جيل زد والقيود على حرية التعبير في الجامعات المصرية

تاريخ النشر : الخميس, 25 يونيو, 2026
Facebook
Twitter

المحتوى

منهجية

مقدمة

القسم الأول: جيل زد والجامعة المصرية في ظل انكماش المجال العام

القسم الثاني: الجامعة كما يراها جيل زد: بين التوقعات والواقع

القسم الثالث: مسارات بديلة

خاتمة وتوصيات

 

 

 

 

منهجية

اعتمدت هذه الورقة على منهجية تجمع بين البيانات الأولية والبيانات الثانوية لفهم تصورات جيل زد للجامعة، وفهم أشكال المشاركة الطلابية والتحولات التي طرأت عليها في ظل القيود المتصاعدة المفروضة على الجامعات في مصر منذ 2013.

تمثلت الأداة الأساسية لجمع البيانات الأولية في استبيان إلكتروني بعنوان “رؤية جيل زد للجامعة والمسارات البديلة للمشاركة”، استهدف طلاب الجامعات والخريجين الجدد المنتمين إلى الفئة العمرية التي تُصنف ضمن جيل زد (18-27). وقد بلغ عدد الاستجابات للاستبيان 49 استجابة. شملت 11 من الخريجين الجدد،  و35 طالبا فى جامعات القاهرة والإسكندرية وكفر الشيخ وعين شمس والمنوفية والزقازيق والمنصورة ، بالإضافة إلى جامعات خاصة مثل  الجامعة الأمريكية بالقاهرة والجامعة البريطانية فى مصر وجامعة حورس. كما شملت العينة 40 % من الذكور ، و57.8% من الإناث، بينما رفض حوالي 2% من المشاركين التصريح.

ورغم تنوع الجامعات التي ينتمي إليها المشاركون، بما يشمل جامعات حكومية وخاصة، فإن الاستبيان لم يستهدف إجراء مقارنة بين أنماط التعليم أو الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية للمشاركين، وإنما رصد الاتجاهات العامة في تصورات طلاب الجامعات والخريجين الجدد تجاه الجامعة. وقد أظهرت النتائج قدرًا ملحوظًا من التقارب في تقييم المشاركين، إذ غلبت الآراء السلبية بشأن دور الجامعة والمساحات المتاحة للتعبير والمشاركة داخلها، على اختلاف المؤسسات التعليمية التي ينتمون إليها.

وتضمن الاستبيان مجموعة من الأسئلة الكمية والوصفية التي تناولت تصورات المشاركين حول الأدوار الأساسية للجامعة، وتقييمهم للبيئة الجامعية، ومواقفهم من الاتحادات الطلابية، وتجاربهم المتعلقة بالتعبير عن الرأي والمشاركة داخل الجامعة، بالإضافة إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كمساحات بديلة للتعبير والتنظيم. كما اشتمل الاستبيان على عدد من الأسئلة المفتوحة التي أتاحت للمشاركين التعبير عن تجاربهم الشخصية وتقييماتهم للجامعة والاتحادات الطلابية والقيود التي يواجهونها داخل الحرم الجامعي.

قدم الاستبيان نوعين من البيانات: الأول بيانات كمية جرى تحليلها من خلال حساب التكرارات والنسب المئوية للإجابات المختلفة، بما يسمح برصد الاتجاهات العامة داخل العينة. والثاني بيانات نوعية خضعت لتحليل كيفي بهدف تحديد الموضوعات والأنماط المتكررة في تجارب المشاركين وتصوراتهم بشأن الحياة الجامعية والمشاركة الطلابية.

إلى جانب الاستبيان اعتمدت الورقة أيضًا على تسع مقابلات مع طلاب شاركوا في الحراك الداعم لفلسطين من الجامعة الأمريكية ومن حركة طلاب من أجل فلسطين.  هدفت هذه المقابلات إلى فهم ديناميكيات الحراك الطلابي، وأشكال التنظيم والتعبئة التي استخدمها الطلاب، والعوائق والقيود التي واجهتهم أثناء تنظيم الفعاليات والأنشطة المرتبطة بالقضية الفلسطينية. وأسهمت هذه المقابلات في تقديم قراءة أعمق للتجارب التي تناولها القسم الخاص بالمسارات البديلة للمشاركة والعمل الجماعي.

راجعت الورقة كذلك وحللت عددًا من القوانين واللوائح المنظمة للحياة الجامعية والعمل الطلابي في مصر، إلى جانب مقابلة عدد من المحامين، بهدف فهم الأبعاد القانونية والتنظيمية المرتبطة بالأنشطة الطلابية، ورصد أبرز الانتهاكات والقيود التي تعرض لها الطلاب خلال السنوات الأخيرة، فضلًا عن توضيح الأطر القانونية الحاكمة للعمل الطلابي داخل الجامعات المصرية ومضاهاتها بالرصد الميداني لتجارب الطلاب.

وأخيرًا لجأت الورقة إلى مجموعة من المصادر الثانوية، شملت دراسات أكاديمية وأبحاثًا وتقارير، بعضها صدر سابقًا عن مؤسسة حرية الفكر والتعبير، متعلقة بالحقوق والحريات الأكاديمية والطلابية، وأوضاع الاتحادات الطلابية، والقيود المفروضة على الأنشطة الطلابية داخل الجامعات المصرية. وقد ساهمت هذه التقارير في توفير خلفية حقوقية وتوثيقية للسياسات والإجراءات التي أثرت على المجال الطلابي بعد 2013.

 

 

مقدمة

 

تُعد الجامعة تاريخيًا من أهم المساحات التي تتشكل داخلها الخبرات السياسية والاجتماعية والثقافية للأجيال الجديدة، حيث لا يقتصر دورها على تقديم المعرفة الأكاديمية، وإنما تمتد وظائفها لتشمل بناء الشخصية، وتكوين الهوية، وإتاحة فرص الحوار والتنظيم والعمل الجماعي. وقد ارتبطت الجامعات المصرية لعقود طويلة بالحراك الطلابي وبكونها إحدى ساحات النقاش العام وتشكيل الكوادر والنخب، والتعبير عن القضايا السياسية والاجتماعية المختلفة.

إلا أن الجامعات المصرية شهدت منذ 2013 تحولات جوهرية، في ظل سياسات وتشريعات أعادت تشكيل حدود النشاط الطلابي ومساحات التعبير والتنظيم داخل الجامعة. وفي الوقت نفسه برز جيل جديد من الطلاب، هو جيل زد، الذي نشأ في بيئة رقمية مختلفة عن الأجيال السابقة، وأصبحت التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من حياته اليومية ومن طرق تواصله وتفاعله مع القضايا العامة.

