من فيينا إلى طرة.. قراءة قانونية في قضية الباحث أحمد سمير سنطاوي

تاريخ النشر : الثلاثاء, 1 فبراير, 2022
Facebook
Twitter

 

إعداد: وحدة الأبحاث بمؤسسة حرية الفكر والتعبير

المحتوى 

منهجية 

خلفية 

أولًا: بلاغ إلى النائب العام 

ثانيًا: تحريات وتحقيقات 

ثالثًا: محاكمة استثنائية 

رابعًا: لماذا ما زال سنطاوي في السجن؟ 

خاتمة

منهجية

تقدم مؤسسة حرية الفكر والتعبير قراءة مُفصِّلة للقضية 774 لسنة 2021 جنح أمن الدولة طوارئ التجمع الأول، المقيدة برقم 877 لسنة 2021 حصر أمن الدولة العليا، والتي أصدرت فيها محكمة أمن الدولة العليا طوارئ حكمها على الباحث أحمد سمير سنطاوي بحبسه 4 سنوات، وتغريمه 500 جنيه، بدعوى إدانته بنشر أخبار كاذبة، عن طريق حساب منسوب إليه على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك. تعتمد هذه الورقة على تحليل الأوراق الرسمية المتاحة للقضية، في ضوء التشريعات المرتبطة، فضلًا على توضيح الدفوع التي تقدم بها محامي مؤسسة حرية الفكر والتعبير.

خلفية

يقبع أحمد سمير سنطاوي في زنزانة بسجن طرة المزرعة، بعد مرور عام كامل على بداية ملاحقة أجهزة الأمن له، حيث اختفى قسريًّا، ثم تم حبسه احتياطيًّا بدعوى قيامه بنشر أخبار كاذبة. تم الاعتداء عليه بالضرب في محبسه من قِبَل ضابط، ثم تم إدراجه على ذمة قضية جديدة بالاتهامات نفسها.

مع مرور عام على حبسه، لا يزال سنطاوي محبوسًا احتياطيًّا على ذمة قضية على خلفية اتهامه بنشر أخبار كاذبة من خلال حساب منسوب إليه على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك. إلى جانب ذلك، صدر حكم بحبسه 4 سنوات في القضية الأخرى، وهو ما دفع سنطاوي إلى الإضراب عن الطعام إلى ما يقرب من 40 يومًا احتجاجًا على الحكم عليه دون مواجهته بأي أدلة حقيقية تثبت صحة أيٍّ من الاتهامات المنسوبة إليه. خلال هذه الفترة ظل سنطاوي دون ملاحظة طبية، وتم حرمانه من الحقوق التي يكفلها له قانون تنظيم السجون، وذلك دون أن تلتفت الجهات المعنية إلى شكواه ومطالبته بتطبيق القانون.

يدرس أحمد سمير سنطاوي في برنامج ماجستير الإنثروبولوجيا بجامعة أوروبا المركزية بالنمسا، وتركز أبحاثه على الحقوق الإنجابية ووضع الإجهاض في مصر ما بين القانون والشريعة والمجتمع.

عاد سنطاوي ــ 30 عامًا ــ  إلى مصر في منتصف ديسمبر 2020، في إجازة كان من المفترض أن تكون قصيرة لزيارة الأهل، ورؤية الشمس التي تغيب عن شتاء ڨيينا. وعند وصوله إلى مطار شرم الشيخ، تم توقيفه لمدة ساعتين لاستجوابه بشكل غير رسمي عن سبب سفره ومجال دراسته.

رغم إطلاق سراحه، والسماح له بدخول مصر دون الإشارة إلى أيِّ اتهامات يواجهها، استمرت ملاحقة سنطاوي أمنيًّا دون سبب منطقي معلن، فبعد 5 أسابيع من التوقيف بالمطار، داهمت قوات الأمن منزل أسرته في 23 يناير 2021، ورغم عدم تواجد سمير بالمنزل، تم تفتيش المكان وتصوير هويات المتواجدين به، فضلًا على التحفظ على نظام المراقبة الموجود بالمنزل، دون مسوغ قانوني، وذلك بمخالفة المواد 50 و51 من قانون الإجراءات الجنائية.

