حرية الإبداع في حيثيات براءة الكاتب أحمد ناجي

2040

       محمود عثمان
محامي برنامج حرية الإبداع

حيث انه من المقرر أن حرية التعبير وتفاعل الآراء التي تتوالد عنها ﻻ يجوز تقيدها بأغلال تعوق ممارساتها سواء من ناحية فرض قيود مسبقة علي نشرها أو من ناحية العقوبة اللاحقة التي تتوخى قمعها بل تكون للمواطن الحرية أن يتنقل بينها يأخذ منها ما يأخذ ويلفظ منها ما يلفظ دون أن يوضع له إطارا أو قالبا يحد من تكوين أفكاره ومعتقداته كما أن طرح الأفكار و الآراء والمعتقدات علانيه يجعلها مجاﻻ للبحث و التقييم من جانب المختصين بل والمجتمع اجمع فيأخذ منها الصالح ويطرح الطالح .
من حيثيات الحكم ببراءة الكاتب أحمد ناجي

غالبا ما تستخدم الدولة الأفكار الدينية في حروبها المعلنة والمبطّنة ضد قيم الحرية وكل ما يُصنّف على أنه حرية إبداع. ثمة طريقا سهلا لقمع حرية الفكر والتعبير والإبداع، فتارة يُتّهم المبدعون والمفكرون بالكفر وازدراء الأديان وتارة بخدش الحياء العام ونشر الفجور والرذيلة.

ويبدو الأمر في الفترة الأخيرة أنه منهجية تستخدمها الدولة لترسيخ فكرة عدم معاداتها للدين فيظل حربها على الإرهاب، وتصدير فكرة الدولة المحافظة؛ الأمر شبيه بما حدث سابقا في فترات مختلفة ؛ كمحاكمة مفكرين ومبدعين ومنع نشر أعمال أدبية، ما زلنا نذكر نصر حامد أبو زيد وفرج فودة وروايات عديدة مُنعت كأولاد حارتنا و وليمة أعشاب البحر ومسافة في عقل رجل وغيرهم وحتى حوادث مفبركة كإلصاق عبادة الشيطان بمجموعات شبابية تستمتع بنوع مختلف من الموسيقى.

منهجية الدولة في محاربة الإبداع لاقت رواجا عند المتشددين وراغبي الشهرة، ومن رأوا أنفسهم حماة الدين والمجتمع. في 2007 نشرت مجلة إبداع قصيدة للشاعر حلمي سالم بعنوان “شرفة ليلى مراد” ما جعل مجمع البحوث الإسلامية يصدر بيانات يتهم القصيدة أنها تحمل إلحادا وزندقة ويتعرض الشاعر لحملة تطالب باستتابته وبيانا يهاجمه وقّع عليه مئة شخصية ثم طعنت الهيئة المصرية العامة للكتاب على الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا بوقف تنفيذ الحكم والتي أمرت بوقفه. وعلى نفس الخلفية أقام أحد راغبي الشهرة على حساب المبدعين دعوى قضائية لسحب جائزة التفوق التي حصل عليها حلمي سالم وبالفعل صدر حكما بسحبها وإلزام وزير الثقافة بعدم تسليمها لسالم ما جعل المجلس الأعلى للثقافة يطعن على هذا الحكم وعلى أثره استبعد تنفيذ القرار لخطأ إجرائيا. أضف على ذلك مهاجمة وتكفير سالم في والصحف ووسائل الإعلام. كل ذلك فقط لمجرد نشر قصيدة!

