المحتوى
منهجية
مقدمة
أولًا: حوكمة الذكاء الاصطناعي: خصوصيات التقنية وتحديات الأولويات والتنظيم عبر العالم
ثانيًا: الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي بين الواقع والتطلعات
خاتمة وتوصيات
منهجية
اعتمدت الورقة في التحليل والتقييم على مراجعة مكتبية لعدد من الأطر المرجعية الدولية في حوكمة الذكاء الاصطناعي، وبخاصة للمخرجات الدولية الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي كمنسق رئيسي وداعم لجهود الحكومات عبر العالم في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي. وقد شملت هذه الأطر مخرجات منظمة التعاون الاقتصادي بشأن تطبيق الذكاء الاصطناعي في نطاق العمل الحكومي -باعتباره الهدف الرئيسي للاستراتيجية الوطنية المصرية للذكاء الاصطناعي- والتي اعتمدت بدورها على مسح لتجارب تطبيق الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية عبر العالم، وتقييم هذه التطبيقات.
كما استندت الورقة في التقييم إلى توصيات منظمة التعاون الاقتصادي بشأن الذكاء الاصطناعي المسؤول ومحل الثقة (Principles of Trustworthy AI). كما استندت الورقة في التقييم على إطار مرجعي آخر، وهو قانون الاتحاد الأوروبي للذكاء الاصطناعي الصادر في ) 2024 Regulation EU) 2024/1689، ويرجع هذا الاختيار لكونه الإطار التنظيمي الأكثر تكاملا وشمولا عالميا- حتى هذه اللحظة- مع صدوره في شكل قانون يهدف لتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي مع حماية البيانات الشخصية للمواطنين، ومراعاة حقوق الإنسان، والحريات الأساسية للمواطنين.
كما اعتمدت الورقة كذلك على مسح لدراسات السياسات العامة في حقل تنظيم الذكاء الاصطناعي عبر العالم، وما تطرحه من تحديات ودروس مستفادة من تجارب الحوكمة المختلفة حول العالم. كذلك قامت الورقة بالمسح والتحليل للأطر المحلية الوطنية المصرية ذات الصلة بالذكاء الاصطناعي مثل الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي بنسختها الأولى والثانية، والمبادئ التوجيهية الوطنية للذكاء الاصطناعي التوليدي، وميثاق الشرف المصري للذكاء الاصطناعي المسؤول. كذلك استند التحليل والتقييم لأطر أخري تكاملية مع ملف الذكاء الاصطناعي في قطاع تنظيم قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات مثل استراتيجية مصر الرقمية، واستراتيجية الحوسبة السحابية، واستراتيجية البرمجيات مفتوحة المصدر، واستراتيجية البيانات المفتوحة، وكذلك مسح لمخرجات وجهود المركز المصري للذكاء الاصطناعي في تطبيق ومراجعة الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي.
مقدمة
يحتل الذكاء الاصطناعي اهتماما متزايدا عبر العالم وفي مصر، في ظل سرعة تطور هذه التقنية وزيادة الاعتماد عليها في قطاعات واسعة، وما يتوقع أن يولده هذا القطاع من عوائد ضخمة. وقد بدأت الحكومة المصرية الاهتمام بشكل مؤسسي بملف الذكاء الاصطناعي من خلال تدشين المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي في عام 2019، والذي لحقه إصدار استراتيجية الذكاء الاصطناعي في نسختها الأولى عام 2021، والثانية في عام 2025. وقد لحق ذلك محاولات لوضع أطر إرشادية مقترحة للتعامل مع الذكاء الاصطناعي في مصر، كان آخرها المبادئ التوجيهية الوطنية للذكاء الاصطناعي التوليدي في مارس 2026. وبالتوازي، ظهرت بعض من مشروعات القوانين المقترحة لتنظيم وحوكمة الذكاء الاصطناعي في مصر من جانب نواب،[1]إضافة إلى عمل الحكومة على إعداد مشروع قانون بالمثل.[2]
تهدف هذه الورقة للإسهام في النقاشات الجارية حول السياسة العامة لتنظيم قطاع الذكاء الاصطناعي، وما يرتبط بهذا التنظيم من حماية للحقوق الرقمية والحق في الخصوصية وضمان حرية تداول المعلومات. وفي سبيل ذلك، تتناول الورقة الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي -بنسختيها- وما يتصل بها من أطر استرشادية مثل المبادئ التوجيهية لتنظيم الذكاء الاصطناعي التوليدي، وميثاق الشرف المصري للذكاء الاصطناعي المسؤول. ويستوجب ذلك الإلمام بالمعالجة القانونية والتنظيمية للذكاء الاصطناعي، في ظل سياق البنية التحتية للاتصالات والمعلومات في مصر، ونوعية التقنيات المقترحة، والقطاعات المستهدفة.
واستندت الورقة في التقييم على مخرجات وتوصيات منظمة التعاون الاقتصادي (OECD) بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي خاصة في العمل الحكومي، والتي كان أهمها وأحدثها إصدار بعنوان (Governing with Artificial Intelligence) في عام 2025، والذي اعتمد على مسح لتجارب تبني الذكاء الاصطناعي والتي يصل عددها لـ 200 نموذج/ تجربة في 12 مجال حكومي، في دول مختلفة.[3] ويمتاز هذا الإصدار باعتماده على مراقبة وتحليل جهود الحكومات عبر العالم، كما استندت المنظمة في هذا الإصدار، وفي الإشارة إلى الدروس المستفادة من تجارب التطبيق على معلومات مستقاة من الحكومات ذاتها. ويأتي هذا الإصدار كجزء من مشروع أوسع ترعاه المنظمة باسم (Governing AI) لدعم الحكومات في تبنيها للذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول وآمن. كما اعتمد التقرير على إصدارات السياسات العامة التي أعدها باحثون مستقلون لصالح مرصد سياسات الذكاء الاصطناعي (AI Policy Observatory) التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي بشأن تحديات تبني الذكاء الاصطناعي في تقديم الخدمات الحكومية. كذلك تتطرق الورقة لتوصيات منظمة التعاون الاقتصادي والتي تُعرف باسم المبادئ الإرشادية للذكاء الاصطناعي محل الثقة (Principles of trustworthy AI)،[4] وقانون الاتحاد الأوروبي لحوكمة الذكاء الاصطناعي Regulation (EU) 2024/1689،[5]ويرجع الاعتماد على قانون الاتحاد الأوروبي كمعيار أساسي في القياس والتقييم لكونه الإطار الدولي الأكثر تكاملية وإلزامية في تنظيم الذكاء الاصطناعي.
كما يمتاز هذا الإطار بالتأكيد على محورية قيم الحريات الأساسية والديمقراطية، بما يتضمنه من حماية البيانات الشخصية، والخصوصية، والأمان الرقمي للمستخدمين، واطلاعهم بشكل مستنير على كيفية جمع واستخدام البيانات الخاصة بهم. كذلك تولي الأطر التنظيمية للاتحاد الأوروبي اهتماما كبيرا وتفصيليا بإدارة المخاطر (Risk-assessment approach) في الوثائق التنظيمية اللاحقة على قانون الذكاء الاصطناعي، والتي فصلت أنواع المخاطر المتوقعة من استخدام الذكاء الاصطناعي، وفي أي مجالات، وتصنيف درجة هذه المخاطر -بين ما لا يُمكن التسامح معه، وما يقع في الفئة العالية، والمتوسطة والأقل- مع بيان التبعات القانونية لكل منها، وتقديم أمثلة واقعية للمخاطر، وتحديد الأفعال غير المقبولة من مقدمي الخدمة. [6]
أولًا: حوكمة الذكاء الاصطناعي: خصوصيات التقنية وتحديات الأولويات والتنظيم عبر العالم
تُعد حوكمة الذكاء الاصطناعي تحديا كبيرا للأنظمة الوطنية عبر العالم في ظل سرعة تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، والذي يسبق كثيرا الأطر القانونية والتنظيمية، وكذلك في ظل تباين فهم الكيفية التي تعمل بها هذه التقنية لدى صانعي السياسات العامة والقرار عبر العالم. وبرغم صعوبة التنظيم لهذه التقنية، إلا أن المخاطر التي ترافقها تفرض ضرورة وجود تنظيم يقلل من مخاطرها. ويبرز أكبر التحديات المرتبطة بتنظيم الذكاء الاصطناعي في الجانب الخاص بكيفية تعريف الذكاء الاصطناعي بشكل واضح وقاطع، والذي يُعد محل خلاف كبير،[7] لكن يبقى المشترك بين التعريفات المختلفة هو كونه العملية التي تجعل الآلات أكثر ذكاء. وترجع صعوبة التعريف في جانب منها للخلط الكبير بين الذكاء الاصطناعي من جهة، وبين الخوارزميات من جهة أخرى؛ في حين أن الذكاء الاصطناعي لا يتجاوز كونه فرعا من الخوارزميات.[8]
تشمل حوكمة الذكاء الاصطناعي طيفا واسعا من المحاور التي تستوجب النقاش والتنظيم والتكويد لها سواء في شكل قوانين أو أطر استرشادية؛ فهي تشمل الجانب الأخلاقي/ الممارسات الأخلاقية، الواجب الالتفات لها أثناء التنظيم، وكذلك المحددات الإدارية والتنظيمية حول الفاعلين المرتبطين بتقنيات الذكاء الاصطناعي، والذين ينخرطون كذلك في سلاسل قيمة الذكاء الاصطناعي -كالمطورين للتقنية، والحكومات والأفراد المستهلكين- وحدود مسؤولياتهم، وتوزيع الأعباء بينهم، وطبيعة القطاعات التي سيُدمج الذكاء الاصطناعي بها، وما هي الموارد المطلوبة لتفعيل هذه التقنيات، وكذلك كيفية المراجعة والرقابة على عملها، وكذلك تحديد معايير نجاح تبني هذه التقنية.
