إتاحة المعلومات بدلًا من مطاردة الشائعات: كيف يمكن أن تتغير السياسة العامة المتعلقة بتداول المعلومات في مصر؟

تاريخ النشر : الثلاثاء, 24 فبراير, 2026
Facebook
Twitter

ورقة بحثية من إعداد: محمود عبد الظاهر

المحتوى

منهجية

مقدمة

تمهيد: تجريم نشر الشائعات والأخبار الكاذبة في القانون المصري

أولًا: مؤسسات الدولة وكيفية تتبع الشائعات والأخبار الكاذبة

ثانيًا: أجهزة ومبادرات رسمية لإتاحة المعلومات

ثالثًا: أزمة المنظومة الرسمية في التعامل مع الشائعات في ظل فجوة الحصول على المعلومات

رابعًا: توصيات لتغيير السياسة العامة المتعلقة بتداول المعلومات

خاتمة

 

منهجية

تعتمد الورقة على تحليل المضمون، والتحليل القانوني، وتتبع وتحليل البيانات والتقارير الإعلامية المنشورة عن الآليات الرسمية لرصد والتعامل مع الشائعات. وأجرى الباحث 3 مقابلات، مع اثنين من الأعضاء بمجلسي النواب والشيوخ، وباحث سابق في أحد الآليات الحكومية للتعامل مع الشائعات.

 

مقدمة

بنهاية العام 2025، غطّت مواقع صحفية عديدة اجتماع لمجلس الوزراء، ناقشت فيه الحكومة “كيفية تعزيز منظومة التصدي للشائعات والأخبار الكاذبة، وكذا مختلف صور الإساءة للمجتمع، والإضرار المتعمد بالاقتصاد المصري”، وهو ما عالجته الحكومة بتكليف وزارة العدل بإعداد مشروع قانون يتضمن تعديل قانون العقوبات لتشديد العقوبات المرتبطة بالأخبار والشائعات الكاذبة. وكأن العقوبات الحالية – والتي لا تنقصها الشدة بالمناسبة إذ تتضمن عقوبات سالبة للحرية- هي التي تساعد على انتشار الشائعات.

تتأثر الشائعات والأخبار الكاذبة بعوامل عديدة، تدفعها  إما للانتشار وتحقيق أثر ضار سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، وإما للانحسار والنسيان، ومن بين هذه العوامل، الرد والتفنيد للشائعات بشكل شفاف وصادق، وكذلك بمبادرة مؤسسات الدولة بالنشر المسبق والشفاف لمعلومات كافية حول ما تديره من ملفات، وما يدخل في نطاق مسؤولياتها من قضايا. وبالتالي فسعي الحكومة في الوقت الحالي لمواجهة الشائعات بالاعتماد على تشديد العقوبة وحده يستدعي التوقف أمام جدوى تجاهل كل العوامل المرتبطة بانتشار أو انحسار الشائعات.

ينص الدستور المصري بشكل واضح على ملكية الشعب للمعلومات والبيانات، وحقه في الوصول إليها وتداولها، ويضع واجب على مؤسسات الدولة بالإفصاح عنها. لكن ومع ذلك وبسبب غياب القانون المنظم لهذه العملية، لم توضع هذه المادة الدستورية موضع التطبيق الكامل حتى الآن، رغم مرور 14 عامًا على صدور الدستور الحالي، وانتهاء فصلين تشريعيين لمجلس النواب، وبدء الفصل الثالث مطلع العام الحالي 2026. مع ذلك فتأخر التشريع لا ينفي عن الحكومة واجبها باحترام الحق الدستوري والسعي لتطوير إجراءات تتيح التطبيق الفوري لهذه المادة دون الانتظار للتشريع.

تسعى هذه الورقة البحثية للإجابة على سؤال: كيف تتعامل السلطات في مصر مع الأخبار والشائعات الكاذبة في ظل التجاهل  المستمر للحق الدستوري في حرية تداول المعلومات. بما يستتبعه هذا السؤال من أسئلة فرعية تتضمن الورقة خمسة أجزاء رئيسية، تبدأ بجزء تمهيدي حول العقوبات المختلفة التي تتضمنها التشريعات المصرية لجرائم نشر الشائعات والأخبار الكاذبة، ثم تنتقل لمناقشة المنظومة الحالية التي تعتمد عليها السلطات في مصر لرصد والتعامل مع الأخبار والشائعات الكاذبة، ومدى كفاءة وفعالية هذه المنظومة، وصولًا إلى توصيات حول تحسين السياسات والآليات الرسمية للإفصاح عن المعلومات.

