عناق الطلاب.. بين الحريات الشخصية والتقاليد الجامعية

تاريخ النشر : الأحد, 10 فبراير, 2019
Facebook
Twitter

أعد التعليق: محمود ناجي، باحث بمؤسسة حرية الفكر والتعبير

وساهم في الجزء القانوني: مهاب سعيد، محامٍ بمؤسسة حرية الفكر والتعبير

 

ملخص

 

  • اتخذت إدارتا جامعتي المنصورة والأزهر قرارات بفصل طالب لمدة عامين وطالبة بشكل نهائي، في يناير 2019، بسبب انتشار فيديو يقوم فيه الطالب بعناق زميلته.
  • تم تخفيف العقوبات لاحقًا بعد تدخل من شيخ الأزهر ووزير التعليم العالي.
  • تشير هذه الواقعة ووقائع سابقة مماثلة إلى التعسف في إجراءات تأديب الطلاب، وإلى تحول القمع الذي تمارسه إدارات الجامعات إلى مساحة الحريات الشخصية، بعد أن نجحت على مدار أعوام في منع الطلاب من النشاط السياسي.

 

مقدمة

 

تصدر مؤسسة حرية الفكر والتعبير هذا التعليق على واقعة عناق طالب وطالبة بجامعة المنصورة، والتي تناولتها ردود فعل من مسؤولين رسميين، ونتجت عنها عقوبات تأديبية بحق الطالب والطالبة. وفي إطار عمل المؤسسة منذ سنوات على دعم الحقوق والحريات الطلابية، ترى حرية الفكر والتعبير أن الإجراءات المتخذة ضد الطلاب ليست منفصلة عن ممارسات قمعية أخرى واجهها الطلاب على مدار أعوام. ونجحت إدارات الجامعات في حظر النشاط السياسي في الجامعات، وحرمان الطلاب من انتخابات طلابية تنافسية، ما أتاح لها الفرصة لنقل إجراءاتها وممارساتها القمعية إلى الحريات الشخصية للطلاب، فيما بدا أنه محاولة لتنميط هؤلاء الطلاب، وإلزامهم باتباع “كود أخلاقي” يقترن بما تراه إدارات الجامعات “تقاليد وأعراف جامعية”.

 

خلفية

 

انتشر مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، منذ 2 يناير 2019، يظهر فيه طالب وهو يقوم بعناق زميلته داخل جامعة المنصورة. بعد ذلك، وجه رئيس جامعة المنصورة أشرف عبد الباسط الأمن الإداري إلى سرعة تحديد هوية الطالبين. وفي بيان لها، أكدت إدارة الجامعة أن إدارة الأمن الجامعي تعرفت على شخصيتي الطالب والطالبة وتم التحفظ عليهما، ومواجهتهما بتفاصيل الواقعة. وتبين أن الطالب مقيد بالفرقة الأولى بكلية الحقوق بجامعة المنصورة، والطالبة غير مسجلة بجامعة المنصورة، ولكنها تدرس بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر.

 

تمت إحالة الطالب إلى مجلس التأديب بكلية الحقوق لخروجه عن القيم الجامعية، كما أرسل رئيس جامعة المنصورة مذكرة بالواقعة إلى شيخ الأزهر أحمد الطيب، لأن الطالبة تدرس بجامعة الأزهر. وبناءً على هذه المذكرة، أصدر رئيس جامعة الأزهر محمد المحرصاوي، في 12 يناير 2019، قرارًا بفصل الطالبة صاحبة الواقعة من الجامعة نهائيًّا.

 

وفي 14 يناير 2019، تم فصل الطالب الذي قام بعناق الفتاة من كلية الحقوق جامعة المنصورة لمدة عامين لإخلاله بالقيم والتقاليد الجامعية والإخلال بالآداب العامة داخل الحرم الجامعي، وذلك رغم تقديم الطالب اعتذارًا، بحسب تصريحات عميد كلية الحقوق بجامعة المنصورة شريف خاطر، وهو كذلك رئيس المجلس التأديبي للطلاب بجامعة المنصورة.

