معنية برصد انتهاكات حقوق التعبير في حق الأفراد و المؤسسات.

التقرير ربع السنوي لحالة حرية التعبير في مصر ( يناير – مارس 2018 )

للاطلاع على التقرير كاملا بصيغة PDF من هنا

للاطلاع على منهجية الرصد والتوثيق

شارك في رصد الانتهاكات الواردة بالتقرير:

سارة محسن، الباحثة بوحدة الرصد والتوثيق

وأعد التقرير:

وسام عطا، مدير وحدة الرصد والتوثيق

ومحمد عبد السلام، مدير الوحدة البحثية

منهجية التقرير

اعتمد التقرير على عرض وتحليل بعض الموضوعات المرتبطة بالحق في حرية التعبير وحرية تداول المعلومات، بهدف تقييم السياسات العامة لمؤسسات الدولة تجاه الحق في حرية التعبير وحرية تداول المعلومات. كما اعتمد التقرير على عرض الانتهاكات التي تم توثيقها، وفقا لمعايير مؤسسة حرية الفكر والتعبير، وتحليل أنماط الانتهاكات، بهدف بيان تأثير سياسات الدولة على الحق في حرية التعبير. يغطي التقرير الفترة الزمنية من 1 يناير 2018، وحتى 31 مارس 2018.

مقدمة

يتناول التقرير فترة زمنية شهدت محاولات لمنافسة الرئيس السيسي في الانتخابات الرئاسية، وكان ذلك بمثابة الحدث الأبرز، والذي يمكن من خلاله قراءة انتهاكات حرية التعبير للربع الأول من العام 2018. تم إقصاء المرشحين المحتملين، سواء بممارسة ضغوط عليهم، أو إتخاذ إجراءات ضدهم. وقرر مرشحان عدم خوض المنافسة الانتخابية، بسبب المناخ الذي تجرى فيه ولا يؤشر على وجود عملية ديمقراطية حرة.

لذا، فإن كثير من الانتهاكات والتطورات المرتبطة بحرية التعبير قد تأثرت خلال هذا الربع بالانتخابات الرئاسية، فالقلق المتزايد لدى السلطة من نشر أخبار عن إقالة مدير المخابرات العامة ربما أدى إلى حجب موقع جريدة الأخبار اللبنانية، والانتقادات التي وجهتها وسائل إعلام لحالة الحقوق والحريات وخاصة ما يتعلق بالمشاركة السياسية، جعلت النيابة العامة تتجاوز اختصاصاتها كجهة تحقيق لتنظر فيما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي. هذه الحالة تعكس من جانب سعي المواطنين المصريين للتعبير عن الرأي والمشاركة في النقاش العام، ومن جانب آخر تعكس فشل اﻹجراءات السلطوية المتلاحقة من تجميد النقاش العام، وبالتالي تسعى السلطة إلى استخدام أدوات جديدة وتكرار التهديدات لوسائل الإعلام والمبدعين والسياسيين، أملا في إغلاق أي مساحة للتعبير الحر عن الرأي.

يتناول التقرير في قسمه الأول قراءة عامة لحالة حرية التعبير والتطورات الأخيرة على مستوى سياسات السلطة الحالية، وفي القسم الثاني يعرض التقرير إحصائيات أعدتها وحدة الرصد والتوثيق بالمؤسسة لانتهاكات حرية التعبير، ثم ينتقل التقرير في قسمه الثالث إلى تحليل أنماط هذه الانتهاكات، وينتهي بعدد من التوصيات، التي توجهها مؤسسة حرية الفكر والتعبير للجهات المعنية أملا في قيامها بمراجعة الإجراءات التي تقيد من خلالها الحق في حرية التعبير.

أولا: قراءة في حالة حرية التعبير:

يتناول التقرير في قسمه الأول حالة حرية التعبير خلال الربع الأول من العام 2018، حيث يبرز عدد من التطورات، بهدف عرض سياسة مؤسسات الدولة تجاه الحق في حرية التعبير. وتحظى انتخابات الرئاسة بأولوية كبيرة في التقرير، والذي يحاول كذلك تناول تأثيرها على تطورات وأحداث أخرى، كما يلي:

  • انتخابات الرئاسة: لا مساحة للتعبير عن الرأي

 

