المحتوى
منهجية
مقدمة
أولًا: رصد أنماط التدخل في المحتوى الرقمي
ثانيًا: سبل المراقبة الجماعية بين الإمكانيات التقنية والمسار الإجرائي
ثالثًا: هل تتيح القوانين المصرية لأجهزة الأمن ممارسة المراقبة الجماعية؟
خاتمة وتوصيات حول حماية الخصوصية الرقمية وحرية التعبير
منهجية
تعتمد هذه الورقة على تحليل مضمون البيانات الرسمية المنشورة على الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية المصرية على موقع فيسبوك، باعتبارها تعكس الصياغة المؤسسية للوقائع وطبيعة التدخل الأمني كما تُعرض رسميًا. وتستند الورقة إلى قاعدة بيانات مكونة من 400 بيان رسمي منشور خلال الفترة من إبريل 2025 إلى إبريل 2026، تم جمعها باستخدام أداة Apify، ثم ترميزها وتصنيفها يدويًا. وتم اعتماد “البيان الرسمي” كوحدة تحليل، لما يتضمنه من معلومات عن الواقعة، ونقطة بداية التدخل، والإجراءات المُتخذة.
وتم تصنيف الوقائع وفق مجموعة من المتغيرات، تشمل: نوع الواقعة، وسبب التدخل، وطبيعة المحتوى، وسرعة الاستجابة، والجهات المتعاونة، ونتيجة الواقعة. كما تم توحيد بعض التصنيفات مثل: “سبب التدخل” بما يسمح بإجراء تحليل كمي دقيق، وذلك من خلال دمج الصيغ المختلفة المرتبطة بالمحتوى المتداول ضمن فئة “الرصد”. وذلك بهدف رصد أنماط التدخل الأمني، مع التركيز على تحديد نقطة بداية التحرك، وقياس توزيعها بين الرصد والبلاغات والتحريات، وتحديد العلاقة بين نوع الواقعة وطبيعة الإجراء المُتخذ.
كما تعتمد الورقة على الإطار القانوني الوطني كمرجع لها. ويتضمن هذا الإطار الدستور المصري، وقانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950، وقانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وقانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020، وقانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015.
وتسترشد الورقة بالمعايير الدولية ذات الصلة بحماية الخصوصية وهي: المادة (17) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والتعليق العام رقم (16) للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة. كما تمت الاستعانة بعدد من التقارير الحقوقية الصادرة عن منظمات محلية ودولية معنية بالحقوق الرقمية والخصوصية. بالإضافة إلى عدد من التغطيات والتقارير الصحفية التي تناولت تطور سياسات المراقبة الرقمية في مصر، ومشروعات الرصد الإلكتروني، وآليات تعامل أجهزة إنفاذ القانون مع المحتوى المتداول على منصات التواصل الاجتماعي. وقد استُخدمت هذه المصادر بوصفها مواد تفسيرية وسياقية تساعد في فهم البيئة التقنية والقانونية المحيطة بالممارسات محل الدراسة، دون الاعتماد عليها كمصدر رئيسي للبيانات أو لاستخلاص النتائج الكمية.
ولا تسعى الورقة إلى تقديم حصر شامل لجميع تدخلات وزارة الداخلية، بل تقتصر على تحليل ما يتم نشره رسميًا، بوصفه مؤشرًا على أنماط التدخل كما تُعرض مؤسسيًا، مع إدراك حدود هذا المصدر وانتقائيته.
مقدمة
شهدت السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في تعامل وزارة الداخلية المصرية مع المحتوى المتداول على منصات التواصل الاجتماعي. فنلاحظ إصدارها لبيانات رسمية تتضمن بشكل متكرر إعلان “كشف ملابسات” أحداث أو جرائم ارتبطت بمحتوى متداول على منصات التواصل الاجتماعي. وتثير هذه الوقائع تساؤلات بشأن طبيعة التدخل الأمني في المحتوى الرقمي، وما إذا كان هذا المحتوى يعد جزءا من تحقيقات جارية، أم أنه نقطة البداية لتحرك الجهات الأمنية تجاه مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي.
ولا يقتصر هذا النمط على الوقائع المرتبطة بجرائم محددة وواضحة، مثل وقائع العنف، أو السرقة، أو النصب، أو الابتزاز، بل يمتد ليشمل وقائع أخرى بداية من محتوى رقمي متداول أو تفاعلات ومنشورات على منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يشير إلى اتساع نطاق التدخل ليشمل سلوك المواطنين الاجتماعي.
وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة في ضوء ما تكشفه البيانات محل الدراسة، والتي تشير إلى أن نسبة كبيرة من التدخلات تبدأ برصد محتوى متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، مقابل حضور محدود للبلاغات الرسمية كنقطة بداية للتحرك. وبالتالي، نطرح هنا تساؤلات حول طبيعة هذا النمط من التدخل، وما إذا كان يعكس توسعًا في نطاق المتابعة الأمنية للفضاء الرقمي، وحدود هذا التوسع.
ويمكن فهم المراقبة الجماعية للفضاء الرقمي باعتبارها نمطًا يقوم على متابعة وجمع وتحليل البيانات والمحتوى على نطاق واسع، دون ارتباط مسبق باشتباه محدد في حق أشخاص بعينهم، بما يعني تطبيقها على عموم المستخدمين بدلًا من استهداف حالات فردية.[1] ويفرق هذا النمط عن المراقبة المرتبطة بتحقيقات جنائية، التي تنطلق من واقعة محددة وتخضع – من حيث الأصل – لضوابط إجرائية، بينما يقوم الرصد الواسع على افتراض إمكانية متابعة المجال الرقمي بشكل مستمر بحثًا عن وقائع محتملة.