 

تمهيد: تجريم نشر الشائعات والأخبار الكاذبة في القانون المصري

تضمن القانون رقم 58 لسنة 1937 وتعديلاته (قانون العقوبات) ثلاثة مواد أساسية للتعامل مع نشر الأخبار والشائعات الكاذبة، إذ تنص المادة (80 د) على: “يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن 100 جنيه ولا تجاوز 500 جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل مصري أذاع عمداً في الخارج أخباراً أو بيانات أو إشاعات كاذبة حول الأوضاع الداخلية للبلاد وكان من شأن ذلك إضعاف الثقة المالية بالدولة أو هيبتها واعتبارها أو باشر بأية طريقة كانت نشاطاً من شأنه الإضرار بالمصالح القومية للبلاد. وتكون العقوبة السجن إذا وقعت الجريمة في زمن حرب.”[1]

 

تجاهل المشرع في هذه المادة تقديم تعريف لما أطلق عليه “أخباراً أو بيانات أو إشاعات كاذبة” وترك هذه المهمة لاجتهادات المحاكم المختلفة عند تطبيق النص. وكذلك الأمر بالنسبة لألفاظ أخرى داخل المادة مثل “الثقة المالية بالدولة”، و “هيبتها”، و “اعتبارها”، و “المصالح القومية للبلاد”. وكلها ألفاظ يمكن أن تقوم المحاكم بالتوسع في تفسيرها بما يمثل تضييقًا على الحق الإنساني، والدستوري، للمواطنين والمواطنات في حرية التعبير. في التعليق العام رقم 34 الصادر عن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان[2] تشير اللجنة لمعايير صياغة القاعدة القانونية التي تشكل قيدًا على حرية التعبير فتقول: “يجب أن تُصاغ القاعدة التي ستعتبر بمثابة “قانون” بدقة كافية لكي يتسنى للفرد ضبط سلوكه وفقاً لها.”[3]

تتضمن أركان جريمة نشر أخبار وشائعات كاذبة، الركنين التقليديين لأي جريمة وهما الركن المادي. ويتمثل هنا في سلوك إذاعة أو نشر الأخبار أو البيانات أو الشائعات الكاذبة، وفي النتيجة المترتبة على هذا السلوك وهي بحسب نص المادة (80 د) إضعاف الثقة المالية بالدولة أو هيبتها واعتبارها والإضرار بالمصالح القومية للبلاد، ووجود علاقة سببية ما بين السلوك وما بين النتيجة. أما الركن الثاني للجريمة فهو الركن المعنوي، أو ما يعرف بالقصد الجنائي، بالإضافة للركنين المادي والمعنوي لهذه الجريمة فهناك ركن خاص وهو العلانية، فلقيام هذه الجريمة يجب أن تكون الأخبار والشائعات  تم الجهر بها/نشرها بشكل علني، وهو ما عبرت عنه النصوص القانونية بلفظ “الإذاعة”، ولا يشترط هنا طريقة معينة للعلانية، فيكفي نشر الأخبار بأي وسيلة، بما في ذلك الإنترنت، أو الجهر بها في مكان عام، وغير ذلك من طرق العلانية.

يُضاف للمادة السابقة، ما جاء في المادة رقم (102 مكرر) من قانون العقوبات وتنص على: “يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن خمسين جنيهاً ولا تجاوز مائتي جنيه كل من أذاع عمداً أخباراً أو بيانات أو إشاعات كاذبة إذا كان من شأن ذلك تكدير الأمن العام أو إلقاء الرعب بين الناس أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة. وتكون العقوبة السجن وغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا تجاوز خمسمائة جنيه إذا وقعت الجريمة في زمن الحرب. ويعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في الفقرة الأولى كل من حاز بالذات أو بالواسطة أو أحرز محررات أو مطبوعات تتضمن شيئاً مما نص عليه في الفقرة المذكورة إذا كانت معدة للتوزيع أو لاطلاع الغير عليها، وكل من حاز أو أحرز أية وسيلة من وسائل الطبع أو التسجيل أو العلانية مخصصة ولو بصفة وقتية لطبع أو تسجيل أو إذاعة شيء مما ذكر.”

وتنص المادة رقم (188) وهي خاصة بـالجرائم التي تقع بواسطة الصحف وغيرها، على “يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من نشر بسوء قصد بإحدى الطرق المتقدم ذكرها أخبارًا أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو أوراقاً مصطنعة أو مزورة أو منسوبة كذبًا إلى الغير، إذا كان من شأن ذلك تكدير السلم العام أو إثارة الفزع بين الناس أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة.”

برغم الإطار التشريعي العام للتعامل مع الأخبار والشائعات الكاذبة بمختلف أنواعها، لم تخلُ تشريعات أخرى من مواد عقابية تتعامل مع نشر أنواع بعينها من الأخبار الكاذبة. مثلًا تنص المــادة (13) من قانون إعادة تنظيم الهيئة العامة للأرصاد الجوية على: “مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد ينص عليها قانون العقوبات أو أي قانون آخـر، وبمراعاة أحكام المادة (11) من هذا القانون، يعاقب بغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تزيد على خمسة ملايين جنيه كل من يرتكب فعلًا من الأفعال الآتية: …..، 3- نشر أي معلومات غير صحيحة خاصة بالأرصاد الجوية أو حالة الطقس على وسائل التواصل الاجتماعي، أو بأي وسيلة من وسائل النشر. ….”[4]

حسب ما هو متوافر من معلومات، لم يوضع هذا النص موضع التطبيق أمام المحاكم حتى الآن. لا يرجع ذلك لغياب تام لشائعات تتعلق بالمناخ ولكن يرجع لضآلة انتشارها، في ضوء سلوك هيئة الأرصاد الجوية في النشر اليومي، والمسبق لجميع المعلومات والبيانات المتعلقة بحالة الطقس. كما تقوم وسائل الإعلام بالنقل عن الهيئة كمصدر أساسي دون غيره.