تحاول هذه الورقة فهم العلاقة بين جيل زد والجامعة المصرية في ظل هذا السياق، وتسعى للإجابة عن سؤال رئيسي: كيف يرى طلاب جيل زد الجامعة اليوم؟ وإلى أي مدى تمثل الجامعة بالنسبة لهم مساحة للتعلم والتفاعل والمشاركة؟ وما البدائل التي يطورونها للتعبير والتنظيم في ظل تراجع فعالية القنوات الطلابية التقليدية؟

ومن خلال الجمع بين نتائج الاستبيان والمقابلات والمصادر الثانوية، تحاول الورقة تقديم قراءة لتصورات الطلاب تجاه الجامعة، ورصد الفجوة بين الأدوار التي يتوقعونها منها والواقع الذي يعيشونه داخلها، مع تسليط الضوء على المسارات البديلة التي يلجؤون إليها للحفاظ على أشكال المشاركة والتفاعل الجماعي.

 

 

القسم الأول: جيل زد والجامعة المصرية في ظل انكماش المجال العام

 

  • من هم “جيل زد”؟

يشير مصطلح “جيل زد” إلى الأفراد المولودين ما بعد منتصف تسعينيات القرن العشرين وبداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وتحدد هذه الفترة عادة بين عامي 1997 و2012. ويأتي هذا الجيل بعد جيل الألفية أو ما يُعرف بالجيل “واي” المولود بين 1981 و1996، وقبل “الجيل ألفا” الذي يشير إلى مواليد الفترة ما بين 2013 و2025. يعتبر جيل زد جيلاً رقميًا أصيلاً (Digital Native)، إذ لم يعرف عالم ما قبل الإنترنت، بل نشأ في ظل الانتشار الواسع للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، ولذلك أصبح التواصل الفوري والوجود الرقمي عنصرين أساسيين في تكوينه الاجتماعي والثقافي وفي نظرته للعالم.[1]

ويُنظر إلى التفاعل العميق مع التكنولوجيا الرقمية باعتبارها السمة الأبرز للجيل زد، فعلى عكس جيل الألفية الذي عاصر ظهور الإنترنت وانتشاره التدريجي، نشأ أفراد هذا الجيل في بيئة كانت فيها التقنيات الرقمية والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي جزءًا راسخًا من الحياة اليومية، لذلك لم يتعاملوا مع الاتصال المستمر أو الوصول السريع إلى المعلومات باعتبارها مستجدات تقنية، بل بوصفها مكونات أساسية صاحبت مراحل نشأتهم منذ الصغر.[2] وقد انعكس هذا الاندماج الرقمي على مختلف جوانب حياتهم، فأصبح الإنترنت فضاءً للتعلم والعمل والتواصل الاجتماعي والترفيه، وتحولت منصات مثل تيك توك وانستجرام إلى أدوات رئيسية للتواصل وإنتاج المحتوى، بينما اكتسبت البرامج الصوتية (البودكاست) والألعاب الرقمية أدوارًا تتجاوز الترفيه، لتشمل التعلم وبناء المجتمعات الافتراضية والتأثير في النقاشات العامة. كما يُظهر هذا الجيل استعدادًا مرتفعًا لتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي واستخدامها في مجالات الدراسة والعمل والإبداع، مع اهتمام متزايد بقضايا الشفافية والمسؤولية المرتبطة بهذه التقنيات.[3]

وتتحدد سمات الجيل زد من خلال ثلاثة معايير رئيسية: أولها العضوية المتصورة، أي شعور الفرد بأنه جزء من جماعة أو فئة اجتماعية محددة؛ وثانيها المعتقدات وأشكال السلوك المشتركة المتعلقة بالأسرة والدين والآراء السياسية؛ وثالثها التاريخ المشترك الذي يضم الأحداث والتجارب التي مر بها أفراد الجيل خلال مرحلتي الطفولة والمراهقة وأثرت في تشكيل وعيهم وخبراتهم الحياتية.[4]

فعلى خلاف جيل الألفية الذي تشكل وعيه في ظل أحداث كبرى مثل هجمات 11 سبتمبر 2001، وحروب العراق وأفغانستان، والركود الاقتصادي العالمي، وثورات الربيع العربي ( فيما يخص المنطقة العربية)،  فإن معظم أفراد الجيل زد كانوا آنذاك صغار السن أو لم يولدوا بعد. ولذلك لم تتشكل رؤيتهم للعالم من خلال تلك المحطات التاريخية، بل في سياقات مختلفة اتسمت بتصاعد الاستقطاب السياسي، واتساع النقاشات المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والمساواة.[5]

في مصر والمنطقة العربية، على الرغم من اندماج الجيل زد في العالم الرقمي بصورة غير مسبوقة، فإنه يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية عميقة؛ فالمنطقة العربية تسجل معدلات من بين الأعلى عالميًا في بطالة الشباب، وهو ما يعكس أزمة هيكلية في دمج الشباب داخل مسارات العمل التقليدية. ويؤدي هذا الواقع إلى تعميق الشعور بعدم اليقين تجاه المستقبل، ويدفع الشباب إلى إعطاء أولوية أكبر لقضايا الأمن الإنساني الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية والاستقرار الاقتصادي. كما تتفاقم هذه التحديات بفعل التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية، الأمر الذي يدفع كثيرًا من أفراد الجيل إلى البحث عن بدائل وفرص جديدة داخل الاقتصاد الرقمي ومساحات العمل المرتبطة بالتكنولوجيا والإنترنت.[6]

 

  • الجامعات في مصر بعد 2013

منذ 2013 استهدفت السلطة بمختلف أجهزتها ومؤسساتها الحقوق الطلابية ومساحات التعبير المتاحة للطلاب في الجامعات. فقد تبنت السلطات مقاربات أمنية ركزت على القبض على الطلاب ومراقبتهم وقمعهم ومنع أي مظاهرات أو أنشطة، كما سُمح للشرطة بدخول الحرم الجامعي، وتعرض الطلاب للفصل ومنع الأنشطة بسبب نشاطهم السياسي.[7] وقد اتخذ قمع الطلاب والحياة الأكاديمية بعد 2013 عدة مستويات، تمثل أولها في القمع الأمني المباشر، حيث أطلقت السلطة يد قوات الأمن والجيش داخل الجامعات لقمع تظاهرات الطلاب المؤيدين للإخوان، خاصة حركة طلاب ضد الانقلاب. وأسفرت هذه السياسات عن اعتقال آلاف الطلاب خلال الأعوام التالية، بالإضافة إلى فصل عدد كبير من الطلاب من الجامعة نهائيًا على خلفية نشاطهم الاحتجاجي.[8]

