مؤسسة حقوقية مصرية تعمل على دعم وتعزيز حرية التعبير

التقرير ربع السنوي الثاني لحالة حرية التعبير في مصر (أبريل-يونيو 2018)

أولا: قراءة في حالة حرية التعبير:

يتناول التقرير في القسم الأول حالة حرية التعبير، في الربع الثاني من العام 2018، من خلال عدد من القضايا الملحة، والتي يمكن من خلالها فهم تطورات السياسات العامة وتوجهات التشريع في ملفات حرية التعبير. ينطلق التقرير من إعلان فوز الرئيس السيسي بانتخابات الرئاسة مع بداية الفترة التي يغطيها التقرير، وما هي الملامح التي توضح توجهات الرئيس السيسي في فترته الثانية.

  • الفترة الرئاسية الثانية للسيسي: مزيد من قمع حرية التعبير

أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات، في 2 أبريل 2018، عن فوز الرئيس عبد الفتاح السيسي بالانتخابات الرئاسية، بعد حصوله على 97.08 % من الأصوات الصحيحة. شهدت الانتخابات الرئاسية عدة ممارسات لمنع المرشحين المحتملين من التقدم بأوراق ترشحهم، بما يشمل المرشحين ذوي الخلفية العسكرية، بينما أجريت الانتخابات الرئاسية في مناخ مقيد لحرية التعبير وهذا ما رصدته مؤسسة حرية الفكر والتعبير في تقريرها عن حالة حرية التعبير للربع الأول من العام 2018.

بعد إعلان فوز الرئيس السيسي، واصلت السلطة الحالية هجمتها الشرسة لتقييد حرية التعبير، سواء من خلال أجهزة تنفيذية مثل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أو أجهزة الأمن، أو من خلال جهات التحقيق، حيث تم إبعاد محمد السيد صالح رئيس تحرير جريدة المصري اليوم آنذاك عن منصبه، على خلفية نشر الصحيفة في نهاية مارس 2018 مانشيت بعنوان “الدولة تحشد الناخبين في آخر أيام الانتخابات”، وهو ما قرر المجلس الأعلى للإعلام على إثره إحالة رئيس التحرير ومحرر الخبر إلى التحقيق في نقابة الصحفيين، وذلك بعد أن تقدمت الهيئة الوطنية للانتخابات بشكوى إلى الأعلى للإعلام بشأن هذا المانشيت. كما أحال النائب العام بلاغا يتهم جريدة المصري اليوم بإهانة المصريين إلى نيابة أمن الدولة العليا، والتي استدعت رئيس تحرير المصري اليوم المبعد عن منصبه، إضافة إلى 7 مراسلين للجريدة شاركوا في كتابة الخبر المتعلق بحشد الدولة للناخبين. لاحقا، تم إخلاء سبيل الصحفيين السبعة، إضافة إلى رئيس تحرير المصري اليوم السابق، والذي سدد كفالة 10 آلاف جنيه.

لم تقتصر تبعات تغطية الانتخابات الرئاسية على جريدة المصري اليوم فقط، بل امتدت كذلك إلى موقع مصر العربية، والذي وُقعت عليه غرامة مالية 50 ألف جنيه من قبل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بسبب شكوى من الهيئة الوطنية للانتخابات، انتقدت فيها تقريرا مترجما نشره الموقع عن جريدة نيويورك تايمز، يتناول الرشاوى الانتخابية. وتم إلقاء القبض على عادل صبري رئيس تحرير موقع مصر العربية، وهو الآن قيد الحبس الاحتياطي، على ذمة التحقيقات، حيث يواجه اتهامات بنشر أخبار كاذبة، والتحريض على تعطيل أحكام الدستور، والانضمام لجماعة محظورة والتحريض على التظاهر. ويتناول التقرير في قسمه الثاني تفصيليا وضع حرية الإعلام خلال الربع الثاني من العام 2018.