وبرغم تعدد المحاور، التي يجب معالجتها وتحديد الموقف منها عند التفكير في منظومة متكاملة لحوكمة الذكاء الاصطناعي على النحو السالف بيانه، إلا أن الملاحظ هو هيمنة المعايير الأخلاقية وإدارة المخاطر الناتجة عن استخدام الذكاء على النقاشات. ويرجع ذلك لطغيان المخاوف والشكوك لدى الجمهور والمهتمين بقضايا الحقوق والحريات بعواقب تبني الذكاء الاصطناعي بشكل غير محكم ومسؤول قد يؤدي لانتهاك حقوق الأفراد والجماعات الشخصية، وتهديد حقوقهم الاقتصادية كذلك، إضافة للخسائر الاقتصادية والمالية المرتفعة التي قد تنتج عن تبني هذه التقنية دون قدرة على معالجة أخطائها واحتواء المخاطر المرتبطة بها.[9] ولا تنفصل هذه التخوفات عن اعتبارات الثقة في الحكومات والكيانات القائمة على تنفيذ تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والتي تزيد من حجم هذه المخاوف.
تتعدد محاولات الحوكمة للذكاء الاصطناعي بين الاجتهادات التي تقدمها الحكومات عبر العالم، فيما يُعرف بالاستراتيجيات الوطنية لحوكمة الذكاء الاصطناعي، والتي تعد تحديدا للأهداف المرادة من تبني الاستراتيجيات في بلد ما، والالتزامات المتوقعة،[10] وتظهر محاولات أخرى للتنظيم ممثلة في قوانين وتشريعات لحوكمة الذكاء، مرورا بإرشادات وتوصيات المنظمات الدولية مثل اليونسكو ومنظمة التعاون الاقتصادي، لمعاونة الحكومات في الوصول إلى سبيل أمثل للحوكمة، إضافة لمحاولات خبراء السياسات العامة والقانون في تقديم مقاربات للحوكمة تهدف لتعظيم المكاسب وتقليل المخاطر.
لا يعني تعدد الأطر المذكورة كونها منفصلة بشكل تام، ولكن يهدف هذا الاستعراض إلى بيان تعقد التقنية، والوضع الحالي لمحاولات تنظيم للذكاء الاصطناعي، والتي مازالت في حيز التجربة والخطأ؛ وكذلك لبيان الفجوة بين الأهداف الكلية والمبادئ التي يجب مراعاتها (كعدم التحيز، والأمان الرقمي، والخصوصية) من جهة، وبين صعوبة التطبيق التقني لهذه المبادئ من جهة أخرى.
وقد قُدمت مقاربات مختلفة لمحاولة حوكمة الذكاء الاصطناعي من خبراء السياسات العامة والقانونيين، والتي تتعدد بتعدد المحددات والأولويات لكل منظومة منها. فعلى سبيل المثال، ظهرت مقاربات وأنظمة الحوكمة التكيفية (Adaptive AI governance)، [11] والتي تستبطن محورية عدم تقييد الإبداع والابتكار في تقنية الذكاء الاصطناعي، وذلك من خلال ضمان المرونة وسرعة الاستجابة للمتغيرات والطوارئ، التي تظهر مع استخدامه دون تقيد بالحصول على أوامر مسبقة للتدخل والعلاج من الجهات التنظيمية الرسمية.
تظهر كذلك مقاربة مخالفة للحوكمة التكيفية، وهي أنظمة الحوكمة المركزية، والتي تستبطن خوفا من هيمنة الشركات على إدارة التقنية وتوجيهها بما يعكس مصالحها بالأساس. ومن ثم، يسعى هذا النظام إلى ضمان مركزية إدارة وتوجيه الحكومات لتقنية الذكاء الاصطناعي، بما يحول دون انحراف الشركات، وبما قد يضر بمصالح فئات المستهلكين. ويبرز كحل وسط بين النظامين ما يُعرف بالحوكمة المختلطة غير المركزية (Hybrid/decentralized AI Governance)[12]، والتي تسعى لضمان المرونة، بما يسمح للشركات ومطوري الذكاء الاصطناعي بتطوير التقنية والتعديل المستمر فيها دون الحاجة إلى موافقات معقدة مسبقة، لكن في ظل تنسيق مع الحكومات يهدف إلى بقائها على إطلاع ولضمان الشفافية والمساءلة. ويصاحب هذا النقاش حول أنظمة الحوكمة الدعوة إلى تبني نهج إدماجي تشاركي بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي، بغرض الوصول إلى إجماع مجتمعي بشأن أي تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي يجب تبنيها، وما هي الفوائد والمخرجات المتوقعة، وكيفية توزيع الأعباء بين أصحاب المصالح المختلفة.[13]
ويُضيف لصعوبة الوصول لمقاربات حوكمة للذكاء الاصطناعي اختلاف الأولويات القومية للحكومات والتي تدفعها لتبني الذكاء الاصطناعي، والذي يكون تبعا للقطاعات التي ترغب في تطبيق التقنية فيها، أو وفقا لأولويات وقيم بعينها. فمثلا، تسعى بعض الدول للحصول على ميزة تنافسية في مجالات بعينها من خلال اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي، كما في قطاعات التسليح، والدفاع والأمن، أو في نطاق الخدمات العامة الأخرى مثل القطاع الصحي، خاصة في البلدان التي تعاني من نقص في القوى العاملة البشرية وارتفاع معدلات الشيخوخة.
وتترك الأولويات القيمية للحكومات آثارها كذلك على مقاربات حوكمة الذكاء الاصطناعي، مثل الاتحاد الأوروبي والذي وجه قانونه لتنظيم الذكاء الاصطناعي لعام 2024،[14] أولويات مثل حماية البيانات الشخصية ومنع التحيز، وإدارة المخاطر، بما يعنيه ذلك من وضع قيود على مقدمي ومطوري الذكاء الاصطناعي.[15] ويتسم تنظيم الاتحاد الأوروبي للذكاء الاصطناعي باعتماده على منظومة تشريعية سابقة عليه، والتي توضح محددات عمل الذكاء القيمية، مثل قانون حماية البيانات (General Data Protection Regulation) والذي صدر في عام 2016 والذي تضمن محددات بحماية البيانات التي يجب مراعاته في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، خاصة في شق العدالة والشفافية والمحاسبية والخصوصية. لذلك يضع القانون عمليا -وإن لم يذكر الذكاء الاصطناعي بشكل صريح قيودا على عمل الذكاء الاصطناعي على تصنيف الأفراد فيما يُعرف بـ (profiling) استنادا لبياناتهم الشخصية، والذي يمهد لإمكانية تتبعهم وتقديم توقعات عن تصرفاتهم وسلوكياتهم المستقبلية، والتي قد تضعهم محل تهديد شخصي أو التمييز ضدهم، أو اتخاذ تطبيقات الذكاء الاصطناعي قرارات رسمية تبعا لذلك سواء في شكل اقتراحات أو قرارات نهائية.