يتضمن قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام حظرًا[5] جديدًا على نشر الاخبار الكاذبة، في الصحف أو الوسائل الإعلامية أو المواقع الالكترونية، أو حتى المواقع الإلكترونية والمدونات والحسابات الشخصية التي يزيد متابعيها عن 5000 متابع. لا يأتي هذا الحظر بديلًا للعقوبة الجنائية السابق بيانها ولكن مزامًنا لها، ليعطي للمجلس الحق في وقف أو حجب الموقع أو المدونة أو الحساب المشار إليه بقرار منه.

تسعى الحكومة الحالية لإضافة تشديد جديد للعقوبات الموجودة في المواد السابق توضيحها، رغم أن النصوص الحالية لا ينقصها الشدة.[6] ومن الأجدر أن تسعى الحكومة لضمان إفصاح مؤسسات الدولة عن المعلومات الرسمية ووصولها للمواطنين بطريقة لا تفرض عليهم أعباء مالية، خاصة أنه حتى اللحظة لم يصدر قانون حرية تداول المعلومات.

أولًا: مؤسسات الدولة وكيفية تتبع الشائعات والأخبار الكاذبة 

تتعدد الجهات الحكومية التي تقوم بمراقبة وحصر الشائعات، ومن ثم الرد وتفنيد ما تعتبره الحكومة من “الأخبار والشائعات الكاذبة”، تنقسم هذه الجهات لفئتين، الفئة الاولى تضم وحدات إعلامية وإدارات متخصصة داخل وزارة أو جهة رسمية، وتكون هذه الوحدات معنية بالتعامل مع الشائعات الواقعة في نطاق عمل الجهة التي تتبعها الوحدة، مثل الوحدات الإعلامية بالوزارات المختلفة وما تنشره عبر حسابات تلك الوزارات عبر منصات التواصل الاجتماعي من رد على ما تعتبره تلك الوزارات، أخبارًا  وشائعات كاذبة. وثمة فئة ثانية من الآليات الحكومية تتعامل مع الشائعات بشكل عام، دون تخصيص لقطاع بعينه، بل تتعدى ذلك لإعداد تقارير تفصيلية _غير منشورة_ حول عدد الشائعات ومضمونها وتقسيمها تبعًا للقطاع الذي تستهدفه. أو تتولى مهمة تدريب فئات متعددة من المجتمع على رصد والتعامل مع الشائعات.

في السنوات الأخيرة، برز دور المركز الإعلامي لمجلس الوزراء. وفقًا لما هو متاح من المعلومات، فالمركز يقوم بشكل يومي برصد الشائعات، وتحليلها، ثم الرد عليها بشكل رسمي عبر الصفحة الرسمية لمجلس الوزراء على فيسبوك بالاعتماد على ما توفره الوزارات والجهات الحكومية من بيانات للمركز. وتنقل جهات رسمية أخرى عديدة ما ينشره المركز، من أبرزها الهيئة العامة للاستعلامات.

يقوم المركز بإعداد تقرير سنوي حول الشائعات التي قام برصدها، والتصدي لها، منذ عام 2014. ويقتصر هذا التقرير على نشر إحصائيات إجمالية تقارن بين ما تم رصده في العام المعني، ومقارنة هذا العدد بالعام و/أو الأعوام السابقة. في تقريره الأخير، الخاص بالعام 2025، يشير المركز لحصة العام من إجمالي الشائعات التي رصدها على مدار الفترة 2014- 2025 وفقًا لتوزيع نسبي لإجمالي الفترة، حيث بلغ المعدل 14.5% عام 2025، مقارنة بـ 13.8% عام 2024، و13.4% عام 2023، و11.9% عام 2022، و11.2% عام 2021، و10.6% عام 2020، و9.2% عام 2019، و6% عام 2018، و4.3% عام 2017، و3% عام 2016، و1.4% عام 2015، و0.7% عام 2014.[7]

يتضمن التقرير نفسه نسب انتشار الشائعات بشكل شهري، مقارنة بالعدد السنوي الإجمالي، وكذلك ترتيب القطاعات طبقًا لمعدل انتشار الشائعات خلال عام 2025، وفقًا لتوزيع نسبي لإجمالي الفترة. جاءت النسبة الأكبر لقطاع الاقتصاد بـ 20.3%، يليه قطاع التعليم بـ 11.4%، فيما سجل قطاع الصحة 11%، والسياحة والآثار 10.2%، كما سجل قطاع الزراعة 9.6%، وقطاع التموين 8.8%، في حين سجل قطاع الطاقة والوقود 6.1%.. وفي السياق ذاته، بلغت نسبة الشائعات المتعلقة بقطاع الحماية الاجتماعية 5.3%، كما سجل قطاع الإسكان 5.1%، وقطاع النقل 4.6%، والاتصالات 3.9%، في حين سجل قطاع الأوقاف 1.6%، وقطاع البيئة 1.4%، بجانب بلوغ نسبة الشائعات المتعلقة بباقي القطاعات الأخرى 0.7%.[8]