انصرفت قوات الأمن بعد إبلاغ الأسرة بضرورة حضور سمير إلى قسم شرطة التجمع الخامس. وفي 30 يناير، استجاب سنطاوي لطلب قوات الأمن وذهب إلى قسم الشرطة، لكن طُلب منه الانصراف، والعودة مرة أخرى يوم الاثنين الأول من فبراير 2021.

في 1 فبراير 2021، ذهب سنطاوي إلى قسم الشرطة مرة أخرى، وحينها احتُجز دون إبلاغه بالسبب أو إعلامه بموعد للتحقيق معه،  ثم تم نقله إلى عدد من المقرات التابعة لوزارة الداخلية، لتنقطع أخباره عن أسرته، ويُمنَع من التواصل مع العالم الخارجي، ويُحرم من الاستعانة بمحامٍ، ليظل مختفيًا قسريًّا حتى يوم 6 فبراير 2021.

 ظهر سنطاوي، أمام نيابة أمن الدولة العليا، التي باشرت التحقيق معه في القضية 65 لسنة 2021 حصر نيابة أمن الدولة العليا، وواجهته باتهامه بالانضمام إلى جماعة إرهابية مع العلم بأغراضها، ونشر أخبار وبيانات كاذبة من شأنها الإضرار بالأمن والنظام العام، واستخدام حساب على أحد مواقع التواصل الاجتماعي بغرض نشر أخبار كاذبة.

عرضت نيابة أمن الدولة على سنطاوي صورًا ضوئية، لا يمكن اعتبارها دليلًا رسميًّا حقيقيًّا، لحساب منسوب إليه على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أنكر سنطاوي وجود أية صلة له به. وخلال التحقيق اشتكى سنطاوي إلى النيابة مما تعرض له من معاملة سيئة وتعذيب بدني خلال الفترة التي اختفى فيها قسريًّا. طلب فريق الدفاع عن سنطاوي من النيابة أن تحيله إلى الطب الشرعي، لإثبات ما تعرض له من اعتداء بدني، لكن تم تجاهل الطلب. في نهاية التحقيق أمرت النيابة بحبس سنطاوي 15 يومًا على ذمة التحقيق.

وبينما كان سنطاوي رهن الحبس الاحتياطي بليمان طرة، وفي يوم 21 مايو 2021، اعتدى عليه بالضرب نائب مأمور السجن. وفي اليوم التالي، استدعت نيابة أمن الدولة العليا سنطاوي للتحقيق معه على ذمة قضية جديدة برقم 877 لسنة 2021، أشار سنطاوي في التحقيق الجديد إلى ما تعرض له من اعتداء بدني، وطلب عرضه على الطب الشرعي.

في هذه المرة، أصدرت النيابة قرارًا بعرضه علي الطب الشرعي لتوقيع الكشف الطبي عليه لبيان ما به من إصابات وأسباب وتاريخ حدوثها، ولكن حتى تاريخه لم يحدث جديد بخصوص ذلك البلاغ. وواجهت النيابة سنطاوي بنفس الاتهامات الموجهة إليه في القضية الأولى، ومن بينها الانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار وبيانات كاذبة من شأنها الإضرار بالأمن والنظام العام.

انتهت جلسة التحقيق، وأمرت النيابة بحبس سنطاوي 15 يومًا على ذمة التحقيقات في القضية الثانية ليصبح محبوسًا على ذمة قضيتين بالاتهامات نفسها. في مخالفة صريحة لنص المادتين 454 و455 من قانون الإجراءات الجنائية، اللتين تؤكدان على عدم جواز محاكمة الشخص على نفس الواقعة مرتين.

أولًا: بلاغ إلى النائب العام

حسب الأوراق الرسمية، تقدم شخص يعمل محاميًا حرًّا ببلاغ رسمي ضد أحمد سمير سنطاوي وثلاثة آخرين، يوم 7 إبريل 2021، من خلال عريضة إلكترونية إلى النائب العام رقم 15662 وسط القاهرة الكلية لسنة 2021، لتكون هذه العريضة هي السبب الرئيسي رسميًّا في تحريك الدعوى القضائية.