دأبت السلطات المصرية منذ إجراء أول انتخابات على منصب رئيس الجمهورية في العام 2005، مرورا بانتخابات الرئاسة لعام 2012 وعام 2014، على إتاحة مساحة للتعبير عن الآراء السياسية، مع اختلاف الظروف والسياقات المرتبطة بكل تجربة، ففي العام 2014 كانت هناك قيود على التحرك في الشارع، بينما أتيحت مساحة في وسائل الإعلام لتسليط الضوء على حملة المرشح المنافس للرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي. ولكن ما عايشته مصر في ضوء الانتخابات الأخيرة، والتي أجريت من 26 إلى 28 مارس 2018، لم يسبق له مثيل، حيث تم غلق المساحات تماما أمام المرشحين المحتملين، بما يشمل تعرضهم لضغوط أو حتى القبض عليهم، وكانت التغطيات الإعلامية تركز على نقل مواقف السلطة الحالية، وفي بعض الحالات وجه مقدمو برامج تذاع في قنوات خاصة نقدا لحالة انسداد الأفق السياسي، إلا أن ذلك كان محدودا جدا، خاصة بعد تصريحات الرئيس السيسي أنه ليس سياسيا ولا يفضل الكلام.

هذا المتغير الجديد يدلل على عدم اكتراث السلطة الحالية بالحفاظ على إتاحة مساحة خلال فترة انتخابات الرئاسة لنشر والتعبير عن الآراء الناقدة، كما كانت العادة في السابق. ومن هذا المنطلق، واجه المرشحون المحتملون ضغوط وتهديدات مباشرة، ولم يتح لحملات المرشحين العمل، باستثناء المرشح الذي دخل إلى السباق الانتخابي في اللحظة الأخيرة موسى مصطفى موسى، والمعروف بتأييده للرئيس عبد الفتاح السيسي.

ويمكن تحليل كثير من الأحداث والهجمة الشديدة على الصحفيين والمبدعين والسياسيين في هذا الإطار، وكأن الرسالة التي توجهها السلطة الحالية تقول ما اعتدتم عليه من مساحات خلال فترة إجراء انتخابات رئاسية ليس متاحا الآن، بل على النقيض، هناك ثمن باهظ للتصريحات السياسية كما الحال مع السياسي عبد المنعم أبو الفتوح، الذي تم القبض عليه بعد عدة لقاءات إعلامية أجراها في لندن، وصحفية التايمز بيل ترو التي جرى ترحيلها من القاهرة، والتشنج الكبير ضد تغطية بي بي سي للشأن المصري، وغير ذلك من وقائع سيتطرق التقرير لمعظمها في مواضع لاحقة.

هذه الانتهاكات العديدة خلال الربع الأول من العام 2018 تؤكد على توجه السلطة الحالية نحو مزيد من التضييق والملاحقات خلال السنوات الأربعة المقبلة، فالأمر يبدو محسوما لصالح الرئيس عبد الفتاح السيسي، والذي أدلى بعدد من التصريحات تعبر بوضوح عن رفضه لحرية التعبير و امتعاضه من العمل السياسي.

  • الهجوم على الإعلام الأجنبي:  ترحيل ودعوات للمقاطعة

واصلت الهيئة العامة للاستعلامات – وهي جهة رسمية تصدر تصاريح عمل للصحفيين الأجانب – الهجوم على وسائل الإعلام والصحفيين الأجانب، سواء من خلال بيانات رسمية تعترض فيها على مضمون تقارير الإعلام الأجنبي، أو من خلال الحملة والبروباجندا الداخلية التي يقودها رئيس الهيئة ضياء رشوان بالظهور المستمر على قنوات فضائية للتنديد بالإعلام الأجنبي، حتى أنه شارك في حلقة من برنامج تلفزيوني تحمل عنوان لماذا يستهدف الإعلام الأجنبي مصر، في 12 يناير 2018. ويقترن ظهور رئيس هيئة الاستعلامات بتغذية معاداة الأجانب في مصر، وتصوير الصحفيين اﻷجانب العاملين في مصر باعتبارهم جزء من مؤامرة ضد استقرار الدولة، وأحيانا ما تصل اتهامات يلقيها مقدمي برامج في قنوات مؤيدة للسلطة الحالية إلى قيام الصحفيين الأجانب بدعم الإرهاب.