يحتوي المنشور نفسه على قائمة بعشر شائعات بعينها، اعتبرها التقرير “الشائعات الأخطر خلال العام” وكان من بينها: بيع منطقة وسط البلد لإحدى الدول الخليجية، انتشار فيروس عالي الخطورة وتزايد حالات الوفيات في المدارس، وانتشار جنيهات سبائك ذهبية مغشوشة بالأسواق لغياب الرقابة.[9] دون توضيح لماهية المعيار الذي استند إليه القائمين على إعداد التقرير في تقدير “الخطورة” التي تمثلها هذه الشائعات قياسًا بالشائعات الأخرى، خصوصًا ونحن لا نعلم أي تفاصيل تخص باقي الشائعات التي لم يوفر التقرير أي تفاصيل عنها.

وبالنظر إلى التقارير التي نشرها المركز من نفس النوع، بدءً من العام 2018، وحتى العام 2025، لم يتعد المضمون نشر مجموعة من صور الانفوجراف، توضح نسب الشائعات قطاعيًا، أو شهريًا على مدار السنة، وفي السنوات الأخيرة تضمن التقرير مقارنة بين عدد الشائعات التي تنتشر في عام معين قياسًا لرقم الشائعات الإجمالي، الذي رصده المركز منذ العام 2014.

تجاهل المركز الإعلان ذكر عدد الشائعات التي قام برصدها، في السنوات التي غطاها بالرصد، فالمنشورات طوال الوقت تُنشر النسب الإحصائية الناتجة عن مقارنة بين أرقام لا يعرف أحد عنها شيئًا. بالإضافة لذلك لم ينشر المركز أي معلومات حول منهجيات العمل وجمع المعلومات، التي تعتمد عليها هذه التقارير. وبالتالي، ليس هناك ما يوضح كيف يتم رصد الشائعات وهل هي شائعات منتشرة بين الناس أم على الأنترنت، أم الإثنين معًا. وما هي المعايير التي يصنف على أساسها المركز، خبر أو رواية بعينها على أنها شائعة خصوصًا في الموضوعات التي تحتمل رؤيتها من جوانب متعددة. كذلك نحن لا نعرف شيئا عن حجم انتشار هذه الشائعات، وهل يتم معاملة معلومة مغلوطة موجودة في منشور واحد على أحد منصات التواصل الاجتماعي بنفس الطريقة كما لو تواجدت في أكثر من مشور.

والسؤال هنا أيضًا: هل يتم الرد على كل الأخبار والشائعات الكاذبة التي تم رصدها؟ أم هناك يد عليا تحدد ما يمكن الحديث عنه وما لا يمكن الخوض فيه من موضوعات، حتى لو انتشر الحديث عن هذه الموضوعات داخل المجتمع بشكل كبير. تبقى كل هذه الأسئلة بلا إجابات، طالما ظلت المنهجية، والتقارير الكاملة للمركز غير متاحة.

تداولت مواقع إخبارية متعددة مؤخرًا، توجيه رئيس الوزراء “بإطلاق المنصة الرقمية للمركز الإعلامي لمجلس الوزراء للتحقق من صحة الأخبار المنشورة بشكل سريع، فمن المرتقب إطلاق منصة رقمية للمركز تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة؛ للمساعدة على التحقق من صحة الأخبار المنشورة، عبر إجراء «تحليل مضمون» في ثوانٍ معدودة لأي خبر منشور، أو صورة منشورة، وإعطاء النتيجة بدقة عالية”[10] وهو ما يعني أن المستقبل القريب الذي تفكر فيه الحكومة للتعامل مع الأخبار والشائعات الكاذبة يتضمن فقط تحديث آليات الرصد والمراقبة والرد لدى هذا المركز، مع تجاهل لسد الفجوات المعلوماتية.

وتعد “وحدة تصدوا معنا” داخل وزارة الشباب والرياضة بمثابة الآلية الحكومية الثانية للتصدي للأخبار والشائعات الكاذبة. بدأت وحدة “تصدوا معنا” كمبادرة من وزارة الشباب والرياضة بهدف تنظيم “توعية موسعة على نطاق جميع المحافظات يشارك فيها الشباب المصري بجميع فئاته المختلفة، وتأتي في إطار الدعوة التي أطلقها السيد رئيس الجمهورية للشباب المصري بالتصدي للتحديات التي تواجه الدولة المصرية سواءً في الداخل أو الخارج بما يتضمنه ذلك من مواجهة الشائعات، والحث على نشر مزيد من الوعي بالقضايا المعاصرة، وإعداد جيلًا من الشباب قادرًا على مواجهة الشائعات، وعدم الانصياع وراء الإعلام الخارجي الهدام والمروج للشائعات وزرع الإحباط لدى الشباب المصري.”[11]