أوضح المحامي صاحب البلاغ في عريضته إلى النائب العام أن سبب شكواه هو السب والقذف عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي. وبناءً عليه، اتخذ مكتب النائب العام قراره بتوجيه العريضة إلى المكتب الفني. تم بعد ذلك، التعامل مع صاحب البلاغ بوصفه الشاهد الثاني في القضية. وفي اليوم التالي 8 إبريل 2021، بدأت نيابة أمن الدولة العليا أول تحقيق في القضية رقم 877 لسنة 2021، مع مُقدِّم البلاغ.

عند التحقيق مع المحامي صاحب البلاغ في محتوى بلاغه، وسببه، وسياق تعرضه للمنشورات محل شكواه، أوضح أن ما دفعه إلى تقديم البلاغ هو أن له حسابًا على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، ومن خلاله رأى “حسابات تنشر أخبار كاذبة الغرض منها إثارة البلبلة والفتن في البلد والإساءة لمؤسسات الدولة”. وأشار المحامي مقدم البلاغ إلى أن الحسابات التي عثر عليها تعود إلى أحمد سمير سنطاوي وثلاثة آخرين. ونوَّه إلى أن سنطاوي ليس في قائمة أصدقائه، ولكن أحد منشورات سنطاوي ظهرت له في “واجهة حسابه” وعليه قام بتصفح حسابه، الذي وجده مفتوحًا ومتاحًا للجميع. وأضاف أنه استطاع طباعة المنشورات الواردة بالحسابات محل الشكوى بسبب أنها مفتوحة ومتاحة للجميع.

حسب موقع فيسبوك، ما يظهر للمستخدم من منشورات يتحدد بضبط الإعدادات، ما يعني أن كل فرد يمكنه أن يتحكم فيما يراه، فضلًا على أن المنشورات التي تظهر، تتأثر بالجهات الخاصة بكل فرد ونشاطه على الموقع. ما يعني أن اطلاع المحامي صاحب البلاغ على المنشورات التي ينسبها إلى سنطاوي، إما أنه كان بسبب قيامه بالبحث عنها بشكل مقصود، وإما أنه من خلال أحد أصدقائه الذي ساهم في نشر المنشورات محل البلاغ، وهو ما لم يذكره في التحقيقات. وعلى الأرجح، بَحَثَ مقدِّم البلاغ عن حساب سنطاوي بشكل مقصود وليس بمحض الصدفة كما يدَّعي.

قال مقدِّم البلاغ في إفادته إن الحساب محل التحقيق يعود إلى أحمد سمير عبد الحي علي، وهو الاسم الرباعي لسنطاوي، على الرغم من أن الحساب الذي يشير إليه باسم “أحمد سمير سنطاوي”.

لجأ صاحب البلاغ إلى النيابة العامة، لتقديم الشكوى، لأنه يرى المنشورات التي ينسبها إلى سنطاوي “صياغتها هتؤدي لأزمة كبيرة عند الناس وهتفقد المصداقية في الحكومة”، وأضاف المحامي صاحب البلاغ عند سؤاله في مضمون شكواه: “تضايقت جدًّا لأن المنشورات دي كاذبة وهتخلي أي حد يقرأها يفقد الثقة في الدولة… وده هيكون نتيجة إن الناس يحصل عندها فزع وخوف”. وهكذا، اعتمد البلاغ على إحساس مقدمه وتقديره لما قد يحدث من خوف في المجتمع، دون وجود جريمة محددة.

سألت النيابة المحامي صاحب البلاغ عن محتوى المنشورات، التي يدَّعي نسبتها إلى سنطاوي والمتهمين الآخرين. وحسب الأوراق الرسمية، سلَّم المحامي صاحب البلاغ النيابة 25 ورقة من بينها 8 صور ضوئية لمنشورات حساب منسوب إلى سنطاوي، وقبلتها النيابة وأرفقتها بأوراق القضية. تم تحريز الأوراق التي قدمها المحامي صاحب البلاغ، وأمرت النيابة بإرسالها إلى الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات، وأمرت النيابة بانتداب أحد الخبراء المتخصصين لفحص الحسابات المبينة بالمطبوعات، لبيان تاريخ إنشائها والقائم على إدارتها، وعمَّا إذا كانت متاحة للكافة من عدمه، والوقوف على ما إذا كان مضمون المنشورات يشمل أخبارًا كاذبة، أو يروج لأفكار الجماعات الإرهابية.