 

بعد تداول خبر فصل الطالبة نهائيًّا من جامعة الأزهر على مواقع التواصل الاجتماعي، طَالب شيخ الأزهر أحمد الطيب، في 14 يناير 2019، مجلس التأديب الأعلى للطلاب بجامعة الأزهر بإعادة النظر في العقوبة التي تم توقيعها من قبل مجلس تأديب الطلاب بالجامعة بحق طالبة كلية الدراسات الإسلامية واللغة العربية بالمنصورة، لإقدامها على تصرف غير مقبول خلال تواجدها خارج مقر الجامعة بما يمس التقاليد الدينية والشرقية، على حد تعبير الطيب. وشدد الإمام أحمد الطيب على مجلس التأديب أن يضع في اعتباره حداثة سن الطالبة والحرص على مستقبلها التعليمي، وأن يقوم بواجب النصح والإرشاد قبل اللجوء إلى فرض العقوبات.

 

استجاب مجلس التأديب الأعلى لطلب شيخ الأزهر، حيث عقد جلسة طارئة لمناقشة إعادة النظر في عقوبة الفصل النهائي بحق الطالبة، وقرر المجلس إلغاء قرار مجلس التأديب الصادر بالفصل النهائي، والاكتفاء بحرمان الطالبة من دخول امتحانات الفصل الدراسي الأول من العام الدراسي الجاري فقط.

 

وعلى نفس المنوال، دعا زير التعليم العالي مجلس التأديب الأعلى بجامعة المنصورة إلى تخفيف عقوبة الفصل لمدة عامين، التي أقرها مجلس التأديب بكلية الحقوق، حرصًا على مستقبل الطالب. ولاحقًا، استجاب مجلس التأديب الأعلى بالجامعة لدعوة الوزير، وخفف عقوبة الطالب إلى حرمانه من امتحان الفصل الدراسي الأول من العام الدراسي الجاري.

 

التحقيق مع طالبي واقعة العناق.. ضمانات غائبة

 

بتخفيف العقوبات على الطالب والطالبة في واقعة العناق بجامعة المنصورة، بدا أن ذلك ينهي الجدل حول التعسف الذي مارسته إدارات الجامعات تجاه الطالبين. وهنا، يتطرق التعليق إلى بيان التعسف الذي واجهه الطالبان، حتى مع تخفيف العقوبات التأديبية الموقعة عليهما.

تنظم اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات الحقوق التي يتمتع بها الطلاب داخل الجامعات، ومن بينها الحق في نظام تأديبي عادل ومنصف، وهو ما ينطبق كذلك على اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الأزهر. ويجب اتباع مجموعة من الإجراءات والتدابير تضمن حق طلاب الجامعات في تأديب عادل ومنصف، ومن هذه الإجراءات:

 

  • إعلان الطلاب المحالين بالتحقيق رسميًّا عن طريق خطاب مسجل بعلم الوصول.
  • تمكين الطلاب من الدفاع بحضور محاميهم أثناء التحقيق معهم ومواجهتهم بأدلة الاتهام وتمكينهم من إبداء طلبات (مثل تفريغ المحتوى المصور فى الواقعة التي يتناولها التحقيق) أو طلب شهود أو خلافه.
  • تحري الدقة فى استبيان المخالفة.
  • عدم المغالاة أو التعسف في استخدام سلطة العقاب وتناسب العقوبة مع الفعل.

وتعد هذه التدابير ضرورية لضمان عدالة التحقيق مع الطلاب. وبالمقارنة مع الإجراءات التي حدثت في التحقيق مع طالبي واقعة العناق، فإن هذه التدابير لم تتحقق، في ظل سرعة صدور عقوبات تأديبية، سواء عن جامعة الأزهر أو جامعة المنصورة. ولم تتضمن البيانات الصادرة عن جامعة المنصورة وجامعة الأزهر ما يفيد اتباع الإجراءات القانونية في الإخطار وتمكين الطالبين من حضور التحقيق بصحبة محامٍ.

 

يخضع طلاب جامعة الأزهر إلى نظام تأديبي، نص عليه قانون تنظيم الأزهر. تحدد المادة 246 من قانون تنظيم الأزهر المخالفات التي تستوجب العقاب الإداري، ومنها كل فعل مخلٍّ بالشرف والكرامة أو مخلٍّ بحسن السير والسلوك داخل الجامعة أو خارجها، بحسب الفقرة الخامسة من المادة. كما تحدد المادة 248 من قانون تنظيم الأزهر العقوبات التأديبية التي منها على سبيل المثال، التنبيه شفاهة أو كتابة، والحرمان من حضور دروس أحد المقررات، والفصل من الكلية لمدة لا تجاوز الشهر، والفصل من الكلية لمدة لا تجاوز فصلًا دراسيًّا، حتى الفصل النهائي من الجامعة. ويكون لمجلس التأديب الحق في توقيع أيًّا من هذه العقوبات بعد التحقيق مع الطالب.