والملفت أن رئيس هيئة الاستعلامات طالب بمقاطعة بي بي سي من قبل المسئولين الرسميين وذلك حتى  تقدم اعتذارا عما نشرته، على خلفية تقرير نشرته القناة الانجليزية تناول قضايا الاختفاء القسري والتعذيب في مصر. لذلك، يبدو أن السلطات المصرية تحاول إرسال تهديدات ومضايقات مستمرة لوسائل الإعلام الأجنبية، والتي لا تملك الأجهزة الأمنية في مصر أن تسيطر على محتواها، إذ أن عمليات شراء واسعة لقنوات تلفزيونية وصحف قد جرت في مصر، إضافة إلى تأسيس شركات تدور حولها شبهات الارتباط بأجهزة أمنية، وأدى ذلك إلى تحكم السلطة الحالية في الإعلام المصري، بشكل غير مسبوق.

أصدرت الهيئة العامة للاستعلامات عدة بيانات، خلال الربع الأول من العام 2018، وجهت فيها انتقادات لوسائل إعلام أجنبية بتعمد نشر معلومات مغلوطة وارتكاب أخطاء مهنية، وكانت البداية في 7 يناير 2018، عبر بيان ضد صحيفة “نيويورك تايمز” الامريكية، على خلفية قضية نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، ثم بيان ضد هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي، في 24 فبراير 2018، توجه فيه انتقادات لتقرير نشرته بي بي سي، حوى مجموعة من المقابلات مع ضحايا وذويهم، ممن تعرضوا للتعذيب والاختفاء القسري. وليست هذه المرة الأولى التي توجه فيها هيئة الاستعلامات اتهامات بتزييف الحقائق ونشر معلومات مغلوطة لـ بي بي سي، فقد حدث ذلك خلال العام الماضي 2017 على خلفية حادث الواحات.لم تقتصر الهجمة على وسائل الإعلام الأجنبية على هذه البيانات ودعوات مقاطعة بي بي سي التي أطلقها رئيس هيئة الاستعلامات، وإنما امتدت إلى ترحيل الصحفية بل ترو، والتي تعمل مراسلة لصحيفة التايمز البريطانية في مصر، حيث ألقي القبض عليها وخضعت لتحقيق، قبل أن يتم ترحيلها، مع التهديد بمحاكمتها عسكريا. ورغم أن الواقعة تحمل تعسفا كبيرا ضد المراسلة، ولم توضح السلطات سببها أو سندها القانوني، إلا أن الهيئة العامة للاستعلامات، أصدرت بيانا، اتهمت فيه الصحفية بممارسة عملها بلا تصريح، وفي نفس البيان توضح الهيئة أنها لم تقم بإصدار بطاقات الصحفيين الأجانب للعام الجاري نتيجة ظروف فنية.

 

  • بيان النيابة العامة: آراء المواطنين تحت الرقابة:

أصدر النائب العام، في 28 فبراير 2018، قرارا بتكليف المحامين العامين ورؤساء النيابات بالاستمرار في متابعة وسائل الإعلام المختلفة ومواقع التواصل الاجتماعي لضبط ما يصدر بها من أخبار وبيانات وإشاعات كاذبة، من شأنها الإضرار بالمصلحة العامة للدولة، وكذلك خاطب القرار الجهات المسئولة عن الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، لإبلاغ النيابات بهذه البيانات. وفي بيان لاحق، أعلنت النيابة العامة، في 12 مارس 2018، عن أرقام يمكن للمواطنين من خلالها في كافة المحافظات إبلاغ النيابات عن الأخبار والبيانات التي تضر مصلحة الدولة.

جاء قرار النيابة العامة في الفترة التي تجرى فيها الانتخابات الرئاسية، وبالترامن مع عدة تصريحات للرئيس السيسي توعد فيها ما أطلق عليها “قوى الشر”، واعتبر أن حرية الرأي لا تشمل تناول المؤسسات الأمنية في الإعلام والثقافة بما وصفها “باﻹساءة”.

ويحمل قرار النيابة العامة ( بمتابعة وسائل التواصل الاجتماعي لضبط ما يصدر بها من أخبار وبيانات وإشاعات كاذبة ) إشكاليات كثيرة، منها عدم وضوح المصطلحات، وعدم ارتباطها بالقانون، إذ استخدم البيان لفظ قوى الشر، وهو لفظ غامض، إضافة إلى مصطلحات غير محددة مثل نشر الإشاعات والبيانات الكاذبة. كما أن القرار وما تلاه من إتاحة أرقام النيابات، يجعل من كل تعبير عن الرأي جريمة محتملة. كذلك، فإن النيابة كجهة تحقيق، تجاوزت دورها المحدد قانونا، بحيث تقوم بدور جهات الضبط والتحري. وعلى اﻷرجح، يمثل القرار بداية لشرعنة ممارسات مراقبة مستخدمي التواصل الاجتماعي، والتفتيش في آرائهم، سواء من قبل جهات أو مواطنين، فالقرار بمثابة محكمة تفتيش على أفكار وضمائر المواطنين، وخاصة ممن يوجهون انتقادات للسلطة الحالية، ومن يقومون بتعويض القصور الكبير في المعلومات الرسمية المتاحة حول كثير من قضايا الشأن العام.