وتعد هذه الممارسة انتهاكا لحقوق مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي. وفي هذا السياق، يكفل القانون الدولي حماية الحق في الخصوصية، حيث تنص المادة 17[2] من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حظر أي تدخل تعسفي أو غير قانوني في الحياة الخاصة أو المراسلات. وفي ضوء ذلك، يُشترط أن يكون أي تعدي على الحق في الخصوصية قائم على أساس قانوني واضح، وأن يكون مشروع الهدف، ومحدودًا في نطاق الضرورة. ولا يمكن البدء في محاور الورقة إلا بتوضيح مصطلحات أساسية لتلافي أي غموض حولها، كما يلي:
- المراقبة الجماعية: تعرف منظمة العفو الدولية “المراقبة” بأنها “متابعة اتصالات الشخص أو أفعاله أو تحركاته”، ويقدم هذا التعريف تصورًا عامًا للمراقبة بوصفها نشاطًا يقوم على تتبع الأفراد وجمع المعلومات المتعلقة بهم.[3] أما في السياق الرقمي، فتتخذ المراقبة أشكالًا أكثر تعقيدًا ترتبط بجمع البيانات وتحليلها واستخدامها. وفي هذا الإطار، يشير تقرير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة حول الحق في الخصوصية في العصر الرقمي إلى أن سلطات أكثر من دولة أصبحت تقوم بجمع وتحليل منشورات وسائل التواصل الاجتماعي والشبكات المهنية والخاصة المبنية على منصات الاتصال المتاحة للجمهور، وتتراوح هذه الممارسات بين تتبع مستخدمين محددين وجمع وتخزين وتحليل كميات واسعة من البيانات.[4]
ولأغراض هذه الورقة، يُقصد بالمراقبة الرقمية عمليات متابعة وجمع وتحليل البيانات والأنشطة والمحتوى الرقمي للأفراد عبر المنصات الرقمية، سواء في إطار تتبع مستخدمين محددين أو جمع نطاقات أوسع من البيانات.
- البيانات الشخصية: عرفت المادة 1 من قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 البيانات الشخصية بأنها: “أي بيانات متعلقة بشخص طبيعي محدد، أو يمكن تحديده بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق الربط بين هذه البيانات وأي بيانات أخرى كالاسم، أو الصوت، أو الصورة، أو رقم تعريفي، أو محدد للهوية عبر الإنترنت، أو أي بيانات تحدد الهوية النفسية، أو الصحية، أو الاقتصادية، أو الثقافية، أو الاجتماعية”.[5]
وتنطلق هذه الورقة من تساؤل رئيسي يتعلق بما إذا كانت أنماط التدخل في المحتوى الرقمي، التي تكشفها البيانات الرسمية تتسق مع الضمانات القانونية الوطنية والدولية المُنظمة للخصوصية والحقوق الرقمية. وللإجابة على هذا التساؤل، تعتمد الورقة على تحليل نقطة بداية التدخل، وأنماط الوقائع محل المتابعة، وطبيعة الإجراءات المُتخذة، ثم مقارنة النتائج المستخلصة بالإطار القانوني الوطني والمعايير الدولية ذات الصلة.
أولًا: رصد أنماط التدخل في المحتوى الرقمي
بداية، يكشف تحليل عينة البيانات الرسمية الصادرة عن الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية على موقع فيسبوك، خلال الفترة من إبريل 2025 إلى إبريل 2026، عن نمط واضح في التعامل مع الوقائع المرتبطة بالمحتوى المتداول على منصات التواصل الاجتماعي. فلا تقتصر البيانات على عرض نتائج التحقيقات، بل تعكس بشكل مباشر آليات تدخل الأجهزة الأمنية في الفضاء الرقمي ونقطة انطلاق هذا التدخل.
فعلى مستوى نقطة بداية التدخل، تشير البيانات إلى أن 62.5% من الوقائع محل الدراسة بدأت برصد محتوى متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، في مقابل 5% فقط بدأت على أساس بلاغات رسمية، بينما توزعت النسبة المتبقية بين التحريات الأمنية (19.8%) والحملات والتنفيذ الإداري (12.8%). ويعكس هذا التوزيع أن الرصد المباشر للمحتوى المنشور في الفضاء الرقمي هو نقطة البداية الغالبة.[6] كما تكشف البيانات محل الدراسة أن الرصد لا يتركز فقط على الجرائم التي تحدث في المجال العام، وإنما يشمل أنماطًا متعددة من المحتوى والسلوك الرقمي، تتفاوت من حيث طبيعتها ومستوى خطورتها.
تُظهر الوقائع محل الدراسة حضورًا متكررًا للمحتوى ذي الطابع الأخلاقي أو السلوكي، خاصة تلك الوقائع المرتبطة بصناع المحتوى؛ مثل البث المباشر ومقاطع الفيديو التي وصّفتها البيانات الرسمية بأنها “خادشة للحياء” أو “مخالفة للقيم الأسرية والمجتمعية”. وفي هذا النمط من القضايا، لا يُمثل المحتوى الرقمي مجرد وسيلة لكشف جريمة قائمة، بل يصبح هو ذاته محلًا للجريمة وموضوعها؛ حيث تبدأ الإجراءات القانونية فور تداول المقطع أو انتشاره، لتباشر الجهات المختصة فحصه وتقييمه، ومن ثمّ تحديد هوية القائمين عليه وملاحقتهم قضائيًا.[7]
وفي المقابل، تكشف البيانات عن وقائع أخرى ترتبط بجرائم إلكترونية بعيدة عن منظومة صناعة المحتوى، كالابتزاز، والتشهير، والتحرش. وهنا، تتحول الأدلة والوسائط الرقمية إلى أداة إثبات أساسية تتيح الوصول إلى ملابسات الواقعة وتحديد هوية مرتكبيها، مما يجعل من الرصد الرقمي آلية مساعدة وجوهرية في مسار التحقيق الجنائي.[8]
ولا يتوقف النطاق عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل مواد منشورة رقميا مرتبطة بالمجال العام والحياة اليومية، مثل توثيق المشاجرات، والمخالفات المرورية، والتجمعات التي أثارت تفاعلًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي. ويعكس هذا التنوع اتساع مظلة الرصد والمتابعة لتشمل أنماطًا مختلفة من المحتوى الرقمي، حتى في الحالات التي لا تنطوي على جرائم عنيفة، أو ضرر مباشر وواضح، أو تلك التي لم تبدأ ببلاغات رسمية مباشرة. [9]
ويكتسب التركيز الواضح على صناع المحتوى دلالة خاصة عند النظر إلى طبيعة الوقائع محل التدخل. فجميعها ترتبط بمحتوى جرى تقييمه على أساس طبيعته الأخلاقية أو أسلوب تقديمه أو اللغة المُستخدمة فيه. وتكشف البيانات، إلى جانب الوقائع التي جرى رصدها خلال على مدار عام، عن نمط متكرر من التدخل يستهدف المحتوى الترفيهي الذي يرتبط بالرقص، وطريقة الحديث، والمظهر.