ثانيًا: تحريات وتحقيقات

اعتمدت المحكمة عند إصدار حكمها على تحريات رائد شرطة بقطاع الأمن الوطني، وفي الوقت نفسه اعتبرته الشاهد الأول في القضية (شاهد إثبات). وحسبما أفاد في شهادته، توصل الرائد من خلال تحرياته إلى أن أحمد سمير سنطاوي أذاع منشورات عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك تضمنت أخبارًا كاذبة ادَّعى فيها تفشِّي وباء كورونا وعدم اتخاذ الدولة إجراءات احترازية لمواجهته وقتل المسجونَينِ: عصام العريان، ومحمد منير، داخل السجون وحبس المواطنين دون سند من القانون وتعذيبهم وقتلهم وتورط مؤسسات الدولة في واقعة مقتل المدعو جوليو ريجيني وآخرين.

تنفيذًا لقرار النيابة العامة، قام ضابط الأمن الوطني بإجراء تحرياته مستعينًا بمصادره السرية، وما توفر لدى جهة عمله من معلومات. وعليه، توصل إلى أن سنطاوي “أحد أعضاء جماعة الإخوان”، دون وجود أي دليل على ذلك. وأشار ضابط الأمن الوطني إلى أنه استطاع من خلال تحرياته أن يحدد الحساب الذي استخدمه سنطاوي في ارتكاب الجريمة المنسوبة إليه، وإلى أنه حساب قائم ومفتوح للعامة، إلا أن الضابط لم يقدم رابطًا سليمًا يمكن أن تكون له صلة بهذا الحساب المزعوم، ولم يقدم أدلة رقمية رسمية من الحساب تؤكد ما جاء في البلاغ.

وعلى مستوى الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات، أورد الضابط الذي أعد التقرير أن الإدارة كانت تتابع حساب سنطاوي، إلا أن ما جاء في تقريره لم يتضمن سوى ما أرسلته النيابة إلى الإدارة من منشورات، بل إنه أكد في التقرير أن الحساب تم إغلاقه دون الوقوف على أسباب ذلك. وتنص المادة رقم (10) من اللائحة التنفيذية لقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات على توصيف وتوثيق الدليل الرقمي عبر إجراءات محددة، وهو ما لم يتوفر في هذا التقرير.

من المفترض أن جمع الأدلة والتحريات مرحلة تبدأ بعد وجود بلاغ عن وقوع جريمة، وقبل بدء التحقيق فيها، ما يعني أن الضابط الذي عليه أن يقوم بالضبط القضائي، يُجري تحرياته ليجمع المعلومات التي تفسر ارتكاب الجريمة، وتحدد من قام بها. وهو الأمر الذي يسري على جرائم الإنترنت، بعد صدور إذن قضائي. وفي حالة جمع الأدلة حول الاتهامات المنسوبة إلى سنطاوي، يظهر أن التحريات قد بدأت قبل وجود شكوى أو بلاغ، ودون وجود إذن قضائي للقيام بها، ما يبطلها من الأساس.

يظهر التناقض واضحًا بين أقوال ضابط الأمن الوطني (الشاهد الأول، ومُجري التحريات) وبين أقوال المحامي صاحب البلاغ (الشاهد الثاني). قال صاحب البلاغ (الشاهد الثاني) عند سؤاله خلال تحقيقات النيابة، إنه اطلع على المنشورات محل البلاغ من خلال حسابه على موقع فيسبوك، عندما ظهرت له، وتتبع أصحابها ليجد حساباتهم مفتوحة للجميع، دون وجود صلة له بهم. وهو ما يتناقض مع التقرير الذي ذهب إلى ضرورة وجود رابط بين حساب المُبلِّغ وحسابات المتهمين، حتى يستطيع قراءة ما ينشرونه على صفحاتهم.

من ناحية أخرى، تتأكد عدم دراية المحامي صاحب البلاغ (الشاهد الثاني في القضية) بمحتوى المنشورات التي يدَّعي نسبتها إلى سنطاوي، فعندما سألته النيابة عن “مدى صحة خبر أن المدعو محمد صلاح قد تم حبسه دون جريمة”، قال: “ده خبر صحيح وكاذب والمدعو محمد صلاح أنا معرفوش بس أكيد تم عرضه على النيابة العامة واللي أمرت بحبسه وبعد كده أخد إخلاء سبيل”.