يظهر ملمح آخر تواصل الهجمة التي تقودها السلطة الحالية لتقييد حرية التعبير، فقد تم إلقاء القبض على عدد من النشطاء والمدونين، الذين ينشرون آراء ناقدة لسياسات الرئيس السيسي من خلال الانترنت، وكذلك مواطنين عبروا عن غضبهم من السياسات الاقتصادية، التي انعكست على زيادة أسعار تذاكر المترو، ومنهم 10 مواطنين ألقي القبض عليهم في محطة مترو حلوان، في 13 مايو 2015، وأفرجت عنهم النيابة بعد يومين.

طالت تلك الهجمة على سبيل المثال الناشط السياسي حازم عبد العظيم، والذي كان ضمن حملة الرئيس السيسي في انتخابات 2014، واتهمته نيابة أمن الدولة العليا بمساعدة جماعة إرهابية على تحقيق أهدافها واستخدام مواقع التواصل الاجتماعي للترويج لأفكار تلك الجماعة الإرهابية، وهو الآن قيد الحبس الاحتياطي، وهي نفس الحالة القانونية للنشطاء أمل فتحي ووائل عباس وهيثم محمدين، وهم كذلك وُجهت لهم اتهامات تتعلق باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي في التعبير عن الرأي. بينما يواجه الناشطين شادي الغزالي وشريف الروبي، والصحفي الحر محمد اكسجين، اتهامات في القضية 621 أمن دولة.

وهكذا، يبدو أن السلطة الحالية تسعى لتوسيع نطاق ملاحقة الصحفيين والنشطاء والمدونين، رغم حسمها لمعركة الانتخابات الرئاسية، فقد أدى السيسي اليمين الدستورية رئيسا للبلاد في 2 يونيو 2018. كما أن السلطة الحالية نجحت في إحداث تغييرات مستمرة في الهياكل القيادية للجهات الأمنية، كان آخرها إقالة وزير الدفاع صدقي صبحي، ووزير الداخلية مجدي عبد الغفار، مع تشكيل الحكومة الجديدة، في 14 يونيو 2018. وتجدر الإشارة كذلك إلى إقالة رئيس المخابرات العامة، بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية، ثم تعيين اللواء عباس كامل مدير مكتب الرئيس السيسي خلفا له، في 28 يونيو 2018. كما تم إقالة رئيس أركان الجيش محمود حجازي، في العام السابق.

وعلى الأرجح، فإن استمرار هذه الهجمة، يهدف لمنع الاحتجاجات على القرارات الاقتصادية المرتبطة بقرض صندوق النقد الدولي من جانب، وتهيئة المناخ للقيام بتعديلات دستورية، تمهد لاستمرار الرئيس السيسي في الحكم بعد انتهاء فترته الرئاسية الثانية، خاصة أن عمليات تغيير القيادات الأمنية أفضت إلى تعزيز سيطرة الرئيس السيسي على مؤسسات الدولة. ويوضح التقرير في مواضع تالية، كيف تستخدم السلطة الحالية التشريع والملاحقات الأمنية والاتهامات القضائية، لمنع المواطنين من التعبير عن الرأي.

  • إقرار البرلمان لقانون الجريمة الاليكترونية: تقنين للرقابة على الانترنت

مرر البرلمان خلال الفترة التي يغطيها التقرير قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، والمعروف إعلاميا بقانون الجريمة الإلكترونية. وقد حاولت الحكومة المصرية من قبل وكذلك مشرعون محسوبون على السلطة الحالية إقرار القانون في العامين السابقين. ويحمل التوقيت الذي أقر فيه البرلمان القانون دلالة على تخوف السلطة الحالية من الانترنت باعتباره المساحة الأخيرة، التي يستخدمها منتقدو السلطة لنشر آرائهم، وتداول المعلومات بشأن تطورات السياسة الداخلية في مصر.
سيزيد قانون الجريمة الإلكترونية من فرص السلطة الحالية في استهداف المواطنين، بسبب استخدام الانترنت في التعبير عن الرأي، وخاصة مع وجود عقوبات قاسية ضمن مواد القانون، إلى جانب مراقبة المستخدمين، عبر إلزام الوسطاء ومزودي الخدمة بتسجيل بياناتهم لمدة 180 يوما. ويمنح القانون السلطة التنفيذية والجهات القضائية صلاحية الرقابة على الانترنت. وقد استخدمت السلطة الحالية، منذ 24 مايو 2017، ممارسة حجب مواقع الوب على نطاق واسع، لم تشهده مصر من قبل.

