفقاً لنص المادة 65 من الدستور التي تنص علي “حرية الفكر والرأي مكفولة، ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر”.

يثار النقاش في هذه الفترة حول إعادة النظر في التشريعات المتعلقة بالصحافة والإعلام، وبالفعل أصدر مجلس النواب قانون “التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام”، القانون الذي على اثره أنشئ المجلس الأعلى للإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة والتي من ضمن اختصاصاتهما مراقبة المؤسسات الصحفية لأعمالهم ومدى التزام الجرائد بالمعايير المهنية وميثاق الشرف الصحفي. كما أن قانونًا آخر لتنظيم الصحافة يترقبه المشتغلين بالصحافة كافة.

إن واقعة كالتي نتناولها اليوم تبرز بشكل جلي مدى تعسف إحدى الصحف الخاصة مع عدد من العاملين بها نتيجة لاعتناق هؤلاء العاملين بعض الأفكار المختلفة مع تلك التي يعتنقها ويدافع عنها مالكي والقائمين على إدارة هذه الجريدة، وهو ما يستلزم أن يحوي القانون المزمع إصداره في القريب موادًا وبنودًا تحمي حقوق الصحفيين وتفرض آليات قانونية لمراقبة مدى التزام إدارات المؤسسات الصحفية المختلفة بكفالة هذه الحقوق.

SHARE