وتشمل هذه القيود قيود تنظيمية وتصنيفية للبيانات الشخصية المستخدمة في مراحل بناء قواعد البيانات وطريقة معالجتها تبعا لدرجة حساسيتها، وقيود زمنية حول الحد الأقصى للاحتفاظ بالبيانات الشخصية للأفراد.[16] وقد بنى قانون الذكاء الاصطناعي على ذلك بوثائق تفصيلية لاحقة على إصداره من خلال مطالبة المقدمين له بالإفصاح والنشر لنوعية البيانات، التي اعتمدوا عليها في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، في شكل تقني، وكذلك سردي يُسهل على الجمهور فهمه والرقابة عليه.[17]وكذلك توثيق كافة مراحل استخدام البيانات من مطوري الخدمة ومقدميها، بما يسمح بالمحاسبة والمراجعة. كما راعى قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي الامتثال في مواده وقواعده التطبيقية اللاحقة لميثاق الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية (Charter of Fundamental Rights of the European Union).[18]
في المقابل، تظهر الولايات المتحدة الأمريكية التي تميل إلى نموذج الإرشادات التوجيهية الطوعية،[19]وهو ضمنا يقع تحت فئة (soft law approaches) وهي عبارة عن تقنيات وقواعد غير ملزمة.[20] ويقع في الفئة الأخيرة دعوات للشركات العاملة في تقنيات الذكاء الاصطناعي لتطوير جملة من المبادئ التوجيهية بشكل ذاتي وتطوعي، كتعهد منها بالامتثال لهذه القيم، بدلا من التنظيم القانوني الرسمي بكل ما يحمله من أعباء وقيود ستدفع لتباطؤ تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويرتبط اختيار إطار حوكمة وإدارة الذكاء الاصطناعي كذلك بنوعية التقنية والتطبيقات التي سيتم تبنيها من مصفوفة الذكاء الاصطناعي، والتي يمتلك كل منها متطلبات مختلفة للإدارة. يتواجد أكثر من نوع من الذكاء الاصطناعي تبعا لقدراته، وكذلك وفقا لطبيعة المهام المنتظرة منه. فعلى صعيد القدرات، يوجد الذكاء الاصطناعي الضعيف أو محدود النطاق (Artificial Narrow/Weak Intelligence) ويقصد به التطبيقات ذائعة الصيت في أوساط المستهلكين – مثل شات جي بي تي وopen AI- والتي تمتلك قدرة كبيرة على تنفيذ مهام التعرف على الصور والكلمات، وهو ما يُلجأ له لأتمتة الكثير من المهام المكررة، وهو ما يجعل مخرجاته متوقعة ومعروفة مسبقا، ولا يمكنه تجاوز المهام المحددة له وفقا لذلك.
في المقابل، من المتوقع أن يتطور نمطين آخرين من الذكاء الاصطناعي، وهما الذكاء الاصطناعي العام (Artificial General intelligence) والذكاء الاصطناعي الفائق (Super AI). وتزداد المخاوف من هذين النمطين -برغم دعاوى كونهم نظريان حتى اللحظة ولا يملكان تطبيقات على أرض الواقع-[21] نظرا لمحاكاتهم للذكاء البشري حيث لا يقتصران على تنفيذ أوامر محددة صادرة لهم، ولكن يقومان بعمليات تفكير معقدة مثل الاستنباط والاستنتاج والاستدلال بعد تدريبهم، مع حقيقة قدرتهم على مسح قواعد بيانات ضخمة ومختلفة في وقت وجيز -ما لا يستطيعه الإنسان- إضافة لقدرتهم على التعلم بشكل ذاتي وتعديل أنماط عملهم وتفكيرهم باستمرار وباستقلالية عن شخص المطور والمصنع، ما يجعل من نتائج عملهم غير متوقعة وسريعة التغير، ما يصعب السيطرة والرقابة عليها. ويُحسب على الذكاء الاصطناعي العام كذلك، نمط يُعرف باسم الشبكات العصبية.
أما على صعيد المهام، فيصنف الذكاء الاصطناعي تبعا لوظيفته وقدرته على التعامل مع البيئة المحيطة به، وهو ما تختلف أنواعه الفرعية تبعا للكيفية التي يُعالج بها المعلومات، والكيفية التي يتعلم بها من البيانات، ووفقا لاختلاف استجابته إلى المحفزات. وتختلف صور الذكاء تبعا لتكنولوجيا عمله والتي تشمل أنواع مثل:
- تعلم الآلة (Machine learning) وهو صورة متقدمة من الذكاء الاصطناعي حيث تمتلك الآلة فيها قدرة على التعلم من البيانات دون حاجة لضبط وبرمجة مسبقة كل مرة، وبالتالي هو محل تطور مستمر. [22]
- التعلم العميق Deep Learning) (وهو قائم على محاكاة العقل البشري من خلال ما يُعرف بالشبكات العصبية الاصطناعية (Artificial Neural Networks)، ما يجعله أكثر قدرة على اتخاذ قرارات معقدة والتعرف على أنماط متشابكة
- معالجة اللغات الطبيعية (Natural Language Processing) والتي تُمكن الآلات من فهم وتأويل اللغة البشرية والاستجابة لها.[23]
ويٌميَز بين أنماط آمنة من الذكاء الاصطناعي -كالذكاء المحدود- وأنماط خطرة لكنها افتراضية مازالت تحت قيد التطوير، إلا أن الواقع يكشف عن صعوبات ومخاطر حقيقية حتى في ظل الأنماط الآمنة الموجودة، والتي تطرح صعوبات جمة على صعيد الحوكمة والتنظيم والإدارة وكيفية الرقابة عليها.
ثانيًا: الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي بين الواقع والتطلعات
يتلاقى سياق تنظيم الذكاء الاصطناعي في مصر مع السياق العالمي المحيط بهذه التقنية، حيث تسبق التطورات والتطبيقات على الأرض التنظيم القانوني والإداري،[24] حيث شهدت مصر تواجدا لتطبيقات مختلفة للذكاء خلال السنوات العشر الماضية بفعل تطورات التقنية والاقتصاد والشركات العابرة للحدود، إضافة إلى قيام عدد من المراكز البحثية بمبادرات في قطاعات عدة قائمة على تقنيات الذكاء الاصطناعي، يُذكر منها المحاولات التجريبية التي قام بها مركز الوصول للمعلومات من أجل التنمية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة (A2K4D)، والتي تنوعت بين مبادرات تعاونية على صعيد شمال أفريقيا والمنطقة العربية وأفريقيا مع مؤسسات بحثية لبناء نماذج أولية لقواعد بيانات مفتوحة أو بالاعتماد على بيانات مفتوحة بالفعل في بعض القطاعات، كان منها تتبع أنظمة المرور في الطريق الدائري بمحافظة القاهرة بما يخدم أغراض السلامة، وكذلك خلق نموذج أولي للطاقة الشمسية وإتاحة مشاركة معلومات مفتوحة ذات الصلة حول مشروعات الطاقة في مصر، من جانب الأطراف المعنية.[25]
أطلقت الحكومة المصرية الاستراتيجية الأولى للذكاء الاصطناعي في عام 2021، والتي امتد نطاقها الزمني حتى عام 2023. وجاءت النسخة الثانية من الاستراتيجية في عام 2025 ليمتد نطاقها الزمني لعام 2030. وبين إطلاق الاستراتيجيتين، صدرت عدد من الوثائق التوضيحية حول الاعتبارات الأخلاقية الواجب إتباعها مثل الميثاق المصري للذكاء المسؤول، والمبادئ التوجيهية للذكاء التوليدي. وبعكس الاستراتيجية الأولى للذكاء الاصطناعي والتي تضمنت إشارة وتوضيح للخبراء الذين ساهموا في تشكيلها، والذين غلب عليهم الخلفية التكنوقراطية؛ فلم تُشير الاستراتيجية الثانية للخبراء المشاركين في وضعها.
ينطبق الأمر ذاته على الميثاق المصري للذكاء المسؤول، والذي يوضح خضوعه للمراجعة والتحديث كل عامين، بناء على مساهمات الخبراء، لكن لا تتوافر معلومات حول هذه المشاورات والفئات المشاركة فيها. على صعيد آخر، تكشف جهود المركز المصري للذكاء الاصطناعي عن عقد مشاورات واسعة، لكنها مقتصرة على الشركات العاملة على تقديم التقنية، والتكنوقراط، والمؤسسات الحكومية، والمبادرات الإقليمية والدولية، دون مشاركة لجهات أخرى كالبرلمان، أو المجتمع المدني، بما يعكس منظور المستخدمين كذلك.[26]
تطرح التجارب الدولية أهمية دمج فئات مجتمعية مختلفة في عمليات التشاور حول تنظيم الذكاء الاصطناعي دون الاقتصار على التكنوقراط، بما يضمن بناء ثقة الجمهور في هذه التقنية، وضمان تفاعلهم الإيجابي معها، وبما يضمن الوصول لقيم وقواعد جماعية ملزمة للجميع، وتُدمج كافة مطالب واحتياجات أصحاب المصالح المختلفة.
وتسعى الحكومة المصرية لتبني تقنيات الذكاء الاقتصادي الاصطناعي في الاقتصاد والخدمات الحكومية، بهدف إضافة موارد جديدة للدخل القومي، وتعزيز الدور المصري الإقليمي في الساحتين العربية والإفريقية في مجال الذكاء الاصطناعي، وكذلك تحسين جودة حياة المواطنين والخدمات المقدمة لهم فيما يُعرف بالخدمات الذكية والآمنة بما يحقق كذلك الشفافية والكفاءة. وترى الاستراتيجية أن دمج الذكاء قادر على تعويض نقص العمالة في مجالات التعليم والرعاية الصحية، وتيسير الوصول، وتقليل الأخطار، والتكاليف.