وبرر صاحب البلاغ ثقته في أن المنشور المنسوب إلى سنطاوي عن محمد صلاح منشور كاذب يستدعي المساءلة الجنائية لناشره بأن “النيابة لا تأمر بالحبس أو تقرر إخلاء السبيل زي ما المنشور مذكور فيه إلا في حالة ارتكاب المتهم جريمة وفقًا للقانون وبالتالي فإن الخبر يكون فيه تم حبسه بدون جريمة ده خبر كاذب”.

وبخلاف أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، تجدر الإشارة إلى أن التحريات، التي جرت في هذا الأمر لم تكن دقيقة، حيث اكتفت النيابة بطلب شهادة من جدول حصر القضايا بنيابة أمن الدولة العليا بشأن المتهم محمد صلاح. وغاب عن التحريات أنه منذ القبض على محمد صلاح في 2019، لم يواجه بأدلة حقيقية تثبت إدانته بأي شكل، فضلًا على احتجازه بمخالفة القانون، والتعدي عليه بالضرب وتعريضه للمعاملة السيئة، في قسم شرطة دار السلام عقب صدور قرار بإخلاء سبيله.[1]

للتحقق من الأخبار الواردة بالمنشورات المنسوبة إلى سنطاوي حول وباء كورونا، عهدت النيابة إلى أحد وكلائها بالاطلاع على موقع منظمة الصحة العالمية في ضوء ما جاء بشهادة مُجري التحريات. وهنا اكتفى وكيل النيابة بصورة ضوئية من خبر منشور على الموقع الرسمي للمنظمة الدولية مع بداية ظهور الوباء في مصر في 26 مارس 2020، جاء في الخبر الذي اقتبست منه النيابة واعتبرته دليلًا على كذب المنشورات المنسوبة إلى سنطاوي أنه بعد عدة أيام من الاجتماعات والزيارات الميدانية المكثفة داخل وخارج القاهرة، نرى أن مصر تبذل جهودًا هائلة في مكافحة تفشي كوفيد-19 وتبذل الحكومة جهودًا كبيرة في تخصيص الموارد البشرية والمالية الإضافية اللازمة لاحتواء التفشي[2].

في مفارقة دالة، وبعد صدور الحكم بحبس سنطاوي بسبب إدانته بنشر أخبار كاذبة عن أوضاع وباء كورونا في مصر، صرحت وزيرة الصحة هالة زايد في 23 أغسطس 2021 عن اكتشاف أول إصابة بمتحور كورونا دلتا منذ منتصف يوليو 2021،[3] رغم تكرار تصريحات حكومية تنفي الأمر في شهر أغسطس، مثل تصريحات عضو لجنة “مكافحة كورونا”[4] وتصريحات مستشار رئيس الجمهورية لشؤون الصحة.[5] ورغم أن حجب المعلومات الرسمية بشأن الجائحة يساهم في تفاقمها وتضليل المواطنين، فإن الأمر لم يتم التحقيق فيه.

ثالثًا: محاكمة استثنائية

في 26 مايو 2021، أمرت نيابة أمن الدولة العليا بإحالة 4 متهمين إلى المحاكمة، هم أحمد سمير سنطاوي المحبوس احتياطيًّا، إلى جانب ثلاثة آخرين (غيابيًّا)، على خلفية اتهامهم “بإذاعة أخبار وإشاعات كاذبة حول الأوضاع الداخلية للبلاد من شأنها إضعاف هيبة الدولة واعتبارها، والإضرار بمصالحها القومية، وتكدير الأمن العام وإلقاء الرعب بين الناس”. وطالبت النيابةُ المحكمةَ بعقاب المتهمين بموجب قانون العقوبات.

يوم 11 يونيو 2021 انعقدت أولى جلسات محاكمة سنطاوي، على ذمة القضية رقم  774 لسنة 2021 جنح أمن الدولة طوارئ، والمقيدة برقم 877 لسنة 2021 حصر نيابة أمن الدولة العليا، وفي 22 يونيو 2021 أصدرت محكمة أمن الدولة العليا طوارئ حكمًا بالسجن 4 سنوات وغرامة 500 جنيه على سنطاوي.