نفذت الوحدة، في نوفمبر 2020، نشاطها الأول وهو برنامج تدريبي لإعداد مدربي مواجهة الشائعات وتأثيرها على الأمن القومي، بمشاركة (85) شاب/ة من خريجي دورات الدراسات الاستراتيجية والأمن القومي والتي تنظمها الوزارة بالتعاون مع أكاديمية ناصر العسكرية، من محافظات (القاهرة، الإسكندرية، السويس، الغربية، الشرقية، الوادي الجديد، أسيوط، المنيا، سوهاج، بورسعيد، مطروح).[12]

وحول عمل هذه الوحدة، قال مساعد وزير الشباب والرياضة في مداخلة تلفزيونية أن الوحدة تعتمد على مسارات مختلفة منها مسار التدريب للشباب على التصدي للشائعات، وقيام هؤلاء الشباب فيما بعد بنشر الوعي في مراكز الشباب والجامعات والمدارس في المحافظات المختلفة. كذلك تنظم الوحدة موائد مستديرة للخبراء والمتخصصين، بالإضافة لعقد شراكات مع شركات ومنصات التواصل الاجتماعي ومنها ميتا وتيك توك بهدف تدريب الشباب على التعامل مع الشائعات. تعمل الوحدة أيضًا من خلال مجموعة من الباحثين على الرصد للشائعات، والتنبؤ بـ “الشائعات الموسمية” مثل الشائعات المرتبطة بدخول المدارس وغيرها، وإبلاغ الجهات الحكومية المعنية بها للتعامل معها.[13]

مؤخرًا أعلنت وزارة الشباب والرياضة أنها نفّذت “من خلال وحدة (تصدوا معنا) البرنامج التدريبي لصناع المحتوى والمؤثرين إعلاميًا “How to be influencer”، واستضافت عددًا كبيرًا من صُنّاع المحتوى والمؤثرين خلال العديد من الفعاليات والأنشطة التي تنفذها الوزارة بمختلف المحافظات، في إطار حرصها على تعزيز الشراكة مع المؤثرين، وبناء جسور تواصل فعّالة مع صُنّاع المحتوى، وتوسيع دائرة التأثير الإيجابي، وإشراكهم في نقل الصورة الحقيقية لجهود الدولة، وتوظيف طاقتهم وتأثيرهم في خدمة قضايا الوطن، ودعم الرسائل الوطنية، وترسيخ الوعي، ومواجهة الشائعات، وتعزيز الانتماء والهوية الوطنية.”[14]

عقب هذا البرنامج، وفي يناير 2026، أعلنت وزارة الشباب والرياضة عن تدشين مركز صُنّاع المحتوى (Creator Hub) التابع لوحدة تصدوا معنا، “كمنصة وطنية متخصصة تهدف إلى إعداد وتأهيل جيل جديد من صُنّاع المحتوى القادرين على التعبير الواعي عن قضايا الوطن، والمساهمة الفاعلة في حماية وبناء الوعي المجتمعي.”[15] ويستهدف هذا المركز الجديد إطلاق حملات رقمية مشتركة مع الجهات الحكومية، وإنتاج محتوى توعوي متنوع (فيديو – إنفوجراف – بودكاست)، إلى جانب إدارة منصات تواصل رسمية للمركز، وتنظيم ورش عمل ودورات تدريبية متخصصة في التحقق من الأخبار ومكافحة الشائعات، ووضع مدونة سلوك لصُنّاع المحتوى.[16]

لا تقوم وحدة تصدوا معنا – حتى الآن- بالتصدي المباشر للأخبار والشائعات الكاذبة سواء الموجودة على منصات التواصل الاجتماعي أو التي تنتشر بين الناس. يقتصر دورها على تنظيم وتنسيق برامج بناء قدرات حول رصد الشائعات وخطورتها والتعامل معها. يقوم المستفيدون من هذه البرامج بنشر هذا الوعي في المدارس والجامعات ومراكز الشباب وغيرها من أماكن التجمعات. كذلك تملك الوحدة مجموعة بحثية مكونة من مجموعة من الشباب المنخرطين في أنشطة الوحدة بالإضافة لفريق الوحدة الإعلامية بوزارة الشباب والرياضة. تقوم هذه الوحدة البحثية برصد الشائعات المنتشرة عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، وإبلاغ الجهات الحكومية التي تدخل هذه الشائعات في نطاق عملها، لاتخاذ اللازم والرد على هذه الشائعات.[17]

إلى جانب الآليتين الرئيسيتين السابقتين، والتي تضطلع الآلية الأولى منهما برصد والرد المباشر على الأخبار والشائعات الكاذبة، بينما تقوم الآلية الثانية برصد الشائعات، وتدريب آلاف من الشباب حول كشف والتصدي للأخبار الكاذبة والشائعات. توجد أيضًا جهود متفرقة للوزارات والهيئات الحكومية المختلفة في التعامل مع ما تعتبره تلك الجهات من الأخبار والشائعات الكاذبة، التي تدخل في نطاق عمل هذه الجهات، وذلك من خلال نشر بيانات صحفية، أو إطلاق تصريحات صحفية أو تليفزيونية، أو حتى نشر منشورات عبر الحسابات الرسمية لهذه الجهات عبر منصات التواصل الاجتماعي، لنفي واقعة أو خبر بعينه. لا تتوفر معلومات حول المنهجيات التي تعتمدها هذه الجهات في رصد الأخبار والشائعات الكاذبة، وتحليلها. كذلك فغياب الانتظام في النشر، وتعدد طرقه، يشير لعدم وجود نظام هيكلي داخل هذه الجهات لرصد والتعامل مع الأخبار والشائعات الكاذبة.