كما تتضمن الأطر المنظمة لاستخدام الذكاء الصادرة التزاما بقيم الشفافية والعدالة والمساءلة واطلاع المستخدمين على استخدامات بياناتهم في تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلا أن طبيعة التقنية المتبناة والقطاعات المقترحة ووضع التطور التقني لها في مصر، قد يحد من إمكانية تطبيق الامتثال بشكل كافي لهذه الالتزامات.
تحتاج الأطر المنظمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في مصر إلى ترتيب التزامات واقعية لحماية حقوق الأفراد بحيث يمكن المطالبة بجبر الضرر والمساءلة، بدلا من الاكتفاء بوجود إشارات عامة لحقوق الإنسان.
وتنبع هذه الأهمية من واقع التزامات مصر الدولية مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي نص في المادة 17 على “اولاً الا يجوز تعريض أي شخص، على نحو تعسفي أو غير قانوني، لتدخل في خصوصياته أو شؤون أسرته أو بيته أو مراسلاته، ولا لأي حملات غير قانونية تمس شرفه أو سمعته. ثانياً من حق كل شخص أن يحميه القانون من مثل هذا التدخل أو المساس”. وبتطبيق هذه المعاهدات على قطاع الذكاء الاصطناعي، فتُلزم هذه المعاهدات بشكل مباشر بحماية الشفافية واطلاع المستخدمين على كيفية استخدام بياناتهم.
أما على الصعيد القطاعي، فتهدف الاستراتيجية لدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحكومية لحد بعيد في مجالات الزراعـة، والبيئـة، وإدارة الميـاه، والرعايـة الصحيـة، والتعليم، والتخطيـط الاقتصـادي، والتنميـة الاقتصاديـة، التصنيـع والإدارة الذكيـة للبنيـة التحتيـة، والخدمات القضائية، والطاقة، والنقل، والسياحة، والثقافة، والتحكم في المرور، والتخطيط العمراني. كذلك عكست الاستراتيجية أهدافا أخرى مثل استخدام الذكاء في وضع السياسات الخاصة بالمواطنين وقياس الرأي العام، وكذلك مساعدة أعضاء مجلس النواب في الاستجابة لطلبات المواطنين من خلال صياغة إجابات باستخدام الذكاء الاصطناعي. وقد تضمنت الاستراتيجية توضيحا للمهام الفرعية داخل كل قطاع والتي سيُوكل للذكاء الاصطناعي القيام بها.
نجد كذلك قصور واضح في الاستراتيجيات والمواثيق المختلفة التي أعلنتها الحكومة المصرية، والذي يؤدي لمخاطر بالغة خاصة في ضوء طبيعة القطاعات المستهدفة بشكل صريح في الاستراتيجية، والتي تتسم بحساسية بالغة مثل “الخدمات القضائية، وصياغة السياسات الخاصة بالمواطنين، وقياس الرأي العام” والتي وضعها الاتحاد الأوروبي في القواعد المنسّقة للذكاء الاصطناعي[27] تحت تصنيف القطاعات “عالية الخطورة”. ويأتي هذا التصنيف بسبب تأثير الذكاء الاصطناعي على ضمانات المحاكمة العادلة والتي شدد عليها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية[28] وفقا للمادة ١٤، وحرية الرأي والتعبير والمشاركة في الشأن العام في مادتي (١٩،٢٥). وتزداد خطورة تطبيق الذكاء الاصطناعي في هذه القطاعات كما في “قياس الرأي العام” في ظل واقع السيطرة على الرأي العام بطرق مختلفة في مصر، مما يحول ما تسمية الاستراتيجية الخدمات الذكية والآمنة إلى أدوات رصد ومتابعة. ويشير كل ذلك إلى إشكالية واضحة تخص غياب الشفافية، حيث تصبح حياة المواطنين أكثر انكشافا للدولة بينما تتراجع سبل المسألة.
وقد حددت الاستراتيجية والأطر الاسترشادية المصاحبة لها نوعية التطبيقات، والتقنيات المستهدفة من الذكاء الاصطناعي وهي، الذكاء التوليدي، والشبكات العصبية، ونماذج اللغة الطبيعية الكبرى، وتعلم الآلة، وتطوير نموذج للغة العربية باللهجة المصرية. وتسعى الاستراتيجية إلى “الاعتماد السريع” على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في ميكنة الخدمات الحكومية، ودمجه في دورة صنع القرار الحكومي.[29]
بشكل إجمالي تعكس الاستراتيجية والأطر المكملة لها طموحا واسعا في تبني تقنيات الذكاء، وسعيا سريعا لدخولها حيز التطبيق. بينما تدعو توصيات المنظمات الدولية مثل منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي إلى التمهل، كما يتطلب المعيار الحقوقي إجراء تقييمات للأثر على حقوق الإنسان، وإنشاء آليات رقابة، وضمان سبل الجبر، كما نصت عليه توصية اليونسكو[30] بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي والتي أقرتها مصر كدولة عضو. إقليميًا، يدعو القرار رقم 473 (2021) الصادر عن اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب[31] الدول الأطراف إلى ضمان توافق تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه مع الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، ويعتبر القيم ذاتها — الشفافية والمساءلة والعدالة والخصوصية وعدم التمييز مبادئ حقوقية وليست مجرد قيم تطلعية.
كما يشير القرار نفسه إلى “الظلم المعرفي” الناتج عن استيراد تقنيات الذكاء الاصطناعي وضرورة مواءمتها مع السياقات الأفريقية، وهو ما يرتبط مباشرة باعتماد الاستراتيجية على تقنيات مستوردة سريعة التبني. وهو ما يتطلب مراجعة بعض جوانب الاستراتيجية لضمان تقليل الخسائر والتكاليف الكبيرة في حال الفشل أو محدودية النجاح، والوفاء بالالتزامات الدولية والإقليمية في هذا المجال.
- خطورة التوسع في مجالات التطبيق
قدمت الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي توسعا قطاعيا في المجالات التي يُرجى دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي بها، مقارنة بالنسخة الأولى من الاستراتيجية والتي كانت مقتصرة على قطاعات التعليم والزراعة والصحة وإدارة الموارد المائية. شمل التوسع قطاعات مثل النقل، والطاقة، والقضاء، والثقافة، والسياحة، والتخطيط العمراني، والتحكم في المرور.
يأتي هذا التوسع بين الاستراتيجيتين في مدى زمني لم يتجاوز ثلاث سنوات، وبمتوسط خمس سنوات كمدى زمني لفعالية كل استراتيجية منهما. يطرح ذلك تساؤلات حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الاستراتيجية الأولى، وتقييم نجاحها وأداءها بما يسوغ هذا التوسع القطاعي في الاستراتيجية الثانية على النحو الموضح.
تبدو خطورة هذا التوسع في ظل ما رصدته منظمة التعاون الاقتصادي مؤخرا من بقاء الكثير من أدوات وتقنيات الذكاء الاصطناعي المطبقة في مجالات مختلفة عبر العالم في حيز التجربة أو النماذج الأولية (Pilot) بما يحل دون تعميمها؛ [32]بل أن بعضها قد شهد فشلا محققا، ما ترتب عليه خسائر وتكاليف ليست بالقليلة. ولذلك تدعو المنظمة الدول للحذر في التعامل مع تجارب النجاح التي تروج لها حكومات أخرى حول العالم في ظل ضبابية المعلومات المتوفرة حول هذا النجاح، حيث لا يوجد تقييم مستمر وممتد لفترة زمنية طويلة يسمح بتقديم مراجعة وتقييم دقيق.
وتدعو منظمة التعاون الدولي للتوسع القطاعي في تطبيقات الذكاء الاصطناعي من خلال منهج التوسع والتدرج (spill over) ليبدأ التطبيق في قطاعات محدودة العدد، وقليلة الخطورة لفترة ممتدة [33] قبل التوسع في قطاعات جديدة، أكثر خطورة وحيوية، مع تدريب العاملين فيها على هذه التقنية بشكل كاف ومفصل.
كذلك تدعو المنظمة للتطبيق في مجالات ذات عوائد سريعة ومكاسب أكثر توقعا مبدئيا قبل التوسع في القطاعات التي تتطلب استثمارا طويل الأمد يعقبه الحكم بشكل دقيق على نجاح التقنية من عدمه. وقد حوت الاستراتيجية الوطنية ملمحا إيجابيا في ذلك بتركيزها في الأمد القصير على زيادة معدلات النشر العلمي والأكاديمي للجامعات والأكاديميين المصريين في قطاع الذكاء الاصطناعي لزيادة مؤشرات مصر الدولية في هذا النطاق، وهو ما يُمكن تحقيق فيه مكاسب وعوائد سريعة مقارنة بالتطبيقات العملية في القطاعات المختلفة.