بالنظر إلى مواد الاتهام التي تم توجيهها إلى سنطاوي، يتضح انتفاء أركان الجريمتين المنسوبتين إليه بنص المادة 80 (د) والمادة 102 (مكرر) من قانون العقوبات. حيث لم تلتفت محكمة أمن الدولة طوارئ قبل أن تصدر حكمها النهائي على سنطاوي، إلى ما تقدم به دفاعه، بشأن غياب توفر ركن العَمْد في إذاعة ما هو منسوب إلى سمير سنطاوي من منشورات، إذا افترضنا جدلًا أن المنشورات محل الشكوى ترجع فعلًا إليه، وتظل غير متسقة مع أيٍّ من الطرق المنصوص عليها في المادة 171 من القانون نفسه.

تمت محاكمة سنطاوي أمام محكمة أمن الدولة العليا بموجب قانون الطوارئ، ليصدر الحكم نهائيًّا، غير قابل للطعن عليه، باعتبار أن المحكمة انعقدت للبت في اتهامات وقعت في ظل حالة الطوارئ القائمة منذ إبريل 2017، حيث تكرر صدور قرارات بفرض حالة الطوارئ لمدة 3 أشهر، ثم قرار آخر بمدها ثلاثة أشهر إضافية، ثم يتكرر الأمر بقرار آخر بفرض الطوارئ مرة جديدة، وذلك حتى 25 أكتوبر 2021،[6] حيث أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي إلغاء الطوارئ للمرة الأولى بعد ما يزيد على 4 سنوات من فرضها.

تجدر الإشارة هنا إلى أن محاكمة سنطاوي لم تتم فقط أمام محكمة استثنائية لا يمكن الطعن على أحكامها، في تحايل واضح على المادة 97 من الدستور المصري التي تحظر المحاكمات الاستثنائية، وإنما يشوب انعقادها شبهات بطلان، ما يجعل من أحكامها  أحق بالمراجعة، بسبب عدم انعقاد محكمة أمن الدولة العليا ومباشرة أعمالها وفقًا للقانون.

حسب المادة 154 من الدستور المصري، الحد الأقصى لاستمرار حالة الطوارئ بشكل متصل هو 6 أشهر، حيث يكون إعلان حالة الطوارئ لمدة لا تجاوز ثلاثة أشهر، ولا تمد إلا لمدة أخرى مماثلة. وعليه، فإن انعقاد محاكم أمن الدولة مؤقت، ومن المفترض أن يظل قائمًا بحد أقصى 6 أشهر، بالتزامن مع إعلان حالة الطوارئ، ومن ثم يصبح تواجدها القانوني منتهيًا، ووفقًا للمادة 19 من قانون الطوارئ، في حالة انتهاء الوجود القانوني لمحكمة أمن الدولة طوارئ، تتم إحالة القضايا التي وقعت في ظل حالة الطوارئ دون إحالتها إلى محكمة الطوارئ إلى محاكم عادية.

المفترض أن محاكم أمن الدولة لا تنعقد من تلقاء نفسها، وإنما من اللازم صدور قرار عن رئيس الجمهورية أو عمن يفوضه بتعيين أعضائها لمدة 6 أشهر، حيث ينتهي التعيين تلقائيًّا مع انتهاء حالة الطوارئ، على أن يتكرر التعيين حتى ولو لنفس الأشخاص كل 6 أشهر. لكن الأمر مختلف فيما يخص محكمة أمن الدولة طوارئ التي باشرت أعمالها إلى ما يزيد على 4 سنوات، وحكمت على سنطاوي بالحبس. تم تعيين أعضاء محاكم أمن الدولة في 4 مايو 2017 بموجب قرار رئيس الوزراء رقم 840 لسنة 2017، ليستمر هذا التشكيل لسنوات في انعقاد دائم. وعليه، فإن انعقاد محاكم أمن الدولة طوارئ دون صدور قرارات جديدة بتعيين أعضائها في حالات الطوارئ التي فُرضت لاحقًا، هو انعقاد باطل، يجعل من الأحكام الصادرة عنها كأنها لم تصدر، كونها غير منعقدة قانونيًّا بشكل منضبط.[7]