  • قانون مكافحة الجريمة الإلكترونية: البرلمان يهدد الحقوق الرقمية

وافقت لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب على مشروع قانون مكافحة الجريمة الإلكترونية، خلال الربع الأول من العام 2018. ويهدد القانون الذي يحتوي على 45 مادة الحقوق الرقمية، إذ ترسخ مواد القانون من إحكام السيطرة على المحتوى المنشور على الإنترنت وتقنين المراقبة الشاملة على الاتصالات في مصر. فعلى سبيل المثال، يُلزم مشروع  القانون، شركات الاتصالات بحفظ وتخزين بيانات استخدام العملاء، لمدة 180 يوما، وتشمل البيانات التي تُمكّن من التعرُّف على المستخدم والبيانات المتعلقة بمحتوى ومضمون النظام المعلوماتي والمتعلقة بحركة الاستخدام والمتعلقة بالأجهزة المُستخدمة. ما يعني أنه سيكون لدى مقدمي خدمات الاتصالات بيانات توضّح كل الممارسات التي يقوم بها المستخدم بما في ذلك المكالمات الهاتفية والرسائل النصية، وكل البيانات المتعلقة بهما والمواقع التي يزورها والتطبيقات المستخدمة على الهواتف الذكية والحواسيب.

ومن جانب آخر، يجبر مشروع القانون شركات الاتصالات بالالتزام بقرارات الجهة الإدارية “الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات” للاحتفاظ بأي بيانات أخرى، بل ويكون لجهات الأمن القومي الإطلاع على البيانات التي تحتفظ بها شركات الاتصالات، حيث ينص مشروع القانون على أن ” يلتزم مقدمي الخدمة والتابعون لهم، أن يوفروا حال طلب جهات الأمن القومي ووفقًا لاحتياجاتها كافة الإمكانيات الفنية المتاحة لديه والتي تتيح لتلك الجهات ممارسة اختصاصاتها وفقًا للقانون”. ويُعرّف القانون “جهات الأمن القومي” على أنها تشمل رئاسة الجمهورية، والقوات المسلحة، ووزارة الداخلية، والمخابرات العامة، وهيئة الرقابة الإدارية.

ويمتد تأثير مشروع القانون الذي يناقشه البرلمان إلى حجب مواقع الإنترنت، وهو الظاهرة التي برزت خلال الفترة الأخيرة، ولا يفسرها أسانيد قانونية واضحة، بل لا تعترف السلطات المصرية بمسئوليتها عنها، باستثناء قرار بحجب 33 موقعا من ضمن 500 موقعا على الأقل. لذا، تحاول مسودة قانون الجريمة الإليكترونية أن تثبت أساس قانوني يمكن الجهات المعنية من التوسع في حجب المواقع، فمشروع القانون يعطي الصلاحية لجهات التحقيق لإصدار قرار بحجب مواقع الإنترنت، متى رأت أن المحتوى المنشور على هذه المواقع يُشكّل جريمة أو تهديدا للأمن القومي أو يعرض أمن البلاد أو اقتصادها القومي للخطر. وينص مشروع القانون على أن تقوم جهة التحقيق بعرض القرار على المحكمة المختصة.

ليس ذلك فحسب، بل يمنح مشروع القانون للشرطة صلاحية إصدار قرار حجب المواقع، في “حالة الاستعجال لوجود خطر حال أو ضرر وشيك الوقوع”، عن طريق إبلاغ الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، والذي يخطر بدوره مقدم الخدمة على الفور بالحجب المؤقت للموقع أو المواقع أو الروابط، أو المحتوى، ويُلزم القانون  مقدم الخدمة بتنفيذ مضمون الإخطار فور وروده. ولاحقا، يتم عرض القرار على جهات التحقيق ومن ثم المحكمة المختصة.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

Subscribe To AFTE Email List
No Thanks
Thanks for signing up.
We respect your privacy. Your information is safe and will never be shared.
Don't miss out. Subscribe today.
×
×

WordPress Popup Plugin