في مقابل ذلك، تبدو الحاجة لمراجعة ما تضمنته الاستراتيجية من دمج الذكاء الاصطناعي في القطاع القضائي ومهامه التفصيلية، والتي شملت تقديمه “المساعدة القانونية” أثناء المحاكمات، و”تقييم الدعاوى والمطالبات على أساس تحليل القضايا والقوانين المعمول بها والسوابق القضائية ذات الصلة”، وكلاهما مهام شديدة الخطورة حد وضع الثقة في فاعل غير إنساني للقيام بهما، دون توضيح لما سيلحق هذه المهام من قرارات أو أفعال. ويهدد هذا التطبيق نظام العدالة والعملية القانونية بأكملها، ويستوجب مناقشات جادة وموسعة مع المجتمع.
يحمل التوسع القطاعي تحديا آخر وهو المرتبط بضرورة مراجعة التقنيات المذكورة من الذكاء الاصطناعي، بما يسمح بتحديد التقنيات الملائمة لكل قطاع من القطاعات، تبعا لمهام ومتطلبات كل وظيفة حكومية، على النحو الذي توصي به منظمة التعاون الاقتصادي، حيث لا يلائم تعميم التقنية الواحدة كافة القطاعات.
وبشكل غير منفصل عن توسع القطاعات، تبدو الحاجة لتوضيح أي نمط من الحوكمة سيُعتمد للتعامل مع الذكاء الاصطناعي، خاصة وفق ما تطرحه الاستراتيجية الوطنية في بعض القطاعات، والتي ستدفع للامركزية عمليا كما في حالة قطاع الزراعة. حددت الاستراتيجية أهدافا للقطاع منها، توفير تطبيق مساعد افتراضي للمزارع لتحديد المحاصيل الواجب زراعتها ومكانها بشكل سنوي، وهو ما يدعو للتساؤل حول وضع السياسات الزراعية في هذا القطاع، ودور الوزارة والمديريات المسؤولة؛ وإن كان في ذلك دفعا لمزيد من الفردية واللامركزية، وما هي حدود المسؤولية التي سيتولاها الذكاء الاصطناعي في هذا الصدد.
- تبني الذكاء التوليدي
اتجهت الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي (2026-2030) والمبادئ التوجيهية للذكاء التوليدي (2026) لتحديد نوعية الذكاء الاصطناعي المقصودة والمستهدف دمجها في السياق المصري وهو الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI)، والشبكات العصبية، ونماذج معالجة اللغات الطبيعية الكبرى (LLM)، وتعلم الآلة. وتولي الاستراتيجية تركيزا كبيرا على نماذج اللغة الطبيعية الكبيرة لدمجها في القطاعات المحددة من خلال تطوير نموذج محلي للغة العربية، باللهجة المصرية لتقديم هذه الخدمات للجمهور المصري.
وبرغم إيجابية الالتفات لوضع مبادئ توجيهية خاصة بالذكاء التوليدي، رفقة الاستراتيجية الوطنية، إلا أن غياب تنظيم مماثل للشبكات العصبية قد يكن مآخذ كبيرا في الجانب التنظيمي للذكاء الاصطناعي، خاصة في ظل التحديات الكبرى التي يطرحها استخدام هاتين التقنيتان. وتحمل هذه الأنواع من الذكاء الاصطناعي تهديدات كبيرة، كما يرى الخبراء والتقنيون خاصة في شق المساءلة والتحكم في النتائج النهائية لعمل هذه التقنيات، والتي تميل للعمل باستقلالية، وذاتية، وبعيدا عن الإشراف البشري، على نحو يصعب على التقنيين أنفسهم التنبؤ بمآلاتها.[34] وقد تعرضت المبادئ التوجيهية للذكاء التوليدي لكيفية تدريبه أما من خلال التعلم الآلي واسع النطاق (ممثلا في الشبكات العصبية)، أو التعلم الذاتي بإشراف أو بدون إشراف، ومن خلال التعرف على الأنماط عبر مجموعات البيانات الضخمة.
ويتطلب هذا الطرح معالجة أكثر تحديدا -قانونيا ولائحيا- حول أي من هذه الآليات التدريبية ستُعتمَد خاصة في ظل احتمالات استقلالية وذاتية عمل هذه الآليات، بما يُصعب من التحكم فيها. كما شملت المبادئ التوجيهية طرحا لما يُعرف بالذكاء الوكيلي مع محاولات دمجه مع الذكاء التوليدي، وهو ما قد يزيد من صعوبة حوكمة هذه التقنيات، ويستدعي مراجعة كذلك، وتوضيح حول ما إن كان سيُدمج في تقديم الخدمات الحكومية والقطاعية المذكورة أم لا.
وقد سعت المبادئ التوجيهية للإجابة عن كيفية جمع البيانات، وذلك من خلال الاعتماد على الخوارزميات والأدوات مفتوحة المصدر، المعروفة باسم “الصندوق الأبيض/المستنير”[35]، وهو كذلك يتطلب توضيحا حول كيفية اتساقه وتحقيقه في ظل الاعتماد على تقنيات الشبكات العصبية والذكاء التوليدي، والتي تزيد فيها احتمالات عمل الصناديق السوداء[36] البعيدة عن الرقابة.
لتقريب هذه المعضلة، الفارق الجوهري بين النموذجين سواء الصندوق الأبيض أو الأسود متعلقة بمستوى الشفافية وقابلية التفسير الإنساني وتتبع خط سير المخرجات. فبالنسبة للنموذج الأول وهو الصندوق الأبيض/المستنير تكون هذه الأنظمة شديدة الوضوح بالنسبة للمراقب البشري يمكن تتبع المنهج والمنطق الرياضي التي اتخذتها الخوارزميات لإصدار قرارها، وبحيث تستطيع معرفة كيف تحولت المدخلات إلى مخرجات بشكل واضح وقابل للمراجعة والتدقيق مما يعطي فرصة للمساءلة.
أما النموذج الآخر وهو الصندوق الأسود والذي سمي بذلك لعدم وجود أو وضوح ما هو الذي يدور بداخله ليعطي تلك المخرجات بهذا الشكل مما يعد غموضا هيكليا، بحيث تعتمد الشبكات العصبية العميقة والذكاء التوليدي على مليارات المعاملات والطبقات المخفية، التي تعالج البيانات ذاتيا من خلال أنماط معقدة تتخطى القدرة الاستيعابية والمعرفية للمبرمجين. تلقي خطورة هذا التباين التقني بظلالها على موضوع الشفافية والتتبع، ويحول دون أن يكون هناك قدرة للجهات التنظيمية على إخضاع هذا النموذج لرقابة حقيقية مما يؤثر بشكل مباشر العدالة والشفافية.
- محورية الإنسان في استراتيجية الذكاء الاصطناعي
تُشير كافة الأطر الدولية الاجتهادية لتنظيم قطاع الذكاء الاصطناعي إلى ضرورة أن يكون الإنسان في مركز عمليات تطوير، وتطبيق وحوكمة الذكاء الاصطناعي. يعني ذلك أن تكون مخرجات الذكاء الاصطناعي في صالحه ولخدمته، ولا تأتي عليه وعلى فرصه الاقتصادية عبر إزاحته من سوق العمل وتولى الذكاء الاصطناعي لمهامه.
وتعني محورية الإنسان في هذا التطبيق، أن يتولى المسؤولية النهائية عبر اتخاذ القرار الملائم بناء على اقتراحات الذكاء الاصطناعي، وكذلك بالرقابة عليه طوال مسار عمله ودورة حياته لضمان عدم انحرافه عن الأهداف المرجوة منه. بيد أن هذا الاعتبار بقي واضحا في إصداري الاستراتيجية وفي المبادئ التوجيهية وميثاق المصري للذكاء، وهو أمر محمود؛ إلا أن التطرق لتفاصيل الاستراتيجية (خاصة الإصدار الثاني) فيما يتعلق بقطاعات بعينها قد يدفع التطبيق في مسار مخالف.
حددت الاستراتيجية كأحد أهداف استخدام الذكاء الاصطناعي في قطاع التعليم “وضع مناهج تعليمية للتعليم الأساسي”، وقد أضافت الاستراتيجية على الصعيد الاقتصادي والتنموي أهدافا مثل “وضع السياسات النقدية والاقتصادية بناء على تحليل الاقتصاد الكلي” و “تتبع الموارد الوطنية وإداراتها”. ويمتد الأمر ذاته لقطاع الثقافة والسياحة حيث حددت الاستراتيجية أهدافا لها مثل “تطوير دليل سياحي افتراضي، و”خدمة تخطيط الرحلات الشخصية”[37] وكلها تدفع للتساؤل حول ما تحمله من تهديدات للعنصر البشري العامل في هذه القطاعات.