في حادثة أخرى أتى الحكم ببراءة الكاتب أحمد ناجي، وطارق الطاهر رئيس تحرير جريدة أخبار الأدب، في القضية رقم 9292 لسنة 2015 جنح بوﻻق أبو العلا برئاسة السيد المستشار إيهاب الراهب، ببراءة الكاتب أحمد ناجي، كحكما ينتصر لحرية الإبداع و مؤسسا لفهم صحيح لروح القانون و قواعد الدستور و تعلقهما بالآداب العامة فيما يتعلق بالأعمال الابداعية، فقد جاء الحكم ليفتح مجالا للنظر بإمعان للقوانين المصرية و التي تحوي ما يربو علي 571 مادة قانونية تتعلق بالأنشطة الابداعية في مختلف مناحيها، و تَكدُس هذه القوانين بمواد تحرص في ظاهرها علي حرية المواطنين في مختلف المجالات و تتذيل باستثناء علي هذه الحريات يُسمي الحياء العام و الآداب العامة.

“كما أن المحكمة ترى أن تقييم الألفاظ و العبارات الخادشة للحياء أمر يصعب وضع معيار ثابت له فما يراه الإنسان البسيط خدش للحياء تراه الإنسان المثقف أو المختص غير ذلك وما يراه صاحب الفكر المتشدد خدشا للحياء لا يراه صاحب الفكر المستنير كذالك.”
من حيثيات الحكم ببراءة الكاتب أحمد ناجي.

لا يمكن محاكمة الإبداع بنصوص قانونية جامدة كتلك الموجودة بقانون العقوبات، ذلك أن العمل الإبداعي من طبيعته أنه يحاول تجسيد مشاهد خيالية لا تمت للواقع بصلة، فلا يسوغ اعتبارها جزء من حياة المُبدع فيُتهم علي ثرها بخدش الحياء العام، ذلك ما غفل عنه المُشرع عندما أدخل المطبوعات و غيرها من طرق نشر الإبداع في نطاق تجريم قانون العقوبات و مادته التي تجرم الأعمال الابداعية حال كونها خادشة للحياء العام.

لذلك و مع الدستور المصري الحالي الصادر في سنة 2014 راعى المُشرِّع بإقراره للمادة (67) من الدستور و التي تُلزم الدولة بحماية المُبدعين بداية و منع الحكم عليهم بأي عقوبة سالبة للحرية، مع إلزام النيابة العامة في فتح باب التحقيقات بنفسها في حالة القيام بالتحقيق في واقعة بسبب عمل إبداعي ولا يكون للأفراد صفة في ذلك. مع ذلك فإن القضاء المصري متكدس بالقضايا المُتهم فيها مبدعين حتي بعد صدور النص الدستوري، آخر هذه الأعمال هو فيلم ريجاتا و الذي حُكم فيه علي منتجته بالحبس سنة مع الشغل و كفالة مالية 5 آلاف جنية ، وغرامة 10آلاف جنية، لاتهامها بخدش الحياء العام، بعد أن قدم أحد راغبي الشهرة على حساب المبدعين بلاغا بنشر مصنف فني يحتوي على صور خادشة للحياء. وقد جاء حيثيات الحكم :”ما أتته المتهمة من جرم يمثل خرقا للمجتمع ولقيمه وعاداته وأعرافه التي باتت تنهار نتيجة لمثل تلك الأعمال التي تعصف بالأخلاق والعادات والتقاليد والأعراف.

“وحيث انه عن موضوع الدعوى فلما كانت النيابة العامة أحالت كلا المتهمان بتهمة خدش الحياء العام طبقا للمادتين 178 و 200 مكرر أ / 2 من قانون العقوبات الأمر الذي يتطلب توافر القصد الجنائي الخاص الذي يتمثل في قصد المتهمان خدش الحياء العام أو نشر الفجور و الرذيلة وهو يتنافى مع ما قام به المتهم الأول الذي يعد عملا أدبيا من وحي خياله وان ما تضمنه ذلك العمل الأدبي من ألفاظ وعبارات ارتأت النيابة العامة أنها تخدش الحياء به ، هو في إطار عمل أدبي وسياق عام لقصه حاكها المتهم الأول من وحي خياله”
من حيثيات الحكم ببراءة الكاتب أحمد ناجي