وفي هذا السياق، لا يبدو الرصد الرقمي موجهًا فقط إلى الجرائم التي يُستخدم فيها الوسائط الرقمية كوسيلة لكشف جريمة أو تتبع مرتكبيها، بل يمتد أيضًا إلى مراقبة أنماط السلوك والتعبير داخل المجال الرقمي، خاصة حين يرتبط المحتوى بفئات اجتماعية بعينها أو بأنماط حياة لا تنتمي إلى الأنماط الاجتماعية المقبولة رسميًا. ويتضح ذلك بشكل خاص في الوقائع التي تستند فيها البيانات الرسمية إلى توصيفات فضفاضة، مثل “مخالفة القيم الأسرية” أو “خدش الحياء” أو “التعدي على قيم المجتمع”، دون الإشارة دائمًا إلى ضرر مباشر أو إلى ضحايا محددين. وهو ما يتقاطع مع ما أشار إليه تقرير أصدرته مؤسسة حرية الفكر والتعبير بعنوان ” من القيم الأسرية إلى اتهامات الإرهاب: القيود القانونية والممارسات الأمنية ضد صانعي المحتوى في مصر”[10].
كما تكشف البيانات الرسمية نفسها عن حضور واضح للبعد الاستعراضي في طريقة عرض الوقائع، حيث تتكرر الصياغات التي تتحدث عن “ضبط” صناع محتوى بسبب مقاطع فيديو منشورة بهدف “زيادة المشاهدات” أو “تحقيق الأرباح”، مع نشر صور المتهمين أو أدوات التصوير أو الهواتف المحمولة المضبوطة. ويعكس ذلك أن وزارة الداخلية تعمل على تقديم نماذج معينة من السلوك الرقمي باعتبارها محلًا للضبط أو الردع المجتمعي. كما تشير هذه الطريقة إلى انتهاك خصوصية المتهمين، إذ يمكن من خلال المنشورات التعرف على وجوههم وحساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي.
وتتسع ممارسة المراقبة الجماعية في الآونة الأخيرة، حيث جرى القبض على “سيد مشاغب”، عضو برابطة “أولتراس وايت نايتس” [11]وآخرين، عقب انتشار مقاطع فيديو توثق تجمعًا واحتفالًا بخروجه من محبسه، حيث رجحت مرافعات الدفاع إلى أن هذه الفيديوهات “لفتت الانتباه” وكانت سببًا في تحرك الجهات الأمنية. وهو ما يعكس كيف يمكن أن يؤدي انتشار المحتوى الرقمي ذاته إلى تفعيل التدخل، دون وجود بلاغ رسمي.
وعند النظر إلى هذه المؤشرات مجتمعة، يتضح أن البيانات لا تعكس فقط تنوعًا في الوقائع، بل تكشف عن نمط تدخل متسق يقوم على المتابعة المباشرة للمحتوى الرقمي، وربطه بأشخاص محددين، ثم اتخاذ إجراءات قانونية على هذا الأساس، بغض النظر عن طبيعة الواقعة أو مستوى خطورتها.
ويطرح هذا النمط تساؤلات قانونية أولية تتعلق بمدى اتساق هذه الممارسات مع المبادئ المنظمة للتدخل في الخصوصية، وعلى رأسها مبدأ الشرعية، الذي يقتضي وجود أساس قانوني واضح للإجراءات التي تبدأ من رصد المحتوى الرقمي وتمتد إلى جمع البيانات وتحديد الهوية واتخاذ التدابير القانونية. وكذلك مبدأ الضرورة الذي يقتضي ألا يتم اللجوء إلى التدخل إلا إذا كان مبررًا بهدف مشروع ومحدد، وألا تتجاوز الإجراءات المُتخذة ما يلزم لتحقيق هذا الهدف في الظروف القائمة أو حماية الأمن العام أو حقوق الغير، وألا يتم اللجوء إليه إلا عندما يكون ضروريًا لتحقيق هذا الهدف. وأخيرًا، يخالف ذلك مبدأ التناسب الذي يستلزم ألا تتجاوز الإجراءات المُتخذة حدود ما تقتضيه طبيعة الفعل والهدف المراد تحقيقه.[12]
ثانيًا: سبل المراقبة الجماعية بين الإمكانيات التقنية والمسار الإجرائي
تكشف البيانات في المحور السابق أن 62.5% من الوقائع محل الدراسة تبدأ برصد محتوى متداول مقابل 5% فقط تبدأ ببلاغات، ما يثير تساؤل: كيف تتم عملية الرصد هذه فعليًا. إذ لا يعكس هذا التوزيع مجرد تحولًا في نقطة بداية التدخل، بل يشير إلى وجود بنية تسمح بمتابعة المحتوى الرقمي على نطاق واسع، ثم التدخل أمنيًا في وقت قصير.[13]
وفي هذا السياق، يمكن تتبع جذور هذه البنية إلى عام 2014. ففي هذا العام، طرحت وزارة الداخلية مشروعًا تقنيًا تحت مسمى “منظومة رصد المخاطر الأمنية لشبكات التواصل الاجتماعي”، والذي استهدف إنشاء نظام قادر على متابعة وتحليل المحتوى المتداول على المنصات الرقمية باستخدام أدوات بحث تعتمد على الكلمات المفتاحية وتحليل التفاعل. ورغم أن هذا المشروع لم يُطرح كوحدة مؤسسية معلنة، فإنه شكّل نقطة بداية لإدماج الرصد الرقمي ضمن العمل الأمني، واستمر-بحسب المؤشرات القانونية والإعلامية- كإطار عام للممارسة.[14]
ولا يقتصر الرصد على مستوى البنية التحتية للاتصالات، بل يمتد إلى متابعة المحتوى المنشور على منصات التواصل الاجتماعي نفسها، سواء من خلال أدوات تحليل أو من خلال تتبع المحتوى واسع الانتشار، وهو ما يعزز إمكانية التقاط المحتوى فور تداوله دون انتظار بلاغات رسمية. وفي هذا السياق، لا يظهر الرصد بوصفه إجراءً منفصلًا، بل كجزء من مسار إجرائي متكامل يمكن استخلاصه من تكرار الصياغات الواردة في البيانات الرسمية، ويبدأ من متابعة المحتوى وينتهي بالتدخل الميداني.