رابعًا: لماذا ما زال سنطاوي في السجن؟

في يوليو 2021، صرحت نبيلة مكرم وزيرة الهجرة، بأن “الدارسون بالخارج أخطر شريحة من المهاجرين المصريين لتعرضهم لأفكار مغلوطة من توجهات معادية”،[8] ثم عادت الوزيرة  لتنفي تصريحها، وأعادت صياغة كلامها بأن الدارسين بالخارج هم الفئة الأكثر عرضة للخطر، وليسوا هم الفئة الخطرة كما صرحت سابقًا،[9] ومع ذلك، يبدو التصريحان صحيحين، حيث يأتي التصريح الأول متماشيًا مع سياسية تظهر في استهداف طلبة وأكاديميين مصريين بالخارج، سواء بالتضييق الأمني، أو الاستهداف المباشر وتقييد الحرية بالاحتجاز.[10]

أما التصريح الثاني فيتماشى مع الخطر الذي يهدد سنطاوي، الذي بدأت مشكلته القائمة مع الأمن المصري بسؤاله عن سبب دراسته وسفره، ووصلت إلى تهديد مستقبله الأكاديمي بعد الحكم عليه بأربع سنوات من الحبس ستحول بينه وبين حصوله على الدرجة العلمية التي كان يسعى إلى الحصول عليها.

ترى مؤسسة حرية الفكر والتعبير أن رئيس الجمهورية بإمكانه إلغاء الحكم الصادر ضد الباحث أحمد سمير سنطاوي، وذلك في حال استخدم صلاحياته الواسعة التي كفلها له قانون الطوارئ في المادة 14، حيث يمكن للرئيس القيام بما يلي:

  • يخفف العقوبة أو أن يبدل بها عقوبة أقل منها أو أن يلغي كل العقوبات أو بعضها أيًّا كان نوعها، أصلية أو تكميلية أو تبعية أو أن توقف تنفيذ العقوبات كلها أو بعضها.
  • إلغاء الحكم مع حفظ الدعوى.
  • إعادة المحاكمة أمام دائرة أخرى وفي هذه الحالة الأخيرة يجب أن يكون القرار مسببًا.

خاتمة

وفقًا للأوراق الرسمية للقضية، لا يوجد دليل إدانة واحد يمكن الاعتداد به ضد أحمد سمير سنطاوي، فضلًا عن سلسلة الانتهاكات الموثقة التي تعرَّض لها دون البت في شكواه. ولذلك، تقدم أحمد راغب، محامي سنطاوي، بتظلم على الحكم الصادر ضده إلى مكتب شؤون أمن الدولة، حمل رقم 5380 في 25 أغسطس 2021، يطالب فيه بإلغاء الحكم مع حفظ الدعوى. وفي 29 نوفمبر 2021، وبعد إلغاء حالة الطوارئ في مصر، تقدم محامي سنطاوي بتظلم آخر، حمل رقم 772.

ويعد مكتب شؤون أمن الدولة هو مكتب مشكل من قبل رئيس مجلس الوزراء، لمراجعة الأحكام الصادرة في قضايا أمن الدولة طوارئ، وله صلاحية مراجعة الأحكام وكتابة الرأي الفني والقانوني بشأنها، قبل أن يتم التصديق عليها من رئيس الجمهورية أو من ينوب عنه.

إلى الآن، وحتى صدور هذه الورقة، لم يتم البت في أيٍّ من التظلمين، مثلما لم يتم الرد على أيٍّ من الشكاوى والبلاغات التي تقدم بها سمير سنطاوي وأسرته، بشأن ما تعرض له من انتهاكات على مدار عام كامل.

وتأمل مؤسسة حرية الفكر والتعبير، أن تساهم هذه القراءة القانونية في قضية الباحث أحمد سمير سنطاوي في توضيح ما تعرض له من إهدارٍ لحقه في محاكمة عادلة واحتجازه بشكل تعسفي، في إطار هجمة مستمرة على الأكاديميين والباحثين. وتحث المؤسسة كافة المؤسسات الأكاديمية والمنظمات الحقوقية على استمرار التضامن مع سنطاوي والمطالبة بإلغاء الحكم الصادر بسجنه.