ويزيد من ضرورة التوضيح في هذا السياق، ما أشار له الميثاق المصري من “إمكانية خسارة وظائف” أثناء تبني الذكاء الاصطناعي، وهو ما يُمكن قبوله طالما “كانت المكاسب أكبر”، مع ترتيب التزام على مالكي الذكاء الاصطناعي بتوفير فرص عمل بديلة للمستبعدين من السوق، وكذلك دعم هؤلاء العاملين بشكل مؤقت. يهدد ذلك الوضع بتعميق الفجوات الاقتصادية والاجتماعية، على خلاف ما تدعو الاستراتيجية من أن تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي من شأنه التغلب على الفجوات الاقتصادية وتمكين المواطنين.
وبرغم نص الميثاق المصري للذكاء المسؤول عن مسؤولية العنصر البشري عن القرار النهائي، إلا أن ذلك لا يكفي حيث يُخشي في ظل هذا التوسع المٌعلن عنه في استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل، وصنع القرار والتحليل، أن يبقي الإشراف البشري في نطاق بيروقراطي وشكلي بحت، وهو ما يتطلب وجود نماذج يُوضح فيها عملية اتخاذ القرار والتحليل، لضمان وجود إشراف بشري حقيقي على القرارات النهائية. ويُخشي كذلك من توسع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي بما يؤدي لتراجع القدرات البشرية وعدم تطورها في ظل التوجه لاعتماد نماذج معالجة اللغات الطبيعية -اللغة العربية- لتعويض النقص في مهارات القراءة والكتابة واللغات الأجنبية، وفقا لما بينته الاستراتيجية.
| الذكاء الاصطناعي يقرر ويتصرف باستقلالية | الذكاء الاصطناعي يقرر والبشر ينفذون | الذكاء الاصطناعي يوصي والبشر يقررون |
| المركبات ذاتية القيادة | تحديد الأخطار في خطوط الأنابيب | مركز الصدارة |
| أتمتة إشارات المرور | التوظيف وتوقعات عدد الموظفين | التصنيف الائتماني |
| الاستفادة المثلى من الطاقة في المرافق | توسع أسعار السلع والمشتريات | التعيين والتوظيف |
نموذج لتوزيع المسؤوليات الموكلة للذكاء الاصطناعي وعلاقته بالبشر – الاستراتيجية الأولى للذكاء الاصطناعي (2021-2023)
كما يتطلب التوجه الرسمي لتبني تقنيات بعينها من الذكاء الاصطناعي مثل المركبات ذاتية القيادة نقاشا أوسع حول المسؤولية عن القرارات التي سيتخذها هذا النوع من الذكاء الاصطناعي، خاصة أنه يمتاز عن تقنيات الذكاء الأخرى التي تأخد شكل (software) بأن له وجود مادي (hardware)، ويتولى مسؤولية مستقلة في اتخاذ القرار بشكل ذاتي أثناء العمل. ويمثل ذلك تحديا كبيرا يظهر في النقاشات حول كيفية تنظيم هذا النوع من الذكاء الاصطناعي، الذي يمتلك وجودا ماديا في الواقع، ويعمل بشكل ذاتي،[38]للقدر الذي يدعو معه الخبراء للتعامل مع هذا النوع من الذكاء الاصطناعي كـ “فاعل” قانوني بما له من تبعات على مستوى المساءلة.
كذلك يمتاز اعتماد الاستراتيجية على الذكاء الاصطناعي في القطاعات المقترحة مثل النقل والتشخيص الطبي والتعيين والتوظيف على مستوي عالي من الخطورة -وفقا لما اعتمده الاتحاد الأوروبي في هذا قانونه- نظرا لما تحمله انحرافات الذكاء في هذه القطاعات من تهديد مباشر لحياة الإنسان، أو مصالحه ووضعه الاجتماعي، والتي تتطلب رقابة بشرية أكبر، ويتطلب كذلك إعادة مراجعة ذلك الشق من الاستراتيجية، بما يُضيف تصنيفا خاصا بمستوى الخطورة المتوقع في حالة هذه الاستخدامات والحل المطروح.
- قواعد البيانات والبنية التحتية
يعتمد تشغيل تقنية الذكاء الاصطناعي على وجود قواعد بيانات جيدة وضخمة لتغذية هذه التقنية، وكذلك على وضع البنية التحتية الاتصالات والانترنت في أي سياق وطني. [39] قد تكون قواعد البيانات المستخدمة للتقنية موجودة بالفعل في قواعد بيانات موجودة في مقرات (Premises) أو قد تتواجد على الأنظمة السحابية (cloud based).
ويشترك كلا النظامين في الحاجة لتكاليف مالية كبيرة للإنشاء والاستفادة منها، إلا أن لكل منهما قيود ومزايا مختلفة، ففي الوقت الذي تزيد إمكانية حماية البيانات المحلية حال استخدام المقرات داخل إقليم الدولة، فإن الخدمات السحابية تفيد في حال غياب هذه القواعد والمقرات، وتسمح بالتعاون العابر للحدود، وإن كان يواجه تحدي خضوع كل طرف في هذه العملية التجارية لنظام قانوني مختلف.
تناولت الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي مسألة قواعد البيانات، ويبدو أنها تميل للمزاوجة بين النمطين، حيث تتبنى هدفا طويل الأمد ببناء قواعد بيانات محلية داخل الدولة، وإنشاء أنظمة سحابية محلية ذكية آمنة تضمن على المدى البعيد تقليل سفر البيانات خارج الحدود؛ وهو ما سيمهد الطريق للاستفادة منها لاحقا بعد تحويلها إلى قيم نقدية قابلة للتداول لصالح الحكومة المصرية.
إلا أن المبادئ التوجيهية للذكاء التوليدي أشارت إلى التعاون العابر للحدود، وهو ما يُرجح الاعتماد عليه في المراحل الأولى من التطبيق، من خلال استخدام خدمات الشركات الخاصة وتطبيقاتها، لحين بناء قواعد محلية. ويطرح الاعتماد على تطبيقات الشركات العاملة في القطاع الخاص والعابرة للحدود تحديات عدة. أول هذه التحديات، هو الحاجة لوجود بنية اتصالات وشبكات قوية تسمح بمعالجة البيانات الكبيرة، والتي ستشهد ازدحام للشبكات في توقيتات -عادة ما ستكون أوقات العمل الحكومية- خاصة أن تركيز الاستراتيجية على الخدمات الحكومية. يصاحب ذلك التحدي المالي، حيث ترتفع تكلفة شراء هذه البرامج والتي تصل في بعض التقديرات إلى ملايين الدولارات، فقد قُدرت في حالات تدريب النماذج الأكثر شيوعا واستخداما ما بين 41-191 مليون دولار، أو لما يقارب المليار يورو في حالة النماذج الأكبر.
وفي الوقت الذي تدعو فيه الاستراتيجية إلى الاعتماد على البرمجيات المفتوحة لبناء قواعد البيانات، فإن الواقع يشهد تأخرا كبيرا في البيانات الحكومية المتاحة، وعدم رقمنة الغالبية منها، وعدم موافقة المتاح منها مع الآليات التي تعتمدها الخوارزميات في القراءة والعمل. تطرح الاستراتيجيات الوطنية مسارا لعلاج أزمة قواعد البيانات من خلال تبني نموذج للشراكة مع القطاع الخاص، وهو أمر جيد، إلا أنه مصحوب بقيود حيث إن الشركات الخاصة التي تمتلك بيانات ضخمة يُمكن الاعتماد عليها هي الشركات الكبرى مثل أمازون وجوجل وأوبر، عكس الشركات الصغرى والمتوسطة التي تمتلك قواعد محدودة. ويظهر هنا تحدي مشاركة البيانات التي تمتلكها هذه الشركات أو مثيلها مع الحكومات، وهو ما يستوجب من الحكومة البدء بنفسها في إتاحة المعلومات نحو توفير قواعد بيانات مفتوحة.
يلعب محددا آخرا في سوق تكنولوجيا المعلومات في مصر قيودا على البيانات المفتوحة حيث يقوم على برمجيات تجارية مغلقة المصدر.[40]وبرغم سعى استراتيجيات سابقة مثل استراتيجية الحوسبة السحابية لحل أزمة قواعد البيانات من خلال دمج وإغلاق مراكز بيانات بالقطاع العام،[41] كخطوة نحو التنسيق والمركزية؛ لكن لا تتوافر معلومات كافية عن مسار هذا الدمج حاليا. كذلك تستهلك نماذج الذكاء التوليدي ونماذج اللغة الطبيعية طاقة كهربائية كبيرة للغاية، وبرامج حوسبة معقدة وكبيرة، وهي محددات تستوجب مزيد من النقاش حول كيفية ضمانها في ظل التطورات الإقليمية، التي تؤثر على أسعار الطاقة، وتهدد بتخفيف الأحمال الكهربائية في الاستخدامات المنزلية.