 

وتنص المادة 124 من اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972 على العقوبات التي تستوجب إحالة الطلاب إلى التحقيق أو إلى مجلس التأديب وهي مشابهة لمثيلتها في قانون تنظيم الأزهر ومن تلك المخالفات (كل فعل مخلٍّ بالشرف والكرامة أو مخلٍّ بحسن السير والسلوك داخل الجامعة أو خارجها).

 

وطبقًا لتصريحات الدكتور أحمد زارع المتحدث باسم جامعة الأزهر، فقد تم التحقيق مع طالبة واقعة العناق، وتقرر فصلها من الجامعة نهائيًّا، لأن ما قامت بها يعتبر فعلًا فاضحًا ترفضه الجامعة والتقاليد، وهو نفس السبب الذي  ذكره عميد كلية الحقوق بجامعة المنصورة ورئيس مجلس التأديب الطلابي شريف خاطر، بعد فصل الطالب الذي قام بعناق زميلته لمدة عامين، حيث قال إن العقوبة تتناسب مع الفعل الذي ارتكبه الطالب داخل الحرم لإخلاله بالقيم والتقاليد الجامعية التي يجب أن يلتزم بها الطلاب داخل الجامعة.

 

إذًا، رأت إدارتا الجامعتين أن الفعل الذي قامَ به الطالبان يُعَدُّ فعلًا فاضحًا ومخالفًا للقيم والتقاليد الجامعية، ومن ثم تمت معاقبتهما بتهمة ارتكاب فعل “مخلٍّ بالشرف أو الكرامة أو مخلٍّ بحسن السير والسلوك داخل الجامعة أو خارجها”. وهو ما أدى إلى فصل الطالبة من جامعة الأزهر نهائيًّا وفصل الطالب من كلية الحقوق لمدة عامين، قبل أن تتراجع الجامعتان وتخفف العقوبات.

 

وبالرغم من أن التراجع عن تلك العقوبات يعد أمرًا جيدًا، فإنه  يشير إلى مدى التعسف في فرض العقوبات من البداية، حيث سعت إدارتا جامعتي المنصورة والأزهر إلى التنكيل بالطالبين وفرض أقصى عقوبات ممكنة على الطلاب في تلك الواقعة، وهو ما يتنافى مع تناسب العقوبة مع الفعل نفسه، إذا ما افترضنا صحة تفسير الجامعات للقوانين المنظمة للتأديب.

 

الحريات الشخصية للطلاب.. تحت وطأة القمع أيضًا

 

لم تكن واقعة العناق في جامعة المنصورة منفصلة عما شهدته الجامعات المصرية خلال السنوات الماضية من تضييق كبير على حريات الطلاب داخل الجامعة، حيث صدرت قرارات إدارية وتشريعات قيدت من حق الطلاب في التعبير والتنظيم والحريات الشخصية.

 

في الأعوام الأربعة الماضية شرعت إدارات الجامعات، في غلق المجال العام داخل الجامعات، والقضاء على النشاط السياسي من خلال حظر الحركات الطلابية السياسية، بالإضافة إلى توقيع جزاءات تأديبية بحق المئات من طلاب الجامعات، تصل في أحيان كثيرة إلى حد الفصل النهائي للطلاب على خلفية ممارسة نشاط سياسي.

 

كما باتت الجامعات خاضعة قانونيًّا للقواعد ذاتها المفروضة لحماية المنشآت العسكرية، ما أتاح إحالة الطلاب إلى المحاكمات العسكرية. وتعرضت الاتحادات الطلابية المنتخبة لتضييق كبير في ممارسة نشاطها، وتم تعديل اللوائح الطلابية المنظمة لعملها لإضعاف دورها كنقابة طلابية.

 

وهكذا، وبعد أن تمكنت من التضييق على مساحات العمل العام والنشاط السياسي، اتجهت إدارات الجامعات إلى فرض مزيد من القيود على الحريات الشخصية وحرية الملبس، ونتج عن ذلك صدور قرارات بفصل بعض الطلاب، في مخالفة لمبادئ الدستور والمواثيق الدولية ذات الصلة. ففي واقعة مماثلة حدثت في عام 2017، أصدر مجلس التأديب بجامعة قناة السويس قرارًا بفصل 4 طلاب من الجامعة: ثلاث طالبات وطالب، بعد أن قاموا بتعليق لافتة تحتوي على اعتذار من طالبة إلى صديقها. وذكر حينها رئيس جامعة قناة السويس أن مجلس التأديب اتخذ قرار الفصل بحق الطلاب، نظرًا إلى سلوكهم الذي لا يليق بآداب وتقاليد الحرم الجامعي.

 

وثمة اتجاه عام لدى إدارات الجامعات بخلق كود أخلاقي يحدد السلوك والمظهر الشخصي للطلاب داخل وخارج الجامعات. وهو أمر يتعدى سلطة الجامعات في إدارة وتنظيم عملية التعليم والبحث. ويمكن القول إن هجمة إدارات الجامعات على الحريات الشخصية للطلاب هي ممارسات مخالفة لنصوص الدستور المصري في الأساس، فقد كفل الدستور المصري الحرية الشخصية لجميع المواطنين ووضع قيودًا صارمة لعدم المساس بها، حيث نصت المادة (54) من الدستور على  “الحرية الشخصية حقٌّ طبيعي، وهي مصونة لا تُمس …”.

 

وكذلك، نصَّت المادة (99) من الدستور على أن “كل اعتداءٍ على الحرية الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للمواطنين وغيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها الدستور جريمة لا تَسقُط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم وللمضرور إقامة الدعوى الجنائية بالطريق المباشر وتكفل الدولة تعويضًا عادلًا لمن وقع عليه الاعتداء وللمجلس القومي لحقوق الإنسان إبلاغ النيابة العامة عن أي انتهاك لهذه الحقوق وله أن يتدخل في الدعوى المدنية منصفًا للمضرور بناء على طلبه وذلك كله على الوجه المبين بالقانون”.

 

لذا فإن اعتبار إدارتي جامعتي الأزهر والمنصورة أن معانقة بعض الطلاب بعضًا، يخالف التقاليد والقيم الجامعية، هو نفسه انتهاك للحقوق التي كفلها الدستور المصري. كما أن هذه الإجراءات التعسفية تخالف المبادئ التي أرستها أحكام القضاء الإداري، حيث أن سلطة جهة الإدارة في إدارة عمل المِرفق مقيدة بعدة شروط، أبرزها ألا تُمس الحرية الشخصية التي كفلها الدستور للفرد.

 

وبالنظر إلى المعايير الدولية ذات الصلة بالحرية الأكاديمية، فقد أكد إعلان الحرية الأكاديمية، الصادر عن المؤتمر العالمي الأول لرؤساء الجامعات بجامعة كولومبيا 2005، على مبادئ الجامعات، ومن ضمنها “الالتزام كمؤسسة اجتماعية، عن طريق التعليم والبحث، بتعزيز مبادئ الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية والتضامن الإنساني..”. ولا شك أن ممارسات الجامعات المصرية في انتهاك الحريات الشخصية تخالف هذه المبادئ، وتنتهك تمتع الطلاب بالكرامة الإنسانية، طالما أن سلوكهم الشخصي محل للتحقيق والعقاب من قِبَل الجامعات.

 

خاتمة وتوصيات

 

تلفت مؤسسة حرية الفكر والتعبير من خلال إصدار هذا التعليق إلى أهمية التضامن مع طلاب الجامعات، في ظل تعدد أنماط الانتهاكات التي يتعرضون لها. وتحث المؤسسة أعضاء المجتمع الأكاديمي من طلاب وأساتذة وكذا المعنيين بالتعليم العالي من جهات ومؤسسات متنوعة على إدانة ممارسات إدارات الجامعات المقيِّدة لحقوق وحريات الطلاب.

 

وختامًا، تتوجه مؤسسة حرية الفكر والتعبير بهذه التوصيات إلى الجهات المعنية:

  • على إدارات الجامعات المصرية وقف إحالة الطلاب إلى التحقيق أو التأديب، لأسباب تتعلق بالحرية الشخصية، والالتزام بنصوص الدستور المصري ذات الصلة.
  • يجب أن تلغي إدارات الجامعات المصرية كافة القرارات الإدارية المقيِّدة للحريات الشخصية، وخاصة قرارات منع دخول الطلاب الجامعات على أساس ارتداء ملابس تحظرها إدارات الجامعات.
  • على إدارات الجامعات المصرية ضمان حق الطلاب في حرية التعبير داخل الجامعات سواء أكانت بشكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارونها.

للإشتراك في نشرة مؤسسة حرية الفكر والتعبير الشهرية

برجاء ترك بريدك الالكتروني أدناه.