يشمل قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات 45 مادة، وهو قانون مُقدّم من قبل الحكومة، ووافق عليه مجلس النواب نهائيا في 5 يونيو 2018. يتطلب القانون توقيع رئيس الجمهورية ليصبح ساريا، وإذا لم يقم الرئيس بالتوقيع عليه في غضون 30 يومًا، سيتم تفعيله تلقائيًا. يغلب على مواد القانون عدم تحديد المقصود من المصطلحات المستخدمة، ما يجعل هناك غموض وعدم انضباط. ويتيح ذلك إمكانية امتداد عقوبات القانون إلى أي فعل اعتيادي أو مخالف لسياسات السلطات المصرية، فعلى سبيل المثال لم يحدد القانون المقصود بمصطلح “الآداب العامة” الوارد بالمادة (27)، وكذلك ما تناولته المادة (35) والتي تشدد العقوبة إذا وقعت بغرض الإخلال بالنظام العام، أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر، أو الإضرار بالأمن القومي للبلاد أو بمركزها الاقتصادي، أو منع أو عرقلة ممارسة السلطات العامة لأعمالها، أو تعطيل أحكام الدستور أو القوانين أو اللوائح، أو الإضرار بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي.

تمنح المادة السابعة من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات جهات التحقيق صلاحية إصدار قرار، بحجب مواقع الوِب، متى رأت أن المحتوى المنشور على هذه المواقع يُشكّل جريمة أو تهديدًا للأمن القومي أو يُعرّض أمن البلاد أو اقتصادها القومي للخطر. وتقوم جهة التحقيق بعرض هذا القرار على المحكمة المختصة، خلال 24 ساعة، ثم تصدر المحكمة قرارها في مدة لا تجاوز 72 ساعة، إما بالقبول أو الرفض. وبذلك تقنن المادة (٧) حجب المواقع الإلكترونية، وبعد إقرار القانون يمكن للسلطات المصرية الاعتماد على هذه المادة للرقابة على المحتوى عبر الانترنت.

ووفق نفس المادة، تملك جهات التحري والضبط المختصة (الشرطة) صلاحية إصدار قرارات بحجب مواقع الوب، إذ يمكن لها أن تبلغ الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، والذي يقوم بدوره بإخطار مُقدِّمي خدمات الإنترنت بالحجب المؤقت لموقع أو رابط أو المحتوى. وتُلزم المادة مُقدِّمي خدمات الانترنت بتنفيذ مضمون الإخطار فور وروده، ويكون ذلك في “حالة الاستعجال لوجود خطر حال أو ضرر وشيك الوقوع”. وهذا يعني أن قرار الحجب سيخضع لسلطة تقديرية، دون معايير محددة لتوصيف الخطر الحالي أو الضرر وشيك الوقوع، حتى يمكن منع الشرطة من التعسف في استخدام الصلاحية الممنوحة لها بالحجب.

ولكن يلزم قانون الجريمة الالكترونية جهات التحري بعرض القرار – بعد أن يكون قد نُفّذ بالفعل – على جهات التحقيق، خلال 48 ساعة، لتقوم بدورها بعرضه على المحكمة المختصة، خلال 24 ساعة. ثم تصدر المحكمة قرارها، في مدة لا تجاوز 72 ساعة، إما بالقبول أو الرفض. وذلك يعني أن جهات التحري والضبط تحظى بصلاحية أكبر من سلطات التحقيق، والتي لا يكون قرارها ساريًا ولا يُنفّذ إلا بعد صدور قرار قضائي من المحكمة المختصة، بعكس الصلاحية الممنوحة لجهات التحري والضبط. ويُحدِّد قانون الجريمة الالكترونية أسباب حجب مواقع الوِب باستخدام مصطلحات فضفاضة وغير منضبطة، مثل تهديد الأمن القومي، والذي يُعرفه القانون على أنه كل ما يتصل باستقلال واستقرار وأمن الوطن ووحدته وسلامة أراضيه، وما يتعلق بشئون رئاسة الجمهورية ومجلس الدفاع ومجلس الأمن القومي، والقوات المسلحة والإنتاج الحربي، ووزارة الداخلية، والمخابرات العامة، وهيئة الرقابة الإدارية، والأجهزة التابعة لتلك الجهات. وطالت الاتهامات بتهديد الأمن القومي سابقا عديد من المتظاهرين والنشطاء سواء في التحقيقات أو المحاكمات، على خلفية الدعوة للتظاهرات وفي قضايا النشر وفي القضية 173 الموجهة ضد منظمات المجتمع المدني. وكذلك، فإن ما تعده الجهات الواردة في التعريف انتقادا لسياساتها سيُعد تهديدًا للأمن القومي.

وعلى مستوى آخر، يعمل قانون الجريمة الالكترونية على تقنين عملية مراقبة شاملة على الاتصالات، إذ تُلزم المادة الثانية من القانون شركات الاتصالات بحفظ وتخزين بيانات استخدام العملاء، لمدة 180 يومًا. تشمل هذه البيانات تلك التي تُمكّن من التعرف على المستخدم، والبيانات المتعلقة بمحتوى ومضمون النظام المعلوماتي، والمتعلقة بحركة الاستخدام وبالأجهزة المُستخدمة. وذلك يعني أن مقدمي خدمات الاتصالات سيكون بحوزتهم بيانات توضّح كل الممارسات، التي يقوم بها المستخدم بما في ذلك المكالمات الهاتفية، والرسائل النصية، وكل البيانات المتعلقة بهما، والمواقع التي يزورها المستخدم، والتطبيقات المُستخدمة على الهواتف الذكية والحواسيب. كما  تُلزم نفس المادة من القانون شركات الاتصالات بالالتزام بأي “بيانات أخرى يصدر بتحديدها قرار” من مجلس إدارة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، ما يعني أنه يمكن لاحقًا إلزام مقدمي خدمات الاتصالات بجمع والاحتفاظ ببيانات غير منصوص عليها في القانون، استنادًا إلى قرار إداري يصدر من الجهاز.

وتتوسع المادة الثانية في إعطاء صلاحية جمع بيانات المستخدمين للوكلاء والموزعين التابعين لمُقدّمي خدمات الإتصالات، والمنوط بهم تسويق الخدمة. كما تمنح المادة الثانية أيضًا، جهات الأمن القومي الحق في الاطلاع على هذه البيانات، وتُلزم مقدمي خدمات الاتصالات أن يوفروا الإمكانيات الفنية اللازمة. وبذلك يكون قانون الجريمة الالكترونية قد فرض مراقبة شاملة على جميع المستخدمين في مصر، بدلًا من ارتباط مراقبة الاتصالات بالحصول على تصريح من جهات التحقيق في جرائم محددة ولفترة محددة، كما يطلق القانون يد الأجهزة الأمنية في الحصول على بيانات المستخدمين دون التقيد بمعايير.

ويبدو أن البرلمان عازم على تقييد الحقوق الرقمية باستخدام تشريعات أخرى، فمشروع قانون تنظيم الصحافة والإعلام الذي وافق عليه مجلس النواب من حيث المبدأ، في 10 يونيو 2018، يحتوي على مادة تفرض عقوبات على مستخدمي الانترنت، رغم أن القانون بالأساس يتولى تنظيم شئون الصحافة والإعلام. وهذا ما يتناوله التقرير في النقطة التالية.

  • مشروع قانون تنظيم الصحافة والإعلام: ضربة جديدة لحرية الإعلام

رسخ الدستور المصري الصادر في العام 2014 من وجود هيئات إعلامية يتوجب فيها الاستقلالية، وجاءت نصوص الدستور متماشية مع مطالبة كثير من الخبراء بإلغاء وزارة الإعلام وسيطرتها مركزيا على شئون الإعلام والصحافة. ومنذ انتخاب مجلس النواب في العام 2015، كانت القوانين المنظمة للعمل الصحفي والإعلامي دوما محل جدال سواء في البرلمان أو خارجه. وأصدر مجلس النواب الحالي قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام في ديسمبر 2016، وهو قانون ينظم عمل الهيئات المسئولة عن الصحافة والإعلام. ومنذ ذلك الحين، لم ينتهى مجلس النواب من إصدار قانون تنظيم الصحافة والإعلام، الذي يتناول الجوانب المتعلقة بالعمل الصحفي والإعلامي، وحقوق العاملين بالصحافة والإعلام.

وفي يونيو 2018، نشرت بعض الصحف تقريرا للجنة برلمانية مشتركة بشأن إصدار قانون تنظيم الصحافة والإعلام، وحمل التقرير تطورا مفاجئا عندما أوصى بإلغاء القانون رقم 92 لسنة 2016 بشأن التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام. وفقا للتقرير، ارتأت اللجنة المشتركة أن نصوص الدستور الصادر في العام 2014 استدعت أن يعمل مجلس النواب أولا على إصدار القانون المنظم لعمل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام – قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام – وذلك بهدف الحصول على رأي هذه الهيئات فيما يتعلق بشئون الصحافة والإعلام. وبما أن هذا الهدف تحقق بإدلاء هذه الهيئات بآرائها في مشروع قانون تنظيم الصحافة والإعلام، فقد أوصت اللجنة البرلمانية المشتركة بإلغاء قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام، وإصدار ثلاثة قوانين منفصلة، الأول خاص بالهيئة الوطنية للصحافة، والثاني بالهيئة الوطنية للإعلام، بينما في القانون الثالث يتم إضافة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ضمن مواد قانون تنظيم الصحافة والإعلام. واعتبرت اللجنة أن هذه التغييرات التشريعية من شأنها معالجة “الفجوات العملية” التي ظهرت في عمل الهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام – وهما هيئتان لإدارة الإعلام المملوك للدولة-.

وافق مجلس النواب من حيث المبدأ على قانون تنظيم الصحافة والإعلام بما يشمل المواد الخاصة بعمل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في الجلسة العامة للبرلمان، في 10 يونيو 2018، كما وافق أيضا من حيث المبدأ على قانون الهيئة الوطنية للصحافة وقانون الهيئة الوطنية للإعلام في الجلسة العامة للبرلمان، في 11 يونيو 2018. تظهر هذه الخطوة مدى التخبط في أداء البرلمان المصري، فقبل انتخاب البرلمان كان النقاش في أوساط الجماعة الصحفية يتركز على إصدار قانون موحد للصحافة والإعلام، وبالفعل أعدت لجنة مكونة من 50 خبيرا مسودة لقانون موحد للصحافة والإعلام، لكن البرلمان لم يأخذ بهذه المسودة في نقاشاته خلال العام 2016، بدعوى أولوية تشكيل الهيئات المسئولة عن شئون الإعلام والصحافة، وتعرض حينها البرلمان لانتقادات كبيرة.

يتكون مشروع قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام من 108 مادة، مقسم على 7 أبواب، وأبرزها: الباب الثالث ويتناول المؤسسات الصحفية وتنظيم ملكيتها، الباب الرابع ويتناول المؤسسات الإعلامية وتنظيم ملكيتها، والباب الخامس ويتناول اختصاصات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام. وتخرج المادة (19) من مشروع القانون عن الإطار المرسوم له، إذ أن المادة الأولى من مشروع القانون قد استثنت منه “الموقع أو الوسيلة والحساب الإلكتروني الشخصي”، بينما نصت المادة (19) على قيام المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بتوقيع العقوبات على كل موقع إلكتروني شخصي أو مدونة إلكترونية شخصية أو حساب إلكتروني شخصي، متى بلغ عدد متابعيه 5 آلاف شخص أو أكثر، وذلك في حال القيام بنشر أو بث أخبار كاذبة، أو ما يدعو أو يحرض على مخالفة القانون، أو إلى العنف أو الكراهية، أو ينطوي على تمييز بين المواطنين، أو يدعو للعنصرية، أو التعصب، أو يتضمن طعنا في أعراض الأفراد أو سبا أو قذفا لهم، أو امتهان للأديان السماوية أو للعقائد الدينية.