أما المستوى الثاني فتمثل في التعسف الإداري والتشريعي، فقبل بداية العام الدراسي 2014/2015، صدرت عدة قرارات لتعديل قوانين الجامعات، كان أبرزها قانون رقم 15 لسنة 2014 الذي أصدره الرئيس المؤقت عدلي منصور، الذي أضاف المادة 184 مكرر إلى قانون تنظيم الجامعات، مانحًا رؤساء الجامعات سلطة الفصل النهائي للطلاب دون الرجوع إلى مجالس التأديب.[9] كما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي القانون رقم 134 لسنة 2014 بشأن إعادة تنظيم الأزهر، والذي منح رئيس الجامعة سلطة فصل الطلاب الذين يمارسون أعمالاً تضر بالعملية التعليمية دون الحاجة إلى مجلس تأديب.[10] ونتيجة لذلك قامت إدارات الجامعات بفصل آلاف الطلاب بشكل نهائي أو مؤقت بسبب مشاركتهم في فعاليات سياسية داخل الجامعات. كذلك صدر قرار بشأن تأمين وحماية المنشآت العامة والحيوية، شمل الجامعات، ما أدى إلى إمكانية خضوعها لاختصاص القضاء العسكري.[11]

وامتد هذا التعسف إلى أعضاء التدريس وقيادات الجامعة؛ فقد أصدر السيسي قرارًا بإعادة نظام تعيين قيادات الجامعات بدلاً من انتخابهم. وفي يناير 2015، جرى تعديل قانون الجامعات بما يسمح بعزل أعضاء هيئة التدريس إذا اشتركوا أو حرضوا على العنف أو مارسوا أعمالاً حزبية داخل الجامعة، وهو ما أثار تساؤلات حول الحقوق السياسية والمدنية لأعضاء هيئة التدريس، واعتُبر أداة لإقصاء الأساتذة المعارضين للنظام.[12]

أما المستوى الثالث فكان على مستوى الاتحادات الطلابية، حيث عطلت الدولة الانتخابات الطلابية لعامين متتاليين بعد 2013 دون سند قانوني. وفي عام 2014 أُقرت لائحة مالية وإدارية جديدة للاتحادات الطلابية، تضمنت شروطًا للترشح، منها عدم الانتماء إلى جماعة إرهابية ووجود نشاط طلابي سابق، وهي معايير اتسمت بالغموض وأدت عمليًا إلى استبعاد الطلاب المعارضين، خاصة طلاب الإخوان المسلمين، من المشاركة في الانتخابات.

وفي العام الدراسي 2015/2016 أُجريت انتخابات شهدت انتهاكات أثرت على نزاهتها، إلا أن نتائجها جاءت مخالفة لتوقعات وزارة التعليم العالي، بفوز طلاب مستقلين يتبنون استقلال الجامعة وحرية النشاط الطلابي برئاسة ونائب رئاسة اتحاد طلاب مصر، إضافة إلى حصولهم على أغلبية مقاعد المكتب التنفيذي. رفضت الوزارة الاعتراف بالنتائج وجمدت اتحاد طلاب مصر دون مبررات قانونية واضحة، ثم عطلت الانتخابات مرة أخرى لإعداد اللائحة الطلابية الجديدة، والتي تضمنت شروطًا أكثر تقييدًا للترشح، ومنحت الجامعات سلطات أوسع لاستبعاد الطلاب المعارضين أو المستقلين، بما في ذلك تحديد ما إذا كان الطالب ينتمي إلى جماعة إرهابية، كما سبقت الإشارة.

وفي أغسطس 2017، اعتمد المجلس الأعلى للجامعات اللائحة الطلابية الجديدة التي ألغت اتحاد الطلاب على المستوى القومي واكتفت باتحادات الكليات والجامعات.[13] وفي الانتخابات اللاحقة عام 2018 استُبعد عدد كبير من المرشحين بحجة عدم استيفاء شروط الترشح، ما عكس حالة التضييق داخل الجامعات. وتراجع النشاط السياسي والخدمي للأسر الطلابية، وحُسمت مقاعد كثيرة بالتزكية، الأمر الذي أسهم في انزواء الحركة الطلابية وتراجع تأثيرها بصورة ملحوظة.[14]

أدت هذه التحولات إلى إعادة تشكيل المجال الطلابي داخل الجامعات، وأفضت إلى مزيد من القيود والقمع. وامتد هذا التأثير إلى الكيفية التي ينظر بها الطلاب إلى الجامعة ودورها. فبالنسبة لطلاب جيل زد، الذين تكونت خبراتهم في ظل هذا السياق المقيد، أصبحت العلاقة مع الجامعة نتاجًا للتفاعل بين التوقعات المرتبطة بوظائفها التعليمية والاجتماعية والسياسية وبين الخبرات اليومية التي يعيشونها داخل الحرم الجامعي.

 

القسم الثاني: الجامعة كما يراها جيل زد: بين التوقعات والواقع

 

تتسم علاقة جيل زد بالجامعة بالتعقيد، إذ تكشف نتائج الاستبيان الذي قامت به مؤسسة حرية الفكر والتعبير تنوعًا في آراء الطلاب المشاركين عن تصورهم لدور الجامعات وعلاقتهم بها، حيث لا يتوقف دور الجامعة عند كونها فضاء للتعليم فقط، بل تتوقع نسبة كبيرة من الطلاب أن تؤدي الجامعة أدوارًا اجتماعية وسياسية وتوعوية أوسع. غير أن التجربة الفعلية للطلاب تعكس تجذر القيود والقمع للحقوق والحريات الطلابية بعد 2013، وقد أدى ذلك إلى فجوة متزايدة بين ما يتوقعه الطلاب وما يفضلونه وبين ما يجدونه في الجامعات فعليًا. نتج عن ذلك تراجع ثقة الطلاب في الجامعة والمؤسسات الطلابية الرسمية، وهو ما يفتح المجال أمام التساؤل حول الأشكال البديلة للمشاركة والتعبير التي يلجأ إليها الطلاب خارج الأطر الجامعية التقليدية.

 

  • ما الذي يتوقعه جيل زد من الجامعة؟

يعكس الاستبيان أن عددًا كبيرًا من الطلاب يتبني تصورًا واسعًا لدور الجامعة يتجاوز الدور التعليمي ويتضمن أبعادًا اجتماعية وثقافية وتنظيمية؛ فعند سؤال المشاركين عن وظيفة الجامعة، أتاح الاستبيان اختيار أكثر من إجابة. اختار 25 مشاركًا من أصل 46 “الحوار والنقاش والتفاعل مع الآخرين”، بما يمثل 54.3% من العينة. بينما اختار 23 مشاركًا (بنسبة 50%) “التنظيم الجماعي والعمل من خلال مجموعات مختلفة مع الآخرين”. كما اختار 21 مشاركًا، أي ما يعادل 45.7% من العينة، “تكوين الهوية الاجتماعية والسياسية” باعتباره أحد أدوار الجامعة الأساسية. في المقابل، اختار 13 مشاركًا أي 28.3% من العينة التعليم الأكاديمي فقط. ورغم أهمية هذه النسبة، فإنها تبقى أقل من نسب الاختيارات المرتبطة بالحوار والتنظيم الجماعي وتكوين الهوية.