كما تظهر تحديات أخرى مثل سرعة الانترنت في مصر، والتي تُعد من الأقل عالميا، في مقابل أسعار عالية نسبيا لتقديم خدمة الإنترنت،[42] والتي شهدت كذلك زيادة في أسعار الباقات المنزلية مؤخرا والتي ستعيق من الوصول لخدمة الانترنت. كما أن كثير من مشغلي خدمات الموبايل يمنعون بروتوكولات الاتصالات مثل VOIP[43] . كذلك مازالت مصر تعتمد على بنية اتصالات تعتمد على النحاس وليس الفايبر، وإن كان ذلك محل تحديث حاليا، إلا أنه لم ينته بعد، خاصة عند الحاجة لسفر المعلومات عبر الحدود.
- التناغم بين القوانين والاستراتيجيات المختلفة لقطاع الاتصالات
يُعد تنظيم الذكاء الاصطناعي امتدادا لتنظيم تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، ويعني ذلك الحاجة لمراجعة كافة الاستراتيجيات والقوانين الحاكمة لذلك القطاع، بما يضمن التوازن بينها وينعكس بالتبعية على حوكمة هذه التقنية الناشئة بشكل فعال. فلقد سبقت استراتيجية الذكاء الاصطناعي، استراتيجيات مثل الحوسبة السحابية، واستراتيجية البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر، واستراتيجية مصر الرقمية، والتي تضمنت جميعها معالجة لمحاور فرعية مثل قواعد البيانات وإنشاءها، وتشجيع البيانات المفتوحة وتوجيه الحكومة للعب دور في نشاط هذا القطاع في مصر، ودعوة الحكومة لتقديم تفضيلات للقطاع الخاص في شكل إعفاءات ضريبية، أو باقات تخفيض التكاليف. يستوجب ذلك البناء على هذه الاستراتيجيات والعمل على التنسيق بينها بما يضمن حوكمة أفضل لذلك القطاع.
كما تظهر أهمية وجود قوانين ولوائح للقطاعات المخدمة على تقنية الذكاء الاصطناعي مثل قوانين حماية البيانات الشخصية، وقانون حماية المستهلك، وقانون جرائم تقنية المعلومات، وقانون التوقيع الإلكتروني، وقانون الملكية الفكرية، وقانون الاتصالات، وقانون تنظيم استخدام التكنولوجيا المالية،[44]إضافة لقوانين مثل الاستثمار والقوانين التجارية لتشجيع المستثمرين على الاستثمار في الخدمات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وقانون لتنظيم تداول المعلومات، وكذلك قانون الخدمة المدنية في ظل تركيز الاستراتيجيات الوطنية على الخدمات الحكومية بالأساس.
ويجدر أن تحظي القوانين المنظمة لخلق قواعد البيانات في مصر أهمية خاصة، حيث مازالت هذه الحزمة من القوانين غير مهيئة للتعامل مع قطاع الذكاء الاصطناعي؛ فعلى سبيل المثال يرتبط بشكل وثيق إطلاع المستخدمين على بياناتهم بفعالية منظومة حماية البيانات الشخصية. بناءا على ذلك، أصدرت مصر أول تشريع بحماية البيانات الشخصية بإصدار قانون رقم 151 لسنة 2020 [45]، تم إصدار القانون بدون لائحته التنفيذية لكن ألزم المشرع وزارة الاتصالات بإنهاء اللائحة في خلال ست أشهر ، صدرت تلك اللائحة التنفيذية أخيرًا في الأول من نوفمبر 2025 بموجب القرار رقم ٨١٦ لسنة [46]٢٠٢٥. وتأسس مركز حماية البيانات الشخصية[47] كجهة إشرافية، فيما يتعلق بحماية البيانات الشخصية. ولا زال القانون يحمل أحكام عامة غير محددة، ويمنح وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات صلاحيات واسعة.[48] كما أدى ايضاً التأخير في إصدار اللائحة التنفيذية إلى غموض كبير بخصوص عدد كبير من التفسيرات اللازمة للقانون.
كما يُفترض أن ينظم القانون كذلك قواعد البيانات المفتوحة الحكومية، والتي تٌركز عليها الاستراتيجية، كوقود لتطبيقات الذكاء الاصطناعي؛ وتزداد أهمية وضع قانون لتداول المعلومات قبل إصدار قانون لتنظيم الذكاء الاصطناعي في ظل ما اقترحته الاستراتيجية من تصنيفات للمعلومات الحكومية تبعا لحساسيتها، والذي أكدت عليه كذلك استراتيجية البيانات المفتوحة، والتي نصت بشكل واضح على أن الإفصاح عن أي بيانات لن يتم قبل إصدار كل من قانون لـ “حوكمة البيانات” ولائحته التنفيذية، ما يعني إمكانية تأجيل التطبيق الفعلي لاستراتيجية الذكاء الاصطناعي.[49] وتحمل استراتيجية البيانات المفتوحة نقاط إيجابية مثل النص على عدم الاعتماد والإفصاح عن البيانات الشخصية، وكذلك الدعوة لأن تكون البيانات المنشورة متاحة وسهلة الفهم من جانب المواطن، إلا أن إدراكها يتطلب وجود قانون عام لحرية تداول المعلومات بجانبها.
خاتمة وتوصيات
إن الرصد والتحليل الذي تقدمه هذه الورقة يوضح أن الاندفاع الحكومي نحو التبني السريع للذكاء الاصطناعي، يفتقر إلى المظلة الحقوقية الصلبة التي من الضروري تواجدها قبل البدء في حوكمة الذكاء الاصطناعي للحفاظ على حقوق المواطنين. إن تجارب الدول والتشريعات المقارنة، لاسيما تشريعات الاتحاد الأوروبي وتوصيات منظمة اليونيسكو، أكدت مجتمعة على أن التكنولوجيا ليست محايدة، وحوكمة الذكاء الاصطناعي هي قضية حقوق إنسان في المقام الأول.
وفي ظل عملية دمج الذكاء الاصطناعي في مفاصل الدولة المصرية بداية من القضاء، مرورا بصناعة السياسات العامة إلى قياس الرأي العام وإدارة الخدمات، تزداد المخاوف من تحول الذكاء الاصطناعي إلى آليات متطورة للرقابة، والتصنيف وتقييد الفضاء العام، بما يهدد الحقوق الأساسية بداية من الحق في الخصوصية، وضمانات المحاكمة العادلة، إلى حرية الفكر والتعبير وعلاقتها بمخاطر الخوارزميات.
ويمثل ذلك كلفة باهظة لا يمكن أن يكون اللحاق بالسباق التكنولوجي مبرراً ليتحمل المجتمع كل تلك الأعباء والمخاطر التي تؤثر على حقوقه بشكل مباشر. وينبغي كبح جماح “الاعتماد السريع والواسع للذكاء الاصطناعي ” واستخدام نهج تدريجي حذر في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، يقوم على عمل تقييم مسبق وكامل لآثار استخدامه على حقوق الإنسان وتوفير آليات تطبيق القوانين المرتبطة به. ويمكن توجيه التوصيات التالية إلى السلطات المصرية، كما يلي:
- إقامة حوار مجتمعي ممتد يشمل المجتمع المدني، والسياسيين، والوزارات المعنية بالقطاعات محل التطبيق حول تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، وكذلك في إطار عملية مراجعة الأطر الاسترشادية الدورية التي يُفترض أن تعقد كل عامين لمراجعة هذه الأطر وتحديثها وفقا لما يعلنه المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي.
- ضرورة أن تتضمن أي مراجعة مستقبلية لاستراتيجية الذكاء الاصطناعي تعبيرا واضحا عن نمط الحوكمة الذي تفضل الحكومة إتباعه لحوكمة قطاع الذكاء الاصطناعي بشكل واضح ما إن كان في سبيل الحوكمة التكيفية أو غيرها، بما يضمن تناسق باقي مكونات الاستراتيجية الوطنية المنظمة للقطاع، والتشريعات المتوقعة له، والأطر اللائحية.
- ضرورة عقد نقاشات موسعة حول القطاعات التي تشهد دمج لتقنيات الذكاء الاصطناعي فيها، بما يضمن تحديد الأهداف ومعايير النجاح، ومصالح الأطراف الرئيسية في كل قطاع.
- ضرورة أن يشمل أي تشريع مستقبلي تعريفات واضحة لمسؤولية تطبيقات الذكاء الاصطناعي المعتمدة، والوضع القانوني لأداء هذه التقنيات لعملها ومهامها.