 

للاطلاع على الورقة بصيغة PDF، اضغط هنا

 

[1] حرية الفكر والتعبير تتقدم ببلاغ إلى النائب العام في واقعة التعدي على الكاتب الصحفي محمد صلاح داخل محبسه، 20 يناير 2021، آخر زيارة 25 ديسمبر 2021، رابط: https://afteegypt.org/legal-updates-2/legal-news/2021/01/10/20675-afteegypt.html
[2] المركز الإعلامي، منظمة الصحة العالمية، "وفد منظمة الصحة العالمية يختتم عمل البعثة التقنية المعنية بمرض كوفيد-19 في مصر"، 26 مارس 2020، آخر زيارة 25 ديسمبر 2021، رابط: http://www.emro.who.int/ar/media/news/who-delegation-concludes-covid-19-technical-mission-to-egypt.html
[3] مريم الخطري، الوطن، "الصحة تعلن وصول متحور دلتا بلس إلى مصر: ظهر منتصف يوليو 2021"، 23 أغسطس 2021، آخر زيارة 25 ديسمبر 2021، رابط: https://www.elwatannews.com/news/details/5653363
[4] بسام رمضان، المصري اليوم، "الصحة" تكشف حقيقة رصد متحور دلتا في مصر، 10 أغسطس 2021، آخر زيارة 25 ديسمبر 2021، رابط: https://www.almasryalyoum.com/news/details/2394848
[5] بسام رمضان، المصري اليوم، "مستشار الرئيس للصحة يحسم الجدل بشأن وجود متحور دلتا في مصر" 18 أغسطس 2021، آخر زيارة 25 ديسمبر 2021، رابط: https://www.almasryalyoum.com/news/details/2399788
[6] الشروق، الرئيس السيسي يقرر إلغاء حالة الطوارئ على مستوى الجمهورية، 25 أكتوبر 2021، آخر زيارة 25 ديسمبر 2021، رابط: https://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=25102021&id=6c6079b4-49bf-484e-85f8-3و1a9e27bd6bb
[7] عادل رمضان، المفكرة القانونية، إنهاء صوري لحالة الطوارئ في مصر: الانعقاد الدائم لمحاكم أمن الدولة طوارئ نموذجًا ودليلًا، 7 يناير 2019، آخر زيارة 25 ديسمبر 2021، رابط:
https://legal-agenda.com/%d8%a5%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%a1-%d8%b5%d9%88%d8%b1%d9%8a-%d9%84%d8%ad%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d9%88%d8%a7%d8%b1%d8%a6-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%b5%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%b9%d9%82/
[8] القاهرة 24، وزيرة الهجرة: الدارسون بالخارج أخطر شريحة من المهاجرين المصريين لتعرضهم لأفكار مغلوطة من توجهات معادية، 6 يوليو 2021، آخر زيارة 25 ديسمبر 2021، رابط: https://www.cairo24.com/1243564
[9] مصراوي، وزيرة الهجرة: أبناؤنا في الخارج أكبر شريحة معرضة للخطر وليسوا الأخطر، 13 يوليو 2021، آخر زيارة 25 ديسمبر 2021، رابط:
https://www.masrawy.com/news/news_egypt/details/2021/7/13/2055818/-%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%AC%D8%B1%D8%A9-%D8%A3%D8%A8%D9%86%D8%A7%D8%A4%D9%86%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC-%D8%A3%D9%83%D8%A8%D8%B1-%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D8%AD%D8%A9-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%AE%D8%B7%D8%B1-%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%B3%D9%88%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%B7%D8%B1?fbclid=IwAR1ycgTamemh154B73ZykflkQ4acE-ZelrgRzJSnY3K2_l7BlTPtZFOHT14
[10]   مؤسسة حرية الفكر والتعبير، “لا تتوقف”.. عن استهداف الباحثين المصريين بالخارج، 23 ديسمبر 2021، آخر زيارة 25 ديسمبر 2021، رابط: https://afteegypt.org/research/monitoring-reports/2021/12/23/27836-afteegypt.html

محتوى الموقع منشور برخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف 4.0