تشير هذه النتيجة إلى أن التصور التقليدي الذي يحصر وظيفة الجامعة في العملية التعليمية لا يمثل الرؤية الغالبة بين الطلاب المشاركين في الاستبيان، وأن الخبرات الجماعية والمشاركة في الأنشطة والمبادرات جزء مهم من الحياة الجامعية. كما تشير أيضّا إلى أن تشكيل الوعي والهوية يحتل مكانة مهمة عند جيل زد، فبالنسبة لهم تمثل الجامعة مرحلة مهمة في تكوين التصورات الاجتماعية والسياسية، وتطوير القدرة على فهم القضايا العامة والتفاعل معها.

 

  •  كيف يجدون الجامعة في الواقع؟

في حين يطمح الطلاب إلى مساحات من التفاعل والتنظيم والاشتباك مع المجال العام من خلال الجامعة، تعكس الممارسات الفعلية كيانات تعليمية جامدة وشديدة البيروقراطية، تتعامل مع الطلاب من منظور الضبط الصارم، وتستهدف تجفيف منابع التعبير والحرية وتقييد قدرة الطلاب على الحركة والفعل.

فعند سؤال الطلاب “كيف ترى الوضع في جامعتك الحالية؟”، عبر 45.7% (21 طالبًا) عن أن الجامعة هي مؤسسة تفرض قيودًا مختلفة على الطلاب والعملية الأكاديمية. تعكس هذه الاستجابة التعقيدات الأمنية والإدارية المتصاعدة في الجامعات منذ 2013، والتي أدت إلى وجود مجموعة واسعة من اللوائح المقيدة للنشاط الطلابي، خاصة إذا كان هذا النشاط مستقلاً؛ مثل تنظيم فعاليات أو تأسيس أندية وكيانات ثقافية. وفي نفس السياق أشار 41.3% من الطلاب (بما يمثل 19 استجابة) إلى أن الجامعة تحولت إلى مساحة للتعليم الأكاديمي فقط.  ويعكس ذلك عدم رضا المشاركين، حيث تم  اختزال الفضاء الجامعي ليصبح مجرد قاعات للمحاضرات والاختبارات، مع إقصاء مساحات التعبير والإبداع والحوار التي يتوقعها الطلاب. ويؤكد ذلك أن 8.7% فقط من الطلاب الذين شاركوا في الاستبيان، يرون أن جامعاتهم تمثل مساحة للتعبير الحر.

يتضح ذلك أكثر من تحليل إجابات الطلاب على الأسئلة المفتوحة التي تصف علاقتهم بالجامعة، حيث أجاب 63% من الطلاب المشاركين بأن الجامعة تجسد أدوات للهيمنة الإدارية الجامدة، التي تحرم الطلاب من المعرفة الحيوية المرنة وتحولها إلى قوالب تفرض عليهم. كما تشير الشهادات إلى الاغتراب والفجوة المتزايدة بين طلاب جيل زد الباحثين عن أنفسهم وهويتهم، وإدارة الجامعة التي تمارس الوصاية والضبط.

يعبر أحد الطلاب عن تجربته في الجامعة ليصفها بأنها “مجرد سريان متقطع لمعرفة جامدة وقولبة بيروقراطية”. بينما يعبر آخر “علاقة متعفنة، سواء على المستوى الأكاديمي، أو على مستوى خلق مساحات ونشاطات تساعد على نمو واكتشاف هوية الإنسان واتساع آفاقه؛ لفشلها الذريع في التعامل مع كلتا المساحتين بشكل حقيقي”. ويصف طالب آخر علاقته بالجامعة قائلاً “محتاجين يتعاملوا معانا كبشر”. بينما ينحصر دور الجامعة لمشارك آخر بأنه “إحباط الطالب”.

في المقابل يرى حوالي 36% من الطلاب أن الجامعة ساعدت في تطوير شخصيتهم ووفرت لهم خبرات اجتماعية مهمة.

وعلى الرغم من أن الاستبيان لا يسمح بالوصول إلى استنتاجات عامة بشأن جميع الجامعات المصرية، فإن النتائج تكشف عن اتجاه واضح داخل العينة يتمثل في شعور عدد معتبر من الطلاب بأن الجامعة لا تقوم بالكامل بالأدوار التي يتوقعونها منها. فبينما ينظر المشاركون إلى الجامعة باعتبارها مساحة للتعلم والتفاعل الاجتماعي وتكوين الشخصية، فإن تقييماتهم لواقع التجربة الجامعية تشير إلى هيمنة الدور الأكاديمي التعليمي وتراجع الأبعاد الأخرى المرتبطة بالمشاركة والحوار والانخراط في الحياة العامة. وتمثل هذه الفجوة أحد المفاتيح الأساسية لفهم مواقف جيل زد من المؤسسات الطلابية الرسمية ومن أشكال المشاركة البديلة التي يلجأ إليها خارج الأطر الجامعية التقليدية.

 

  • أزمة التمثيل الطلابي

تاريخيًا مثلت الاتحادات الطلابية القناة الشرعية والمؤسسية الأكثر أهمية لممارسة الديمقراطية والتعبير عن مصالح الطلاب والدفاع عن حقوقهم في مواجهة السلطة الجامعية، إلا أن الهندسة الإدارية والسياسية التي خضعت لها الجامعات المصرية منذ عام 2013 عملت على تفريغ هذا الكيان من مضمونه التمثيلي التحرري. وتعكس نتائج الاستبيان هذا التصور؛ فعلى مقياس كمي من 1 إلى 5 (حيث 1 يمثل الفشل أو الغياب التام للميزة، و5 يمثل التحقق الكامل)، رأى 21 طالبًا من أصل 46 أي بما يعادل أكثر من 45%، أن الاتحادات الطلابية تعاني من غياب التمثيل والفعالية، بينما لم يمنح التقييم الكامل المعبر عن الفعالية والتمثيل الكامل سوى طالبين فقط، لتكشف النتيجة بوضوح عن رؤية الطلاب للاتحاد الطلابي ككيان معزول وغير مؤثر ولا يمثلهم.

أما فيما يخص استقلالية اتحاد الطلاب عن الجامعة، عبر 28 طالبًا من أصل 46 (أكثر من 62%) عن غياب الاستقلال بشكل كامل عن الجامعة، بينما يرى ثلاثة طلاب فقط أن الاتحاد الطلابي قد يكون مستقلاً عن إدارة الجامعة. ويشير ذلك إلى أن الاتحاد في وعي طلاب جيل زد ليس سوى امتداد إداري لإدارة الجامعة، وأداة لتنفيذ سياساتها وتوجيهاتها.

وفيما يتعلق بالقدرة على إحداث تغيير حقيقي، عبر 19 طالبًا بما يعادل 43%، عن أن الاتحاد الطلابي غير قادر تمامًا على إحداث تغيير حقيقي، بينما يرى طالب واحد أن الاتحادات قادرة تمامًا على إحداث تغيير، لتدلل هذه النتيجة عن عجز الاتحاد كقناة رسمية عن تحقيق مطالب الطلاب.

في السؤال المفتوح قدم الطلاب إجابات من واقع تجاربهم مع اتحاد الطلاب، تفسر إلى حد ما نظرتهم السلبية تجاهه، ومن تحليل هذه الإجابات يمكن الإشارة إلى نمطين رئيسيين لعلاقة الطلاب بالاتحاد:

يرى الاتجاه الأول أن وجود الاتحاد أصبح شكليًا وصوريًا، بعدما جرى تجريده من الصلاحيات الحقيقية، وأن إدارة الجامعة لا تريد كيانًا له قدرة على التفاوض والدفاع عن حقوق الطلاب، بل كيانًا يقتصر على الأنشطة الترفيهية مثل “تنظيم الحفلات والإيفنتات والكورال”، وذلك وفقًا لشهادة أحد الطلاب. ويقول طالب آخر واصفًا الاتحاد: “وجوده صوري.. وفكرة الحرارة والشد والجذب الديناميكي لصالح الطلاب مع الإدارة الجامعية مش موجودة، وده راجع برضه لحالة التسطيح المتعمد اللي حصلت للتجمعات الطلابية وقدرتها على الفعل”.

فى حين يشير الاتجاه الثاني إلى أن الاتحاد تحول إلى أداة لفرض السلطة والمحسوبية وتعزيز سلطة الإدارة، كما يصفه أحد الطلاب: “بيبقى شلة صحاب محدش بيقدر يدخل بينهم، ولو عملت خناقة مع حد منهم أنت كده في البلاك ليست.. واللي بيحبوه يبقى هو اللي يقدر يخرج للزيارات والندوات وبس”. ويؤكد ذلك طالب آخر: “الطلاب بيبقوا واخدين المنصب كأداة يبينوا فيها إنهم أحسن من باقي الطلاب، وفي نفس الوقت يفرضوا سلطة الجامعة من خلاله”. ويشير طالب آخر إلى أزمة الشرعية وغياب الانتخابات قائلا “حاليًا أصلاً موقفين الانتخابات بقالهم أكتر من تلت سنين وشغالين بالتزكية”.

ومع ذلك، لا تقدم النتائج صورة أحادية بالكامل، فقد اعتبر عدد محدود من المشاركين أن الاتحاد ما زال يؤدي بعض الوظائف المهمة، مثل تنظيم الأنشطة الطلابية، أو توفير قناة للتواصل مع الإدارة الجامعية، أو المساهمة في حل بعض المشكلات اليومية التي تواجه الطلاب، إلا أن هذه الآراء ظلت أقل حضورًا مقارنة بالتقييمات السلبية التي هيمنت على الإجابات المفتوحة.

تشير هذه النتائج إلى أن ضعف المشاركة في الاتحاد الطلابي لا يمكن تفسيره فقط باعتباره انعكاسًا لعدم اهتمام جيل زد بالشأن العام أو بالعمل الجماعي. فعلى العكس من ذلك، أظهرت نتائج الاستبيان السابقة أن نسبة كبيرة من المشاركين ترى أن الجامعة يجب أن توفر فرصًا للحوار والتنظيم والعمل المشترك. ومن ثم يبدو أن العزوف عن الاتحاد يرتبط بدرجة أكبر بضعف الثقة في فعاليته وقدرته على تمثيل الطلاب، أكثر من ارتباطه برفض فكرة المشاركة نفسها.

 

القسم الثالث: مسارات بديلة

 

تشير نتائج الاستبيان إلى تناقض في تجربة جيل زد داخل الجامعات المصرية؛ فقد أظهرت الاستجابات أن الطلاب ينظرون إلى الجامعة باعتبارها مساحة يفترض أن تتيح الحوار والتفاعل مع الآخرين، وتساهم في بناء الشخصية والهوية الاجتماعية، وتوفر فرصًا للتنظيم والعمل الجماعي. بالرغم من ذلك، تعكس الممارسات الفعلية محدودية هذه الأدوار وتراجع الثقة في المؤسسات الطلابية الرسمية وعلى رأسها الاتحاد الطلابي.

يتضح هذا التناقض بشكل أوضح عند تسليط الضوء على مسألة التعبير عن الرأي داخل الجامعة، فقد عبر 21 مشاركًا من أصل 46، أي نحو 45.7% من العينة، بأنهم امتنعوا في مرحلة ما عن القيام بفعل معين داخل الجامعة خوفًا من العواقب المحتملة. وعند توضيح طبيعة هذه الأفعال، تكررت الإشارة إلى الامتناع عن التعبير عن آراء سياسية أو اجتماعية، أو تجنب الانخراط في بعض الأنشطة والمبادرات العامة. وتشير هذه النتيجة إلى حضور أشكال من الرقابة الذاتية التي تدفع الطلاب إلى إعادة حساباتهم بشأن ما يمكن التعبير عنه أو ممارسته داخل الحرم الجامعي.

هذه القيود لا تعني بالضرورة تراجع اهتمام جيل زد بالشأن العام أو عزوفه عن المشاركة. فقد أظهرت نتائج الاستبيان، كما سبقت الإشارة، أن نسبة كبيرة من المشاركين ترى أن الحوار والتفاعل والعمل الجماعي تمثل وظائف أساسية للجامعة. ومن ثم يبدو أن ما يتراجع ليس الرغبة في المشاركة ذاتها، وإنما الثقة في المساحات والقنوات المتاحة داخل الجامعة لتحقيقها.

في هذا السياق، يصبح البحث عن مساحات بديلة للتعبير والتنظيم والتفاعل أمرًا مفهومًا، فحين تتقلص فرص المشاركة داخل الأطر الرسمية، يميل الطلاب إلى نقل جزء من نقاشاتهم وأنشطتهم إلى فضاءات أخرى أكثر مرونة، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو من خلال المبادرات والشبكات غير الرسمية. ومن هنا يمكن فهم عدد من المحاولات التي برزت بين طلاب جيل زد في الجامعات خلال السنوات الأخيرة، بوصفها محاولات لإعادة إنتاج أشكال جديدة من المشاركة خارج الحدود التقليدية التي تفرضها المؤسسة الجامعية.

 

  • وسائل التواصل الاجتماعي مساحة بديلة للتعبير

أدت السياسات والممارسات المتبعة من جانب السلطات الأمنية وإدارة الجامعة بعد 2013 إلى تقليص وتقييد المساحات المتاحة للتعبير والنشاط للطلاب، وتؤكد نتائج الاستبيان ذلك. في هذا الصدد يتجه بعض الطلاب إلى وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها فضاءً بديلاً للنقاش والتعبير عن الرأي. ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة إذا ما وضع في سياق الخصائص المميزة لهذا الجيل، الذي نشأ في بيئة رقمية أصبحت فيها المنصات الرقمية جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية ومن عمليات التواصل وتبادل المعلومات وبناء العلاقات الاجتماعية.

وتعكس نتائج الاستبيان أن اللجوء إلى وسائل التواصل الاجتماعي لا يمثل ممارسة هامشية بالنسبة للمشاركين، بل يرتبط بصورة مباشرة بالقيود التي يشعر البعض بها داخل الحرم الجامعي، حيث عبر ما يقرب من نصف المشاركين أنهم امتنعوا عن القيام بأفعال أو التعبير عن آراء معينة خوفا من العواقب داخل الجامعة. بالتزامن مع ذلك، برزت المنصات الرقمية باعتبارها إحدى المساحات التي يمكن من خلالها التعبير عن المواقف والآراء بصورة أكثر مرونة. كما تشير استجابات الطلاب أنهم يفضلون المنصات ذات الطابع المغلق أو شبه المغلق كمساحات أكثر أمانا للتعبير عن الرأي، إذ تكررت الإشارة إلى مجموعات واتساب وتليجرام بوصفها مساحات توفر قدرًا أكبر من الخصوصية مقارنة بالمنصات المفتوحة، إلى جانب حضور منصات أخرى مثل فيسبوك وإكس بدرجات متفاوتة. ويعكس ذلك أهمية عامل الأمان والقدرة على التحكم في الجمهور المستهدف عند اختيار المنصة المستخدمة للتعبير أو النقاش.

مخاوف الرقابة والعواقب تمتد إلى المنصات الرقمية، فقد أظهرت نتائج الاستبيان أن عددًا من المشاركين سبق لهم حذف منشورات أو محتوى منشور على حساباتهم خوفًا من تداعيات محتملة مرتبطة بالجامعة، بينما أبدى آخرون ترددًا أو عدم يقين بشأن ذلك. وتشير هذه النتيجة إلى أن الرقابة الذاتية لا تقتصر على المجال الجامعي المباشر، وإنما تمتد بدرجات متفاوتة إلى الفضاء الرقمي أيضًا. ومع ذلك، تظل وسائل التواصل الاجتماعي بالنسبة لعدد من طلاب جيل زد مساحة أكثر اتساعًا للتعبير وتبادل الآراء مقارنة بالقنوات التقليدية المتاحة داخل الجامعة.

 

  • الحراك الطلابي الداعم لفلسطين: استعادة الفعل الجماعي

مثّلت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 إحدى أبرز اللحظات التي أعادت إحياء أشكال جديدة من الفعل الطلابي بين قطاعات من جيل زد. ففي الوقت الذي أظهرت فيه مشاركات الطلاب في الاستبيان تراجع ثقتهم في المؤسسات الطلابية الرسمية وضعف المشاركة في الاتحادات الطلابية، عكست التعبئة المرتبطة بالقضية الفلسطينية قدرة الطلاب ورغبتهم على إنتاج مساحات وتنظيمات بديلة للمشاركة والعمل الجماعي خارج الأطر التقليدية المسيطر عليها.

ويُعد الحراك الذي شهدته الجامعة الأمريكية في القاهرة من أبرز الأمثلة على ذلك. فمنذ اندلاع الحرب، نظم الطلاب مظاهرات ووقفات احتجاجية وندوات وفعاليات ثقافية متعددة للتضامن مع فلسطين. وفي البداية ركزوا على مطالبة الجامعة بإصدار بيان يدين الانتهاكات التي يرتكبها الاحتلال في غزة، وتقديم منح ومساعدات للطلاب الفلسطينيين الدارسين بالجامعة. ومع استمرار الحرب، توسعت المطالب لتشمل قطع التعاون مع الشركات المتهمة بدعم الاحتلال الإسرائيلي، وعلى رأسها شركتا أكسا للتأمين وإتش بي إنك، بالإضافة إلى المطالبة بمزيد من الشفافية بشأن استثمارات الجامعة وكيفية إنفاق الرسوم الدراسية، وعدم توجيه أي موارد إلى شركات مدرجة ضمن قوائم المقاطعة.[15]

كما شهدت الجامعة خلال تلك الفترة سلسلة من الأنشطة المتنوعة التي شملت مسيرات واحتجاجات وصلوات غائب وندوات حول تاريخ فلسطين وأساليب المقاومة. كما شهدت عودة نادي القدس، وهو نادٍ طلابي مهتم بالقضية الفلسطينية كان قد توقف عن النشاط لسنوات طويلة قبل أن يعود مجددًا بعد أحداث السابع من أكتوبر. وإلى جانب ذلك تأسست حركة “طلاب الجامعة الأمريكية من أجل فلسطين”، وهي مبادرة مستقلة ضمت طلابًا وخريجين سعت إلى الضغط على إدارة الجامعة للاستجابة لمطالب المقاطعة والشفافية. ومن أبرز محطات هذا الحراك الاحتجاجات التي شهدتها الجامعة في إبريل 2024، حيث طالب المشاركون بالكشف عن استثمارات الجامعة ووقف أي علاقات مع الشركات الداعمة للاحتلال. كما استغل الطلاب فعاليات الأسبوع الثقافي السنوي لطرح مطالبهم أمام الحضور، حيث صعد عدد منهم إلى المسرح وقدموا مطالب تتعلق بالمقاطعة والشفافية المالية. إلا أن هذه التحركات واجهت تضييقات من جانب الأمن الجامعي، شملت محاولة تفريق المشاركين وإزالة اللافتات التي رفعها الطلاب.[16]

ومع تزايد الزخم الطلابي، بدأت إدارة الجامعة في فرض قيود إضافية على الفعاليات العامة، من بينها اشتراط إخطار الإدارة مسبقًا بأي مسيرات أو احتجاجات، ومنح الأمن الجامعي صلاحية إنهاء الفعاليات غير المصرح بها. كما مُنع بعض الخريجين والطلاب السابقين من دخول الحرم الجامعي للمشاركة في الأنشطة، وتعرض عدد من الطلاب للتوقيف أو التفتيش بسبب حملهم مواد أو لافتات داعمة لفلسطين.[17]

وفي السياق نفسه، شهدت الجامعات المصرية الحكومية محاولة أخرى لتأسيس إطار طلابي بديل تمثلت في إطلاق حركة “طلاب من أجل فلسطين” في مايو 2024. وقدمت الحركة نفسها باعتبارها مبادرة طلابية تسعى إلى دعم الشعب الفلسطيني والدفاع عن حقوق الطلاب الفلسطينيين في مصر، كما طالبت بحظر الدعاية للشركات الداعمة لإسرائيل داخل الجامعات وإعفاء الطلاب الفلسطينيين من الرسوم الدراسية.[18]

بمجرد الإعلان عن الحركة، قابلت الأجهزة الأمنية ذلك بردة فعل عنيفة ضد ثلاثة من الطلاب المؤسسين، هم: زياد البسيوني، مازن أحمد دراز، ومحمد إبراهيم، حيث ألقت القبض عليهم تباعًا، بسبب المشاركة في إنشاء كيان طلابي. ففي فجر التاسع من مايو 2024 ألقت قوات الأمن القبض على الطالبين زياد بسيوني (طالب في معهد الفنون المسرحية التابع لأكاديمية الفنون) ومازن أحمد دراز (طالب في كلية الطب جامعة المنصورة). وأُخفيا قسريًا لمدة أربعة أيام، قبل أن يظهرا أمام نيابة أمن الدولة في 13 مايو، لتقرر حبسهما 15 يومًا على ذمة القضية رقم 1941 لسنة 2024 حصر أمن دولة، ووجهت إليهما اتهامات منها الانضمام لجماعة ارهابية ونشر أخبار كاذبة. وفي 9 مايو قامت قوة أمنية مكونة من ستة أفراد بدخول جامعة المنصورة، وتحفظت على محمد إبراهيم من داخل المدرج، واحتجزته بمكتب عميد الكلية، وحقق معه على خلفية دعمه لفلسطين لمدة تجاوزت الـ٦ ساعات، دون سبب واضح أو حتى إذن قانوني، ثم أطلق سراحه بعد ذلك مع إخطاره بالحضور لمقابلة عميد الكلية بعد يومين، ليقوم الأخير بتوبيخه وتحذيره من القيام بأي أنشطة داخل الحرم الجامعي، وقد نشر محمد تدوينة على موقع اكس ينتقد فيها طريقة العميد معه وتحذيره له. بعد ذلك بأسبوع ألقت قوات الأمن القبض على محمد من منزله، وظهر أمام نيابة أمن الدولة على ذمة نفس القضية رقم 1941 لسنة 2024 حصر أمن دولة عليا.[19]

مُنع الطلاب الثلاثة من تأدية امتحانات نهاية العام الدراسي أثناء حبسهم، وقد حاولت أسرة الطالب مازن الحصول على مستنداته من جامعة المنصورة، لكن الجامعة رفضت تسليم أي وثائق لهم، مبررة ذلك بأن مازن لا يمكنه أداء الامتحانات، بحجة أن الكلية تعتمد على الامتحانات العملية، وذلك رغم أن الدراسة بالكلية لها جانب نظري وجانب عملي، إلا أن شؤون الطلاب رفضت التعاون مع أسرة مازن. أما أسرة زياد، فقد نجحت في الحصول على الوثائق الرسمية من الكلية وقدمتها إلى نيابة أمن الدولة، التي أفادت بأن زياد أودع السجن، وأن على الأسرة متابعة الإجراءات مع إدارة السجن، فتوجهوا لإدارة السجن التي أخبرتهم بأن الأمر بيد نيابة أمن الدولة، لتعود الأسرة من جديد لنيابة أمن الدولة، التي كررت ردها بأن الأمر بيد إدارة السجن. بالنسبة لمحمد إبراهيم، فقد تقدمت أسرته بطلب دخول الامتحانات مرتين، الأولى بعد القبض عليه بأسبوع في بداية الامتحانات، والثانية في منتصف الامتحانات في 12 يونيو، وتقدمت مؤسسة حرية الفكر والتعبير بطلب ثالث في مصلحة السجون، وكان الرد أن موافقة الكلية والجامعة على عمل لجان خاصة بالطلاب المسجونين هو شرط أساسي للموافقة ونقل الطالب من سجنه لسجن جمصة المخصص لعقد الامتحانات، وهو ما رفضته الجامعة بحجة أن الدراسة عملية وتحتاج حضور الطالب إلى الجامعة. ثم نجحت أسرته في تأجيل الامتحانات، كحل أخير بعد فشل محاولات تمكينه من حضورها.[20] وفي 22 يوليو 2024 أفرجت نيابة أمن الدولة عن مؤسسي حركة طلاب من أجل فلسطين الثلاثة.

تكشف هذه الوقائع عن أن تراجع فعالية القنوات الطلابية التقليدية لم يؤد إلى غياب المشاركة الطلابية، بل دفع قطاعات من جيل زد إلى البحث عن أشكال أكثر مرونة واستقلالاً للعمل الجماعي. وفي هذا السياق، مثلت القضية الفلسطينية مساحة جامعة، استطاع من خلالها الطلاب إعادة بناء شبكات تضامن وتنظيم مبادرات مستقلة خارج الأطر التمثيلية التقليدية، حتى وإن ظلت هذه المحاولات تواجه قيودًا وضغوطًا مستمرة.

 

 

 

خاتمة وتوصيات

 

سلطت الورقة الضوء على الفجوة بين تصورات الجيل زد للجامعة وبين الممارسات الفعلية والتجارب اليومية داخل الجامعات. فعلى الرغم من أن قطاعًا واسعًا من المشاركين ينظر إلى الجامعة باعتبارها مساحة للتعلم والحوار والتفاعل الاجتماعي وتكوين الهوية، فإن الواقع الذي يصفونه يعكس هيمنة الأدوار الأكاديمية الضيقة وتراجع مساحات المشاركة والتعبير والتنظيم داخل الحرم الجامعي.

كما تظهر النتائج أن تراجع الثقة في الاتحادات الطلابية والمؤسسات التمثيلية الرسمية لا يرتبط بعزوف الطلاب عن الشأن العام أو رفضهم للعمل الجماعي، وإنما يرتبط بدرجة أكبر بإدراكهم محدودية تأثير هذه الأطر وضعف استقلاليتها وقدرتها على تمثيل مصالحهم. وفي هذا السياق، اتجه العديد من الطلاب إلى البحث عن مساحات بديلة للتعبير والتواصل، سواء عبر المنصات الرقمية أو من خلال المبادرات والشبكات غير الرسمية.

وتوضح تجربة الحراك الداعم لفلسطين أن الرغبة في الفعل الجماعي لا تزال حاضرة لدى قطاعات من جيل زد، وأن القيود المفروضة على المجال الطلابي لم تؤد إلى اختفاء المشاركة بقدر ما دفعتها إلى اتخاذ أشكال جديدة وأكثر مرونة. ومن ثم فإن فهم العلاقة بين جيل زد والجامعة المصرية لا يقتصر على دراسة القيود المفروضة داخل المؤسسة الجامعية، بل يتطلب أيضًا النظر إلى الكيفية التي يعيد بها الطلاب إنتاج مساحات المشاركة والتعبير خارج الأطر التقليدية.