[1] أول مشروع قانون بمجلس النواب عن حوكمة الذكاء الاصطناعي...والنائبة أميرة صابر يتضمن 24 مادة، موقع درب، 24 مايو 2024، https://daaarb.com/أول-مشروع-قانون-بمجلس-النواب-عن-حوكمة-ا/ [2] رئيس اتصالات النواب: "الحكومة أعدت مشروع قانون جديد للذكاء الاصطناعي، جريدة الوطن، 16 أغسطس 2025، https://www.elwatannews.com/news/details/8117012 [3] OECD (2025), Governing with Artificial Intelligence: The State of Play and Way Forward in Core Government Functions, OECD Publishing, Paris, https://doi.org/10.1787/795de142-en [4] OECD AI principles review, last updated in 2024, https://oecd.ai/en/ai-principles [5] REGULATION (EU) 2024/1689, https://eur-lex.europa.eu/legal-content/EN/TXT/PDF/?uri=OJ:L_202401689 [6] AI Act, https://shorturl.at/FXnEf [7] Carl Gahnberg, What rules? Framing the governance of artificial agency, POLICY AND SOCIETY, 2021, VOL. 40, NO. 2, 194–210, P:196 [8] Matt O’Shaughnessy, one of the biggest problems in regulating AI is agreeing on a definition, Carnegie Endowments for International Peace, October 6, 2022, https://shorturl.at/fvnNw [9] Matt O’Shaughnessy, how hype over AI superintelligence could lead to policy astray, Carnegie Endowments for International Peace, September 24, 2023, https://shorturl.at/SBBzq [10] Roxana Radu, ‘Steering the governance of artificial intelligence: national strategies in perspective’, POLICY AND SOCIETY, 2021, VOL. 40, NO. 2, 178–193 [11] Nithin Monteiro SJ, Vaishali Singh, ‘The wheel of artificial intelligence governance’, Sustainable Future (10), 2025, p-p:7-9 [12] Nithin Monteiro SJ, Vaishali Singh, ‘The wheel of artificial intelligence governance’, Sustainable Future (10), 2025, p-p:7-9 [13] Mariana Mazzucato, Marietje Schaake, Seb Krier & Josh Entsminger, (2022), ‘Governing artificial intelligence in the public interest’, UCL Institute for Innovation and Public Purpose, Working Paper Series (IIPP WP 2020-12). https://www.ucl.ac.uk/bartlett/public-purpose/wp2022-12 [14] EU Regulation (2024/68), https://eur-lex.europa.eu/legal-content/EN/TXT/PDF/?uri=OJ:L_202401689 [15] The EU AI Act’s Transparency Rules: A Practical Guide to Article 50, 14 May 2026, https://artificialintelligenceact.eu/transparency-rules-article-50/ [16] The impact of the General Data Protection Regulation (GDPR) on Artificial Intelligence, European Parliamentary Research Service, PE 641.530 – June 2020, https://shorturl.at/YOUhk [17] Explanatory Notice and Template for the Public Summary of Training Content for general-purpose AI models, https://digital-strategy.ec.europa.eu/en/library/explanatory-notice-and-template-public-summary-training-content-general-purpose-ai-models [18] Balázs Hohmann, Gergő Kollár, ‘Reflections on the data protection compliance of AI systems under the EU AI Act’, Cogent Social Sciences, 2025, Vol. 11, no. 1, p-p: 1-20 [19] Soraya Kouadri Mostéfaoui & others, ‘Beyond principles: Adaptive governance for AI’s next frontier’, Sprite, https://shorturl.at/AdqzX [20] Araz Taeihagh, ‘Governance of artificial intelligence’, POLICY AND SOCIETY, 2021, VOL. 40, NO. 2, 137–157, p:145 [21] نُبذة عن تعريف شركة IBM لتقنيات الذكاء الاصطناعي المختلفة، https://shorturl.at/bNMaD [22] Types of AI: explore key categories and uses, Syracuse University, March 26, 2025, https://ischool.syracuse.edu/types-of-ai/ [23] Ibid. [24] Araz Taeihagh, “Governance of artificial intelligence”, POLICY AND SOCIETY, 2021, VOL. 40, NO. 2, 137–157, p:139 [25] Nagla Rizk, Nancy Salem & Stefanie Felsberger, ‘O34: Middle East and North Africa’, in The State of Open Data: Histories and Horizons, ed (Tim Davies, Stephen B. Walker, Mor Rubinstein & Fernando Perini), African Minds & IDRC, 2019, p:506 [26] لمزيد من البيانات يُرجي مراجعة موقع المركز المصري للذكاء الاصطناعي، https://ai.gov.eg/events/events-list [27] المفوضية الأوروبية، قانون الذكاء الاصطناعي (EU AI Act) – لائحة (الاتحاد الأوروبي) 2024/1689 بشأن القواعد المنسّقة للذكاء الاصطناعي، دخل حيّز النفاذ في 1 أغسطس 2024، https://digital-strategy.ec.europa.eu/en/policies/regulatory-framework-ai [28] الأمم المتحدة، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اعتُمد وعُرض للتوقيع بقرار الجمعية العامة 2200 ألف (د-21) المؤرّخ 16 ديسمبر 1966، ودخل حيّز النفاذ في 23 مارس 1976، https://www.ohchr.org/ar/instruments-mechanisms/instruments/international-covenant-civil-and-political-rights [29] النسخة الأولى من استراتيجية الذكاء الاصطناعي 2021 [30]اليونسكو، التوصية بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي (Recommendation on the Ethics of Artificial Intelligence)، اعتُمدت في نوفمبر 2021، https://www.unesco.org/en/artificial-intelligence/recommendation-ethics [31] الاصطناعي والروبوتات وغيرها من التقنيات الناشئة في أفريقيا، ACHPR/Res. 473 (EXT.OS/XXXI) 2021، اعتُمد في 25 فبراير 2021، https://achpr.au.int/en/adopted-resolutions/473-resolution-need-undertake-study-human-and-peoples-rights-and-art [32] Governing with Artificial intelligence: the state of play and way forward in core government functions, OECD, September 25, 2025, https://www.oecd.org/content/dam/oecd/en/publications/reports/2025/06/governing-with-artificial-intelligence_398fa287/795de142-en.pdf [33] Mark Fagan, ‘AI for the people: Use cases for government’, Mossavar-Rahmani Center for Business & Government, August 2025, https://shorturl.at/WVLi7 [34] David Thiel, Melissa Stroebel and Rebecca Portnoff, ‘Generative ML and CSAM: Implications and Mitigations’, Stanford: Internet observatory: cyber policy center, June 24, 2023 [35] Cynthia Rudin, "Stop explaining black box machine learning models for high stakes decisions and use interpretable models instead", Nature Machine Intelligence, المجلد 1، العدد 5 (مايو 2019)، ص 206–215، https://doi.org/10.1038/s42256-019-0048-x [36] Pasquale, F. (2015). The Black Box Society: The Secret Algorithms That Control Money and Information. Harvard University Press. [37] الاستراتيجية الوطنية الثانية للذكاء الاصطناعي (2025-2030)، نسخة للتحميل من موقع المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي: https://ai.gov.eg [38] Carl Gahnberg، What rules? Framing the governance of artificial agency, POLICY AND SOCIETY, 2021, VOL. 40, NO. 2, 194–210, P:196 [39] Nagla Rizk, Artificial Intelligence and inequality in the Middle East, the Oxford Handbook of Ethics of Artificial Intelligence (2020), Ed. Markus D. Dubber, Frank Pasquale & Sunit Das, July 2020, available at: https://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=3659290, P-P: 5-6 [40] استراتيجية البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر، وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، https://shorturl.at/Qx9Nl [41] استراتيجية الحوسبة السحابية، https://shorturl.at/STeYm [42] إشكاليات تسعير خدمات الانترنت في مصر، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، 27 يونيو 2022، https://shorturl.at/lBl4R [43] Nagla Rizk, Artificial Intelligence and inequality in the Middle East, op.icd, P:15 [44] تنظيم الذكاء الاصطناعي في مصر: معايير ومبادئ مقترحة، مسار، 25 مارس 2025، https://masaar.net/ar/egypt-ai-regulation/ [45] الميثاق المصري للذكاء الاصطناعي المسؤول، الإصدار 1.0، 2023، https://ai.gov.eg/SynchedFiles/en/Resources/Egyptian%20Charter%20For%20Responsible%20AI.pdf [46] اللائحة التنفيذية لقانون حماية البيانات الشخصية، موقع مركز حماية البيانات الشخصية، رابط: https://pdpc.gov.eg/laws [47] مركز حماية البيانات الشخصية (مصر)، صفحة التعريف بالمركز (About)، https://pdpc.gov.eg/about [48]قانون حماية البيانات الشخصية في ضوء المعايير الدولية، https://afteegypt.org/wp-content/uploads/2021/07/ورقة-قانون-البيانات-الشخصية.pdf [49] استراتيجية البيانات المفتوحة، 2025، متاحة على موقع المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي.