“قمع بروح الطوارئ” تقرير حول حرية التعبير في العام 2018

تاريخ النشر : الأربعاء, 23 يناير, 2019
Facebook
Twitter

إضغط هنا للحصول على نسخة بصيغة PDF من التقرير.

إعداد:
مصطفى شوقي وسارة رمضان وماريان سيدهم، الباحثون بالمؤسسة،
ووسام عطا، مدير وحدة الرصد والتوثيق، وسارة محسن، الباحثة بالوحدة،
وحسن الأزهري، مدير الوحدة القانونية، وشاركه في جمع المادة القانونية المحامون بالوحدة
الإعداد العام والتحرير: محمد ناجي

المنهجية

 

يغطي هذا التقرير وضع حرية التعبير في مصر خلال العام الميلادي 2018. ويعتبر هو التقرير السادس الذي تصدره المؤسسة بشكل دوري في هذا الشأن. واعتمد التقرير على تحليل طبيعة الانتهاكات التي استطاعت رصدها وتوثيقها والتحقق منها وحدة الرصد والتوثيق بالمؤسسة. وكذا على مشاهدات ومتابعة الباحثين للملفات التي يعملون عليها على مدار العام. والملفات موضع البحث، هي حرية التعبير وحرية الصحافة والإعلام والحرية الأكاديمية والحقوق الطلابية وحرية تداول المعلومات وحرية الإبداع والحقوق الرقمية. وتعتمد وحدة الرصد والتوثيق على منهجية محددة في رصدها للانتهاكات كالتالي:

 

1– جمع البيانات الأولية

 

هي المرحلة التي يقوم بها فريق العمل على جمع المعلومات الأولية من المصادر المتوفَّرة لدى فريق العمل، وتشمل:

المعلومات المتوفِّرة لدى محامي المؤسسة

تعمل مؤسسة حرية الفكر والتعبير على دعم وتعزيز حرية التعبير في مصر عبر عدد من الآليات ومنها تقديم الدعم القانوني المباشر إلى ضحايا حرية التعبير في مصر، وفي هذا السياق فإن المؤسسة تعتمد في جزء من رصد الانتهاكات المتعلقة بحرية التعبير على المعلومات المتوفرة في القضايا القانونية التي تعمل عليها المؤسسة ومن خلال التواصل بين محامي المؤسسة والضحايا، أو إمكانية وصول المحامين إلى ملفات القضايا التي لا تعمل عليها المؤسسة أو الحصول على معلومات عنها.

المعلومات المتوفرة على الإنترنت

تعتمد المؤسسة في جمع البيانات الأولية المتعلقة بانتهاكات حرية التعبير على مسح المواقع الإخبارية والشبكات الاجتماعية، بحيث يتم رصد الأخبار أو منشورات النشطاء والمستخدمين المتعلقة بالانتهاكات. وتعتمد المؤسسة في ذلك الأدوات التي يوفِّرها محرك البحث جوجل ومواقع الشبكات الاجتماعية المختلفة، خاصة المساحات الرقمية التي تجمعالفئات ذات الصلة بعمل وحدة الرصد والتوثيق بالمؤسسة.

 

2- تنظيم المعلومات الأولية

 

يقوم فريق عمل وحدة الرصد والتوثيق بتنظيم المعلومات الأولية التي يتم جمعها بحيث يتم تصنيفها طبقًا لكل موضوع من الموضوعات التي تعمل عليها الوحدة، ويتم ذلك كمرحلة تنظيمية للبدء في الاستيثاقبكل انتهاك على حدة.

 

3- التأكد من البيانات

 

تعتمد المؤسسة على مجموعة من الآليات للتأكد من البيانات الأولية التي تم جمعها، وتشمل الآتي:
• الوثائق الرسمية: على الرغم من وجود صعوبة في كثير من الأحيان في الحصول على وثائق رسمية يمكن الاعتماد عليها كتوثيق للانتهاكات، فإن فريق عمل المؤسسة يعتمد أحيانًا على البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات الحكومية المنشورة في الصحف والمواقع الإخبارية والمواقع الحكومية الرسمية والحسابات الحكومية على الشبكات الاجتماعية، كما تعمل المؤسسة من خلال فريق عمل المساعدة القانونية على الحصول على محاضر الشرطة وأوراق القضايا القانونية المرتبطة بالانتهاكات التي يرصدها فريق الرصد والتوثيق بالمؤسسة.
• شهادات الضحايا: تسعى مؤسسة حرية الفكر والتعبير إلى التواصل المباشر بين فريق عمل وحدة الرصد والتوثيق والضحايا من الفئات المستهدفة لتوثيق الانتهاكات الواقعة عليهم، وتتم الشهادات إما عبر اللقاءات المباشرة وإما عبر الهاتف.

  • شهود العيان: في حالة تعذُّر الحصول على شهادة مباشرة من الضحايا فإن فريق العمل يحاول الحصول على شهادات من شهود عيان أو من ذوي الضحية أو محاميها.
  • أدوات التحقق الرقمية: تعتمد المؤسسة على بعض الأدوات التقنية للتحقق من الصور والنسخ الضوئية المنشورة على الإنترنت، خاصة الشبكات الاجتماعية، للتأكد من صحتها، خاصة التحقق من صور الاعتداءات أو الصور التي تُظهر قرارات أو بيانات رسمية صادرة عن إحدىالجهات الحكومية.
  • المؤسسات الحقوقية المعنية: في كثير من الأحيان يتواصل فريق عمل الرصد والتوثيق بالمؤسسة مع المؤسسات الحقوقية الأخرى العاملة في نفس نطاقات عمل المؤسسة للحصول على معلومات حول الانتهاكات التي يقوم الفريق برصدها خاصة ما يتعلق بالقضايا القانونية المنظورة في المحاكم.
  • تعدد المصادر: في بعض الأحيان يكون التوثيق عبر التحقق من البيانات المتوفرة لدى فريق العمل من مصادر صحفية مختلفة، خاصة ما يتعلق بالانتهاكات التي تتعرَّض لها مجموعات من الفئات المستهدفة كمنع التغطية بالنسبة إلى لصحفيين والإعلاميين.
  • رصد المواقع المحجوبة: تعتمد المؤسسة في رصدها للمواقع المحجوبة في مصر والتأكد من ذلك على برمجية أونيبروب (ooniprobe) وهي عبارة برمجية حرة تعمل كشبكة لكشف الرقابة والمراقبة والتدخل في مرور البيانات بشبكة الإنترنت. تُتيح الأداة إجراء اختبارات للتأكد من حجب المواقع، بالإضافة إلى طيف آخر من اختبارات الشبكة. وبالإضافة إلى التأكد من عمل المواقع من عدمها عبر تجربتها من خلال المتصفح العادي وأدوات أخرى يمكنها تجاوز الحجب كمتصفح تور.

 

4- أرشفة الانتهاكات

 

يقوم فريق عمل وحدة الرصد والتوثيق بأرشفة الانتهاكات رقميًّا، التي تم رصدها والتأكد من صحتها بما في ذلك المواد التي تم الاعتماد عليها في التأكد والبيانات والأوراق الرسمية والطريقة التي تم اتباعها للتأكد، بالإضافة إلى الشهادات المباشرة من الضحايا أو تفريغها.

5- التعريفات

 

الانتهاك: تستند المؤسسة في رصدها للانتهاكات على ما نصت عليه المواثيق الدولية المعنية بحرية التعبير كالمادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية،والإطار الدولي الأساسي الذي يقنن هذا الحق:
1. لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة.
2. لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها.
3. تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة 2 من هذه المادة واجبات ومسؤوليات خاصة. وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية:
أ‌. لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم.
ب‌. لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.

جهات أمنية: تشمل قطاع وزارة الداخلية ووزارة الدفاع والقوات النظامية، وأيضًا يتم إدراجها في حالة اعتداءات “مدنيون مؤيدون أو مجهولون”في وجود قوات نظامية.
حراسة أو أمن خاص: تشمل أي أفراد حراسة خاصة سواء أكانوا بشكل مستقل أو تابعين لشركات، وفي حالة التوصل إلى صدور أوامر مباشرة ممن يقومون بحراسته “مثلًا: مسئول حكومي”بارتكاب الانتهاك سيتم اعتبار جهة المعتدي “مسئولون حكوميون”.
جهات قضائية:تشمل كل المؤسسات القضائية المدنية والعسكرية.
قنوات مصرية خاصةوتشمل القنوات الخاصة التي مقرها الرئيسي مصر.
متعددة: تشمل عدة جهات صحفية أو إعلامية.
لم يستدل عليه: عدم التوصل إلى جهة العمل.
القبض: هو عملية تقييد حرية الصحفي واصطحابه إلى القسم وتحرير محضر.
احتجاز غير قانوني: هو عملية تقييد حرية الصحفي واقتياده إلى مكان احتجاز والإفراج عنه دون تحرير أي محاضر.
تعريف حالة الانتهاك: هي كل انتهاك حدث لشخص واحد في مكان معين وزمان معين. ويتم تمييزها بأربعة متغيرات رئيسية (مكان الانتهاك، توقيت الانتهاك، نوع الانتهاك، شخص الضحية)، على سبيل المثال: إذا تم القبض على 3 صحفيين في واقعة معينة وتعرض أحدهم للضرب وآخر للتعدي بالقول، فسيتم احتساب 5 انتهاكات في تلك الحالة (3 حالات للقبض على كل صحفي، حالة ضرب لصحفي، حالة تعدٍّ بالقول لصحفي).
في حالة أي نوع من الانتهاك الجماعي مثل (المنع من التغطية)، تم اعتباره حالة انتهاك لصحفي واحد _فرضًا_باعتبار أنه استُهدف به عقاب جماعي لهوية الصحفي وليس لكل صحفي على حدة، وأيضًا بسبب الإشكالية المعلوماتية حول تحديد عدد الصحفيين المتضررين وهوياتهم خصوصًا أن تلك الانتهاكات تحدث بصورة شبه يومية، إضافة إلى ذلك ما سـيسببه من إشكاليات إحصائية بتضخم عدد الضحايا بشكل غير طبيعي.
الصحفي: هو كل شخص تعرَّض لانتهاك على خلفية تأدية عمله الصحفي وتوفَّر للمؤسسة ما يثبت عمله الصحفي كعضوية نقابة الصحفيين أو تصريح عمل أو تكليف بمؤسسة صحفية أو أرشيف صحفي أو شهادة للمؤسسة الصحفية عبر منصاتها الإعلامية أو المسؤولين بها.
المؤسسة الصحفية: كل وسيلة صحفية توفر لها موقع وِب أو مطبوعة.

مقدمة

 

يصدر هذا التقرير ليتناول حالة حرية التعبير في عام 2018، وهو عام شهد تحركات سياسية مكثفة من قِبَل الرئيس السيسي، على مستويين، الأول:ضمان عدم وجود منافسين له فى الانتخابات الرئاسية التي أجريت فىإبريل 2018، ومن ثم الفوز بفترة رئاسة ثانية، أما المستوى الثاني فكان التمهيد لإجراء تعديل في الدستور يسمح للرئيس السيسي بالبقاء في السلطة لفترة أطول من مدة الفترة الرئاسية الثانية.

صاحَبَ هذا السياق السياسي الخانق اعتداءات جمة على حرية التعبير،‎حيث سعت الدولة إلى إخماد أي صوت معارض لطموحاتها السلطوية. فقد مددت الحكومة العمل بقانون الطوارئ خلال العام بأكمله وهو ما انعكس على جانبين: أولهما الممارسات، حيث ارتفعت وتيرة محاكمة مواطنين أمام القضاء الاستثنائي (القضاء العسكري ومحاكم ونيابات أمن الدولة)، أما الجانب الثاني فيتمثل في التشريع، فقد عمدت الدولةإلى إصدار عدد من التشريعات التي تتيح لها السيطرة الكاملة على نطاقات التعبير عن الرأي والمتمثلة في الصحافة والإنترنت.

أصدر البرلمان ثلاثة قوانين تهدف إلى تنظيم الحقل الإعلامي، وهي قانون المجلس الأعلى للإعلام وتنظيم الإعلام وقانون الهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام، كما أصدر قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (المعروف إعلاميًّا بقانون الجريمة الإلكترونية) والذي هدفت الدولة من خلاله إلى شرعنةممارستها السابقة على صدوره فيما يتعلق بحجب المواقع ومراقبة الاتصالات.

جاءت هذه القوانين، إلى جانب قرارت تنفيذية أخرى (سيجري الإشارة إليها في متن التقرير)، متشبعة بروح الطوارئ من حيث إغفالها للحقوق والحريات الأساسية التي ينص عليها الدستور والمواثيق الدولية.
ينقسم هذا التقرير إلى جزئين رئيسيين، يتناول الأول منهما حالة التشريع في مصر خلال العام 2018، نبدأ فيه بالسمات الرئيسية التي ميزته خلال العام، ثم نعرض للقوانين الأربعة المتعلقة بالصحافة والإنترنت كأمثلة حية على ما سلكته الدولة فيما يتعلق بالتشريع هذا العام.

أما الجزء الثاني من التقرير فيستعرض للانتهاكات التي عملت المؤسسة على رصدها خلال العام في ملفات العمل المختلفة، وهي حرية التعبير وحرية الإعلام وحرية الإبداع والحقوق الرقمية والحقوق الطلابية والحرية الأكاديمية. كما يفرد هذا الجزء مساحة خاصة للقضاء الاستثنائي نظرًا إلى التوسع الملحوظ في إحالة المواطنين إليه خلال العام.

 

 

الجزء الأول

تشريعات بروح الطوارئ

 

لم يختلف عام 2018 كثيرًا عن الأعوام التي سبقته فيما يتعلق بانتهاك الحقوق الأساسية والتضييق على الحريات العامة التي كفلها الدستور والمواثيق والمعاهدات الدولية. إلا أنه ثمة سمة تميز بها هذا العام، أنه وقع كله تحت قانون الطوارئ. وقد فُرضتحالة الطوارئ في الربع الثاني من العام 2017 وتراعي الحكومة بالتنسيق مع البرلمان تجديدهاإلىالآن. الحالة الاستثنائية تلك، أو التي كان من المفترض أن تكون استثنائية، لم تنعكس فقط على الممارسات المتعسفة الملازمة لمثل تلك القوانين وإنما انعكست بشكل كبير على حالة التشريع في مصر، فخرجت القوانين متشبعة بروح الطوارئ، قوانين لا تعمل على تنظيم الحقوق _كما هو مفترض_ وإنما تهدف إلى تعطيل الحقوق والتضييق عليها وإفراغها من مضمونها.

في هذا الجزء من التقرير نستعرض السمات الرئيسية لحالة التشريع في مصر في العام 2018، كما نعرض لعدد من القوانين التي أُقرت وعبرت عن تلك الحالة التي أشرنا إليها.

 

عَقد اجتماعي مُنفرط

 

دأب عبد الفتاح السيسي منذ توليه منصب رئيس الجمهورية على توجيه النقد إلى نصوص الدستور المصري الصادر في العام 2014،

أو كما يُفضل تسميته بـدستور النوايا الحسنة[1]، ورغم اجتهاد البعض بداية من كُتاب الدستور مرورًا برؤساء الأحزاب وفقهاء القانون للوصول إلى أوجه اعتراض الرئيس على نصوص الدستور إلا أن أحدًا لم يصل، لكن الشيء الذي أجمع عليه الكافة أن ثمة طموحًا لدى رأس السلطة التنفيذية إلى تعديل الدستور.

قُبيل الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أٌجريت في الربع الأول من عام 2018 طُرح أمر تعديل الدستور، وتركز الطرح حول تمديد ولاية رئيس الجمهورية وسُلطاته الدستورية، ثم أعيد فتح النقاش حول الأمر من خلال تصريحات بعض نواب البرلمان وعلى لسان بعض الصحفيين والإعلاميين المقربين من السلطة.

بعيدًا عن حملات التأييد أوالرفضلتعديلات المواد المتعلقة بفترة ولاية الرئيس، يكمن الجزء الأهم وهو المتعلق بباب الحقوق والحريات في الدستور، والذي تم تعطيله عمليًّا مع بدء تطبيق حالة الطوارئ المفروضة في الربع الثاني من العام 2017. كما أن المشرع أهدر نصوصه الأساسية مع إصدار القوانين الجديدة المتعلقة بالحق في التنظيم وحرية الإعلام والصحافة والحقوق الرقمية، وكذا تراخى في إصدار القوانين المكملة للدستور.

القراءة المُتأنية للقوانين الصادرة والمتابعة لجهات إنفاذ القانون تكشف أن تعطيل باب الحقوق والحريات بالدستور المصري أصبح أمرًا مألوفًا، ولا تجد تلك الجهات غضاضة في تجاهل نصوصه أو ازدرائها أو تأويلها على نحوٍ غير صحيح. فلم ينتهِ البرلمان المصري حتى الآن من إصدار عدد من القوانين المُكملة للدستور[2]، يأتي على رأس هذه القوانين قانون حرية الوصول وتداول المعلومات المنصوص عليه بالمادة 68 من الدستور. ورغم تشكيل لجنة من قِبل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لوضع مُسوَّدة للقانون والتي بالفعل أعلنت عن الانتهاء من كتابتها في نهاية عام 2017 حيث صرح أحد أعضاء اللجنة بأن المسودة بين يدي مجلس الوزراء لإحالتها إلى البرلمان، إلا أنه حتي نهاية عام 2018 لم يناقش البرلمان مسودة القانون ولم تعلن إحدى لجانه عن إدراج القانون على أجندتها التشريعية.

كما أصدر البرلمان المصري في منتصف عام 2018 قانون تنظيم الإعلام والصحافة وصُدِّق عليه في شهر أغسطس من العام الجاري، وتتعارض نصوص القانون بشكل كبير مع ما جاء بنصوص الدستور المصري التي تنظم حرية الإعلام وخاصة المواد 70 و71، حيث جاء القانون ليُكرس سلطة المجلس الأعلى للإعلام في فرض رقابة واضحة على المحتوى وسلطات واسعة في إصدار التراخيص للمواقع الإلكترونية والصحف وسلطة فضفاضة يمكن من خلالها توقيع عقوبة الحجب على المواقع الصحفية والحسابات الخاصة والمواقع الإلكترونية الخاصة، متعارضًا مع ماأرسته نصوص الدستور السابق ذكرها وأهمها الحق في ملكية وإصدار الصحف وإنشاء وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، ووسائط الإعلام الرقمي وحظر فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها.

كما أصدر قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات والمعروف إعلاميًّابقانون “الجريمة الإلكترونية”، وهو القانون الذي أدخل على البيئة التشريعية المصرية تعديلات جذرية غيرت من المفاهيم الإجرائية المُستقرة، حيث اشتمل على تعريفات فضفاضة يحيطها الغموض وتُحال أهم تفصيلاتها إلى اللائحة التنفيذية التي لم تصدر بعد.القانونيشرعن المُمارسات المتعلقة بالحجب والمراقبة الشاملة والجماعية، وسلطة حفظ بيانات المستخدمين، وسلطات عائمة يمكن من خلالها النفاذ وتتبع أنشطة المُستخدمين، وحجب المواقع والروابط بدواعي تهديد الأمن القومي، مُصطدمًا بذلك مع مظلة الحماية الدستورية التي تنص عليها المادة 57 من الدستور المصري والتي تفرض سياجًا حول حُرمة الحياة الخاصة، وعدم جواز تعطيلها أو وقفها أو حرمان المواطنين منها، بشكل تعسفي.

كما تغول المُشرع المصري على حق المواطنين في التنقل المحمي بموجب نص المادة 62 من الدستور عندما نظَّم قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات سلطة المنع من السفر بموجب نص المادة 9 والتي أعطت للنيابة العامة وجهات التحقيق، أمر منع المتهم من السفر خارج البلاد أو بوضع اسمه على قوائم ترقب الوصول بأمر مسبب لمدة محددة، وربط النص هذا الإجراء التدبيري بأن يتم تطبيقه عند الضرورة، أو عند وجود أدلة كافية على جدية الاتهام في ارتكاب أو الشروع في ارتكاب جريمة من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون، تاركًا للنيابة العامة هذه السلطة الفضفاضة والتقديرية في تقييم مدى ضرورة اتخاذ القرار، كما يناقش البرلمان المصري تعديلات شاملة على قانون الإجراءات الجنائية والتي سوف تصل إلى تعديل ما يزيد عن 200 مادة، تشمل تعديل وإضافة المادة “155” والتي تعطي للنيابة العامة ولقاضي التحقيق سلطة إصدار قرار بالمنع من السفر أو وضع اسم على قوائم ترقب الوصول، في مواد الجناية والجنحة المعاقب عليها بسنة حبس بشرط وجود أدلة كافية على جدية الاتهام ولأمرٍ تستلزمه ضرورات التحقيقات، وضمان تنفيذ ما عسى أن يقضى به من عقوبات لمدة أو لمدد محددة لا تجاوز في مجموعها عن السبب ذاته سنتين.

أما عن الحق في التنظيم والتجمع السلمي، والذي تتنوع صور وأشكال الحماية المُقررة له فإن الدستور المصري قد مد مظلة الحماية إلى صور عديدة، أهمها ما نصت عليه المادة (73) من حق المواطنين في تنظيم الاجتماعات العامة، والمواكب والتظاهرات، وجميع أشكال الاحتجاجات السلمية[3]، وهو الحق الذي تم تفريغه بالكامل بموجب تنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية، والذي نجح في القضاء على كافة مظاهر الاحتجاجات بالكامل وأُرسل بمناسبة تطبيقه عدد من النشطاء إلى السجون بعقوبات تصل إلى خمس سنوات.

أما عن الحق في تكوين الجمعيات كأحد أشكال التنظيم فقد وضعت المادة رقم (75) والتي أعطت للجمعيات الشخصية الاعتبارية بمجرد الإخطار. وضمانة ممارس النشاط بحرية، وعدم جواز تدخل الجهات الإدارية في شئونها أو حلها إلا بحكم قضائي، إلا أن المُشرع المصري أصدر قانون الجمعيات الأهلية، الذي انفرد بوضعه عدد من نواب البرلمان أو مُرر من خلالهم بتعبير أدق، ولم يشارك في وضع القانون الفئات ذات الصلة من منظمات حقوقية أو تنموية وغيرهم، بل إن الحكومة المصرية مُمثلة في وزارة التضامن الاجتماعي لم تشارك وتم تنحية مقترحها بالكامل، ونجح القانون في شل حركة الجمعيات والمؤسسات بشكل كبير، بسبب التدخلات الواسعة للجهات الإدارية وتطلب الموافقة الأولية علي الأنشطة والتمويلات وغيرها من أوجه العيوب التي شابت القانون.

الشاهد مما سبق أن أغلب الضمانات التي يقرها الدستور المصري يتم إهدارها بفعل المُشرع أو التطبيق العملي أمام ساحات القضاء أو من خلال الممارسات اليومية لجهات إنفاذ القانون، ولم يبقَ للدستور قيمة قانونية مُلزمة للسلطات الثلاث حيث أصبح التعامل مع الدستور من منطلقاستغلال الثغرات مع الحفاظ على الطابع الجمالي لما دوِّن به.

 

الرئيس يعترض أحيانًا

 

كثُر النقاش حول توقيتات النشر وحركة سير القوانين من الحكومة إلى البرلمان ومن البرلمان إلى الرئيس في طريقها إلى التصديق ومواعيد نشرها في الجريدة الرسمية، إلا أن الأمور ذهبت بعيدًا وأصبح استمرار الحديث عنها دربًا من الهزل في ظل إهدار الضمانات الدستورية.

أبدى السيد عبد الفتاح السيسي اعتراضه على قانون التجارب السريرية[4] وتم إعادة القانون إلى البرلمان مرة أخرى ومُرفق به أوجه ملاحظات رئاسة الجمهورية.كان البرلمان المصري قد وافق نهائيًّا على القانون محل الاعتراض في مايو من العام الحالي،واستخدم السيسي حقه في الاعتراض على القانون بموجب نص المادة 123 من الدستور الحالي[5].

وتُحيط عملية الاعتراض لغط وملاحظات واسعة لا تتعلق بموضوع القانون على قدر ما تتعرض للطريقة التي أُقر بها وكيفية استخدام رئيس الجمهورية لصلاحياته الدستورية، إذًا، فالنقاش هنا سوف يتعامل مع مشروع “قانون التجارب السريرية” كدراسة حالة يمكن من خلالها استنباط الطريقة التي تتعامل بها الأطراف المختلفة أثناء عملية صناعة التشريعات.

اعتراض الرئيس تم الإعلان عنه من جانب رئيس البرلمان المصري[6] يوم 3 أكتوبر 2018 وهو ما يعني أنه قد مر خمسة أشهر تقريبًا بين موافقة البرلمان والإعلان عن اعتراض رئيس الجمهورية على القانون، وهو ما يستدعي السؤال حول متى تُرسل القوانين إلى الرئيس للتصديق عليها؟ السؤال هنا يرتبط بأن النص الدستوري الذي يعطي الحق لرئيس الجمهورية للاعتراض يُحدد مدة الاعتراض بـ30 يومًا من تاريخ إرسال القانون”وإذا اعترض رئيس الجمهورية على مشروع قانون أقره مجلس النواب، رده إليه خلال ثلاثين يومًا من إبلاغ المجلس إياه”.

التراخي الزمني بين فترات موافقة البرلمان وتصديق الرئيس كثيرًا مايكتنفها الغموض التشريعي، مما يُعطي مساحة جيدة للرئاسة في المناورة حول موقفها من القوانين، وفي المقابل يُترك المُخاطبون بالقانون في حالة ترقب وانتظار وربما في بعض الأحيان في حالة أمل أن تتدخل الرئاسة لوقف هذا السيل من النصوص المعيبة، وهو ما يؤدي في نهاية الأمر إلي غياب الأمان والاستقرار القانوني، وخاصة أن الأمر مُتكرر. فعلي سبيل المثال إصدار قانون تنظيم عمل الجمعيات وغيرها من المؤسسات العاملة في المجال الأهلي رقم 70 لسنة 2017، وافق عليه البرلمان نهائيًّا يوم 29 نوفمبر من العام 2016 بينما صدَّق عليه الرئيس في 29 مايو 2017 ولم تصدر لائحة القانون التنفيذية حتىالآن ونحن في نهاية عام 2018، رغم أن القانون يضع قيدَا زمنيًّامنظمًا لإصدار اللائحة، سقفه الزمني شهران من تاريخ صدور القانون.

اعتراض الرئيس على قانون التجارب السريرية قد حمل مفارقات عدة، من أهم هذه المفارقات ما يتعلق بالعلاقة بين كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية،

فرغم اختلاف السلطتين وافتراض ممارسة أحدهم الدور الرقابي على الأخرى، فإن الواقع العملي يُشير دومًا إلى التناغم والاتفاق بينهما، حتى وإن أنكروا ذلك، فمنذ تشكيل مجلس النواب الحالي في نهاية عام 2015 وحتى وقتنا هذا، مارس البرلمان دوره التشريعي بما يتفق مع الهوى العام للسلطة التنفيذية. وقد توزعت الأدوار بين السلطتين لمواجهة تحديات إقرار ترسانة التشريعات التي تم إقرارها، فعندما يُصدَر قانون يمس الحقوق والحريات يرى الرئيس أن الأمر بيد السلطة التشريعية ولا يجب التدخل أو التأثير عليها، متناسيًا عن عمد سلطته الدستورية في الاعتراض على هذه القوانين، ولكن اعتراض الرئيس على قانون التجارب كان كاشفًا لهذه العلاقة، فبعد إرسال رئيس الجمهورية خطاب الاعتراض على القانون، صرح رئيس البرلمان المصري بأن “حسنًا فعل الرئيس بأن استخدم حقه الدستوري في الاعتراض على المشروع بقانون، وأعتقد أن الباحثين والأكاديميين في القاعة ممتنون للرئيس للاعتراض على مشروع القانون لكي يأتي متوافقًا مع الدستور، ونشكر الرئيس لاستخدام الحق في إعادته للمجلس”[7]. ولم يكن رد رئيس المجلس أمرًا مفهومًا فالقانون كان بين يدي المجلس قبل خمسة أشهر، وقد أعلنت العديد من الجهات نفس الاعتراضات على مشروع القانون في وقت سابق، فما السبب وراء عدم الأخذ بهذه الاعتراضات.

وعلى جانب آخر فاعتراضات الرئيس لم تأتِ بجديد، حيث أن الملاحظات التي أبداها الرئيس هي أمراض مزمنة للتشريعات المصرية، وأصبحت فلسفة تشريعية ينتهجها المُشرِّع المصري باعتياد، ويمكن قراءتها بصفة عامة في أغلب التشريعات التي صدرت أخيرًا، ويمكن لنا المرور سريعًا على العيوب التشريعية التي أتت على ذكرها مذكرة الاعتراض الصادرة عن رئيس الجمهورية:

  • عدم التناسب بين العقوبات والجرائم.
  • عدم واقعية بعض الأفعال محل التجريم.
  • تعدد الموافقات الإدارية والأمنية تهدد الحياة الأكاديمية.

وقد جاءت الملاحظات على أن المواد العقابية من المادة 28 حتى 35، حيث أن جميع هذه المواد لا تأخذ بعين الاعتبار طبيعة البحث وتعتبر المخالفات متساوية في جميع أنواع البحوث بغض النظر عن طبيعة وتصميم البحث ما قد يتسبب في إحداث حالة من الرعب والخوف الشديد لدى الباحثين ما قد يؤدي إلى الإعراض عن البحث العلمي في مصر.

ويجب إعادة النظر فيه وفقًا للأحكام الدستورية المقررة خاصة ما يتعلق بالمواد 4 و5و9 و20 و22، والتي تحتويعلى نصوص تشترط موافقة المجلس الأعلى للجامعات والمخابرات العامة والهيئات الرقابية على بروتوكول البحث والتفتيش عليه، ونظرًا إلى أن الأبحاث الطبية تشمل رسائل الماجستير والدكتوراه، والحرة والممولة في كليات الطب البشري والعلوم والصيدلة، ما يعني وجود أعداد هائلة كل شهر يستحيل معها متابعة جميع الأبحاث.

وأكد “السيسي”في خطابه على عدم واقعية النص المتعلق بمنع تحليل عينات المصريين في الخارج، وقال: “القانون ينص على أن إرسال عينات بشرية للخارج يترتب عليه عقوبات سجن وغرامة حتى لا يتم العبث بالجينات المصرية”.

وهنا يأتي السؤال المتعلق بما إذا كانت اعتراضات رئيس الجمهورية انتهت إلى هذه النتيجة، فلماذا لم يمارس صلاحية الاعتراض في الأعوام الأربعة الأخيرة التي صدر خلالها عدد من القوانين التي تحوي نصوصًا متعارضة مع الدستور المصري، ونصوصًا قانونية تحمل نفس الإشكاليات القانونية من المغالاة في توقيع العقوبات وعدم معقولية وواقعية بعض الأفعال المُجرَّمة، وهي الاعتراضات ذاتها التي دائمًا ما ترددها المنظمات الحقوقية المصرية مثل تعليق المنظمات على مشروع قانون التظاهر[8]، والبيان الصادر أخيرًاحول النصوص المعيبة التي يحويهاقانون جرائم تقنية المعلومات “الجريمة الإلكترونية”والذي طالبت فيه مؤسسة حرية الفكر والتعبير ومنظمة Access Now البرلمان بسحب القانون.

 

قوانين بلا لوائح

 

التطورات التشريعية التي تمت خلال الأعوام القليلة الماضية لم تعانِ فقط من التعارض مع النصوص الدستورية، بل تتسم أيضًا بالقصور وغياب ذاتية التنظيم، حيث انتهج المُشرع فلسفة تعتمد على الهروب من وضوح النصوص التشريعية، تاركًا للوائح التنفيذية مساحات واسعة تقترب من التنظيم القانوني وليست كوسيلة لتوضيح طُرق ووسائل تطبيق القانون بما يشكل مخالفة صريحة للوظيفة المحددة لكل سلطة، حيث جعل السلطة التنفيذية شريكًا في عملية التشريع، هذه الفلسفة تجعل من التشريع البرلماني عملية مُبتسرة غير كافية أو دالة بذاتها على فهم الغرض من النص.

كما استغلت السلطة التنفيذية هذه المساحات للتغول علي النصوص التشريعية والدستورية والتي تحتل مرتبة إلزامية أعلى من اللوائح التنفيذية، كما علقت إصدار عدد من اللوائح التنفيذية بغير مسوغ أو مُبرر، ورغم أن أغلب التشريعات قد وضعت إطارًا زمنيًّا لإصدار اللوائح التنفيذية، فإن السلطة التنفيذية ترتكن إلى كونها مواعيد تنظيمية غير مُلزمة أو بمعنى أكثر دقة لن يترتب بطلان إجرائي في حالة عدم الالتزام بها.

تأخر السلطة التنفيذية في إصدار اللوائح التنفيذية للقوانين شكل هاجسًا كبيرًا للمخاطبين بالقوانين، ونجحت هذه التأخيرات في خلق حالة قانونية مُرتبكة، هذه الحالة اجتمعت من خلالها مجموعة من العناصر، أهمها ضعف التنظيم القانوني للتشريعات وعدم كفاية النصوص للتطبيق، غياب اللوائح التنفيذية، إلزامية النصوص التشريعية في غيبة اللوائح المنظمة، وهو ما يعطي للجهة الإدارية سلطة واسعة في تطبيق ما تراه من نصوص بضوابط غير مُحددة.

أزمة غياب اللوائح التنفيذية لم تقتصر فقط على القوانين التنظيمية مثل قانون تنظيم عمل الجمعيات وغيرها من المؤسسات العاملة في مجال العمل الأهلي، بل امتدت إلى القوانين العقابية مثل قانون الجريمة الإلكترونية.

على سبيل المثال، تنص المادة السادسة من قانون تنظيم عمل الجمعيات[9] على أن يصدر رئيس مجلس الوزراء اللائحة التنفيذية للقانون خلال شهرين من تاريخ نشره، وإلى أن تصدر هذه اللائحة يستمر العمل باللائحة التنفيذية والقرارات القائمة بما لا يتعارض مع أحكامه، ورغم صدور القانون في شهر مايو 2017فإنه لم تصدر حتى الآن لائحته التنفيذية، وهو ما يعني مرور أكثر من عام ونصف العام تعمل من خلالها الجمعيات والمؤسسات الأهلية بتنظيم قانوني مشوه من خلال تطبيق لنصوص قانون قائم ولائحة لقانون ملغًى، هذه الأزمة انعكست بشكل واضح على عمل عدد كبير من الجمعيات والمؤسسات، وخاصة أن الأمر لا يتعلق فقط بالجمعيات بل بالجهات الإدارية التي ظلت طوال العام ونصف العام تجتهد في ممارسة مهامها اليومية.

الأمر ذاته حدث مع صدور قانون تنظيم الصحافة والإعلام[10]، حيث لم تصدر اللائحة التنفيذية للقانونحتي الآن، رغم مرور المدة المحددة لصدور اللائحة التنفيذية والتي تنص عليها المادة رقم خمسة والتي توضح صدور اللائحة التنفيذية للقانون بقرار من رئيس مجلس الوزراء خلال ثلاثة أشهر من تاريخ العمل به. وقبل أن تنقضي الثلاثة أشهر، أطلق المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام إعلانًا بضرورة إتمام إجراءات تقنين الوضع للشركات المالكة لمواقع إلكترونية، ورغم أن هناك نصوصًا بالقانون تحدد الشروط اللازمة لترخيص المواقع، فإن اللغط أحاط الإجراء وطبيعته في ظل عدم صدور اللائحة التنفيذية للقانون، وخاصة أن القانون يُحدد طريقة توفيق الأوضاع حسب نص المادة 2 والتي تُلزم الكيانات والمؤسسات والوسائل الصحفية والإعلامية والمواقع الإلكترونية القائمة في تاريخ العمل بأحكام القانون أن توفق أوضاعها طبقًا لأحكامه ولائحته التنفيذية، وذلك خلال ستة أشهر من تاريخ العمل باللائحة التنفيذية، ونظرًا إلى عدم صدور اللائحة لم يكن هناك خطوات واضحة لكيفية إعمال نص القانون، مما صعب الإجراءات على الشركات المالكة للمواقع، بل وشكك في قانونية الإجراء نظرًا إلى عدم وجود قرار منشور بالتقنين وكذا عدم وجود ميعاد إلزامي للقيام بإجراءات التقنين خلال أسبوعين، وحتى كتابة هذا التقرير لم تصدر اللائحة التنفيذية.

وعلى جانب آخر صدر قانون مكافحة الجريمة الإلكترونية في منتصف شهر أغسطس 2018، وينظم القانون قواعد إجرائية وموضوعية حديثة على البيئة التشريعية واتسمت نصوصه بالغموض وعدم الدقة في الصياغة والانفلات في الموازنة بين الجرائم وعقوباتها وكذلك صور وأشكال الجرائم. وتُحيل نصوص القانون تفاصيل شديدة الأهمية إلى اللائحة التنفيذية رغم كون القانون من القوانين التي تحمل الطابع العقابي، ما يعني أن نصوصه يجب أن تكون كافية في حد ذاتها وقابلة للتطبيق. ومن أهم النصوص التي تم إحالتها إلى اللائحة التنفيذية، ما أحالته المادة 10 فيما يتعلق بقواعد وشروط وإجراءات قيد الخبراء من الفنيين والتقنييون، وكذلك ما أحاله نص المادة 11 بشأن الشروط الفنية الواجب توفرها في الأدلة المستمدة أو المستخرجة من الأجهزة أو المعدات أو الوسائط أو الدعامات الإلكترونية أو من النظام المعلوماتي أو من برامج الحاسب، أو من أي وسيلة لتقنية المعلومات لتكون لها حجية الدليل المادي،وكذلك ما أحاله نص المادة 29 بشأن التدابير والاحتياطات التأمينية اللازم اتخاذها من المسئول عن إدارة الموقع أو الحساب الخاص أو البريد الإلكتروني أو النظام المعلوماتي والتي سوف يترتب على عدم اتخاذها عقوبات تصل إلى الحبس لمدة ستة أشهر أو غرامة تصل إلى 100 ألف جنيه، ورغم العوار الشديد في إحالة هذه التفاصيل إلى اللائحة فإنها لم تصدر حتى الآن رغم نص المادة 44 من القانون على أن يصدر رئيس مجلس الوزراء اللائحة التنفيذية خلال ثلاثة أشهر من تاريخ العمل به.

 

قانون الجريمة الإلكترونية.. أداة جديدة للرقابة على الإنترنت

شهد عام 2018 استمرار محاولات الدولة للسيطرة على الفضاء الإلكتروني بعد إتمام سيطرة بعض أجهزتها الأمنية الخاصة على الفضاء الصحفي والإعلامي، ومن قبله خنق حرية التجمع والحق في التنظيم، وهو ما جعل الفضاء الإلكتروني آخر وأصعب مهمة في عملية غلق النوافذ المنهجية التي تتبعها السلطات المصرية منذ يوليو 2013.

سياسات الدولة المنهجية لتقييد حرية الإنترنت،بشكل عام اتخذت عدة محاور متوازية، ونظرًا إلى أن عمليات حصار الإنترنت وقمع مستخدميه أصبحت أوسع مما تحويه القوانين القائمة (قانون الاتصالات، قانون العقوبات المصري، وقانون مكافحة جرائم الإرهاب)، فقد سنت الدولة قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (المعروف بقانون الجريمة الإلكترونية).

تهدف الدولة من خلال هذا القانون، الذي يأتي في 45 مادة مقسمة على أربعة أبواب، إلى السيطرة التامة على الإنترنت وقمع مستخدميه وتقنين ممارسات الدولة في الرقابة على هذا الفضاء وحجب مواقع الوب والمراقبة الجماعية على الاتصالات.

جرى تداول مسودة هذا القانون على مدار ثلاث سنوات متتالية، حتى أقره البرلمان في 5 يونيو 2018، وصدَّق عليه رئيس الجمهورية ونُشر بالجريدة الرسمية، ليصبح ساريًا من 18 أغسطس 2018.

 

1- مراقبة الاتصالات

تُقنن المادة الثانية من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات المراقبة الشاملة على الاتصالات في مصر، حيث تُلزم شركات الاتصالات بحفظ وتخزين بيانات استخدام العملاء، لمدة 180 يومًا. وتشمل البيانات التي تُمكِّن من التعرُّف على المستخدم، والبيانات المتعلقة بمحتوى ومضمون النظام المعلوماتي، وتلك المتعلقة بحركة الاستخدام وبالأجهزة المُستخدمة.

ذلك يعني أنه سيكون لدى مقدمي خدمات الاتصالات بيانات توضِّح كل الممارسات التي يقوم بها المستخدم، فعلى سبيل المثال المكالمات الهاتفية والرسائل النصية، وكل البيانات المتعلقة بهما والمواقع التي يزورها، والتطبيقات المستخدمة على الهواتف الذكية والحواسيب.

إضافة إلى ذلك، يُلزم القانون شركات الاتصالات بالالتزام بأي “بيانات أخرى يصدر بتحديدها قرار” عن مجلس إدارة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات. ما يعني أنه يمكن لاحقًا إلزام مقدمي خدمات الاتصالات بجمع والاحتفاظ ببيانات غير منصوص عليها في القانون، بمجرد صدور قرار إداري عن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات.

كذلك تعطي المادة الحق لجهات الأمن القومي للاطلاع على هذه البيانات، وتُلزم مقدمي خدمات الاتصالات أن يوفروا الإمكانيات الفنية لذلك. ويُعرِّف القانون جهات الأمن القومي على أنها تشمل”رئاسة الجمهورية، القوات المسلحة، وزارة الداخلية، المخابرات العامة، وهيئة الرقابة الإدارية”.

لا تتناول المادة الثانية المشار إليها أي تفاصيل عن ارتباط المراقبة بوجود تحرك قضائي لكشف التورط في جريمة منصوص عليها قانونيًّا، إنما تفرض المادة بوضوح المراقبة الشاملة على جميع المستخدمين في مصر. وهنا جعل المشرع من شركات الاتصالات مستودعًا للمعلومات المرتبطة بالمستخدمين وألزمها بتوفير تقنيات للمراقبة، وهو أمر لا يتفق مع المادة (57) من الدستور المصري والتي تنص على: “للحياة الخاصة حرمة، وهى مصونة لا تمس. وللمراسلات البريدية، والبرقية، والإلكترونية، والمحادثات الهاتفية، وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها، أو الاطلاع عليها، أو رقابتها إلا بأمر قضائي مسبب، ولمدة محددة، وفى الأحوال التي يبينها القانون”. وبالتالي فإن المادة الثانية من قانون مكافحة الجريمة الإلكترونية عصفت بالحماية الدستورية لبيانات الاتصال.

ورغم تكريس المادة الثانية المراقبة الشاملة كممارسة قانونية دائمة فإن المادة السادسة من القانون أشارت تحديدًا إلى إمكانية صدور أمر قضائي مؤقت ومسبب من قبل جهات التحقيق المختصة لمأموري الضبط القضائي المختصين، لمدة لا تزيد على 30 يومًا قابلة للتجديد لمرة واحدة، لمراقبة أحد الأشخاص متى كان لذلك فائدة في ظهور الحقيقة على ارتكاب جريمة معاقب عليها بمقتضى أحكام هذا القانون.

 

2- عقوبات مُغلَّظة للمخالفين

 

من السمات الرئيسية لقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات تغليظ العقوبات والتوسع فيها بشكل ينم عن نية الحكومة إحكامَ قبضة حديدية على الإنترنت ورواده. يتتبع القانون الصفحات والحسابات الساخرة ويلاحق المسئولين عنها. ويوصِّف قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات هذا النوع من الحسابات على أنه “اصطناع المواقع والحسابات الخاصة والبريد الإلكترونى”. وتتراوح العقوبات طبقًا للمادة (24) من القانون ما بين الغرامة والحبس والسجن طبقًا للمخالفة المرتكبة.

تأتي هذه المادة وكأنها محاولة لتقنين المحاولات التي اعتادتها أجهزة الأمن وجهات التحقيق المصرية على تتبع هذا النوع من الحسابات والصفحات، فعلى سبيل المثال، وجهت نيابة أمن الدولة إلى عمرو محمد (الشهير بعمرو سقراط) اتهامات بنشر أخبار كاذبة من شأنها تكدير السلم والأمن العام، والترويج لها عبر وسائل شبكات التواصل الاجتماعي، بسبب إدارته صفحة باسم: “عبد الفتاح السيسي”. وقد تم حبس عمرو سقراط احتياطيًّا على ذمة التحقيقات لمدة 11 شهرًا تقريبًا.

كما يجنح القانون في إجراءاته العقابية نحو عقاب أفراد بسبب قصور معرفتهم التقنية، فعلى سبيل المثال إذا تعرض أحد الأفراد لاختراق حسابه، أو موقعه الشخصي أو موقع مسؤول عن إدارته تقنيًّا وهو يجهل كيفية تأمين حسابه، أو كانت هناك ثغرة أمنية في النظام المُستخدم، أو يجهل بالأساس تعرضه للاختراق، فسوف يكون معرضًا للحبس. وهذا التناول لا يناسب إطلاقًا وضع التطورات التقنية وكيفية عمل الإنترنت وتأمين أنظمة المعلومات.

فطبقًا للمادة 29 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، يمكن معاقبة من تم اختراق حسابه الإلكتروني أو موقعه، بسبب عدم اتخاذه التدابير والاحتياطات التأمينية اللازمة. وتصل عقوبة الحبس إلى مدة لا تقل عن 6 أشهر وبغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه ولا تجاوز 100 ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين.

ليست هذه هي العقوبات الوحيدة التي تنتظر مديري المواقع، وهم أولئك الذين عرَّفهم قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات بأنهم “كل شخص مسئول عن تنظيم أو إدارة أو متابعة أو الحفاظ علي موقع أو أكثر على الشبكة المعلوماتية، بما فيها حقوق الوصول لمختلف المستخدمين على ذلك الموقع أو تصميمه، أو توليد وتنظيم صفحاته أو محتواه أو المسئول عنه”. يتعرض هؤلاء لعقوبات متعددة بين الحبس والغرامة نتيجة لأفعال لا ترى مؤسسة حرية الفكر والتعبير أنها تتناسب مع العقوبات.

على سبيل المثال،ساوى القانون من حيث تعريف مدير الموقع بين مسئوليات مختلفة، حيث أن إدارة محتوى الموقع هي مسئولية مختلفة عن مسئولية تأمينه وكذا عن مسئولية تصميمه أو تطويره وبرمجته. ومن جانب آخر، فإن القانون قد فرض عقوبات لا تتناسب مع حجم الأفعال المجرَّمة. كما أن ثمة غيابًا للمنطق القانوني وراء توقيع عقوبة سالبة للحرية، بسبب التقصير في حماية الموقع أو الحساب الإلكتروني، ﻷن المشرع بذلك يفترض أن الجميع لديهم إلمام ومعرفة تقنية بنفس المستوى، ويتجاهل طبيعة أنظمة المعلومات المتعلقة بوجود ثغرات غير معروفة أو بقاعدة: عدم وجود نظام معلوماتي آمن بشكل كامل.

إضافة إلى العقوبات المتعلقة بالغرامات المالية والعقوبات السالبة للحرية لم يغفل القانون عقوبة المنع من السفر، فطبقًا للمادة (9) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، للنائب العام أو من يفوضه، ولجهات التحقيق المختصة، عند الضرورة، الأمر بمنع السفر خارج البلاد أو بوضع أسماء المتهمين على قوائم ترقب الوصول بأمر مسبب لمدة محددة. ويجوز للنيابة العامة وجهات التحقيق المختصة في كل وقت العدول عن الأمر الصادر عنها، كما يجوز لها التعديل فيه برفع اسم المتهم من قوائم المنع من السفر أو ترقب الوصول لمدة محددة، إذا دعت الضرورة لذلك. وينتهي المنع من السفر بمرور سنة من تاريخ صدور الأمر، أو بصدور قرار بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية أو بصدور قرار نهائي فيها بالبراءة أيهما أقرب.

ويسمح القانون بالتظلُّم من قرار المنع من السفر أو قرار الإدراج على قوائم ترقب الوصول أمام محكمة الجنايات المختصة، خلال 15 يومًا من تاريخ العلم به. وإذا رُفض التظلم يحق لمن صدر في حقه القرار أن يتقدم بتظلم جديد، كلما انقضت فترة 3 أشهر من تاريخ الحكم برفض التظلم، وعلى المحكمة أن تفصل في التظلم خلال مدة لا تجاوز 15 يومًا من تاريخ إقراره، بحكم مُسبب بعد سماع أقوال المتظلم وسلطة التحقيق المختصة.

كانت السلطات المصرية قد توسعت في إصدار قرارات المنع من السفر خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وذلك تجاه نشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان وصحفيين وكتاب. ويرسخ المشرِّع في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات استخدام المنع من السفر كعقوبة، إذ يمنح النائب العام وجِهات التحقيق صلاحية المنع من السفر، على اﻷرجح، لكي يتم استخدامها لاحقًا في التضييق على مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي والصحفيين والنشطاء.

 

3- الحجب.. استمرار الهوس باحتكار المعلومات

 

تركَّز حجب مواقع الوب خلال عام 2018 على حجب المواقع الصحفية والإعلامية دون غيرها. ورغم أن القوانين الجديدة قنَّنت ممارسة الحجب فإن الجهة المسئولة عن حجب أكثر من 500 موقع لازالت مجهولة حتى اللحظة رغم القضايا المتداولة في القضاء الإداري بهذا الشأن.

يُكرِّس قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات لحجب المواقع الإلكترونية، وفقًا لمادته رقم (7) حيث يمكن حجب المواقع في حالة نشر أي محتوًى يُعد جريمة من الجرائم المنصوص عليها بالقانون، شريطة أن تشكل تهديدًا للأمن القومي أو تعرض أمن البلاد أو اقتصادها القومي للخطر، وهي ألفاظ _كما هي عادة المشرع المصري_ فضفاضة. ويتم حجب الموقع في هذه الحالة سواء أكان يُبث من داخل مصر أو من خارجها. وخلال الفترات السابقة واجه ضحايا انتهاكات حرية التعبير في مصر اتهامات مماثلة، مثل: التحقيق مع 9 صحفيين من جريدة المصري اليوم على خلفية نشر تحقيق صحفي بعنوان: “الدولة تحشد الناخبين”حيث وجهت إليهم اتهامات بنشر أخبار كاذبة من شأنها الإضرار بالأمن والصالح العام عن سوء قصد.

يمنح القانون جهاتِالتحقيق وجهات التحري والضبط (جهاز الشرطة) صلاحية حجب المواقع مباشرة، بينما جُعلت الرقابة القضائية على مثل تلك القرارات رقابة لاحقة، حيث يمكن لجهات التحقيق أن تطلب حجب مواقع إلكترونية إذا ارتأت أن هذه المواقع تشكل تهديدًا للأمن القومي أو تعرض أمن البلاد أو اقتصادها القومي للخطر، على أن تعرض أمر الحجب أمام محكمة مختصة خلال 24 ساعة والتي تصدر قرارها في الأمر خلال 72 ساعة. كما أنه لجهاز الشرطة، في حالة الاستعجال أو لوجود خطر حالٍّ أو ضرر وشيك الوقوع، الحق في أن يطلب من المجلس القومي لتنظيم الاتصالات والذي يطلب بدوره من مقدمي الخدمات الحجب المؤقت لأحد المواقع على أن يُنفَّذ هذا الطلب فور وروده، على أن يعرض الأمر على جهات التحقيق خلال 48 ساعة والتي تقوم بدورها بعرضه على المحكمة كما ورد آنفًا في الحالة الأولى.

إضافة إلى قانون “الجريمة الإلكترونية”، تم صياغة المادة (19) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام بصياغات غير منضبطة وغير محددة، بحيث تمنح الجهات المعنية بتطبيق القانون السلطةَ التقديريةَ في حجب المواقع، دون التقيد بمعايير واضحة. وهذا توجه تشريعي معتاد من قِبَل البرلمان المصري، يهدف إلى تطويع القوانين الصادرة لانتهاك حقوق المواطنين. حيث يمكن، طبقًا لهذه المادة، حجب الموقع في حالة نشر أو بث أخبار كاذبة أو ما يدعو أو يحرض على مخالفة القانون، أو إلى العنف أو الكراهية، أو ينطوي على تمييز بين المواطنين، أو يدعو إلى العنصرية أو التعصب، أو يتضمن طعنًا فى أعراض الأفراد أو سبًّا أو قذفًا لهم، أو إهانة للأديان السماوية أو للعقائد الدينية. أغلب ما جاء في هذه المادة ألفاظ فضفاضة غير مُحدَّدة واستُخدمت ضد متهمين على خلفية تعبيرهم عن آرائهم، سواء من خلال الوسائط الرقمية أو غيرها كما في حالة المدون والناشط وائل عباس الذي وُجهت إليه اتهامات بنشر أخبار كاذبة عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي.

لم يكتفِ المشرع بحجب المواقع الإلكترونية فقط في قانون تنظيم الصحافة والإعلام، وإنما أعطى المجلس الأعلى للإعلام صلاحيةَ حجب الحسابات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، فطبقًا لنص المادة 19 من القانون، إذا نشر حساب إلكتروني أو بثَّ أخبارًا كاذبة، أو ما يدعـو أو يحرض على مخالفة القانون أو إلى العنف أو الكراهية أو ينطوي على تمييز بين المواطنين، أو يدعو إلى العنصرية أو التعصب أو يتضمن طعنًا في أعراض الأفراد أو سبًّا أو قذفًا لهم أو إهانة للأديان السماوية أو للعقائد الدينية، يحق حينها للمجلس الأعلى للإعلام وقف أو حجب الموقع أو المدونة أو موقعًا أو حسابًا إلكترونيًّا شخصيًّا يبلغ عدد متابعيه خمسة آلاف متابع أو أكثر.

بينما يملك المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام صلاحية حجب المواقع الإلكترونية وكذلك المواقع والحسابات والمدونات الشخصية التي يزيد عدد متابعيها على 5 آلاف شخص، وفق قانون تنظيم الصحافة والإعلام.

ويُلزم القانون شركات الاتصالات بتنفيذ قرار الحجب فور وروده إليها، وفي حالة عدم التنفيذ (طبقًا للمادة 30) يتم توقيع عقوبة الحبس لمدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن خمس مئة ألف جنيه ولا تجاوز مليون جنيه أو إحدى هاتين العقوبتين. وإذا ترتب على الامتناع عن تنفيذ القرار الصادر عن المحكمة وفاة شخص أو أكثر أو الإضرار بالأمن القومى، تصل العقوبة إلى السجن المشدد وغرامة لا تقل عن ثلاثة ملايين جنيه ولا تجاوز عشرين مليون جنيه، وبإلغاء ترخيص مزاولة المهنة.

ينظم القانونان عملية الطعن على قرار الحجب، فوفقًا لقانون “الجريمة الإلكترونية”إذا كانت الجهة مُصدرةُ القرار النيابةَ العامة أو قاضي التحقيق أو إحدى الجهات الشرطية يحق التظلم من قرار الحجب، أو من إجراءات تنفيذه، أمام محكمة الجنايات المختصة بعد انقضاء سبعة أيام من تاريخ صدور الأمر أو من تاريخ تنفيذه. وإذا رُفض التظلم يمكن أن يتم تقديم تظلُّم جديد، كلما انقضت ثلاثة أشهر من تاريخ الرفض، وعلى المحكمة أن تفصل في التظلم خلال مدة لا تجاوز 7 أيام.

أما في حالة قانون تنظيم الصحافة والإعلام، فإنه يمكن التظلم من قرار الحجب أمام المجلس الأعلى للإعلام، ثم التوجه إلى محكمة القضاء الإداري للطعن على قرار الحجب، في حالة رفض التظلم أو عدم الرد خلال 60 يومًا.

وبالإشارة إلى أسباب حجب بعض المواقع الصحفية يتضح رغبة السلطات المصرية في إسكات أي صوت مخالفومنع أي رواية أخرى عن الأحداث غير الرواية الرسمية التي تحاول الدولة احتكارها وتسييدها. من بين تلك المواقع، موقع جريدة الأخبار اللبنانية، والتي تعرضت للحجب داخل مصر منذ يوم السبت 20 يناير 2018، بعد تغطيتها لخبر إقالة مدير المخابرات المصرية، ولم يتمكن القراء المصريون من الوصول إلى الجريدة مرة أخرى منذ ذلك التاريخ.

لم يقتصر الحجب على مواقع صحفية تهتم بالشؤون السياسية أو الشئون العامة، فلم يعد مستغربًاأن تصدر تعليمات بحجب موقع إلكتروني فني، لا علاقة له بالسياسة، عقابًاعلى نشر خبر يمس رجل أعمال أو مسؤولًا سعوديًّا، ليس حتى من الأسرة الحاكمة. هذا تمامًاما حدث مع موقع “في الفن” المصري، التابع لشركة “سرمدي”، بعد نشرخبر اعتداء رجل الأعمالورئيس “الهيئة العامة للرياضة”، تركي آل الشيخ، على الفنانة المصرية، آمال ماهر، بعد أنباء عن زواجهما لم يؤكدها الطرفان. وفي اليوم الذي تلا خبر الاعتداء وتحرير محضر رسمي بالواقعة، فوجئ متصفح الأخبار في مصر بحذف الخبر من كل المواقع الإخبارية تقريبًا، بل ونُشر خبر آخر يحمل تصريحات على لسان آمال ماهر، تكذب فيه خبر الاعتداء، وتقول “عارٍ تمامًا عن الصحة، والأمر برمته ليس أكثر من خلاف على بعض الأمور الفنية”. ثم فوجئ العاملون في الموقع بحجبه تمامًا عن مصر في الثامنة من مساء الاثنين 19 مارس 2018.

الجدير بالذكر أيضًا أن عددًا من المواقع الصحفية المحجوبة في مصر جرى وقف العمل عليها وتسريح العاملين بها بسبب عدم قدرتها على تحمُّل الآثار الاقتصادية للحجب من بينها موقع “كاتب” وموقع “كورابيا” وغيرهم من المواقع الصحفية التي أصدرت بيانات صحفية تُعلن توقُّفها عن العمل وتنعي حال حرية الصحافة في مصر.

خلال العام الحالى تم مناقشة عدة قوانين للصحافة والإعلام فى مجلس النواب، وبالرغم من الانتقادات الموجهة إلى مشروعات القوانين وقتذاك دوليًّا ومحليًّا بأنها تفتقر إلى الالتزام بالمعايير الدولية فى ضمان حقيالرأى والتعبير، تم إقرارها والتصديق عليها من قبل رئيس الجمهورية منذ عدة أشهر.

أضفت هذه التشريعات صفة “قانونية” على ممارسات سلطوية مارستها الدولة وأذرعها بهدفإحكام السيطرة على حرية التعبير والصحافة والإعلام وكذلك الفضاء الإلكتروني كالملاحقة والمراقبة والحجب ضمن خطتها لمحاربة “الإرهاب”. كما أتاحت التدخل الإداريوالأمنىفيعمل الصحافة والإعلام من خلال استحداث جهات يفترض بها التنظيم قامت بدوررقابي ذيصلاحيات واسعة منتهكة حرية التعبير.

 

قوانين الصحافة الثلاثة.. الإعلام تحت السيطرة

 

يقصر قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والذي يحمل رقم 180 لسنة 2018، تعريف الصحفي أو الإعلامي فقط على المقيدين في جداول نقابة الصحفيين أو الإعلاميين. ونظرًا إلى طبيعة شروط القيد التي يغلب عليها التعقيد في النقابتين، سيحرم كثير من الصحفيين والإعلاميين من الدخول تحت مظلة القانون، وبالتالي لن يحصلوا على الضمانات الواجب توفرها للصحفي.

ومن جانب آخر، يشترط مشروع قانون تنظيم الصحافة والإعلام أن يتولى المقيدون بجداول المشتغلين في نقابة الصحفيين أو نقابة الإعلاميين مسئولية التحرير أو إدارة البرامج، ما يحرم غير المقيدين بجداول المشتغلين من الحصول على هذه الوظائف، بحسب المادتين (40) و(55). كما يشترط القانون ألا تقل نسبة المقيدين في جداول النقابة عن 70% من العاملين في الصحيفة أو الموقع، بحسب المادة (42).

ويربط القانون حقوق والتزامات الصحفيين والإعلاميين بالمصطلحات الفضفاضة غير المنضبطة كالأمن القومي أو الآداب العامة وفى ضوء مواد قانون العقوبات المصريالخاص بما يسمى “نشر الأخبار الكاذبة”، “السب والقذف”، لن يوفر القانون حماية حقيقية لهم بمناسبة مزوالة عملهم.

كما يمنح القانون المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام صلاحية منع مواد صحفية صدرت أو جرى بثها من الخارج “للاعتبارات التي يقتضيها الأمن القومي”. وفي نفس المادة تم استخدام مصطلح المواد “التي تتعرض للأديان والمذاهب الدينية تعرضًا من شأنه تكدير السلم العام”. واستخدم المشرع في المادة (5)، والتى تحدد ما يمنع منح تراخيص لوسائل الإعلام أو سحب ترخيصها، مصطلحات تتيح للجهة الإدارية التعسف في استخدام سلطتها، ومن ذلك “التعصب الجهوي”، “ممارسة نشاط معادٍلمبادىء الديمقراطية”، و”التحريض على الإباحية”.

أما فيما يتعلق بقانوني الهيئة الوطنية للصحافة، رقم 179 لسنة 2018،والهيئة الوطنية للإعلام، رقم 178 لسنة 2018،أقرت المادة (7) من قانون الهيئة الوطنية للإعلام أن يختار رئيس الجمهورية ثلاثة أشخاص بشكل مباشر لعضوية الهيئة، من بينهم رئيس الهيئة الوطنية للإعلام من إجمالى 8 أعضاء. ما يعني أن رئيس الجمهورية يعين بشكل مباشر ثلث أعضاء الهيئة الوطنية للإعلام. وتمنح المادة (7) لكلٍّ من وزارة المالية ومجلس الدولة وجهاز تنظيم الاتصالات صلاحية اختيار عضو لكل جهة منها على حدة. بينما يكون لكل من نقابة الإعلاميين ونقابة العاملين بالصحافة والطباعة والإعلام وهيئة مكتب مجلس النواب ترشيح عضو واحد لكلٍّ منها على حدة، شريطة أن ترشح كل جهة من تلك الجهات ضعف العدد المطلوب منها، على أن يختار رئيس الجمهورية من بينهم العدد المطلوب. كما يشترط أن تُرسل الترشيحات خلال ثلاثة أشهر من طلبها، وفي حالة عدم إرسالها يتولى رئيس الجمهورية استكمال الأسماء مع مراعاة الفئة التي يمثلونها، بناءً على ترشيح مكتب مجلس النواب. ويعني ذلك أن السلطة التنفيذية تسيطر بشكل مباشر من خلال رئيس الجمهورية على صلاحية تشكيل الهيئة الوطنية للإعلام، وهو ما يطعن في استقلاليتها.

تتناول المادة (7) من قانون الهيئة الوطنية للصحافة تشكيل الهيئة، بحيث تشمل في عضويتها 7 أعضاء يختار منهم رئيس الجمهورية بشكل مباشر ثلاثة أعضاء، وهم رئيس الهيئة واثنين من ذوي الخبرة والشخصيات العامة، بينما يكون لمجلس نقابة الصحفيين ترشيح عضوين ولكلٍّ من مكتب مجلس النواب ومجلس النقابة العامة للعاملين بالصحافة والطباعة والإعلام ترشيح عضو لكلٍّ منهما، وعلى هذه الجهات في الثلاثة شهور الأخيرة من مدة عمل الهيئة أن ترشح ضعف العدد المطلوب ليقوم رئيس الجمهورية بالاختيار من بينهم، وفي حال عدم وجود ترشيحات من هذه الجهات، يختار رئيس الجمهورية الأعضاء بشكل مباشر. بينما يختار وزير المالية عضوًا في الهيئة كممثل لوزارة المالية، ويختار المجلس الأعلى للشئون الإدارية بمجلس الدولة نائبًا لرئيس مجلس الدولة لعضوية الهيئة. وبذلك يكون لرئيس الجمهورية اليد العليا في تشكيل الهيئة الوطنية للصحافة، ما يعصف باستقلاليتها عن السلطة التنفيذية.

الجزء الثاني

 

استمرت الدولة بأجهزتها المختلفة في انتهاك حرية التعبير خلال العام 2018 وإن كانت وتيرة الانتهاكات أصبحت أقل إذا ما قورنت بالعام الماضي. لا يعبر هذا الانخفاض في كم الانتهاكات عن تغير سياساتي من قبل الدولة تجاه حرية التعبير بقدر ما يبرز الوضع المزري الذي وصلت إليه حالة حرية التعبير نتيجة للخنق المتعمد الذي تمارسه الدولة تجاه هذا الملف في السنوات الماضية على كافة الأصعدة، تشريعيًّا وقضائيًّا وأمنيًّا.

الإعلام.. أجهزة الدولة الرقابية تحكم سيطرتها

 

شهد العام 73 واقعة شملت 102 انتهاك تعرض لها المجتمع الصحفي والإعلامي في تراجع واضح عن العام الماضي والذي شهد 242 انتهاكًا.

يلاحظ تنامي دور المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في الرقابة على الإعلام بالمقارنة بعام 2017، وهو العام الذي صدر في ربعه الثاني قرار بتشكيل المجلس،حيث سجلت المؤسسة 43 انتهاكًا، ارتكبها المجلس بما يمثل نسبة 42% من الانتهاكات التي سجلتها المؤسسة خلال عام 2018، بالمقارنة بـ 4 حالات خلال 8 شهور من عام 2017، وهو ما قد يشير إلى الدور الأساسي الذي أنشئ من أجله المجلس وهو السيطرة الكاملة على الحقل الإعلامي.

ويعد من أبرز قرارت المجلس في هذا العام وقف بث قناة (ltc) في الثامن من ديسمبر بسبب ما وصفه بيان المجلس[11] بالخروقات التي تسيءإلى الإعلام وتستغل الحريات الممنوحة للإعلاميين في ارتكاب جرائم إعلامية بشكل سافر يمثل إهانة لمهنة الإعلام والاستهتار بالقوانين والدستور، وإهانة للمشاهدين. وأضاف بيان المجلس بأن القناة خالفت المعايير والأكواد الصادرة عن المجلس وصدر ضدها العديد من القرارات بشأن وقائع حدثت خلال برامجها. وأضاف البيان أن المجلس كان قد أعطى القناة مهلة لتقنين أوضاعها دون استجابة.

كما أصدر المجلسفي 4 يوليو 2018، قرارًا[12] بوقف النشر في قضية مستشفى سرطان الأطفال 57357 إلى حين انتهاء اللجنة الوزارية من فحص موقفها. وطالب المجلس جميع الأطراف بالتوقف عن الكتابة في الموضوع، ووقف بث البرامج المرئية والمسموعة التي تتناول هذا الموضوع، وأن يكون التعامل مع أي جديد بتقديمه إلى الجهات القضائية أو لجنة التحقيق أو النشر من خلال المجلس. تراجع المجلس عن هذا القرار بعد أن أصدر النائب العام قرارًا[13] يوضح أن قرار المجلس بوقف النشر غير قانوني وهو والعدم سواء، وأعقب ذلك استدعاء رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام للتحقيق في مخالفته للقانون بإصدار هذا القرار.

وتنوعت قرارات المجلس خلال 2018 ما بين وقف برامج ومذيعين، إحالة صحفيين أو مذيعين إلى التحقيق بنقابتهم.

 

المصري اليوم.. تحقيق على خلفية مانشيت صحفي

 

“الدولة تحشد المواطنين لآخر أيام الانتخابات” بهذا المانشيت صدر عدد جريدة المصري اليوم 29 مارس. تعرضت الجريدة على إثر هذا المانشيت لهجوم إعلامي كبير صاحبه بلاغ تقدمت به الهيئة الوطنية للانتخابات بدعوى اتهام الجريدة للدولة بحشد الناخبين للتصويت وهو ما يشكك في العملية الانتخابية برمتها، على حسب وصف بلاغ الهيئة للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.

عقب البلاغ، أحال المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رئيس تحرير جريدة المصري اليوم، آنذاك، محمد سيد صالح، ومحرر خبر إدلاء المرشح الرئاسي في انتخابات 2108، موسى مصطفى موسى بصوته في الانتخابات على الموقع الإلكتروني للجريدة إلى التحقيق في نقابة الصحفيين بناءً على الشكوى التي قدمها رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات إلى المجلس، حسب القرار[14]. وقرر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، تغريم جريدة المصري اليوم 150 ألف جنيه مع إلزام الجريدة بتقديم اعتذار إلى الهيئة الوطنية للانتخابات في نفس المكان ونفس المساحة وهو ما نفذته جريدة المصري اليوم.

من جانبها نشرت المصري اليوم في 29 مارس توضيحًا للمانشيت تحت عنوان: “كلمة المصري اليوم.. الحشد الإيجابي”[15] أكدت فية ما أسمته بالحشد الإيجابي، كما أرسلت رسالة إلى المرشح لانتخابات الرئاسة آنذاك، عبد الفتاح السيسي، أعلنت فية دعمها له وللدولة، كما تنصلت المصري اليوم مما أسمته الفهم المغلوط للمانشيت والذي استخدمه البعض للوشاية بالمصري اليوم.

وفي الرابع من إبريل أصدر مجلس إدارة المصري اليوم قرارًا[16] بإنهاء عمل رئيس تحرير الجريدة، محمد سيد صالح، على أن يستمر كاتبًا رئيسيًّا في الجريدة مع الاحتفاظ بدرجته المالية الحالية حسب القرار، والذي لم يذكر أي أسباب للإقالة إلا أنها من المرجح أن تكون على خلفية الضغوط التي تعرضت لها المصري اليوم عقب مانشيت “حشد الناخبين” فقد أنهي عمل رئيس التحرير بعد 5 أيام فقط من واقعة مانشيت الجريدة الخاصة بالانتخابات.

ولم تقف الإجراءات عند قرارات المجلس الأعلى للإعلام، ففي الثاني عشر من شهر إبريل استدعت نيابة أمن الدولة[17] رئيس تحرير الجريدة، و7 مراسلين للجريدة بالمحافظات، هم مراسل القليوبية، محمد محمود خليل، مراسلة المنصورة، غادة عبد الحافظ، مراسلة المنوفية، هند إبراهيم، مراسل كفر الشيخ، مجدي عبد السلام، مراسل البحيرة، حمدي قاسم، مراسل دمياط، عماد الشاذلي، ومراسل الغربية، محمد فايد، بناءً على بلاغ من الهيئة الوطنية للانتخابات يتهمهم فيه بنشر أخبار كاذبة من شأنها الإضرار بالصالح العام، على خلفية تغطية المصري اليوم للانتخابات.

وقررت النيابة إخلاء سبيل رئيس تحرير المصري اليوم _آنذاك_ بكفالة 10 آلاف جنية، كما أمرت بإخلاء سبيل بقية الصحفيين بضمان محل إقامتهم في المحضر رقم599 لسنة 2018 أمن دولة، بعد أن قدم الصحفيون إلى نيابة أمن الدولة صورًا من مراسلات مصادرهم الرسمية التي استقوا منها الأخبار المنشورة في العنوان محل التحقيق. قررت نيابة أمن الدولة لاحقًا حفظ التحقيقات في القضية المشارة إليها.

لم تكن قرارات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام هي الوحيدة اللافتةللنظر في انتهاكات عام 2018 حيث كان منع صحفيين من دخول الأراضي المصرية، واحتجاز صحفيين بالمطار والقبض عليهم لافتًا. حيث منعت سلطات أمن مطار القاهرة في 5 نوفمبر وفد الإعلاميين العراقيين المشارك في مونديال القاهرة للإعلام من دخول الأراضي المصرية بعد احتجازهم دون إبداء أي أسباب للوفد ثم قامت بترحيلهم لاحقًا. كذلك منعت سلطات أمن المطار في 25 مايو الصحفية الأجنبية نيني أوبيني من دخول الأراضي المصرية بعد احتجازها والتحقيق معها داخل المطار عن سبب قدومها إلى مصر، وعن بعض المقالات التي نشرتها أوبيني خلال فترة عملها السابق في مصر، قبل أن تقوم السلطات بمنع دخولها الأراضي المصرية حسب شهادة أوبيني والتي نشرتها على صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك[18] وترجمها إلى العربية موقع مدى مصر.

ونشرت جريدة التايمز تقريرًا عن ترحيل مراسلتها بالقاهرة، بيل ترو بعد أن أوقفتها السلطات المصرية عقب إجرائها لحوار مع أحد أقارب رجل توفيعلى متن مركب هجرة متجة إلى أوروبا. وأضافت التايمز بأن مصادر دبلوماسية أخبرتها بأن ترو أصبحت شخصًا غير مرغوب فيه من قبل السلطات المصرية، والتي أجبرتها على الرحيل إلى لندن في 21 فبراير الماضي، دون أن تبدي السلطات أي أسباب لهذا التصرف. ونشرت التايمز مقالًا لترو، روت خلاله أن 5 أفراد بزي مدني أوقفوها بعد إجراء حوار كانت تجريه، ثم اقتادوها إلى قسم شرطة لم تسمِّه. وأضافت ترو خلال المقال، بأنه جرى استجوابها لمدة تزيد على7 ساعات هُددت خلالهم بإحالتها إلى محاكمة عسكرية.

في مقالها، أكدت “بِل”أنها كانت تعد تقريرًا عن المركب، وكشفت عن أن أحد رواد المقهى الذي أجرت فيه الحوار أخبر الأمن أنها كانت تستقصيعن مركب آخر شكك البعض في تورُّطالسلطات المصرية في إغراقه بالقرب من شاطئ رشيد عام 2016.

وفي السادس عشر من شهر أغسطس الماضي، ألقت سلطات أمن مطار القاهرة القبض على المصورة الصحفية بجريدة الوطن زينب أبو عونة أثناء سفرها إلى العاصمة اللبنانية بيروت، لحضور ورشة تدريبة، وتواجه أبو عونة تهم الانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة، على ذمة القضية رقم 441 لسنة 2018 أمن دولة.

وفي 30 نوفمبر الماضي، احتجزت سلطات أمن المطار الصحفية بمدى مصر، رنا ممدوح عقب عودتها من العاصمة الأردنية عمَّان، عقب مشاركتها في مؤتمر تنظمه مؤسسة أريج للصحافة الاستقصائية وقام جهاز الأمن الوطني بالمطار باستجواب الصحفية وسحب جواز سفرها وإبلاغها بأنها على قوائم التفتيش. وذكرت ممدوح في تصريحات لموقع مدى مصر، تأكدت المؤسسة من صحتها بالاتصال التليفوني بالصحفية، بأنها تعرضت خلال سفرها للأردن للاحتجاز، وتم إعادة حقائبها من الطائرة وإعادة تفتيشها، وهو الأمر الذي استغرق ساعة ونصفًا، أقلعت الطائرة خلالها، دون ان يسمح لها بالسفر. وتضيف رنا، بعد التفتيش أخبرني ضابط برتبة عميد أنه يجب عليَّ في أي وقت أريد أن أسافر فيهأن أحضر إلى المطار قبل موعد الرحلة بـ 3 ساعات على الأقل، وأن أتوجه إلى مكتب الضابط وأخبره بأني “تفتيش”. وأضافت رنا:

“عدت من جديد للمطار قبل الموعد وكانت الإجراءات أصعب وأشد تعقيد، حيث خضعت لنفس الإجراءات وبدأ التفتيش هذة المرة للبحث عن ورقة أو مفكرة وكان موظف الجمارك يبحث عن قصاصات الورق ويقرأها. تقول رنا بأن الاستجواب كان يركز عن عملها والموضوعات التي تكتب عنها وعن أسباب سفرها للأردن، وماهية مؤتمر أريج ومن يموله وكيف يختارون الصحفيين”.

طلب ضابط الأمن الوطني من رنا التوجه إلى مكتب الأمن الوطني بالعباسية لاسترداد جواز سفرها، ومعرفة أسباب وضعها على قوائم التفتيش.

تقدمت الصحفية عضو نقابة الصحفيين بمذكرة رسمية إلى نقيب الصحفيين وأعضاء مجلس النقابة بخصوص سلسلة الانتهاكات التي تعرضت لها خلال سفرها، والتي تضمنت التحفظ على جواز سفرها، والتحقيق معها بالمطار بدون أسباب ومصادرة مذكرات خاصة بها.

وعلى مستوى آخر، أصدرت اللجنة القضائية المختصة بإدارة أموال جماعة الإخوان المسلمين، في 11 سبتمبر 2018، قرارًا بالتحفظ على جريدة المصريون وموقعها الإلكتروني، دون أن تبدي اللجنة أسبابًا لذلك القرار.

يذكر أن قوة من أفراد تابعين للجنة إدارة أموال الجماعة مصحوبين بقوة من الشرطة، قد داهموا مقر جريدة المصريون، في 24 سبتمبر 2018، وقاموا بالتحفظ على المقر ومحتوياته وتسليم أخبار اليوم إدارة الجريدة. كان موقع جريدة المصريون الإلكتروني قد تم حجبه ضمن حملة حجب المواقع الإلكترونية، والتي تقوم بها جهة حكومية غير معروفة إلى الآن.

وعلى مستوى الإجراءات التأديبية التي تتخذها المؤسسات الإعلامية تجاه صحفييها، قررت إدارة المصري اليوم فصل الصحفية هدير فرغلي، من عملها بالمؤسسة، بناءً على شكوى من مديرها يتهمها بالتغيب بدون علم الإدارة، ما أدى إلى الإضرار بالعمل، بحسب شهادة الصحفية لمؤسسة حرية الفكر والتعبير[19]. وأضافت فرغلي أنها لم تكن تعلم أي شيء عن تلك الشكاوي، وأنه لم يجرِ التحقيق معها لإثبات أو نفي الادعاء، وفور علمها بالقرار قدمت تظلمًا وشكوى ضد مديرها المباشر تسرد فيها الوقائع الحقيقية لتغيبها عن العمل، إلا أن إدارة الموارد البشرية لم تقم بالتحقيق، وأصدرت قرارًا بفصلها عن العمل في 28 أغسطس 2018.

ورصدت مؤسسة حرية الفكر والتعبير واقعة منع صحفية من أداء عملها في بورسعيد، حيث مُنعت مراسلة الفجر في بورسعيد، نيرة الجابري، من دخول النادي المصري وتغطية أخباره، على خلفية تقرير نشرته المراسلة يتحدث عن عدم سداد مستحقات بعض اللاعبين وانقطاعهم عن التدريب بسبب إعطائهم شيكات بدون رصيد. وقالت الجابري:

“عقب نشر التقرير فوجئت بمكالمات تهديد وسباب من أحد أعضاء مجلس إدارة النادي المصري، أصدر مجلس إدارة النادي المصري قرارًا بمنعي من دخول النادي أو أيٍّ من فروعه، ومنعي من تغطية أخبار النادي وفرقه المختلفة[20]“.

ولم تكن الجابري الصحفية الوحيدة التي تعرضت للمنع من دخول النادي، فقد أصدر مجلس إدارة النادي المصري قرارًا[21] بمنع دخول مراسل اليوم السابع ببورسعيد أحمد وجيه من دخول النادي أيضًا دون إبداء أسباب، ويسبب الصحفي في شهادته للمؤسسة، لكتابتهتقارير عن فشل المجلس إداريًّا وتدخلهم في عمل المدير الفني للنادي المصري، ما أثر سلبًا على مستوى فريق الكرة في كافة المنافسات التي يخوضها. وأضاف وجيه أن ظهوره في حلقة بقناة الحدث وانتقاد المجلس تلفزيونيًّا كان له أثر كبير في القرار. وقال وجيه:

“المجلس لم يكتفي بقرار المنع من دخول النادي بل أصدر قرارًا لكل العاملين بالنادي واللاعبين بعدم التعامل نهائيًّا معي، ورصد غرامة مالية قدرها 10 آلاف جنيهًا لأي لاعب يدلي بتصريحات لي”.

وفي سياق منفصل داهمت مباحث المصنفات مقر موقع مصر العربية، وهو أحد المواقع المحجوبة، وألقت القبض على عادل صبري، رئيس تحرير الموقع. وذلك بعد يومين من صدور قرار المجلس الأعلى للإعلام، في الأول من إبريل 2018، بتغريم موقع مصر العربية 50 ألف جنيه، على خلفية شكوى مقدمة من الهيئة الوطنية للانتخابات بسبب نشر الموقع لتقرير بعنوان “نيويورك تايمز: المصريون يزحفون للانتخابات من أجل 3 دولارات”. وأمرت نيابة الدقى بحبس عادل صبري، على ذمة المحضر رقم 4861 لسنة 2018 جنح الدقي، والذي اتُّهم فيه بنشر أخبار كاذبة، والتحريض على تعطيل أحكام الدستور، والانضمام إلى جماعة محظورة، والتحريض على التظاهر.

أخلي سبيل صبري على ذمة هذه القضية لاحقًا إلا أنه لم يفرج عنه حيث تم استدعاؤه للتحقيق معه على ذمة القضية رقم 441 لسنة 2018 أمن دولة بتهمة الإنضمامإلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة. ولا يزال صبري محبوسًا على ذمة هذه القضية حتى كتابة التقرير.

وعلى صعيد آخر، هاجمت الهيئة العامة للاستعلامات، الجهة الرسمية المانحة لتصاريح العمل للصحفيين الأجانب، وسائل الإعلام والصحفيين الأجانب، سواء من خلال بيانات رسمية تعترض فيها على مضمون تقارير الإعلام الأجنبي، أو من خلال الحملة والبروباجندا الداخلية التي يقودها رئيس الهيئة ضياء رشوان بالظهور المستمر على قنوات فضائية للتنديد بالإعلام الأجنبي، حتى أنه شارك في حلقة من برنامج تلفزيوني تحمل عنوان “لماذا يستهدف الإعلام الأجنبي مصر؟”، في 12 يناير 2018. ويقترن ظهور رئيس هيئة الاستعلامات بتغذية معاداة الأجانب في مصر، وتصوير الصحفيين اﻷجانب العاملين في مصر باعتبارهم جزءًا من مؤامرة ضد استقرار الدولة، وأحيانًا ما تصل اتهامات يلقيها مقدموبرامج في قنوات مؤيدة للسلطة الحالية إلى قيام الصحفيين الأجانب بدعم الإرهاب.

وأصدرت الهيئة العامة للاستعلامات عدة بيانات، خلال الربع الأول من العام 2018، وجهت فيها انتقادات إلى وسائل إعلام أجنبية بتعمد نشر معلومات مغلوطة وارتكاب أخطاء مهنية، وكانت البداية في 7 يناير 2018، عبر بيان ضد صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، على خلفية قضية نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، ثم بيان ضد هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، في 24 فبراير 2018، توجه فيه انتقادات إلى تقرير نشرته بي بي سي، حوى مجموعة من المقابلات مع ضحايا وذويهم، ممن تعرضوا للتعذيب والاختفاء القسري. وليست هذه المرة الأولى التي توجه فيها هيئة الاستعلامات اتهامات بتزييف الحقائق ونشر معلومات مغلوطة إلىبي بي سي، فقد حدث ذلك خلال العام الماضي 2017 على خلفية حادث الواحات.

وطالب رئيس هيئة الاستعلامات بمقاطعة “بي بي سي” من قبل المسئولين الرسميين وذلك حتى تقدم اعتذارًا عما نشرته، على خلفية تقرير نشرته الشبكة الإنجليزية تناول قضايا الاختفاء القسري والتعذيب في مصر. لذلك، يبدو أن السلطات المصرية تحاول إرسال تهديدات ومضايقات مستمرة إلى وسائل الإعلام الأجنبية، والتي لا تملك الأجهزة الأمنية في مصر أن تسيطر على محتواها على عكس الإعلام المحلي،إذ أن عمليات شراء واسعة لقنوات تلفزيونية وصحف قد جرت في مصر، إضافة إلى تأسيس شركات تدور حولها شبهات الارتباط بأجهزة أمنية، وأدى ذلك إلى تحكم السلطة الحالية في الإعلام المصري، بشكل غير مسبوق.

وانضم إلى الهجوم على الإعلام الأجنبيجهات صحفية أخرى، حيث صرح حاتم زكريا، السكرتير العام لنقابة الصحفيين، وعضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام فىإحدى المقابلات عن أزمة السلطات المصرية مع هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) أنه سيوجه “رسائل عتاب إلى مكتب القناة كما قد يلجأ إلى استدعاء رئيس مكتب القناة للتحقيق”. وأوضح زكريا أنه “قد يكون حجب الموقع حلًّاللتعامل مع مثل هذه الأزمات” حيث أن السلطات المصرية مستاءة مما وصفه بـ”الأخبار الكاذبة” التي بثتها الإذاعة تجاه الدولة المصرية، وقال إنها تؤثر في سمعتها وشكلها أمام المجتمع الخارجي، تزامنًا مع اقتراب إجراء انتخابات الرئاسة المصرية، إلى جانب حرب مصر ضد العناصر الإرهابية في شمال سيناء”.

وفي نفس السياق أصدر حسين زين، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، قرارًا بتعليق أى تعاون إعلاميمع هيئة “بي بي سي” حتى إشعار آخر، ويشمل التعليق كل أنواع التعاون الإعلامى من بروتوكولات أو اتفاقيات.

ومن ناحية أخرى،في 28 فبراير 2018،أصدر النائب العام، قرارًا بتكليف المحامين العموم ورؤساء النيابات بالاستمرار في متابعة وسائل الإعلام المختلفة ومواقع التواصل الاجتماعي لضبط ما يصدر عنها من أخبار وبيانات وإشاعات كاذبة، من شأنها الإضرار بالمصلحة العامة للدولة، وكذلك خاطب القرار الجهات المسئولة عن الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، لإبلاغ النيابات بهذه البيانات.

وفي 12 مارس 2018، أعلنت النيابة العامة عن أرقام يمكن للمواطنين من خلالها في كافة المحافظات إبلاغ النيابات عن الأخبار والبيانات التي تضر بمصلحة الدولة.

جاء قرار النيابة العامة في الفترة التي تُجرى فيها الانتخابات الرئاسية، وبالترامن مع عدة تصريحات للرئيس السيسي توعَّد فيها ما أطلق عليها “قوى الشر” (وهو نفس التعبير الذي استخدمته النيابة العامة في بيانها) واعتبر أن حرية الرأي لا تشمل تناول المؤسسات الأمنية في الإعلام والثقافة بما وصفها “باﻹساءة”.

ويحمل قرار النيابة العامة (بمتابعة وسائل التواصل الاجتماعي لضبط ما يصدر بها من أخبار وبيانات وإشاعات كاذبة) إشكاليات كثيرة، منها عدم وضوح المصطلحات، وعدم ارتباطها بالقانون كما هو مفترض أن يصدر عن جهة قضائية. كما أن القرار وما تلاه من إتاحة أرقام البيانات، يجعل من كل تعبير عن الرأي جريمة محتملة. كذلك، فإن النيابة كجهة تحقيق، تجاوزت دورها المحدد قانونيًّا، بحيث تقوم بدور جهات الضبط والتحري. وعلى اﻷرجح، يمثل القرار بداية لشرعنة ممارسات مراقبة مستخدمي التواصل الاجتماعي، والتفتيش في آرائهم، سواء من قبل جهات أو مواطنين، فالقرار بمثابة محكمة تفتيش على أفكار وضمائر المواطنين، وخاصة ممن يوجهون انتقادات إلى السلطة الحالية.

 

الإبداع.. الدولة تستهدف الهامش

 

رصدت مؤسسة حرية الفكر والتعبير خلال عام 2018، 23 واقعة انطوت على 43 انتهاكًا تنوع مابين حبس احتياطي وأحكام بالحبس، ومنع العرض، ومنع دخول مُبدعين لمصر أو ترحيلهم. وتصدرت الهيئات القضائية القائمة بأكبر عدد من الانتهاكات، حيث كانت مسئولة عن 17 انتهاكًا، جاء بعدها مؤسسات حكومية متمثلة في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وجهاز الرقابة على المصنفات الفنية وقاموا بارتكاب 9 انتهاكات، وتساوت الهيئات القضائية العسكرية مع الجهات الأمنية في ارتكاب كلٍّمنهم لـ7 انتهاكات.

كان الانتهاك الأكثر تكرارًا هو الحبس الاحتياطي، حيث تعرض له 10 أفراد في 3 وقائع مختلفة، من بينهم حبس المدون الساخر شادي أبو زيد، حيث ألقت قوات الأمن القبض عليه في فجر يوم ٦ مايو ٢٠١٨ من منزله

وتم عرضه على نيابة أمن الدولة العليا والتي قامت بالتحقيق معه وحبسه احتياطيًّا على ذمة القضية رقم 621 لسنة ٢٠١٨ حصر أمن الدولة العليا، ووجهت إليه اتهامات بنشر أخبار كاذبة والانضمام إلى جماعة أسست على خلاف القانون. ولا يزال أبو زيد، المراسل السابق لبرنامج أبلة فاهيتا، قيد الحبس الاحتياطي على ذمة القضية. وأيضًا نشرت وزارة الداخلية في 4 سبتمبر عن طريق صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك بيانًا من مديرية أمن القاهرة[22]، أعلنت فيه عن “ضبط ٨ أشخاص قاموا بتصوير مقطع فيديو بالمخالفة لأحكام القانون دون تصريح، يتضمن الادعاء بتعاطيهم المواد المخدرة والإتجار فيها، والترويج لها عبر شبكة المعلومات الدولية الإنترنت”. وأضاف البيان أن قطاع الأمن العام قام بتشكيل فريق بحث مشترك مع أجهزة البحث الجنائي بالقاهرة، وبإجراء التحريات وجمع المعلومات أمكن تحديد هوية الأشخاص المشار إليهم. وجهت إليهم النيابة اتهامات تصوير مقطع فيديو لمشهد تمثيلي لهم أثناء القبض على تجار مخدرات على مواقع التواصل الاجتماعي بقصد الشهرة، دون الحصول على موافقات أمنية، وحيازة أسلحة نارية وبيضاء، وقرر قاضي المعارضات بمحكمة جنح دار السلام حبسهم احتياطيًّا على ذمة التحقيقات.

لم يكتفِ القضاء المدني بملاحقة المبدعين، ولكن شهد العام تصاعد وتيرة محاكمة مبدعين أمام القضاء العسكري، فأصدر القضاء العسكري أحكامًا بالإدانة في واقعتين، الأولى هي القضية الشهيرة بـ”مسرحية نادي الصيد” والتي صدر فيها قرار ضد جميع المتهمين وعددهم 6 بالحبس لمدة شهرين مع إيقاف التنفيذ في 25 يوليو، وفي القضية الخاصة بالشاعر جلال البحيري وديوانه الذي لم يُنشر، قررت المحكمة العسكرية، في 31 يوليو، سجنه هو ومالك دار النشر لمدة 3 سنوات وتغريمهم 10 آلاف جنيه.

 

مسرحية نادي الصيد.. بعض الفن يغضب الرئيس

 

لا تسمحوا بالإساءة، لو حد أساء للجيش والشرطة، ده في الآخر بيسييء لكل المصريين، وهنا مبقتش حرية رأي”، بهذه الكلمات وجه الرئيس السيسي خطابه إلى الإعلام وأجهزة الدولة، ليحثهم على التصدي للإساءة للجيش والشرطة “بالقانون” لأنها وبحسب تعبيره “خيانة عظمى”[23]. كان هذا في خطابه الذي ألقاه من محافظة مطروح في 1 مارس 2018، وهو نفس اليوم الذي تقدم فيه المحامي سمير صبري بثلاثة بلاغات عاجلة إلى النائب العام ونيابة أمن الدولة العليا والمدعي العام العسكري ضد ديوان شعر لجلال البحيري بعنوان “خير نسوان الأرض”، وأغنية للفنان رامي عصام باسم “بلحة”، ومسرحية بعنوان “سليمان خاطر” قصة وإخراج أحمد الجارحي لإساءتهم إلى الرئيس والقوات المُسلحة.[24] أصدرت المحكمة العسكرية حكمين في بلاغين منهم.

فقررت المحكمة في 31 يوليو 2018 في القضية رقم 4 لسنة 2018 جنح إدارة المدعي العام العسكري بسجن كلٍّ من الشاعر جلال البحيري، ومالك دارنشر الديوان لمدة ثلاث سنوات وتغريمهم 10 آلاف جنيه لكل منهم. بينما في القضية التي عُرفت إعلاميًّا بـ”مسرحية نادي الصيد” فقد قررت محكمة القضاء العسكري حبسهم شهرين مع إيقاف التنفيذ في الدعوى التي حملت رقم 12 لسنة 2018 جنح عسكرية.

ترجع قضية نادي الصيد إلى منتصف فبراير 2018 حين قامت فرقة بعرض مسرحية عن سليمان خاطر، وهو أحد عناصر قوات الأمن المركزي المصري، حُكم عليه من محكمة عسكرية بالأشغال الشاقة المؤبدة بسبب واقعة حدثت في منتصف الثمانينيات أثناء فترة تجنيده،

كان من المُقرر أن يتم عرض المسرحية لمدة 3 أيام، ولكن تم إلغاء العرض الأخير بعد أن تصاعدت بعض الأصوات التي اعتبرتها مسيئة إلى القوات المسلحة. وفي مداخلة تلفزيونية مع الإعلامي أحمد موسى، نفى أحمد الجارحي مخرج المسرحية نيته في الإساءة إلى الجيش، وأكد أنه تم اجتزاء بعض المقاطع من المسرحية وتم استخدامها في غير سياقها لتبدو كإهانة.[25] يذكر أن المسرحية كانت عُرضت قبل عامين فيقصر ثقافةالأنفوشي بالإسكندرية في مهرجان تابع لوزارة الثقافة.

بعد أيام قليلة من مداخلة الجارحي، وتحديدًا في 1 مارس، أُلقي القبض عليه وعلى وليد عاطف المؤلف مع 4 آخرين من المُشاركين في المسرحية، وتم اتهامهم بنشر أخبار كاذبة وارتداء زي عسكري بدون تصريح، تعرض فريق العمل للحبس الاحتياطي لفترة على ذمة القضية قبل أن يتم إحالتها إلى المحكمة التي حكمت في 25 يوليو بحبسهم شهرين مع إيقاف التنفيذ.

واستمر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في تدخله في كل مايعرض على الشاشات، فقرر المجلس وقف برنامج “إس إن إل بالعربي” ووفقًا لبيان منشور على الموقع الرسمي للمجلس في 11 فبراير فإن القرار تم اتخاذه لأن البرنامج “دأب على استخدام الألفاظ والعبارات والإيحاءات الجنسية التي لا تليق بالعرض على المشاهدين وتخالف المعايير الأخلاقية والمهنية”.[26]

بينما رفض جهاز الرقابة على المصنفات الفنية إعطاء تصريح لفيلم “بائع البطاطا المجهول” والذي كان من المقرر عرضه ضمن فعاليات مهرجان زاوية للأفلام القصيرة، ولكن نشرت الصفحة الرسمية لسينما زاوية منشورًا جاء فيه: “نعتذر عن عدم عرض فيلم بائع البطاطا المجهول اليوم ضمن مهرجان زاوية للأفلام القصيرة لعدم حصوله على تصريح الرقابة، ولكنه مازال ضمن المسابقة والأفلام المختارة ومؤهل للفوز بأيٍّ من الجوائز”[27]. فبعد أن توجهت إدارة السينما إلى جهاز الرقابة على المصنفات الفنية للحصول على تصريحات عرض الأفلام، رفضت الرقابة إعطاء تصريح لفيلم “بائع البطاطا المجهول” للمخرج رشدي أحمد.

ومن أبرز سمات العام، منع وإيقاف عروض مسرحية على مسارح جامعات حكومية، فرصدت المؤسسة إيقاف 4 عروض مسرحية من العرض في جامعات مختلفة، بعضها لأسباب سياسية وبعضها لأسباب دينية، وفي بعض الأحيان دون إبداء أي أسباب.

قبل يوم واحد من عرض مسرحية “ميراثالريح”، ومع الاستعدادات الأخيرة لفريق مسرح كلية العلوم بجماعة الإسكندرية قبل المشاركة في المهرجان الذي يقام في الجامعة كل سنة، علم فريق المسرح أنه تقرر إلغاء عرضهم لأنه “يثير المشاعر الدينية والفتنة الطائفية” بحسب ما أخبر وكيل كلية العلوم، الطالب الذي رفض ذكر اسمه[28]، فبعد أن حصل فريق المسرح على كل الموافقات والتوقيعات اللازمة، رفضت إدارة الكلية والعميد عرض المسرحية في 22 إبريل 2018 وذلك لاحتوائها على بعض الجمل التي تتحدث عن الديانة المسيحية، وبالرغم من الوعود الشفهية التي حصل عليها الفريق، فإنه حتى الآن لم يتمكنوا من عرض المسرحية.

كما تم إلغاء عرض مسرحية “إنهم يعزفون” لفريق مسرح كلية زراعة بسابا باشا بالإسكندرية بسبب تعنت بعض الأفراد من الإدارة بالكلية، وبالرغم من حصولهم على كافة التصاريح اللازمة من رعاية الشباب فإنه تم إلغاء عرضهم دون إبداء أي أسباب[29].وفي كلية تربية نوعية بجامعة طنطا، تم إلغاء العرض المسرحي “الجدار” بالرغم من حصول النص على الموافقة الموقَّعة من إدارة الكلية، وقبل عرض المسرحية بأيام قررت إدارة الكلية سحب الموافقة لاحتواء المسرحية على محتوى سياسي متعلق بالقضية الفلسطينية.

ورفض الأمن المصري إعطاء تأشيرة دخول لفريق عمل الفيلم السوري “يوم أضعت ظلي” والذي تم عرضه في الدورة الثانية لمهرجان الجونة، كما قامت قوات الأمن بترحيل الممثل الفلسطيني علي سليمان في 19 سبتمبر من مطار الغردقة إلى خارج البلاد بعد وصوله إلى مصر للمشاركة كعضو لجنة تحكيم في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة بنفس المهرجان. ونشر سليمان على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك:

“حيث وبكل أسف تعامل معي الظابط المسؤول في المطار بشكل لا إنساني وتم ترحيلي على نفس الطائرة التي وصلت بها من اسطنبول دون إعطائي حتى الحق بالسؤال عن سبب منعي من دخول مصر الحبيبة.”

وفي 8 نوفمبر وأثناء استعداد المطرب “حمو بيكا” وفرقته الموسيقية لإقامة حفل غنائي على أحد الشواطئ، قام الفنان “هاني شاكر”، نقيب المهن الموسيقية، بتحرير محضر رقم 13812 لسنة 2018 بقسم الدخيلة، ضد حمو بيكا، واتهم شاكر بيكا بالغناء دون ترخيص وتلويث الذوق العام[30]. وبناءً على البلاغ، قامت قوة من مديرية أمن الإسكندرية بإلغاء الحفل. وفي 5 ديسمبر نشرت نقابة الموسيقيين بيانًا بمنع حفل آخر كان من المقرر أن يتم في الإسماعيلية لعدم حصول بيكا على عضوية النقابة و”حفاظًا أيضًا على الذوق العام”.[31]

من ناحية أخرى، يعتبر ما يميز هذا العام فيما يتعلق بملف حرية الإبداع هو اتجاه السلطة نحو قمع مساحات التعبير الهامشية والبعيدة عن بؤرة المركز، وكذلك مساحات الإنتاج المحدود ماليًّا من خلال استحداث لجان وهيئات رقابية جديدةحيث قررت وزارة الثقافة في مارس 2018 إنشاء فروعللرقابة المركزية على المصنفات الفنية في 7 محافظات جديدة في قصور الثقافة للسيطرة على المساحات البعيدة عن المركز. ومنذ صدور القرار الخاص بإنشاء فروعللرقابة على المصنفات الفنية، في مارس 2018، لم تعلن الوزارة بشكل رسمي حتى الآن عن أية تفاصيل أو آليات تخص تنفيذ القرار، كما لم تنشر الجريدة الرسمية، أية تفاصيل تخص إنشاء مقرات للإدارة المركزية للمصنفات الفنية بالمحافظات. ويتماشى عدم إتاحة الوزارة معلومات عن هذه القرارات التي تؤثر بشكل مباشر على عمل المبدعين مع سياسة الدولة في احتكار المعلومات، وهو مايجعلنا عاجزين عن فهم تبعات القرار بشكل تفصيلي.

إلا أن جريدة اليوم السابع، المقربة من السلطة الحالية، بعد تواصلها مع متخصصين داخل وزارة الثقافة، نشرت تقريرًا نقلًا عن مصادرها بشأن اختصاصات عمل الفروع، وآليات العمل داخل فروع الرقابة الجديدة. وجاء بتقرير اليوم السابع أن الرقابة سيكون اختصاصها تنظيم الأشرطة السينمائية، والأغاني، والمسرحيات، والمونولوجات، والأسطوانات، وأشرطة التسجيل الصوتي طبقًا للقانون، وأضاف التقرير أن قصور الثقافة فى المحافظات السبع التي أعلنت عنها وزيرة الثقافة، ستخصص مكاتب خاصة للرقابة على المصنفات، وأنه من الممكن ندب موظفي الرقابة من الإدارة المركزية بالقاهرة لهذه المحافظات، أو استغلال بعض من موظفيقصور الثقافة للعمل فيرقابة المصنفات من خلال إعدادهم عن طريق تقديم دورات تدريبية لهم للعمل فى الرقابة، وأن قرار الوزيرة جاء تسهيلًاللعمل الرقابيفى محافظات الجمهورية بدلًامن الاعتماد الكامل على الإدارة المركزية فى القاهرة.

كما وجهت الدولة قبضتها نحو مسارح الهواة، وضيقت على قصور الثقافة بالمحافظات، بالإضافة إلى اشتراطها على أي جهة لتنظيم حفل أن تكون شركة لا يقل رأسمالها عن نصف مليون جنيه، وهو ما تضمنه قرار رئيس مجلس الوزراء بشأن تشكيل لجنة دائمة لإدارة الحفلات والمهرجانات.

واقتحمت قوة أمنية مكونة من 4 أفراد من الحماية المدنية، في 31 أغسطس 2018، المسرح الخاص بقصر ثقافة بني سويف، بدعوى إجراء التفتيش المعتاد الخاص باحتياطات الأمن والسلامة، كما أوقفت التحضيرات الخاصة بكرنفال الموسيقاالعربية والغناء، وكذلك منعت قوة الحماية المدنية العرض العام للجمهور، والذي كان من المنتظر أن يتم مساء نفس اليوم.

وتؤكد الشهادات التي حصلت عليها مؤسسة حرية الفكر والتعبير بعد تواصلها مع القائمين على المهرجان، أن قوة الحماية المدنية امتنعت عن إبراز هويات أفرادها أمام العاملين بقصر الثقافة، كما احتجزت مدير قصر ثقافة بني سويف في مقر الحماية المدنية، وتحفظت على هويات العاملين لعدد من الساعات. كذلك أجرت قوة الحماية المدنية تحريات جنائية عن أحد العمال الملتحين بدعوى انضمامه إلى جماعة “إرهابية”، كما ضغطت القوة على مدير قصر ثقافة بني سويف للتوقيع على إقرار يفيد أن قصر ثقافة بني سويف غير آمن لإقامة أي من أنشطته أو استقبال الزوار، وذلك على الرغم من حصولهم على كافة التصاريح اللازمة.

وفي نفس السياق أوقفت قوة أمنية فعاليات مهرجان سواسية السينمائي الأول للأفلام القصيرة والوثائقية بالسويس. قبل بدء فعاليات المهرجان بساعة، دخلت قوة أمنية سينما رينيسانس، وحررت محضرًا لإخطار السينما بمنع عرض أي من الأفلام على شاشاتها وعدم استضافة المهرجان دون ذكر أسباب المنع، وهو ما اضطر إدارة المهرجان لنقل الفعاليات إلى إحدى قاعات الأفراح بمحافظة السويس.

تدخلت قوات الأمن مرة أخرى، وقطعت التيار الكهربائي عن القاعة بالتزامن مع كلمة المهرجان الافتتاحية، والتي كان يلقيها النائب عبد الحميد كمال. أكمل النائب كلمته وأعلن ختام فعاليات المهرجان وسلمت اللجنة الجوائز للأفلام الفائزة على أضواء التليفونات المحمولة.

عقب إلغاء فعاليات المهرجان، أصدرت الصفحة الرسمية لمهرجان “سواسية” بيانًا أكد فيه حصول المهرجان على الموافقات الأمنية والتصاريح المطلوبة، والتي كان من بينها تصريح الهيئة المركزية للرقابة على المصنفات الفنية عن كل فيلم تقدم للمسابقة، حيث أجازت الرقابة على المصنفات الفنية عرض سبعة عشر فيلمًا، فيما استبعدت فيلمًا واحدًا. وأكد البيان على التنسيق منذ البداية مع الدكتورة إيناس عبد الدايم وزير الثقافة، ورئيس اللجنة العليا لتنظيم إقامة المهرجانات والاحتفالات.

وقف فعاليات مهرجان سواسية السينمائي هو التطبيق الثاني لقرار رئيس مجلس الوزراء المصري بتشكيل لجنة عليا دائمة لتنظيم إقامة الحفلات والمهرجانات والتي سنتناولها فيما بعد. بينما تمثلت الحالة الأولى في وقف مهرجان “أوسكار إيجيبت للأفلام الروائية والقصيرة” بعد بلاغ من إدارة الرقابة على المصنفات الفنية ضد القائمين على المهرجان لإقامتهم مهرجانات سينمائية دورية دون الحصول على ترخيص من اللجنة العليا للمهرجانات.

وكانت الجريدة الرسمية قد نشرت بتاريخ 11 يوليو 2018، قرارًا لرئيس مجلس الوزراء رقم 1238 لسنة 2018 بشأن تنظيم المهرجانات أو الاحتفالات. احتوى القرار على قيود جديدة على حرية المبدعين في إقامة المهرجانات والاحتفالات.

تكشف اختصاصات اللجنة عن دورها في الرقابة على الإبداع، كونها ليست لجنة إدارية تقوم على تنسيق اﻹجراءات فقط. وتوضح المادة الرابعة من قرار رئيس مجلس الوزراء اختصاصات اللجنة العليا، ومن ضمنها دراسة طلبات تنظيم الحفلات والمهرجانات، ثم متابعة تنفيذها وتقييمها، وتقديم تقارير دورية عن كل مهرجان أو احتفال تتضمن توصيات اللجنة بهذا الشأن إلى وزير الثقافة.

ويمنع قرار رئيس مجلس الوزراء تنظيم أو إقامة أية مهرجانات أو احتفالات، إلا بعد حصول منظميها على ترخيص من لجنة يرأسها وزير الثقافة وتضم ما لا يقل عن 15 عضوًا ممثلين لوزارات وجهات متعددة، وهي الخارجية، الداخلية، المالية، السياحة والآثار، الطيران المدني، الشباب والرياضة، التنمية المحلية، وممثلًا للأمانة العامة لمجلس الوزراء، بالإضافة إلى رؤساء النقابات الفنية الثلاث (نقابة المهن الموسيقية – نقابة المهن السينمائية – نقابة المهن التمثيلية) ورؤساء النقابات الأدبية.

ويضع القرار شروطًا تتعلق بالمحتوى المقدم في الاحتفال أو المهرجان، فضلًا عن شروط متعلقة بالإجراءات القانونية المنظِّمة لطلب الترخيص. حيث يحتوي القرار على ضابط عام وهو أن تكون الجهة المتقدمة للحصول على الترخيص هي جهة منشأة وفقًا للقوانين المصرية، حاصلة على التراخيص اللازمة لمزاولة نشاطها. وذلك يعني أنه لا يحق للأفراد غير الممثلين من خلال كيانات قانونية التقدم بطلب للحصول على ترخيص ﻹقامة المهرجانات أو الاحتفالات. وباﻹضافة إلى هذا الضابط العام، تطرق القرار إلى ضابطين آخرين، يتعلق الأول منهما بالجمعيات الأهلية، حيث اشترط أن يكون للجمعية الأهلية نشاط ملموس لخدمة المجتمع في مجال تخصص المهرجان المراد ترخيصه. ويتيح هذا النص للجنة العليا للمهرجانات أن ترفض منح الترخيص للجميعات التي لا تمارس نشاطًا مستمرًّا في مجال المهرجان الذي تنوي تنظيمه. أما الضابط الثاني، فيتعلق بالشركات، والتي نص القرار ألا يقل رأس مال الشركة المنظمة للمهرجان أو الاحتفال عن 500 ألف جنيه مصري. وقد أغفل القرار التباين الشديد في نوعية وتكاليف تنظيم المهرجانات، حيث ساوى القرار بين الأشكال المختلفة للفنون والأنشطة الثقافية، دون النظر إلى التكلفة الفعلية لمهرجانات تستهدف عددًا قليلًا من الحضور أو تقوم على أنشطة بسيطة التكلفة.

من ناحية أخرى، برز دور لجنة الدراما، المشكلة من قبل المجلس الأعلى للإعلام، على مدار عام 2018 حيث مارست سلطات واسعة في التقييد على الدراما التلفزيونية خاصة خلال شهر رمضان.فبخلاف تصريحات أعضائها الأخلاقية المتعالية، فقد نشرت لجنة الدراما تقارير عديدة _مستقاة من 4 لجان أخرى_ترصد خلالها مخالفات الدراما التلفزيونية، كما فرضت اللجنة غرامات مالية على المخالفين وطالبت بحذف المشاهد المخالفة للمعايير التي وضعتها.

واجه المجلس الأعلى للإعلام أزمة عقب تقديم لجنة الدراما استقالتها في يونيوالماضي، جاءت استقالة اللجنة اعتراضًا على عدم تنفيذ العقوبات التي فرضتها على الأعمال المخالفة في رمضان، وعلى الرغم من قبول المجلس لاستقالة اللجنة وإعلانه تشكيلًا جديدًا مطلع يوليو الماضي، فإنه عجز حتى الآن عنإتمام المهمة لعدم قبول أي من المعروض عليهم تشكيل اللجنة بسبب الغضب الذي أثارته لجنة محمد فاضل وممارساتها ضد المبدعين.

الحقوق الرقمية.. قمع في الفضاء الافتراضي

 

رصدت مؤسسة حرية الفكر والتعبير 20 واقعة، عوقب خلالها 20 شخصًا بالحبس أو الفصل من العمل بسبب تعبيرهم عن آرائهم على مواقع التواصل الاجتماعي،

سواء بالكتابة أو بنشر الفيديوهات على مدار عام 2018. تعرض 17 شخصًا للحبس الاحتياطي، بعضهم تم إخلاء سبيله والآخرون لازالوا قيد الحبس حتى كتابة هذه السطور، وصدرت أحكام عن محاكم جنح بحبس سيدتين في واقعتين مختلفتين، وأخيرًا تعرض موظف باتحاد الإذاعة والتليفزيون للفصل من عمله، وتصدرت نيابة أمن الدولة العليا قائمة المعتدين على حرية التعبير الرقمي بـ12 واقعة انتهاك.

 

“إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ونشر أخبار كاذبة”

 

بهذين الاتهامين تعرض العديد من النشطاء السياسيين للحبس في قضايا حملت أرقامًا مختلفة، ولكن جمعتها اتهامات متشابهة وجهتها نيابة أمن الدولة العليا إلى المتهمين لتعاقبهم على تعبيرهم عن رأيهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فعلى سبيل المثال وليس الحصر، القضية 621 لسنة 2018 حصر أمن دولة عليا، والتي بدأت مع الربع الأول من العام، ولم تتوقف حتى الربع الأخير عن حبس متهمين جدد بعضهم قُبض عليه من منزله وآخرون من مقار عملهم.

في 14 أكتوبر 2018 ألقت قوة مكونة من أربعة أمناء شرطة القبض على طبيب الأسنان “وليد شوقي” من عيادته بحي السيدة زينب، وبعد أيام قليلة وتحديدًا في 18 أكتوبر، قُبض على “أيمن عبد المعطي” من مقر عمله بدار “المرايا” للنشر بوسط البلد، حيث يعمل كمدير للدعاية والتوزيع، تم حبس كلٍّمن شوقي وعبد المعطي على ذمة القضية 621 بنفس الاتهامات التي واجهتها قائمة طويلة من المتهمين من بينهم الناشط السياسي والطبيب شادي الغزالي حرب، ومدِّون الفيديو شادي أبو زيد، وعضو حركة 6 إبريل شريف الروبي وآخرون لا زال معظمهم قيد الحبس الاحتياطي.

كما ألقت قوات الأمن القبض على عدد من الناشطين سياسيًّا بتهمة تحريضهم على التظاهر عبر حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وقد قررت النيابة حبس الكاتب إبراهيم الحسيني على ذمة التحقيقات في القضية التي حملت رقم 15216 لسنة 2018 إداري شبرا الخيمة، وهذا بعد أن داهمت قوة من الأمن الوطني منزل الحسيني، وقامت بتفتيش المنزل قبل أن تقوم بالقبض عليه في الساعات الأولى من يوم 9 ديسمبر 2018[32].

لم يكن الحسيني هو الوحيد الذي يُعاقب لـ”تحريضه” على تظاهرات لم تحدث، فبعد إلقاء القبض على الحسيني بيوم، ألقت قوات الأمن القبض على المحامي السكندري “محمد رمضان” من الشارع وتم عرضه على النيابة التي وجهت إليه اتهامات “حيازة وإحراز خمس سترات صفراء للدعوة للمشاركة في تظاهرات ضد القائمين على الحكم على غرار التظاهرات التي قامت في فرنسا بالسترات الصفراء، والانضمام إلى جماعة إرهابية والترويج لأفكارها، ونشر أخبار كاذبة، واستخدام مواقع التواصل الاجتماعي للترويج لأغراض الجماعة الإرهابية”، وهذا في القضية التي حملت رقم 16576 لسنة 2018 نيابة المنتزهأول. وكان رمضان قد صدر ضده حكم غيابي بالسجن 10 سنوات، والإقامة الجبرية 5 سنوات، “ومنعه من استخدام الإنترنت لمدة 5 سنوات” في إبريل 2017.

 

وائل عباس.. الحبس نتيجة للنشاط على الإنترنت

 

“أنا بيتقبض عليَّا” آخر ما كتبه الصحفي والمُدون وائل عباس على حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك فجر يوم ٢٣ مايو ٢٠١٨،

قبل أن يتم القبض عليه ويُعرض في اليوم التالي على النيابة التي وجهت إليه اتهامات مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أهدافها، نشر أخبار كاذبة، وإساءة استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، وذلك في القضية التي حملت رقم 441 لسنة 2018 حصر نيابة أمن الدولة العليا، وهي القضية المحبوس على ذمتها عدد من النشطاء والصحفيين منهم الصحفي عادل صبري، رئيس تحرير موقع مصر العربية، والصحفي حسن البنا وآخرون.

وائل عباس هو صحفي ومدون وناشط حاصل على العديد من الجوائز من بينها جائزة نايت (فارس) من المركز الدولي للصحفيين بواشنطن في 2007 وجائزة هيلمان هامت لحقوق الإنسان من منظمة هيومان رايتسووتش في 2008. بدأ عباس مدونة “الوعي المصري” في عام 2004 والتي تحتوي على أرشيف من الصور والفيديوهات للمظاهرات وفيديوهات لتعذيب مواطنين داخل أماكن احتجاز في فترة مبارك، واشتهرت المدونة في 2006 عندما نشر عباس عليها فيديوهات لتعذيب أحد المواطنين في قسم بولاق، وهي القضية التي عُرفت بقضية “تعذيب عماد الكبير”، والتي انتهت بالحكم على المتهمين بالتعذيب بالسجن 3 سنوات قبل أن يتم الإفراج عنهم بعد قضائهما ثلاثة أرباع المدة.[33]

في فجر يوم 23 اقتحم عدد من قوات الأمن منزل وائل عباس أثناء تواجده هو ووالدته، وبعد تفتيش المنزل قامت القوات باقتياده معصوب العينين إلى سيارات الأمن ولم تُظهر إذن النيابة سواء لتفتيش المنزل أو للقبض عليه، وفقًا لأحد أفراد العائلة.[34] أثناء عرضه على النيابة، تمت مواجهة عباس بعدد من الأحراز التي حصلت عليها قوات الأمن من المنزل ومنها “عدد من الهواتف المحمولة، عدد من الكاميرات، عدد 2 لابتوب، مشغل موسيقا، كتابين بعنوان: واحد تاني، ونظرية الخروج من الطاسة”، ويذكر أن الكتابين هما من تأليف عباس، ووجهت إليه النيابة أسئلة في التحقيقات عن مضمونهما، كما سألته أيضًا عن نشأته الاجتماعية وتوجهاته ومواقفه السياسية خصوصًا تجاه كل من أحداث 25 يناير و30 يونيو، وذلك وفقًا لمحامي مؤسسة حرية الفكر والتعبير الذي حضر التحقيق مع عباس.

يُعاني عباس مشاكل صحية في القلب، وتقدم محامي المؤسسة بعدد من الطلبات حتى يتم عرض عباس “على مستشفى السجن أو خارجها ولو على نفقة أسرته الخاصة، واستمر ذلك أكثر من 7 جلسات تحقيق بالنيابة، ونتج عنه إصدار النيابة لأكثر من مرة قرارًا بعرضه على مستشفى السجن للوقوف على حالته الصحية”، وامتنعت إدارة السجن عن تنفيذ قرار النيابة لفترة طويلة، ولكن أخيرًا تم عرض عباس على دكتور في السجن وإن كان يظل هناك عدد من الفحوصات الطبية اللازمة لم يتم عملها، وفقًا لأحد أفراد الأسرة.

في جلسة 1 ديسمبر قررت جنايات الجيزة إخلاء سبيل وائل عباس بتدابير احترازية على ذمة القضية، فيتعين على عباس زيارة قسم الشرطة التابع لمحل إقامته مرتين أسبوعيًّا لمدة 45 يومًا، وفي اليوم التالي استأنفت نيابة أمن الدولة العليا على قرار إخلاء السبيل، وفي جلسة 3 ديسمبر قررت جنايات الجيزة تأييد قرار إخلاء السبيل ورفض استئناف النيابة.

كما حكمت محكمة القضاء الإداري في 20 يونيو 2018، بفصل علي حسنين أبو هميلة من وظيفته باتحاد الإذاعة والتليفزيون كمدير للتسجيلات الخارجية بقناة النيل للدراما، لاتهامه بالخروج عن مقتضيات الوظيفة العامة بكتابة عبارات على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” اعتبرتها المحكمة إهانة لرئيس الجمهورية. وكانت النيابة قد وجهت إلى المدعى عليه في القضية رقم 176 لسنة 58 قضائية، اتهامات بسلوك مسلك لا يتفق مع الاحترام الواجب للوظيفة، ومخالفة القواعد والتعليمات وأحكام القانون، والخروج على مقتضى الواجب الوظيفي وذلك بكتابة ونشر عبارات مهينة وغير لائقة في حق رئيس الجمهورية على صفحته الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، تعليقًا على اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والمملكة العربية السعودية، وتنازل مصر عن جزيرتي تيران وصنافير. يذكر أن “علي أبو هميلة” أيضًا كان تقدم بطعن أمام القضاء الإداري على قرار نقله من وظيفته، عقب التحقيق معه في اتحاد الإذاعة والتليفزيون بسب منشوراته على “فيسبوك”.[35]

واستمرت السلطات المصرية في ممارستها المتعلقةبحجب مواقع الوِب، التي بدأتها في مايو 2017، حيث رصدت المؤسسة تعرض 44 موقعًاإلكترونيًّاللحجب، ما بين مواقع لتخطي الحجب ومواقع صحفية، ومواقع متخصصة في الأخبار التقنية.

في 3 فبراير، فوجئ المستخدمون في مصر بوجود صعوبة في الوصول إلى عدد كبير من المواقع الإلكترونية عن طريق الهواتف المحمولة، وكان هذا نتيجة حجب الحكومة المصرية لخدمة صفحات الهواتف المحمولة المُسرعة (AMP)، والتي تصل عدد المواقع التي تعتمد عليها إلى قرابة 25 مليون موقع إلكتروني.[36] قررت الحكومة حجب الخدمة حين لجأت إليها العديد من المواقع المحجوبة في مصر، ولكن لاحقًا رُفع الحجب عن الخدمة، بينما لا تزال المواقع التي حاولت اللجوء إلى الخدمة محجوبة.

وحجبت السلطات بعض المواقع بعيد نشرها أخبارًا معينة ربما لا ترضى عنها الدولة، حيث حجب موقع “الخليج الجديد” عقب نشره في ١٧ يناير ٢٠١٨ خبرًا بعنوان “السيسي يقيل رئيس جهاز المخابرات العامة بعد فضيحة التسريبات”. كما حجب موقع جريدة الأخبار اللبنانية في نفس اليوم لنشره خبرًا بعنوان “السيسي يقيل رئيس المخابرات: فشل في الملف الفلسطيني وفي الإعلام”.

كما حجبت السلطات بعض المواقع بعد مدة قصيرة من إطلاقها مثلما حدث مع موقع كاتب الذي تعرض للحجب بعد أقل من 9 ساعات من إطلاقه في 24 يونيو 2018، وكذلك موقع جيم الذي تعرض للحجب في 29 يوليو من نفس العام بعد شهر واحد من إطلاقه.

من ناحية أخرى، كشفت تقارير تقنية عن استخدام الحكومة المصرية لبرمجية التجسس Pegasus من إنتاج شركة NSO الإسرائيلية، والبرمجية تعمل عبر الاحتيال على الشخصَ المستهدف للضغط على رابط خبيث ومخصَّص، والذي حالما يضغط عليه، فإنه يحاول استغلال سلسلة من الثغرات غير المعروفة “zero-day” لاختراق ميزات الحماية الرقمية على الهاتف وتحميل “Pegasus” دون علم أو إذن المستخدم. حالما يتم تحميل “Pegasus” على الهاتف، فإنه يبدأ بالاتصال بمركز التحكم (C&C) لاستقبال وتنفيذ أوامر المشغِّل، ويرسل البيانات الخاصة بالشخص المستهدف، بما في ذلك المعلومات الخاصة، كلمات المرور، جهات الاتصال، التقويم، الرسائل النصية، والمكالمات الصوتية المباشرة من تطبيقات المراسلة الخاصة بالموبايل. يمكن للمشغل حتى أن يشغل كاميرا الهاتف والمايكروفون لالتقاط وتسجيل النشاط في المحيط الذي يتواجد به الهاتف.

كما رُصد استخدام جهاز Sandvine PacketLogic، حيث تم العثور على middle boxes لاستخدام تقنية Deep Packet Inspection على واحدة من شبكات الاتصالات المصرية. هذه الأجهزة تم استخدامها لإعادة توجيه مستخدمي العديد من مزودي خدمة الإنترنت إلى إعلانات وسكربتات تعدين عملات رقمية.

كما شكَّل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وهو الجهة الحكومية المسؤولة عن تنظيم قطاع الإعلام في مصر، لجنة باسم “لجنة متابعة مواقع التواصل الاجتماعي”وهي لجنة مسؤولة عن المتابعة اليومية لصفحات مواقع التواصل الاجتماعىللكشف عن التوجهات السائدة لدى الفئات الاجتماعية المختلفة من الشباب والكبار وكذلك لدى الطبقات الاجتماعية المتباينة وذلك للتعرف اليومي على التحولات والتطورات التي تطرأ على الأفكار السائدة فى تلك الصفحات .

 

الحرية الأكاديمية.. الجامعات المصرية لا تعرف الاستقلال

 

تعرض عدد من أعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية لانتهاكات تتعلق بحرية التعبير _الحرية الأكاديمية واستقلال الجامعة على وجه التحديد_في أربع حالات على الأقل في جامعات القاهرة وحلوان ودمنهور والسويس.

ففي السويس أصدر رئيس الجامعة السيد الشرقاوي قرارًا بعزل[37] الدكتورة منى البرنس، المدرس بقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب من الوظيفة مع احتفاظها بالمعاش والمكافأة، وذلك بناء على قرار مجلس التأديب المخول بالتحقيق مع البرنس والصادر في 13 مايو 2018.

كانت إدارة الجامعة قد أحالت البرنس إلى التحقيق الإداري ووقفها عن العمل إلى حين انتهاء التحقيقات في 5 إبريل 2017. وقالت الجامعة في بيان أصدرته بخصوص الأمر إن البرنس قامت بـ”نشر مقاطع وصور على الحساب الخاص بها على مواقع التواصل الاجتماعي (فيديو)، عدم الالتزام بتدريس المنهج العلمي بكلية التربية، الظهور فى عدة برامج تليفزيونية دون إذن الجامعه، وإدلائها بتصريحات مخالفة للتقاليد والقيم الجامعية والنظام العام والآداب والأخلاق، مما يتنافى مع دور الأستاذ الجامعي، وأخيرًا التأخر في تسلم وتسليم المواد الخاصة بالكنترول”.

وهكذا، أضافت الجامعة إلى تدخلها في الحياة الخاصة للأستاذة، تهمًا جديدة تتعلق بعملها الأكاديمي. وحاول ماهر مصباح، رئيس جامعة السويس السابق، أن يشتت الانتباه عن تدخل الجامعة في الحياة الخاصة، بالقول إن منى البرنس تم إحالتها إلى التحقيق قبل نشرها الفيديو على حسابها الشخصي، على خلفية تجاوزات مهنية ترتبط بخروجها عن أطر المحاضرات، وعدم الالتزام بالمواعيد القانونية للحضور بالجامعة، ومشكلات أخرى ترتبط بالتصحيح والنتائج. أما وزارة التعليم العالي فقد أصدرت بيانًا جاء فيه أن “الحرية الشخصية لأعضاء هيئة التدريس مصانة بحكم الدستور والقانون، إلا أنها ليست على حساب الأعراف والأخلاق الجامعية”[38].

وطعنت الدكتورة منى البرنس على قرار عزلها من الجامعة أمام المحكمة الإدارية العليا.

وفي جامعة دمنهور انتهى التحقيق الإداري مع الدكتور أحمد رشوان، مدرس التاريخ الحديث والمعاصر بكلية التربية جامعة دمنهور، بتوجيه عقوبة اللوم، وفقًا لمحامي مؤسسة حرية الفكر والتعبير، مهاب سعيد.

كان رئيس جامعة دمنهور، الدكتور صالح عبيد، قد أحال الدكتور رشوان إلى التحقيق على خلفية إيراد الأخير عبارات وأوصافًا للشيخ الشعراوي والداعية عمرو خالد رآها البعض مسيئة “أكبر دجالين في تاريخ مصر الحديث”، وذلك في كتابه (دراسات في تاريخ العرب المعاصر) والذي يدرسه طلاب الفرقة الثالثة بقسم التاريخ.

أُجرى التحقيق مع الدكتور رشوان الأربعاء 2 مايو 2018، أمام وكيل كلية الحقوق بجامعة طنطا والمستشار القانوني لرئيس جامعة دمنهور، الدكتور أشرف ويحة، وقرر المحقق إيقاف رشوان عن العمل لمدة ثلاثة شهور، كما قررت عميدة الكلية منع دخوله الجامعة حتى الانتهاء من التحقيق[39]. كما قرر مجلس القسم في 2 مايو منعه من أعمال الامتحانات والتصحيح[40].

ونظرًا إلى الهجوم الواسع الذي تعرض له عضو هيئة التدريس وكتابه، أعلن تراجعه عن أفكاره وقال: “أنا أكن كل الاحترام للشيخ الشعراوي وكل الأديان الإسلامية والمسيحية واليهودية وكل رموز الأديان”، وأضاف: “الفصل أساسًا لم يدرس نهائيًّا ولا أعرف ما سبب إثارة القضية، وفوجئت بثورة عارمة، ولغيت الفصل أول ما اكتشفت إنه ممكن يسبب مشكلة”[41].

وفي جامعة القاهرة، قررت إدارة الجامعة التعنت في تجديد الإجازة الدراسية للسنة الثالثة لباحثة الدكتوراهخلود صابر، والتي تدرس الدكتوراهحاليًّا بجامعة لوفان الكاثوليكية ببلجيكا، حيث ربطت بين تجديد الإجازة وقيام الباحثة بفتح ملف في إدارة البعثات بوزارة التعليم العالي.

كانت صابر قد تلقت خطابًا من الجامعة يفيد بموافقة مجلسها في جلسته المنعقدة في 27 فبراير 2018 على تجديد الإجازة بشرط تقدم الباحثة بأوراقها إلى البعثات. وتلقت الباحثة خطابًا آخر من قبل إدارة الجامعة تطلب فيه إدارة البعثات منها أن تتقدم بالتماس لفتح ملف لدى الإدارة مع الإشارة إلى أنه يجدر بها أن تتقدم بكافة الأوراق المطلوبة لفتح الملف والتي من بينها الموافقات الأمنية حتى يتم تجديد الإجازة.

تقدمت الباحثة بكافة الأوراق المطلوبة لفتح ملف في إدارة البعثات إلا أنها رفضت تقديم استمارات الموافقة الأمنية. وقالت في خطاب موجهإلى إدارة الجامعة:”بعد الرجوع إلىقانون تنظيم الجامعات رقم 49 لعام 1972 لم أجد ما يفيد ضرورة موافقة أيه جهات أمنية كشرط لتجديد الإجازه الدراسية لأعضاء الهيئة المعاونة أو أعضاء هيئة التدريس. وإيمانًا مني بمبدأ استقلال الجامعات والذي يقر بحق الجامعة في إدارة شئونها الخاصة، دون أن يكون لأي جهة خارجية _لا سيما غير أكاديمية_حق التدخل في الشأن الجامعي، أعلن امتناعي عن تقديم استمارة استطلاع رأى الجهات الأمنية. خاصةبعد إبلاغي بشكل شفهي بأن الجهات الأمنية كانت قد أبلغت الجامعة من قبل اعتراضها على سفري دون أن تبدي أية أسباب لذلك. كما أعلن استعدادي الكامل لتقديم أي أوراق أو مستندات خاصة بموقفي الدراسي تطلبها الجامعة أو كلية الآداب، أو إدارة البعثات”.

ولازالت المحكمة الإدارية تنظر القضية رقم 3163 لسنة 63 قضائية والمرفوعة من قبل الباحثة ضد جامعة القاهرة بشأن تجديد الإجارة الدراسية. وكانت المحكمة قد طلبت من الباحثة تقديم أوراقها إلى البعثات في جلسة 10 سبتمبر 2018، وفقًا لمحامي مؤسسة حرية الفكر والتعبير، مهاب سعيد. وتتابع المحكمة نظر القضية في جلسة 8 يناير الجاري.

 

الطلاب أيضًا على قوائم الإرهاب

 

في الثاني والعشرين من شهر فبراير من العام الجاري، نشرت الوقائع المصرية”ملحق الجريدة الرسمية” حكم محكمة جنايات القاهرة، الدائرة 25 جنايات جنوب القاهرة، في قضية النيابة العمومية رقم 440 لسنة 2018 حصر أمن دولة عليا والمقيدة برقم 1 لسنة 2018 طلبات إدراج كيانات إرهابية وإرهابيين، ضد رئيس حزب مصر القوية، الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح و15 آخرين بإدراج أسمائهم على قوائم الإرهاب.

ويبدو للوهلة الأولى أن هذا الإجراء يأتي ضمن الحملة الأمنية التي تعرض لها حزب مصر القوية في تلك الفترة والتي تمثلت في القبض على رئيس حزب مصر القوية ونائبه، محمد القصاص، وعدد من المقربين من رئيس الحزب، إلا أنه وبالعودة إلى الأسماء نجد أن الحكم اشتمل على أسماء 4 من قيادات الاتحادات الطلابية السابقة، مع ذكر مناصبهم بالاتحادات بالرغم من تخرج بعضهم، وهم رئيس اتحاد طلاب جامعة طنطا السابق والفائز بمنصب نائب رئيس اتحاد طلاب مصر قبل وقف وزير التعليم العالي للانتخابات ورفضه اعتماد النتيجة عمرو الحلو، ونائبه في اتحاد الجامعة، معاذ الشرقاوي (خريجين)، ورئيس اتحاد طلاب جامعة سوهاج السابق، أدهم قدري. كما اشتمل القرار على اسم أمين حركة طلاب مصر القوية، المحسوبة على حزب مصر القوية، الطالب بكلية الهندسة بجامعة عين شمس، عمرو خطاب.

اتهم الحكم رئيس حزب مصر القوية باستقطاب العناصر الشبابية لاسيما طلبة الجامعات لتنفيذ مخططات إرهابية. وأضاف الحكم بأن أبو الفتوح شرع في تكوين مجموعات تحت مسمى “طلبة مصر القوية” واختيار من يصلح لضمه بعد إعداده للجناح المسلح للتنظيم بغية تنفيذ مخطط إرهابي. وذكر القرار أن من بين هؤلاء العناصر أعضاء الاتحادات الطلابية، أدهم قدري، عمرو الحلو، ومعاذ الشرقاوي وكذلك أمين حركة طلاب مصر القوية، عمرو خطاب. ومن بين الاتهامات التي ساقها الحكم ضد المذكورين، العمل على تعطيل أحكام الدستور والقوانين، ومنع مؤسسات الدولة والسلطات العامة من ممارسة أعمالها والاعتداء عليها وتخريبها وتقويض أركانها، ووصولًا إلى هدم الدولة ذاتها ونشر الفوضى والرعب في ربوعها، عن طريق القيام بأعمال العنف والتخريب والاغتبالات حسب نص الحكم.

ويترتب على هذا القرار منع المذكور أسماؤهم بمن فيهم القيادات الطلابية من السفر، والتحفظ على أموالهم.

ويبدو غريبًا أن يتم إدراج أسماء هؤلاء الطلاب مع تبيان مناصبهم المنتخبة بالاتحادات الجامعية بالرغم من تخرج اثنين منهم، وهو ما يؤكد بأن التحريات التي اعتمد عليها حكم محكمة الجنايات يشوبها الكثير من عدم الدقة، وأنها بنيت بغرض العقاب على نشاطهم أثناء تقلدهم لتلك المناصب.

رغم إدراج أسمائهم ضمن قوائم الإرهاب، فإن أيًّا منهم لم يلقَ القبض عليه طوال عدة شهور من نشر الحكم بالجريدة الرسمية، باستثناء، نائب رئيس اتحاد طلاب جامعة طنطا، خرِّيج كلية الآداب، معاذ الشرقاوي. فقد ألقت قوات الأمن المتمركزة بكمين دهب شرم القبض عليه في التاسع عشر من شهر سبتمبر من العام الجاري، خلال ذهابه مع أحد الأفواج السياحية إلى محافظة جنوب سيناء في رحلة تنظمها الشركةالسياحية التي يعمل بها. وبالرغم من القبض عليه أمام أكثر من 50 شخصًا فإن وزارة الداخلية أنكرت القبض على معاذ.

وأرسلت أسرة الشرقاوي عدة تلغرافات إلى النائب العام ووزارة الداخلية على أمل أن تعترف وزارة الداخلية بمكان تواجد الشرقاوي، إلا أنه لم تستجب أي من الجهات لطلبات عائلته، واستمر إنكار وجوده في أيٍّ من مقار الاحتجاز الشرطية أو أي مقرات تابعة للنيابة العامة إلى أن ظهر في الرابع عشر من شهر أكتوبر الماضي، بعد أكثر من 25 يومًا من اختفائه، بعد وصول معلومة إلى محاميه، برؤيته داخل محكمة التجمع الخامس، مقر تحقيقات نيابة أمن الدولة.

عرض معاذ على نيابة أمن الدولة في الثالث عشر من شهر أكتوبر الماضي، بدون حضور أي محامٍ له تلك التحقيقات، وأمرت النيابة بحبسه لمدة 15 يومًا على ذمة القضية رقم 440 لسنة 2018 أمن دولة وهي القضية محل حكم إدراجه ضمن قوائم الإرهاب. وجهت إليه نيابة أمن الدولة اتهامات: الانضمام لجماعة إرهابية. وتستمر نيابة أمن الدولة في تجديد حبس الشرقاوي حتى كتابة التقرير.

 

القضاء الاستثنائي.. دستور النوايا الحسنة في غفوة طويلة

 

من أبرز ملامح العام المُنصرم التوسع الشديد في إجراء التحقيقات والمحاكمات أمام المحاكم الاستثنائية، حيث عملت نيابة أمن الدولة على إجراء التحقيقات بشكل مركزي من خلال مقرها الرئيسي بالقاهرة، لا يوجد بالطبع حصر مُعلن لإعداد القضايا التي تنظرها نيابة أمن الدولة إلا أن ترقيم القضايا المنظورة في نيابة أمن الدولة عن العام الحالي قد تجاوزت رقم ألف وخمسمئة، بخلاف القضايا المستمرة.

وتتنوع أشكال القضايا التي تنظر أمام نيابة أمن الدولة، ولكن الغريب في الأمر طبيعة القضايا النوعية التي بدأت النيابة في التحقيق فيها، فبعد أن كانت التحقيقات أمام نيابة أمن الدولة تتعلق بقضايا التنظيمات الإرهابية والخلايا النوعية وغيرها من القضايا المتعلقة بـالجرائم الضارة بأمن البلاد، أصبحت التحقيقات تتم مع أعضاء روابط الأندية “الأولتراس” وأعضاء الحركات السياسية وأعضاء وقيادات الأحزاب السياسية والنشطاء السياسيين، مثل الناشط شادي الغزالي حرب وعبد المُنعم أبو الفتوح رئيس حزب مصر القوية والدكتور حازم عبد العظيم المستشار السابق لحملة السيسي الانتخابية.

كما أصبح الصحفيون ضيوفًادائمين أمام النيابة بمناسبة أعمالهم الصحفية أو نشاطهم كمراسلين أو كُتّاب رأي، حيث أُفردت تحقيقات في قضايا بعينها سُميت بقضايا الخلايا الإعلامية وكانت أهمهم القضايا أرقام 441 و977 حصر أمن دولة والتي احتجز من خلالها عدد كبير من العاملين في مجال الإعلام والصحافة، كما زاد عدد المتهمين في القضايا المتعلقة بحرية التعبير عن طريق الإنترنت، حيث تم التحقيق مع عدد من المدونين ونشطاء وسائل التواصل الاجتماعي مثل إسلام رفاعي الشهير بخرم والمدوِّن وائل عباس والمدوِّن محمد أكسجين.

وخلاصة العرض السابق، أن قضايا حرية الرأي والتعبير أصبحت عنوانًا رئيسيًّا في قائمة الاتهامات التي بمناسبتها يتم التحقيق أمام نيابة أمن الدولة، حيث عمدت النيابة إلى توجيه اتهام الانضمام إلى جماعات أسست على خلاف القانون أو الانضمام إلى جماعة إرهابية دون الإشارة إلى عنوان هذه الجماعة أو طبيعة أنشطتها أو مصادر تمويلها، هذا بجانب الاتهامات التقليدية المتعلقة بالنشر مثل نشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام وسائل الاتصال الاجتماعي. وتستخدم نيابة أمن الدولة اتهامات الانضمام لفتح باب الاختصاص للتحقيق في هذا النوع من القضايا (العادية) هذا بجانب اختصاصها المنعقد بموجب قرار رئيس الوزراء بإحالة القضايا الجديدة في بعض الجرائم المنصوص عليها في القوانين المختلفة إلى محاكم أمن الدولة طوارئ بناء على قرار إعلانمد حالة الطوارئ، والتي عُممت على أنحاء الجمهورية منذ 10إبريل 2017 والتي يتم تمديدها من خلال التحايل على نص مادة الدستور المصري التي تمنع استمرار إعلان حالة الطوارئ. ويعطي القرار سلطة للقضاء الاستثنائي للتحقيق والمحاكمة في الجرائم المتعلقة بقانون التظاهر، وقانون التجمهر، وقانون مكافحة الإرهاب، وقانون تجريم الاعتداء على حرية العمل وتخريب المنشآت، والجرائم المتعلقة بالإرهاب والمساس بأمن الدولة والترويع والبلطجة وتعطيل وسائل المواصلات والمنصوص عليها في قانون العقوبات وغيرها من الجرائم.

 

لا والنبي يا عبده

 

ألقي القبض على أحمد علي عبد العزيز، الذي يعمل صحفيًّا وعضوًا بحزب غد الثورة، يوم 22 نوفمبر 2017 بسبب النشر عن حملة إلكترونية تحت مسمى “لا والنبي يا عبده” علي صفحته الشخصية علي موقع فيسبوك.وجهت نيابة أمن الدولة إليه وثمانية آخرين، أثناء التحقيقات التي تمت دون حضور محامٍ، اتهامات الانتماء إلى جماعة أسست علي خلاف أحكام الدستور والقانون تهدف إلى تعطيل أحكام الدستور والقانون ومنع مؤسسات الدولة من تأدية عملها والإضرار بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي وكذلك نشر أخباز كاذبة كما أضيف عند الإحالة إلى محكمة أمن الدولة طوارئ اتهام الترويج لأفكار تلك الجماعة مع اتهام آخرين بتمويل تلك الجماعة.

يحاكم الآن أحمد عبد العزيز ومتهمون آخرون أمام محكمة جنايات أمن دولة طوارئ القاهرة الجديدة في القضية رقم 1 لسنة 2018، وتٌشير التحريات المرفقة بأوراق القضية إلى أن المتهمين يتحدثون عن تكوين جماعة المجلس المصري للتغيير بلجانه المركزية والفرعية، وهو بتعريف ضابط الأمن الوطني تحالف بين قيادات جماعة الإخوان الهاربين خارج مصر مع بعض أفراد المعارضة والرافضين للنظام الحاكم (العناصر المناهضة) يهدف إلي إثارة حالة الفوضي وإنهاء حكم العسكر والتشكيك في مؤسسات الدولة وإعادة الحياة للنظام الإخواني، يرأس المجلس حسام الشاذلي وهو أستاذ زائرلإدارة التغير والتخطيط الإستراتيجي بجامعة كامبريدج المؤسسية بسويسرا.وأنه في سبيل ذلك تم التواصل مع منظمات وسفارات وأعضاء في الكونجرس الأمريكي من أجل تكوين ضغط دولي علي الحكومة المصرية، وكذلك التواصل مع منظمات حقوقية من أجل إظهار انتهاكات حقوق الإنسان “الاختفاء القسري، القتل خارج إطار القانون” وتعمد نشر الأخبار الكاذبة عبر صفحة المجلس علي فيسبوك وصفحة بكرة تسيبوا مصر وإطلاق حملتي “مصر العطشانة ” و”لا والنبي يا عبده” تلك الجرائم التي من الممكن أن يواجه المتهمون من خلالها عقوبة تصل إلى السجن خمسة أعوام.

تمتد فترات الحبس الاحتياطي على ذمة القضايا التي يتم التحقيق فيها أمام نيابة أمن الدولة دون وجود تحقيقات جادة، فأغلب التحقيقات الأولية التي تُجريها نيابة أمن الدولة هي التفتيش في عقيدة النشطاء وفهم ميولهم وهي أقرب إلى كونها وسيلة لجمع المعلومات والتنكيل بالنشطاء بمسحة قانونية مهترئة، هذا بجانب الصعوبات التي يواجهها العاملون في القضايا المنظورة أمام نيابة أمن الدولة من صعوبة الدخول في مقار النيابة والتواجد بها والسؤال عن المتهمين الذين دومًا ما يتم التحقيق معهم في غيبة المحامين أو محاميهم الأصليين وخاصة أن التحقيق يتم في أغلب الأحيان بعد فترات من اختفاء المتهمين، كما يصعب،إن لم نقل يستحيل، تصوير أوراق التحقيقات وما يرافقها من تقارير.

كما امتد الأمر أيضًا إلى ساحات القضاء العسكري بوصفه قضاء استثنائيًّا، حيث وجهت اتهامات إلى عدد من المُبدعين بسبب أعمالهم الفنية، وهو ما يعتبر إجراء غير اعتيادي ويُمثل تطورًا نوعيًا في طبيعة القضايا التي ينظرها القضاء العسكري.

 

الشاعر جلال البحيري.. ديوان خير نسوان الأرض

 

“قام المتهم الأول المدعو جلال البحيري بتأليف ديوان بالعامية المصرية وأسماه خير نسوان الأرض، ومن خلاله أذاع عمدًا أخبارًا وإشاعات كاذبة عن القوات المُسلحة المصرية فأشار عبر صفحته السوداء إلى أن العسكر باعوا النيل وردموه وشكك في انتصارات الجيش المصري وعدم حمايته للوطن وكان من شأن ذلك تكدير الأمن العام وإلحاق الضرر بالمصلحة العامة وأساء الأدب وتطاول وأهان الجيش… وبدلًامن أن يسطر بطولات الشهداء في سيناء والمرابطين في ربوع مصر المحروسة تطاول عليهم وهم من جعلوا من أمثاله في مأمن ينعم بالأمن والأمان وتبت يده التي تطاولت بقلمه على خير أجناد الأرض وقدم ديوانه الأحمق”.

 

من الحكم الصادر في القضية رقم 4 لسنة 2018 جنح إدارة المدعي العام العسكري

 

حُكم على الشاعر جلال البحيري وأحد مُلَّاكدور النشر بالحبس ثلاثة سنوات وتغريم كل منهم عشرة آلاف جنيه بسبب أحد الأعمال الإبداعية وهو ديوان شعر لم يكتب له النشر حيث وجه إليه اتهام بإذاعة أخبار وإشاعات كاذبة وذلك بأن قام بتأليف كتاب بعنوان خير نسوان الأرض يحتوي على أخبار وبيانات كاذبة عن القوات المسلحة المصرية، وأنه أهان الجيش المصري.

ورغم أن الديوان لم يتم توزيعه أو نشره حتى تاريخ المحاكمة فإن تحريات الأمن الوطني أفادت بأن المتهم جلال البحيري قام بتأليف كتاب يتضمن إهانة المؤسسة العسكرية والعاملين بالقوات المسلحة والادعاء بعدم قدرتهم على حماية البلاد وأن كل الإنجازات التي يتم الإعلان عنها هي أكاذيب وليس لها أساس من الصحة.

توصيات

 

  • تدعو المؤسسةُ البرلمانَإلى إعادة النظر في قوانين الصحافة الثلاثة، والتي تؤسس لرقابة صارمة وسيطرة من قِبَل الدولة على العمل الصحفي والإعلامي في مصر، وكذا قانون الجريمة الإلكترونية الذي يُشرعِن ممارسات تعسفية تجاه الفضاء الإلكتروني، مثل: حجب مواقع الوِب ومراقبة الاتصالات في مصر.
  • إلغاء حالة الطوارئ.
  • إعادة النظر في كافة المحاكمات والتحقيقات الاستثنائية التي جرت خلال العام سواء في القضاء العسكري أو محاكم أمن الدولة.
  • رفع الحَجْب عن كافة المواقع المحجوبة في مصر منذ مايو 2017.
  • إلغاء لجنة الدراما التابعة للمجلس الأعلى للإعلام، نظرًا إلى تدخلها في الأعمال الإبداعية.
  • توقف الهيئة العامة للاستعلامات عن التضييق على المؤسسات الصحفية الأجنبية العاملة في مصر وصحفييها.
  • وقف استيراد أجهزة التجسس ومراقبة الاتصالات وتوقف الحكومة عن انتهاك خصوصية المواطنين.

 

الهوامش

 

[1] الوطن، السيسي: دستور النوايا الحسنة لا يبني بلدًا، 14 سبتمبر 2015، https://www.elwatannews.com/news/details/803798
[2] تنص المادة 121 من الدستور على أن القوانين المُكملة للدستور هي  القوانين المنظمة للانتخابات الرئاسية، والنيابية، والمحلية، والأحزاب السياسية، والسلطة القضائية، والمتعلقة بالجهات و الهيئات القضائية، والمنظمة للحقوق والحريات الواردة في الدستور، ويضع النص الدستوري بعض الضوابط المُتعلقة بطريقة إقرار هذه القوانين .
[3] القانون رقم 107 - لسنة 2013 بشأن تنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية، المنشور بالجريدة الرسمية العدد 47"مكرر" - بتاريخ 24-11-2013 - يعمل به من تاريخ 25-11-2013 والصادر عن الرئيس عدلي منصور - رئيس الجمهورية المؤقت في غيبة البرلمان المصري كأحد صور تشريعات الضرورة بموجب السلطة الاستثنائية الممنوحة لرئيس الجمهورية، وتم الموافقة عليه وإجازته من البرلمان الحالي في دور الانعقاد الأول من الدورة البرلمانية الحالية.
[4] مشروع قانون تنظيم البحوث الطبية الإكلينيكية، المعروف باسم قانون التجارب السريرية، يضم العديد من المواد المنظمة لعمليات البحوث الطبية والإكلينيكية على المرضى المتطوعين.
[5] تنص المادة 123 من الدستور المصري الصادر في 2014 على "لرئيس الجمهورية حق إصدار القوانين أو الاعتراض عليها. وإذا اعترض رئيس الجمهورية على مشروع قانون أقره مجلس النواب، رده إليه خلال ثلاثين يومًا من إبلاغ المجلس إياه، فإذا لم يرد مشروع القانون في هذا الميعاد اعتبر قانونًا وأصدر. وإذا رد في الميعاد المتقدم إلى المجلس، وأقره ثانية بأغلبية ثلثي أعضائه، اعتبر قانونًا وأصدر."
[6] أرسل الرئيس السيسي مذكرة إلى مجلس النواب مدوَّن بها أوجه الاعتراض على القانون http://www.ahram.org.eg/News/202788/25/673579/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84%D9%89/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%B3%D9%89-%D9%8A%D8%B9%D8%AA%D8%B1%D8%B6-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%C2%AB%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%B1%D9%8A%D8%A9%C2%BB-%D9%88%D9%8A%D8%B9%D9%8A%D8%AF%D9%87-%D9%84.aspx
[7] https://www.almasryalyoum.com/news/details/1328846
[8] https://afteegypt.org/law_unit/2013/10/31/5583-afteegypt.html
[9] القانون رقم 70 لسنة 2017 بشأن تنظيم عمل الجمعيات وغيرها من المؤسسات العاملة في مجال العمل الأهلي.
[10] قانون رقم 180 لسنة 2018، بإصدار قانون تنظيم الصحافة والإعلام، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.
[11] المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بيان الأعلى للإعلام بحيثيات منع بث قناة ltc، 8 ديسمبر 2018، تاريخ آخر زيارة: 18 ديسمبر 2018، https://bit.ly/2SjZmgF[12]الموقع الرسمي للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الأعلى للإعلام يصدر قرارًا بوقف النشر في قضية مستشفى 57357 لحين انتهاء اللجنة الوزارية من فحص موقفها، 4 يوليو 2018، تاريخ آخر زيارة: 18 ديسمبر 2018، https://bit.ly/2BFhfQb[13]الوليد إسماعيل، النائب العام: قرار "الأعلى للإعلام" بمنع النشر في قضية 57357 منعدم، بوابة الوطن، 7 يوليو 2018، تاريخ آخر زيارة: 18 ديسمبر 2018، https://www.elwatannews.com/news/details/3502417
[14] موقع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، "الأعلى للإعلام": إحالة رئيس تحرير المصري اليوم للتحقيق.. وغرامة 150 ألف جنيه، 1 إبريل 2018، آخر زيارة: 6 ديسمبر 2108، https://bit.ly/2LC0eL3
[15] المصري اليوم، كلمة "المصري اليوم".. الحشد الإيجابي، 29مارس 2018، تاريخ آخر زيارة، 6 ديسمبر 2018، https://www.almasryalyoum.com/news/details/1276368
[16] مصراوي، إنهاء تكليف محمد سيد صالح كرئيس تحرير "المصري اليوم"، 6 إبريل 2018، تاريخ آخر زيارة: 6 ديسمبر 2018، https://bit.ly/2CADxnA
[17]شهادة من فاطمة سراج.
[18]موقع فيسبوك، https://www.facebook.com/nina.hubinet/posts/10155209158511199
[19]شهادة من الصحفية للمؤسسة.
[20]شهادة من الصحفية للمؤسسة.
[21]شهادة من الصحفي للمؤسسة.
[22]الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية، قطاع الأمن العام/ مديرية أمن القاهرة، بتاريخ 4 سبتمبر، تاريخ آخر زيارة 18 ديسمبر 2018 https://bit.ly/2UUjqIc
[23]الرئيس السيسي: الإساءة للجيش والشرطة خيانة عظمى.. ولن أسمح لأحد بالإساءة https://www.youtube.com/watch?v=ooKwL6hdIVI
[24]سمير صبري يقدم بلاغات ضد رامي عصام وصاحب مسرحية"سليمان خاطر" https://bit.ly/2E3rG2Q
[25]مخرج مسرحية إهانة الجيش يحاول تغيير موقفه.. وأحمد موسى يرفض تكرار الجمل المهينة على الهوا https://www.youtube.com/watch?v=0J-tstSq8Hc
[26]المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الأعلى للإعلام يقرر وقف برنامج إس إن إل بالعربي وإحالة برنامج الناس الحلوة إلى التحقيق، بتاريخ 11 فبراير 2018، تاريخ آخر زيارة 16 ديسمبر 2018 https://bit.ly/2EtxMcY
[27] الصفحة الرسمية لسينما زاوية، مهرجان زاوية للأفلام القصيرة، بتاريخ 2 فبراير 2018، تاريخ آخر زيارة 17 ديسمبر 2018 https://bit.ly/2SX8XKu
[28] شهادة من أحد أعضاء فريق المسرح – رفض ذكر اسمه.
[29]شهادة من أحد أعضاء فريق المسرح – رفض ذكر اسمه.
[30] المصري اليوم، إلغاء حفل حمو بيكا.. ونقيب الموسيقينيتهمة بانتحال صفة مطرب، بتاريخ 9 نوفمبر 2018، تاريخ آخر زيارة 18 ديسمبر 2018 https://bit.ly/2A356ob
[31]هاني عبد الرحمن, محمد محمود رضوان، "المهن الموسيقية" ترفض إقامة حفل لحمو بيكا بالإسماعيلية: حفاظًا على الذوق العام، المصري اليوم، بتاريخ 5 ديسمبر 2018، تاريخ آخر زيارة 18 ديسمبر 2018 https://bit.ly/2QCDh07
[32] مدى مصر، حبس الكاتب إبراهيم الحسيني 15 يومًا على ذمة التحقيق في "التحريض على التظاهر"، بتاريخ 11 ديسمبر، تاريخ آخر زيارة 17 ديسمبر 2018 https://bit.ly/2UT4IB9
[33] المصري اليوم، الإفراج عن الضابط "إسلام نبيه" بعد قضائه مدة العقوبة فى قضية تعذيب "عماد الكبير"، https://to.almasryalyoum.com/article2.aspx?ArticleID=204534
[34] محادثة هاتفية مع أحد أفراد الأسرة.
[35] مؤسسة حرية الفكر والتعبير، الحكم بفصل مدير عام باتحاد الإذاعة والتليفزيون لاعتراضه على اتفاقية "تيران وصنافير"، بتاريخ 20 يونيو 2018، تاريخ آخر زيارة 17 ديسمبر 2018 https://afteegypt.org/media_freedom/2018/06/20/14596-afteegypt.html
[36]محمد الطاهر، غلق النوافذ.. الرقابة على الإنترنت في مصر، 19 فبراير 2018، تاريخ آخر زيارة 16 ديسمبر 2018 https://afteegypt.org/digital_freedoms/2018/02/19/14648-afteegypt.html
[37] مرفق صورة ضوئية من قرار رئيس جامعة السويس بعزل البرنس.
[38] محمد ناجي (محرر)، أكثر من سلطة للقمع.. عن حرية التعبير في مصر، 14 فبراير 2018، https://afteegypt.org/publications_org/2017/02/14/12819-afteegypt.html
[39]مكالمة تليفونية مع الدكتور رشوان، 9 مايو 2018/ مقابلة مع الدكتور رشوان، 15 مايو 2018.
[40]مقابلة مع الدكتور رشوان، 15 مايو 2018.
[41]حمدي قاسم، المصري اليوم، أستاذ "أزمة الشعراوي" في جامعة دمنهور: "أخطأت وأنا من محبيه"، 1 مايو 2018، https://www.almasryalyoum.com/news/details/1286807

محتوى الموقع منشور برخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف 4.0