تشير هذه النتائج إلى أن مستقبل الحياة الجامعية لا يتوقف فقط على تطوير العملية التعليمية، وإنما يرتبط أيضًا بقدرة الجامعات على استعادة دورها بوصفها فضاءً للحوار والتعددية والمشاركة الطلابية الفعالة.

وعليه توصي هذه الورقة بالتالي:

  • ضمان احترام الحق في حرية التعبير والتجمع السلمي داخل الحرم الجامعي، بما يتوافق مع الدستور المصري والمعايير الدولية للحقوق والحريات الأكاديمية.
  • ضمان نزاهة واستقلال الانتخابات الطلابية بما يسمح بتمثيل حقيقي للطلاب.
  • مراجعة اللوائح المنظمة للأنشطة الطلابية والاتحادات بما يزيل القيود غير الضرورية على المشاركة والتنظيم داخل الجامعات.
  • تعزيز استقلالية الاتحادات الطلابية ومنحها صلاحيات فعلية تمكّنها من تمثيل الطلاب والتفاوض باسمهم أمام الإدارات الجامعية.
  • تطوير سياسات جامعية أكثر شفافية فيما يتعلق بإدارة الأنشطة الطلابية واتخاذ القرارات المؤثرة على الحياة الجامعية.
[1] "الجيل زد".. شباب ولدوا مع الثورة الرقمية"، الجزيرة، 1 يناير 2026، https://shorter.me/zBi6B

[2] "What is Gen Z?” , McKinsey and company, 28 August 2024, https://www.mckinsey.com/featured-insights/mckinsey-explainers/what-is-gen-z

[3] Ibid.

[4] امل شمس، "جيل زد أهم السمات ورهانات المستقبل"، آفاق مستقبلية، يناير 2025، ص 106.

[5] زياد عبد التواب، "الجيل زد ماذا يقرأ وكيف يقرأ؟"، السياسة الدولية، 19 ديسمبر 2022، https://www.siyassa.org.eg/News/18465.aspx

[6] أحمد عبد الحليم، "لماذا يعيش جيل زد في “استقلالية مزيفة”؟"، نون بوست، 7 ديسمبر 2025، https://www.noonpost.com/343688/

[7] انتهاكات الحرية الأكاديمية (ورقة مقدمة للحوار الوطني)، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، 27 يونيو 2023، 

https://afteegypt.org/research/research-papers/2023/06/27/34754-afteegypt.html

[8]خنق المجال العام عن حالة حرية التعبير في مصر 2014، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، ص 13.

الحصاد الأسبوعي لانتهاكات الجامعات| قبل أيام من بدء امتحانات نهاية العام.. استمرار اقتحام الشرطة لحرم الجامعات واعتقالات عشوائية بالجملة، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، 27 ابريل 2014،

https://afteegypt.org/research/monitoring-reports/2014/04/27/7483-afteegypt.html

[9] قرار جمهوري بتعديل قانون تنظيم الجامعات، الهيئة العامة للاستعلامات، 18 فبراير 2014،

https://www.sis.gov.eg/Story/84389?lang=ar

[10] قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 134 لسنة 2014، 22 أكتوبر 2014 https://manshurat.org/node/3601

[11] القانون رقم 136 لسنة 2014، 27 أكتوبر 2014، https://manshurat.org/node/6563

[12] محمد بصل، “السيسي يصدر تشريعا خاصا بحالات عزل أساتذة الجامعات"، الشروق، 16 يناير 2015،

https://bit.ly/3IUTjMP

[13] مجلس الوزراء يعتمد اللائحة الطلابية وانتخابات الاتحادات الأسبوع القادم، مصراوي، 23 نوفمبر 2017،https://tinyurl.com/5dfr47hm

[14] اتحاد خارج التغطية قراءة في الانتخابات الطلابية بالجامعات المصرية خلال عقد 2011 – 2021، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، 22 ابريل 2021، https://afteegypt.org/research/research-papers/2021/04/22/21636-afteegypt.html

[15] طبقا لتقرير لمنظمة SumOfUs غير الحكومية، فإن شركة اكسا للتأمين لديها نشاطات واستثمارات في مجال التصنيع العسكري الإسرائيلي والاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وفيما يتعلق بشركة “إتش بي إنك” وهي شركة أمريكية متعددة الجنسيات لتكنولوجيا المعلومات ومقرها (بالو ألتو) بكاليفورنيا. فقد أثيرت التساؤلات حولها منذ أكتوبر 2023، وشدد المقاطعون على ضرورة تجاهل منتجات الشركة، إذ اتهمت بدعم وتمويل الأنشطة الإسرائيلية داخل سجون الاحتلال وتوفير الدعم المالي للاحتلال بعدة طرق شملت تبرعات بملايين الدولارات واستثمارات في شركات الاحتلال.

 رباب عزام. طلاب الجامعة الأمريكية يتهمون الإدارة بتمويل الإبادة في غزة. زاوية ثالثة. 23 أبريل 2024، 

https://zawia3.com/auc/

 مقابلة مع أحد طلاب الجامعة الأمريكية عبر تطبيق سجنال.

جمعية علم الإنسان وعلم الاجتماع وعلم المصريات بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. منشور بتاريخ 22 ابريل 2024،http://surl.li/ixfrjd

[16] صفحة حركة طلاب الجامعة الأمريكية من أجل فلسطين على انستجرام،

https://www.instagram.com/p/C6uEovSLijH/?img_index=1

مقابلة مع أحد طلاب الجامعة الأمريكية عبر تطبيق سجنال.

 مقابلة مع أحد طلاب الجامعة الأمريكية عبر تطبيق سجنال.

جمعية علم الإنسان وعلم الاجتماع وعلم المصريات بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، مرجع سابق.

[17] مقابلات مع عدد من طلاب الجامعة الأمريكية عبر تطبيق سجنال.

[18]  صفحة طلاب من أجل فلسطين على الفيسبوك، منشور بتاريخ 7 مايو 2024، تاريخ الاطلاع 2 ديسمبر 2024،

http://surl.li/hrvpsj

ضيف، إسلام (2024).  الجامعات المصرية.. أين هي من الحراك الطلابي العالمي المساند لفلسطين. السفير العربي. 7 يونيو، تاريخ الاطلاع 9 أكتوبر 2024، http://surl.li/alwfzg 

[19] وحدة المساعدة القانونية بمؤسسة حرية الفكر والتعبير.

[20] المرجع السابق.

للإشتراك في نشرة مؤسسة حرية الفكر والتعبير الشهرية

برجاء ترك بريدك الالكتروني أدناه.