تتيح المادة (19) للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أن يصدر قرارا بحجب الموقع أو المدونة أو الحساب الشخصي المخالف لأحكام القانون. وهنا يسعى البرلمان إلى جعل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام جهة مسئولة عن المراقبة الشاملة على مستخدمي الانترنت، وهي صلاحية لا ينص عليها قانون التنظيم المؤسسي للإعلام الذي سيتم إلغاؤه، عند إصدار هذا القانون. كما يستهدف مشروع القانون فرض سيطرة مركزية على المواقع الصحفية على الانترنت، بإدخالها ضمن نطاق وسائل الإعلام التي تخضع لشروطه. ويتيح مشروع القانون للمحكمة المختصة حجب هذه المواقع، كعقوبة بسبب مخالفة طبيعة النشاط المرخص به، بحسب المادة (105).

ويقصر مشروع قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تعريف الصحفي أو الإعلامي فقط على المقيدين في جداول نقابة الصحفيين أو الإعلاميين. ونظرا لطبيعة شروط القيد التي يغلب عليها التعقيد في النقابتين، سيحرم كثير من الصحفيين والإعلاميين من الدخول تحت مظلة القانون، وبالتالي لن يحصلوا على الضمانات التي يوفرها. ومن جانب آخر، يشترط مشروع قانون تنظيم الصحافة والإعلام أن يتولى المقيدون بجداول المشتغلين في نقابة الصحفيين أو نقابة الإعلاميين مسئولية التحرير أو إدارة البرامج، ما يحرم غير المقيدين بجداول المشتغلين من الحصول على هذه الوظائف، بحسب المادتين (40) و (55). كما يشترط القانون ألا تقل نسبة المقيدين في جداول النقابة عن 70 % من العاملين في الصحيفة أو الموقع، بحسب المادة (42).

احتوى مشروع قانون تنظيم الصحافة والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مصطلحات فضفاضة، وهو النهج الذي يتبناه البرلمان الحالي في التشريعات التي يصدرها. وهناك ما يتعلق بالأمن القومي والآداب العامة كما في نص المادة (4) من مشروع القانون، والتي تتيح تمنح المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام صلاحية منع مواد صحفية صدرت أو جرى بثها من الخارج “للاعتبارات التي يقتضيها الأمن القومي”. وفي نفس المادة تم استخدام مصطلح المواد “التي تتعرض للأديان والمذاهب الدينية تعرضا من شأنه تكدير السلم العام”. واستخدم المشرع في المادة (5)، والتى تحدد ما يمنع منح تراخيص لوسائل الإعلام أو سحب ترخيصها، مصطلحات تتيح للجهة الإدارية التعسف في استخدام سلطتها، ومن ذلك “التعصب الجهوي”، “ممارسة نشاط معاد لمبادىء الديمقراطية”، و”التحريض على الإباحية”.

أعلن أربعة أعضاء بمجلس نقابة الصحفيين عن رفضهم لهذه القوانين، واعتبروا أن مشروع قانون تنظيم الصحافة والإعلام “صادم ومشبوه ولا يمثل الصحفيين بقدر ما يمثل جهات بعينها تهدف إلى السيطرة على الصحافة، قومية وخاصة، وإسكات صوتها للأبد”، وامتد اعتراضهم إلى قانون الهيئة الوطنية للصحافة، حيث جاء في بيانهم أن مشروع القانون يهدف إلى “السيطرة على مجالس الإدارات والجمعيات العمومية للصحف القومية، بتقليل عدد المنتخبين ورفع عدد المعينين من خارج المؤسسات”، في إشارة إلى المادة (35) من مشروع قانون الهيئة الوطنية للصحافة.

ويبدو أن مجلس النواب بصدد تحويل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام إلى جهة تقوم بالمراقبة الشاملة على مستخدمي الانترنت في مصر، بالإضافة إلى صلاحيات المجلس في الرقابة على المحتوى الإعلامي. وهو ما سيزيد من ممارسة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام للانتهاكات ضد حرية الإعلام وحرية الإبداع والحقوق الرقمية، خاصة أن الأعلى للإعلام يرسخ من خلال قراراته للرقابة على الأعمال الدرامية، وهذا ما سيتناوله التقرير في موضع لاحق.

ذات صلة