يبدأ هذا المسار بمرحلة “الرصد الأولي”، حيث يتم التقاط المحتوى المتداول على المنصات الرقمية، سواء عبر أدوات تحليل أو نتيجة انتشاره. وفي هذه المرحلة، لا يكون وجود بلاغ شرطًا لبدء التحرك، بل يُعامل المحتوى ذاته بوصفه مؤشرًا يستدعي الفحص. وقد تعتمد هذه المرحلة على أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لالتقاط الكلمات المفتاحية والأنماط التعبيرية ومتابعة الحسابات، حتى تلك التي تحاول استخدام أدوات التخفي الرقمي مثل الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) [15].
وعلى مستوى مراقبة الاتصالات والشبكات، تمتلك الأجهزة الأمنية قدرات متقدمة لمراقبة وتحليل البيانات الرقمية؛ تشمل الاستعانة بتقنيات متطورة قادرة على فحص حركة التدفق عبر الشبكات. ومن أبرز هذه التقنيات آلية “الفحص العميق للحزم” (Deep Packet Inspection)، والتي لا تكتفي بقراءة البيانات التعريفية العامة للمستخدمين، بل تمتد لتشمل فحص وقراءة محتوى الاتصالات والرسائل ذاتها، مما يتيح تتبع المستخدمين ورقابة نشاطهم الرقمي بدقة. وقد ارتبطت هذه التقنيات في بعض الحالات، بمنتجات شركات دولية مثل: Blue Coat Systems، والتي استُخدمت عالميًا ومحليا في سياقات المراقبة والتنقيح.[16]
أما على مستوى مراقبة شبكات التواصل الاجتماعي، تتوفر أدوات تجارية متخصصة في تحليل المحتوى وتتبع التفاعل مثل (Hootsuite، AIM Insights، Sprout Social[17] ) ورغم غياب أي إعلان أو توثيق رسمي يفيد باستخدام الحكومة لهذه البرمجيات التجارية تحديدًا، إلا أن قدرة هذه الأدوات الوظيفية على الفرز والتحليل، تجعل من المرجح استخدام السلطات لها أو لتقنيات موازية مشابهة.
يتم بعد ذلك الانتقال إلى مرحلة “تحديد الهوية”، من خلال ربط المحتوى بحسابات أو أشخاص محددين باستخدام البيانات المتاحة، وهو ما يسمح بالانتقال من المحتوى الرقمي إلى أشخاص بعينهم. وفي سياق تطور أدوات التحقق الرقمي استحدثت وزارة الداخلية منصة وطنية موحدة لـ “التحقق البايومتري والمصادقة اللحظية” عبر تطبيق الهواتف الذكية (MOIEG-PASS). وتعتمد هذه المنصة على خوارزميات مطورة محليًا للتعرف على الوجوه.[18] ورغم أن المنصة تم تقديمها رسميًا كأداة لتأمين تعاملات المواطنين وبياناتهم مع الخدمات الرقمية للوزارة، إلا أن توفر هذه البنية التقنية محليًا يمنح المنظومة الأمنية قنوات متطورة للمطابقة الفورية والتحقق من الهويات الرقمية للمستخدمين عند الحاجة.
ثم قد تنتقل الواقعة إلى مرحلة الإجراءات القانونية، والتي قد تشمل عرضها على جهات التحقيق المختصة لاتخاذ أو استصدار الإجراءات اللازمة بحسب طبيعة الواقعة والإجراء المطلوب. وتختلف هذه المرحلة من حيث متطلبات المراقبة والإذن القانوني، وفقًا لنوع الإجراء المُتخذ وحدود اختصاص جهات الضبط والتحقيق. وأخيرًا، تنتهي هذه السلسلة بمرحلة “التدخل الميداني والتنفيذ”، والتي تتضمن الضبط أو اتخاذ الإجراءات القانونية، وغالبًا ما تتم خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا، بما يعكس سرعة الانتقال من الرصد إلى التنفيذ في عدد من الحالات.[19]
وفي هذا السياق، تظهر الإدارة العامة لحماية الآداب بقطاع الشرطة المتخصصة بشكل متكرر في الوقائع ذات الطابع الأخلاقي، وهو ما يشير إلى إسناد التعامل مع هذا النوع من المحتوى إلى جهة متخصصة داخل جهاز الشرطة، دون أن يتوافر- في المقابل- إفصاح رسمي تفصيلي عن آليات عملها في المجال الرقمي. ورغم ذلك، فإن تكرار الإشارة إليها في البيانات الرسمية، مقترنًا ببداية الوقائع من “رصد” محتوى متداول، يوحي بأن دورها لا يقتصر على التدخل اللاحق، بل يمتد – في بعض الحالات – إلى متابعة هذا النوع من المحتوى والتعامل معه منذ مراحله الأولى.
ويتضح هذا المسار بشكل عملي في الوقائع المرتبطة بصُناع المحتوى، كما أوضحنا سابقًا، حيث تبدأ عملية التدخل برصد مقاطع فيديو منشورة على حسابات شخصية أو صفحات عامة، ثم فحص هذا المحتوى وتحديد القائمين عليه، وصولًا إلى اتخاذ إجراءات قانونية بحقهم. وتشير البيانات إلى حالات متعددة تم فيها ضبط صُناع محتوى عقب نشرهم مقاطع تتضمن سلوكيات أو عبارات اعتُبرت مخالفة،[20] حيث جرى رصد هذه المقاطع وتحليلها، ثم ضبط القائمين عليها وبحوزتهم الهواتف المستخدمة في التصوير، وبمواجهتهم أقروا بنشر المحتوى بهدف تحقيق نسب مشاهدة أو أرباح.[21] كما تظهر وقائع أخرى تم التعامل فيها مع محتوى رقمي متداول، حيث أدى انتشار هذا المحتوى إلى بدء الفحص وتحديد هوية القائمين عليه، ثم اتخاذ إجراءات قانونية بحقهم.[22]
وعند النظر إلى هذه المؤشرات مجتمعة، يتضح أن المراقبة الجماعية الرقمية لا تقوم على أداة واحدة أو نظام معلن، بل على تراكم أدوات وإجراءات تسمح برصد المحتوى على نطاق واسع، ثم الانتقال من المتابعة العامة إلى التدخل المحدد وفقا لكل حالة.
ثالثًا: هل تتيح القوانين المصرية لأجهزة الأمن ممارسة المراقبة الجماعية؟
في ظل الممارسات المُشار إليها، تزداد التساؤلات حول وجود أساس تشريعي واضح يمنح الجهات التنفيذية سلطة المراقبة الجماعية، بما يشمل رصد المحتوى، وجمع البيانات، وتحليل السلوك الرقمي للمستخدمين على نطاق واسع. وتكتسب هذه الإشكالية أهميتها في ضوء ما كشفته البيانات في الفصل السابق، والتي أظهرت كما أسلفنا أن 62.5% من الوقائع محل الدراسة بدأت برصد محتوى متداول، مقابل 5% فقط بدأت ببلاغات رسمية. ويفترض هذا التحليل التمييز بين نمطين مختلفين من المراقبة، لا يمكن إخضاعهما لنفس الإطار القانوني.
يتمثل النمط الأول في المراقبة الفردية، وهي تلك المرتبطة بواقعة محددة أو اشتباه قائم في حق شخص بعينه، وتتم في إطار تحقيق جنائي واضح، وتخضع – على الأقل من حيث المبدأ – لضوابط إجرائية، من بينها الحصول على إذن قضائي.[23] أما النمط الثاني، فهو المراقبة الجماعية، التي تقوم على جمع البيانات ورصد السلوك الرقمي وتحليله على نطاق واسع، دون ارتباط مسبق بواقعة محددة أو اشتباه فردي، وهو النمط الذي تقترب منه الممارسات التي تكشفها البيانات محل الدراسة، خاصة فيما يتعلق بالرصد الاستباقي للمحتوى المتداول والتدخل على أساسه.
ويثير هذا النمط اشكاليات قانونية جوهرية، نظرًا لما ينطوي عليه من تدخل واسع في الحق في الخصوصية، الذي يحميه الدستور المصري، في مادته (57)[24] وكذلك المعايير الدولية، وعلى رأسها المادة (17)،[25] من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تحظر أي تدخل تعسفي أو غير قانوني في الحياة الخاصة أو المراسلات. ولا يقتصر هذا الحظر- وفقًا لتفسير لجنة حقوق الإنسان – على التدخلات غير القانونية، بل يمتد إلى التدخلات التي تفتقر إلى الضرورة أو التناسب،[26] حتى وإن كانت قائمة على أساس قانوني.
وتجدر الإشارة إلى أن المواد التي ينشرها المستخدمون لأغراض التواصل الاجتماعي والاتصال بالأصدقاء الافتراضيين والمتابعين، لا يمكن للجهات التنفيذية مراقبتها وتحليلها في المجمل. فالفرد حينما يشارك صورة لحفل أو مناسبة خاصة أو غيرها، لا يمنح بذلك إذنا لجهة مثل وزارة الداخلية لتتبع بياناتها وتخزينها وتحليلها، وهو ما تؤكده المواثيق والتقارير الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة بشأن “الحق في الخصوصية في العصر الرقمي”، والتي تشير بوضوح إلى أن إتاحة المستخدم لبعض بياناته على الإنترنت لا تعني إسقاط حقه في الخصوصية، ولا تمنح السلطات حق المراقبة الجماعية أو التتبع دون مسوغ قانوني صارم.[27]
وبالرجوع إلى الإطار التشريعي المصري، يتضح أن القوانين ذات الصلة تمنح أجهزة الدولة سلطات تتعلق بمتابعة الاتصالات والأنشطة الرقمية، إلا أن هذه السلطات مرتبطة – في معظمها – بحالات محددة، ولا تقدم تنظيمًا صريحًا للمراقبة الجماعية. ففي قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003،[28] تُلزم شركات الاتصالات بتوفير الإمكانيات الفنية التي تتيح لأجهزة الأمن القومي ممارسة اختصاصاتها. ورغم اتساع هذا النص، فإنه لا يحدد نطاق هذه الإمكانيات أو حدود استخدامها، كما لا يميز بين المراقبة المرتبطة بوقائع محددة والمراقبة واسعة النطاق، وهو ما يفتح المجال لتفسيرات واسعة دون وضع ضوابط تفصيلية.