فعلي الرغم من أن المطبوعات في مصر ليس عليها رقابة سابقة، و رقابتها اللاحقة تقتصر علي قرارات رئيس مجلس الوزراء و في حالة الطوارئ تنتقل هذه الصلاحية لرئيس الجمهورية إلا أن الأبواب الخلفية للقانون لم يسلم منها الكاتب أحمد ناجي، كما أن ظروف البلاغ كانت تُنبئ بكيديته من البداية نظرا لعدم معقوليتها حيث أن ما أوضحه المُبلِّغ أنه أصيب بإعياء شديد و بارتفاع في ضغط الدم، عندما علم أن ابنته القاصر قامت بقراءة جريدة الأدب، العدد الذي نشر به فصل من رواية “استخدام الحياة”، ثم قررت النيابة العامة و دون سماع أقوال أحمد ناجي إحالة الدعوى إلى محكمة الجنح، وقد طلبت هيئة الدفاع القانوني لأحمد ناجي إلى الطلب -في أول جلسة بسماع- أقوال شهود نفي الاتهام، حتى يتثنى لهيئة المحكمة مُتمثلة في رئيس المحكمة الوقوف على كون العمل إبداعيا من عدمه، و تم التصريح بحضور كل من الأستاذ محمد سلماوى ” رئيس اتحاد كتاب مصر والأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب” و الدكتور جابر عصفور ” وزير الثقافة المصري الأسبق” و الروائي صُنع الله إبراهيم. و بجلسة 12 ديسمبر 2015 حضر كُل من الأستاذ محمد سلماوي و الروائي صُنع الله إبراهيم ، وسمعت المحكمة أقوالهم من حيث معايير تقييم العمل الإبداعي.

عندما تقدم دفاع أحمد ناجي بكتب من التراث العربي و الإسلامي توضح استخدام نفس الألفاظ التي وردت بفصل الرواية من هؤلاء الذين نعتبرهم قادة الفكر الإسلامي، لم تغض عنها المحكمة الطرف بل أوردتها بالحكم . كما جاء في الحكم أيضا إجابة واضحة على سؤال النيابة العامة “هل تستطيع قراءة فصل الرواية الذي تم نشره؟” والذي تم توجيهه للسيد الأستاذ محمد سلماوى و كذلك الروائي صُنع الله ابراهيم، بصفتهم شهود في القضية.

” كما أن ما احتواه العمل الأدبي ( القصة ) علي ألفاظ وعبارات جنسية هو أمر درج في العديد من المؤلفات و الأعمال الأدبية و الأشعار قديما وحديثا وهذا ما انتهت إليه شهادة كل من الأستاذ / محمد سلماوي و الروائي / صنع الله ابرهيم والتي تطمئن اليهم المحكمة من أن العمل الأدبي ﻻ يمكن الانقطاع من سياقه أو أخذ جزء منه و ترك الآخر .
كما أن العمل الأدبي هو كيان واحد إذا انقطع منه جزء انهار ذلك العمل .”
“فالعبارات التي حوت تلك القصة محل الاتهام ارتأت النيابة العامة انها تخدش الحياء لم يرتأها الأدباء و الروائيين خدشا للحياء طالما انها كانت في سياق ومضمون عمل ادبي فني .”

من حيثيات الحكم ببراءة الكاتب أحمد ناجي

وترى مؤسسة حرية الفكر والتعبير أن هذا الحكم يُمثل دعما لحرية الإبداع ضد أي بلاغات كيدية، و أنه لن يكون هناك ضمانة حقيقية سوى بتعديل أو إلغاء المواد التي تُجرّم المُبدعين والمفكرين أو تشكل رقابة على منتجهم الفكري أو الأدبي بالمخالفة لنص الدستور التي لم يخل منها الحكم و أستشهد بها كأحد أهم ضمانات حماية المُبدعين وتمنع تطبيق أي عقوبة سالبة للحرية، بالإضافة للمواثيق والمعاهدات الدولية التي صدقت عليها مصر والتي تُلزم الدولة باحترام وتعزيز الحق في حرية التعبير والإبداع والفكرـ