وتجيز المادة 46[29] من قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015، للنيابة العامة أو سلطة التحقيق المختصة – بأمر قضائي مسبب – اتخاذ تدابير تتعلق بمراقبة وتسجيل المحادثات أو ما في حكمها وضبط المراسلات في سياق جرائم الإرهاب، وهو ما يوسع نطاق التدخل في الاتصالات في إطار تحقيق قائم.
ومع قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018،[30] ترسخت بنية قانونية للوصول إلى البيانات الرقمية، حيث تلزم المادة (2) مقدمي الخدمة بالاحتفاظ ببيانات الاستخدام وبيانات تعريف المستخدمين. كما تجيز المادة (6) – بأمر من جهة التحقيق – ضبط أو تتبع أو حجب البيانات أو المواقع متى كان ذلك لازمًا للتحقيق في جريمة. ويتضح مما سبق أن هذه النصوص تفترض وجود جريمة أو تحقيق جنائي قائم، ولا تنص صراحة على جواز الرصد الاستباقي العام للمحتوى.
وبالرجوع إلى قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950، يتضح أن دور مأموري الضبط القضائي لا يقتصر على تلقي البلاغات، بل يمتد ليشمل البحث عن الجرائم ومرتكبيها وجمع الاستدلالات المتعلقة بها. وهو ما تنص عليه المادة (21) من القانون المُشار إليه، وكذلك المادة (24) من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 والذي يدخل حيز التطبيق بدايةً من أكتوبر 2026. ويُفسر ذلك إمكانية بدء التحرك دون اشتراط وجود بلاغ رسمي سابق.
يمنح النص المُشار إليه مأموري الضبط القضائي اختصاصًا عامًا بالبحث وجمع الاستدلالات، إلا أنه لا يوضح بصورة تفصيلية كيفية تطبيق هذا الاختصاص، إذا ما تعلق الأمر برصد رقمي واسع النطاق لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي. لذلك فإن الاعتماد على هذا النص كمبرر لممارسة المراقبة الجماعية يعد تفسيرا تعسفيا للقانون.
أما قانون هيئة الشرطة،[31] فرغم أنه يمنح رجال الشرطة اختصاصات واسعة في حفظ الأمن والنظام العام، إلا أنه لا يتضمن نصوصًا صريحة تنظم المراقبة الرقمية أو تضع إطارًا محددًا لها.
ورغم محاولة منظمات المجتمع المدني الطعن سابقا لإلغاء مناقصة طرحتها وزارة الداخلية للحصول على برمجيات تمكنها من المراقبة الجماعية في عام 2014،[32] إلا أن محكمة القضاء الإداري لم تستجب لطلبات المجتمع المدني.[33]
وعند جمع هذه النصوص، يتضح أن الإطار القانوني المصري وسع تدريجيًا صلاحيات الوصول إلى البيانات والتدخل في المحتوى في سياق التحقيقات أو الحالات المنصوص عليها، دون أن يقر نظامًا للمراقبة الجماعية.
خاتمة وتوصيات
تظل الفجوة كبيرة بين نصوص القانون المصري والممارسة التنفيذية فيما يتعلق بالمراقبة الجماعية ويزداد هذا الإشكال تعقيدًا عند النظر إلى طبيعة المحتوى محل الرصد، حيث لا يؤدي إتاحته عبر منصات التواصل الاجتماعي إلى سقوط الحماية القانونية عنه. ففي الإطار التشريعي المصري، قد تندرج بعض أشكال المحتوى المرتبط بالأفراد – مثل الصور أو مقاطع الفيديو أو البيانات المرتبطة بالحسابات الشخصية – ضمن نطاق البيانات الشخصية متى كانت تسمح بتحديد هوية الشخص بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وينظم قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 شروط جمع البيانات ومعالجتها والإفصاح عنها، ويقيدها بضرورة وجود موافقة صريحة من الشخص المعني أو وجود سند قانوني يجيز ذلك.[34] ويعكس هذا النص مبدأً قانونيًا جوهريًا، بأن إتاحة البيانات لا تعني إباحة استخدامها أو إخضاعها للرصد أو التحليل دون ضوابط. ولكن نلاحظ أن القانون ذاته يستثني جهات الأمن القومي من نطاق تطبيقه، وهو ما يفتح المجال أمام ممارسات تتعلق بجمع وتحليل البيانات خارج الإطار العام للحماية، في ظل غياب تنظيم تفصيلي يحدد نطاق هذا الاستثناء وحدوده.
ويتسق هذا الفهم مع المعايير الدولية، التي لا تربط حماية الخصوصية بطبيعة الوصول إلى المعلومات، بل بكيفية استخدامها من جانب الدولة. إذ تنص المادة (17) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حظر أي تدخل تعسفي أو غير قانوني في الحياة الخاصة أو المراسلات.
وقد أكدت لجنة حقوق الإنسان في تفسيرها لهذه المادة، [35] أن الحماية تمتد إلى جميع أشكال المعلومات المتعلقة بالأفراد، وأن وصف التدخل بكونه “تعسفيًا” لا يقتصر على غياب الأساس القانوني، بل يشمل أيضًا الحالات التي يكون فيها التدخل غير ضروري أو غير متناسب. كما تشير تقارير الأمم المتحدة حول “الحق في الخصوصية في العصر الرقمي” إلى أن جمع وتحليل البيانات – حتى وإن كانت متاحة عبر الإنترنت – يشكل تعديًا على الخصوصية، خاصةً إذا تم على نطاق واسع أو دون قيود واضحة، وهو ما يضع حدودًا لاستخدام المحتوى المتداول كمبرر للتدخل.[36]
وفي ضوء ذلك، يصبح التعامل مع الحسابات الشخصية والمحتوى المنشور عليها بوصفها مجالًا متاحًا للرصد العام، لمجرد كونها متاحة على الإنترنت، انتهاكا للخصوصية الرقمية. ولا تقتصر آثار هذه الممارسات على الحق في الخصوصية، بل تمتد كذلك إلى حرية التعبير داخل المجال الرقمي. فحين يتسع نطاق الرصد ليشمل أشكالًا متنوعة من المحتوى والسلوك الرقمي، مع الاعتماد على توصيفات عامة مثل “القيم الأسرية” أو “خدش الحياء”، تسقط الحدود الفاصلة بين ما يعد تعبيرًا مشروعًا وما قد يصبح محلًا للتدخل.
ولا يرتبط أثر هذه الممارسات فقط بالحالات التي تنتهي باتخاذ إجراءات قانونية فعلية، وإنما قد يمتد إلى ما يعرف بـ “الأثر التقييدي” (Chilling Effect)، حيث يؤدي الخوف من المراقبة أو من احتمالات المساءلة القانونية إلى دفع الأفراد لتعديل سلوكهم الرقمي أو الامتناع عن بعض أشكال التعبير أو النقاش أو إنتاج المحتوى بصورة استباقية. وقد أشارت تقارير الأمم المتحدة المتعلقة بالخصوصية في العصر الرقمي إلى أن وجود برامج مراقبة واسعة النطاق قد يؤثر في ممارسة الأفراد لحقوقهم الأساسية، بما في ذلك حرية التعبير.[37]
ولا تنفصل إشكالية الخصوصية الرقمية عن حرية التعبير في البيئة الرقمية، إذ ترتبط ممارسة الأفراد لحقهم في التعبير بوجودهم الرقمي وما يرتبط به من بيانات وأنشطة وتفاعلات على الإنترنت. وقد أشارت أدبيات الحقوق الرقمية إلى أن اتساع الحضور الرقمي للأفراد أدى إلى تراجع وضوح الحدود الفاصلة بين المجالين العام والخاص، بما جعل ممارسة الحقوق داخل الفضاء الرقمي أكثر ارتباطًا بكيفية جمع البيانات واستخدامها ومراقبتها. وفي هذا السياق، لا يؤثر التدخل في الخصوصية على حماية البيانات فحسب، بل قد يمتد أثره إلى قدرة الأفراد على ممارسة حقهم في التعبير والمشاركة والتفاعل داخل المجال الرقمي بصورة آمنة ومستقلة.[38]
في ضوء ما سبق، تبرز الحاجة إلى تدخل تشريعي ومؤسسي واضح، يقوم على:
- قصر استخدام إجراءات المراقبة أو تتبع البيانات الرقمية على الحالات المرتبطة بتحقيقات جنائية قائمة أو بوجود دلائل جدية على وقوع جريمة، وعدم التوسع في تفسير نصوص قانون الإجراءات الجنائية باعتبارها سندًا للرصد العام أو المستمر للمحتوى المتداول على منصات التواصل الاجتماعي.
- وضع إطار قانوني يجرم بشكل واضح وصريح أي ممارسات للمراقبة الجماعية، وحظر حصول الأجهزة الأمنية على بيانات مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي وتخزينها واستخدامها.
- إلغاء المادة 25 من القانون رقم 175 لسنة 2028 لمكافحة جرائم تقنية المعلومات، والتي تجرم بالحبس والغرامة كل من اعتدى على “المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري”.
- إلغاء المادة رقم 178 من قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937 المتعلقة بخدش الحياء العام.
[1] Privacy International, “Mass Surveillance,” accessed May 20, 2026. https://privacyinternational.org/learn/mass-surveillance/ [2] الأمم المتحدة، "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية"، اعتمد وعرض للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2200 (د-21) بتاريخ 16 ديسمبر 1966، المادة 17. مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان – العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية [3] Amnesty International, “Your Two-Minute Guide to Mass Surveillance,” accessed May 20, 2026. https://www.amnesty.org/en/latest/campaigns/2015/03/easy-guide-to-mass-surveillance/ [4] United Nations Human Rights Council, The Right to Privacy in the Digital Age, A/HRC/51/17, paras. 35–37, accessed May 20, 2026. https://docs.un.org/ar/A/HRC/51/17 [5] قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020، منشورات قانونية https://manshurat.org/node/66932 [6] مؤسسة حرية الفكر والتعبير، تحليل بيانات الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية على موقع فيسبوك خلال الفترة من أبريل 2025 إلى أبريل 2026، قاعدة بيانات غير منشورة، إعداد الباحث/ة. [7] المرجع السابق. [8] المرجع السابق. [9] المرجع السابق. [10] مؤسسة حرية الفكر والتعبير، "من القيم الأسرية إلى اتهامات الإرهاب: القيود القانونية والممارسات الأمنية ضد صانعي المحتوى في مصر"، آخر زيارة 20 مايو 2026: https://afteegypt.org/en/research-en/2026/02/05/40066-afteegypt.html?utm.com [11] "تجديد حبس سيد مشاغب وآخرين على ذمة التحقيقات"، المنصة، تاريخ الاطلاع: ١٦ ابريل٢٠٢٦. https://manassa.news/news/31403 [12] United Nations Human Rights Committee, General Comment No. 16: Article 17 (Right to Privacy), 1988. https://www.refworld.org/legal/general/hrc/1988/27539 [13] مؤسسة حرية الفكر والتعبير، تحليل بيانات الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية على موقع فيسبوك خلال الفترة من أبريل 2025 إلى أبريل 2026، قاعدة بيانات غير منشورة، إعداد الباحث/ة. [14] "كراسة مشروع رصد المخاطر الأمنية لشبكات التواصل الاجتماعي"، وزارة الداخلية المصرية، الممارسة المحدودة رقم 22 لسنة 2013/2014. https://afteegypt.org/wp-content/uploads/2014/06/MOI-SNSHM-rfp-June-2014_ar.pdf?utm_ [15] " الداخلية المصرية تعتمد وحدات رصد لضبط الجرائم عبر مواقع التواصل"، الشرق، ١٩ يوليو ٢٠٢٥. https://bit.ly/4vA5kwm / طلعت الصناديلي، "السوشيال ميديا تحت المراقبة.. كيف تواجه وزارة الداخلية المحتوى المهدد للأمن المجتمعي؟"، الأهرام، 3 أغسطس 2025، https://gate.ahram.org.eg/News/5259722.aspx [16]هشام عارف، "حين يحذرك من اشتراه"، زاوية ثالثة، 9 فبراير 2026، https://185.16.38.103/spy-companies/?__cpo=aHR0cHM6Ly96YXdpYTMuY29t محمد طاهر، مروة فطفاطة، "مصر: تاريخ طويل من مراقبة الإنترنت والاتصالات"، Accessnow، أكتوبر 2020، https://bit.ly/4uqMkzo مسار – مجتمع التقنية والقانون، "بلو كوت سيستمزBlue Coat Systems،" ٢٧ يونيو ٢٠٢٢. https://bit.ly/49Pqdey [17] عبير محمد، "مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت"، أيم تكنولوجيز، 28 نوفمبر 2024، https://bit.ly/4ohuhdB [18] "منصة وطنية موحدة للتحقق البايومترى والمصادقة اللحظية"، الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية، 14 فبراير 2026، https://bit.ly/3RXRtRS "كيف تحولت صفحة وزارة الداخلية إلى ملاذ آمن لشكاوى المصريين؟"، الوطن، 14 فبراير 2026، https://www.elwatannews.com/news/details/8224793 [19] المصدر السابق. [20] وزارة الداخلية المصرية، "ضبط صانعة محتوى لنشرها مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي"، فيديو منشور على الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية على فيسبوك: https://www.facebook.com/reel/2089578624943003 [21] وزارة الداخلية المصرية، "ضبط صانعي محتوى لنشرهم مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي"، فيديو منشور على الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية على فيسبوك: https://www.facebook.com/reel/2007490480124225 [22] وزارة الداخلية المصرية، "ضبط صانع محتوى لنشره مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي"، فيديو منشور على الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية على فيسبوك: https://www.facebook.com/reel/1500533651464164/ [23] "تنظم المنظومة الإجرائية المصرية قواعد الاختصاص الأصيل لمأموري الضبط القضائي في البحث عن الجرائم وجمع الاستدلالات وفقاً لـ المادة 21 من القانون رقم 150 لسنة 1950، مع وضع خطوط فاصلة صارمة تلزمهم باستصدار أمر مسبق ومسبب من جهة التحقيق المختصة عند مباشرة إجراءات ماسة بالحقوق والحريات الرقمية أو الشخصية، استناداً إلى المادة 6 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، والمادة 46 من قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015." [24] الدستور المصري، "دستور جمهورية مصر العربية لسنة 2014”، المادة 57، https://www.constituteproject.org/constitution/Egypt_2014.pdf?lang=ar [25] United Nations, International Covenant on Civil and Political Rights, Article 17. https://www.ohchr.org/en/instruments-mechanisms/instruments/international-covenant-civil-and-political-rights [26] UN Human Rights Committee, General Comment No. 16, 1988. [27] United Nations Human Rights Council, The Right to Privacy in the Digital Age, Ibid. [28] قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003، المادة 64. [29] " قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015"، منشورات قانونية، تاريخ الاطلاع 8 مايو 2026، https://manshurat.org/node/14679 [30] قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018. [31] قانون هيئة الشرطة رقم 109 لسنة 1971، منشورات قانونية. https://manshurat.org/node/33490 [32] مؤسسة حرية الفكر والتعبير، "دعوى قضائية لوقف مراقبة شبكات التواصل الاجتماعي"، 19 يونيو 2014، آخر زيارة في 8 مايو 2026. https://afteegypt.org/legal-profiles-2/legal-news/2014/06/19/7946-afteegypt.html [33] محمد حمامة، "القضاء الإداري يرفض الطعن على مشروع الداخلية لمراقبة شبكات التواصل الاجتماعي"، مدى مصر، 28 فبراير 2017. https://bit.ly/4etIFMf / [34] قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020، المادة 1 (تعريف البيانات الشخصية)، والمواد 2–4 بشأن شروط جمع البيانات ومعالجتها والإفصاح عنها. [35] مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية"، الأمم المتحدة، المادة 17. https://www.ohchr.org/ar/instruments-mechanisms/instruments/international-covenant-civil-and-political-rights?utm_source=chatgpt.com [36] مركز أنباء الأمم المتحدة، "الحق في الخصوصية في العصر الرقمي: الجمعية العامة تعتمد قرارًا بشأن الحق في الخصوصية في العصر الرقمي"، 18 ديسمبر 2013، تاريخ الاطلاع: 20 مايو 2026،https://news.un.org/ar/story/2013/12/193452?utm_.com [37] Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights, The Right to Privacy in the Digital Age, A/HRC/27/37, June 30, 2014, paras. 14–20.https://digitallibrary.un.org/record/777869?utm_.com&v=pdf [38] مسار – مجتمع التقنية والقانون، "الحقوق المدنية والسياسية في عالم رقمي: الهوية الرقمية ومفهوم المواطنة الشبكية"، تاريخ الاطلاع: 20 مايو 2026.https://masaar.net/ar/digital-rights-between-the-real-and-virtual-worlds/?utm