 

ثانيًا: أجهزة ومبادرات رسمية لإتاحة المعلومات

تضم المنظومة الحكومية في مصر، أجهزة ومبادرات متعددة لإتاحة البيانات والمعلومات للمواطنين والمواطنات. البيانات والمعلومات المقصودة هنا هي البيانات والمعلومات التي تكون بحوزة الأجهزة الرسمية، والتي يعتبرها الدستور المصري الحالي “ملكًا للشعب”. تنص المادة 68 من دستور 2014 على: “المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة، حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية، وينظم القانون ضوابط الحصول عليها وإتاحتها وسريتها، وقواعد إيداعها وحفظها، …” [18]

يعتبر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (CAPMAS)، الكيان الأبرز في هذا الإطار فهو الجهة الحكومية الرئيسية المعنية بجمع وتحليل البيانات وإنتاج ونشر الاحصائيات الرسمية في مختلف القطاعات، السكانية والاقتصادية والاجتماعية، وغيرها. كذلك يُقدم الجهاز تحليل كيفي لهذه الاحصائيات، يضمّن داخل دراسات تُنشر في دوريات الجهاز المختلفة، أو في إصدارات مستقلة، تباع كمطبوعات حصرًا في مقر الجهاز، كما تتاح أجزاء كبيرة منها عبر الموقع الإلكتروني للجهاز، والذي شهد تطورًا كبيرًا بعد تحديثه بإطلاق موقع جديد بالكامل في أكتوبر 2025.[19]

يتيح الموقع الالكتروني للجهاز مجموعة واسعة من المؤشرات الكلية والقطاعية، تشمل بيانات التضخم، والبطالة، والإنتاج، والاستهلاك، والتجارة الخارجية، وغيرها من المؤشرات الاقتصادية. كما يوفر بيانات تفصيلية عن السكان، وسوق العمل، والتعليم، والصحة، والإسكان، والحماية الاجتماعية، وغيرها من المجالات ذات الصلة بالتنمية البشرية. وتتميز هذه البيانات بإمكانية تحميلها في صيغ متعددة، بما يسمح بإعادة استخدامها في التحليل الأكاديمي وإعداد التقارير والدراسات المقارنة.

ينتقص من الدور المحوري والمهم الذي يلعبه الجهاز في النشر الطوعي، وإتاحة ما في حوزة الحكومة من بيانات، غياب أي آلية لتنظيم عملية نشر وتحديث البيانات، بمعنى أخر، وفي ظل غياب تشريع يلزم الجهات الحكومية بالإفصاح عما في حوزتها من بيانات، يكون النشر وتحديث البيانات، خاضع لتقدير الجهات الحكومية دون غيرها.

على سبيل المثال. يجرى الجهاز بحث دوري حول الدخل والإنفاق للأسر في مصر، من المفترض أن يتم اجراء هذا البحث كل عامين، لكن ومع ذلك أخر بحث من هذا النوع تم اجراؤه، ونشر نتائجه على الموقع الإلكتروني للجهاز، هو البحث التي يدرس الفترة ما بين 2019-2020، وتم نشر نتائجه في سبتمبر 2021. أي أننا أمام فجوة إحصائية مداها 5 سنوات حول هذا الموضوع بالغ الأهمية. شهدت هذه السنوات الخمس تغيرات سياسية واقتصادية عنيفة، فقد شهدت جائحة كوفيد-19 وما تركته من آثار على سوق العمل، ومعدلات التنمية، والنشاط الاقتصادي بشكل عام، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، وحرب غزة. والحرب الأهلية في السودان، فضلًا عن موجات تضخمية قياسية في مصر. سرد هذه العوامل للتدليل على جسامة التغيرات التي قد تكون جرت في دخل وإنفاق الأسر، ونسب الفقر في مصر، خلال السنوات التي غاب فيها هذا البحث. والتي يمكن الإعتماد عليه لتخطيط جهود التنمية الحكومية، وحتى لتخطيط وإعادة التوزيع الجغرافي لبرامج المساعدات التي تقدمها المؤسسات  والجمعيات الخيرية.

بطبيعة الحال، لا يملك المواطنين والمواطنات في السياق الحالي الحق في طلب معلومات غير موجودة أو غير منشورة من الجهاز، والجهاز وباقي الجهات الرسمية لا يوجد ما يجبرها على إجراء هذا البحث أو غيره، و/أو مشاركة نتائجه بشكل علني مع المواطنين والمواطنات، والمهتمين من الباحثين والصحفيين وغيرهم.

يلعب مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لرئاسة مجلس الوزراء دورًا بارزًا في سياق النشر وإتاحة المعلومات، من خلال موقعه الإلكتروني وحساباته الرسمية عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتطبيق للهواتف المحمولة قام المركز بإطلاقه مؤخرًا. إذ ينشر المركز أخبارًا محدثة حول العمل اليومي وأنشطة الوزارات، ويوفر تقارير شهرية وربع سنوية وسنوية ذات نطاق سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي.

أطلق المركز في العام 2003 مبادرة جديدة عبارة عن موقع إلكتروني بعنوان “بوابة معلومات مصر” والذي يعرفه المركز بأنه: “إحدى وسائل نشر وإتاحة المعلومات، وقناة للمعرفة يوفرها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار للمواطن المصري، وتطرح صورة لواقع الحياة – في مصر – للمهتمين من المجتمع الدولي، باللغتين العربية والانجليزية منذ بثها في يونيو 2003، وبهذا تعد إحدى المرجعيات الرئيسية التي تعكس التطورات والواقع المصري. كما تُعَدُّ قناة للاتصال المجتمعي، للتفاعل مع المجتمع والتعرف على احتياجاته ورؤيته تجاه الموضوعات والقضايا الهامة، من خلال وسيلة تواصل دائمة التحديث في التوقيت المناسب.”[20]

بوابة معلومات مصر، ليس جهة لجمع البيانات ولكنها (بوابة) للنفاذ لما هو موجود بالفعل من بيانات وإحصائيات لدى الوزارات والجهات الحكومية، حيث تعرض هذه البوابة إصدارات معلوماتية من هذه الجهات، أو تعرض الإصدارات الخاصة بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار والتي تعيد تنشر بيانات ومعلومات موجودة في حوزة الوزارات المختلفة ولكن في صورة تقارير مرتبة، أو أشكال بصرية أسهل في الفهم والتداول مثل الانفوجراف.

تعاني هذه الآلية أيضًا من نفس النقص الذي سبق الإشارة إليه عند الحديث عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فلا يملك المواطنين والمواطنات أي آلية لطلب معلومات غير منشورة بالفعل من المركز، ولا يملك حتى الحق في الحصول على تفسير لسبب غياب أو تأخر نشر، لتقرير معلوماتي أو غيره، مما يُنتظر نشره من المركز.

تعمل إلى جانب الجهات السابق الإشارة إليها، المواقع الإلكترونية للوزارات والجهات الحكومية، والمجالس المتخصصة، والحسابات الرسمية لهذه الجهات على منصات التواصل الاجتماعي. إذ تتضمن نشرًا للأخبار، وبعض البيانات حول عمل ونشاط تلك الجهات، وحول القضايا التي تدخل في نطاق اختصاصها، لكن ومع ذلك تمثل انتقائية النشر، وعدم دوريته، أو شموله، وعدم تحديث المحتوى في معظم الأحيان، نقطة الضعف الرئيسية إذا ما أردنا الاعتماد على هذه الطريقة للوصول للبيانات والمعلومات الموجودة بحوزة السلطات العامة.

 

ثالثًا: أزمة المنظومة الرسمية في التعامل مع الشائعات في ظل فجوة الحصول على المعلومات

تظهر الحكومة إهتمامًا بالغًا بالتعامل مع تلك الأخبار التي تعدها بمثابة “أخبارًا وشائعات كاذبة”، ورغم ذلك ولتقييم كفاءة وفعالية هذه المنظومة لابد من معرفة كيف تعمل؟ وما هو معيار اعتبار خبر معين “شائعة”، ومدى انتشار الشائعات، أو حتى عدد الشائعات التي يتم رصدها بواسطة هذه المنظومة. وهو ما لا نعرفه حتى الآن وبالتالي لا يمكننا الحكم على كفاءة هذه المنظومة، ولكن ما نعرفه أن نشر وإتاحة المعلومات والبيانات، لا يحظى بنفس الاهتمام. وحتى في غياب تشريع يفصل آليات الإفصاح، وتداول المعلومات، وحق المواطنين والمواطنات في طلبها، فيمكن للحكومة المبادرة بتعزيز النشر وإتاحة المعلومات عبر المنافذ الموجودة حاليًا، أو حتى عبر تطوير آليات جديدة لهذا الغرض.

سعى عضو مجلس النواب الحالي، وعضو مجلس الشيوخ السابق، د. محمد فريد، قبل عدة سنوات لتعزيز إتاحة البيانات والمعلومات المرتبطة بالمالية العامة للدولة عن طريق التقدم باقتراح برغبة للحكومة تخص تحديدا التحديث الدوري للبيانات والمعلومات المتاحة على موقع وزارة المالية، وعلى موقع مركز معلومات قطاع الأعمال العام، وهو موقع متخصص يقدم معلومات مالية حول الشركات القابضة التابعة لوزارة قطاع الأعمال العام قبل الغائها في التعديل الوزاري الأخير.[21] لم يتلقِ د. محمد ردًا من اللجنة المختصة داخل مجلس الشيوخ، لجنة الشئون المالية والاقتصادية والاستثمار، على اقتراحه وقتها.[22] بالنسبة للموقع المذكور لا يزال متاحًا على الإنترنت حتى وقت كتابة هذه الورقة، ولم تُفصح الحكومة عن مصير هذا المركز، وشركات قطاع الأعمال العام. بعد إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام.

تنمو الشائعات والأخبار الكاذبة في المجتمعات التي تغيب الشفافية عن حكوماتها، سواء فيما يخص القضايا نفسها التي تعالجها هذه الحكومات، أو يخص طريقة التعاطي مع هذه القضايا. “فمن بين العوامل الرئيسية التي تساهم في انتشار الشائعات هو غياب المعلومات الرسمية أو تأخرها حيث يؤدي الفراغ المعلوماتي إلى استغلال الأفراد والجهات غير الرسمية لهذا الغياب في نشر أخبار غير موثوقة. فعندما تتأخر الجهات الرسمية في نشر المعلومات أو تمتنع عن تقديمها ينشأ فراغ معلوماتي؛ يسمح بانتشار الشائعات كبديل عن الحقيقة. يوضح “جوردون ويلارد ألبورت” أن “عدم تقديم بيانات رسمية في الوقت المناسب يترك الباب مفتوحاً أمام الاجتهادات غير الموثوقة، مما يؤدي إلى تضليل الجمهور وتفاقم حالة عدم اليقين”[23]

يشارك مجلس النواب، الحكومة،  المسؤولية عن الفجوات المرتبطة بغياب الشفافية ونص المعلومات. مجلس النواب هو السلطة المسئولة – دستوريًا- عن التشريع، وإذا كانت معظم القوانين التي صدرت خلال الفصلين التشريعيين، الأول، والثاني، هي عبارة عن مشروعات قوانين تقدمت بها الحكومة ووافق عليها مجلس النواب. فذلك خروجًا عن الأصل، والأصل أن مجلس النواب عليه ألا ينتظر مشروعات القوانين المقدمة له عن طريق الحكومة، وعليه أيضا أن يدافع عن الحقوق الدستورية للمواطنين والمواطنات، ومنها الحق في حرية تداول المعلومات. في هذا السياق فهناك جهود متعددة لقوى مجتمعية على رأسها منظمات المجتمع المدني، حاولت الدفع بمشروع قانون لحرية تداول المعلومات[24]، وأصدرت أدلة[25] ودراسات[26] لمساعدة المجلس على أداء هذه المهمة. لكن لم تكلل هذه الجهود بالنجاح حتى الآن.

تطال الفجوة المعلوماتية المرتبطة بالشفافية مجلس النواب نفسه، في الفصل التشريعي الثاني (2020-2025) غابت إذاعة معظم جلسات المجلس على الهواء، كشأن الفصل التشريعي الأول (2015- 2020). وفي يونيو 2017 توقفت قناة “صوت الشعب” الفضائية، المملوكة للتلفزيون المصري، وكانت مخصصة لبث جلسات مجلس النواب على الهواء مباشرة.[27]

ولم تكلل أي محاولات بعودة البث المباشر لجلسات مجلس النواب بشكل كامل بالنجاح، رغم سعي عدد من النواب لذلك ومنهم النائبة أميرة صابر، التي تقدمت بطلب لرئيس المجلس لإذاعة جلسات مجلس النواب على الهواء مباشرة[28]. غير أن المجلس تجاهل هذا الطلب تمامًا وهو ما تجده أميرة  صابر غير مبرر. فمن حق المواطنين والمواطنات متابعة جلسات البرلمان الذي يمثل مصالحهم. ولا تزال أميرة صابر تجدد هذا المطلب، حتى بعد أن انتهت عضويتها في مجلس النواب، وانتقلت كعضوة في مجلس الشيوخ. إذ ترى أن من حق المواطنين والمواطنات دستوريًا، متابعة جلسات مجلس النواب، ومجلس الشيوخ.[29]

لا تؤثر الفجوات المعلوماتية فقط على قدرة المواطنين والمواطنات على متابعة عمل الحكومة، وعلى قدرتهم على الصمود في مواجهة الشائعات والأخبار الكاذبة، بل تؤثر هذه الفجوات على كفاءة عمل سلطات الدولة نفسها. في مقابلتنا معه أوضح عضو مجلس النواب، د. محمد فريد، أن عملية التشريع أو صناعة السياسات لن تتم بكفاءة في ظل نقص أو غياب المعلومات أو البيانات. وقد يؤدي ذلك إلى صدامات بين أعضاء الحكومة وبين أعضاء مجلس النواب المكلفين بنقل هموم الناس وشكواهم للمسئولين. وفي ظل غياب البيانات الدقيقة قد يصبح الأمر عمليات نقل للإحباط والغضب الذي يشعر به المواطنين.[30] وقد يترتب على هذه الفجوات ضعف ملائمة التشريعات التي تصدر عن مجلس النواب، للواقع، ولاحتياجات ومتطلبات الناس، وهو ما يؤدي بدوره في بعض الأحيان لتعديلات تشريعية على قوانين صدرت قبل وقت قليل[31].

ويتم نشر القوانين الصادرة عن مجلس النواب بشكل دوري، ولكن لا يتم إتاحة ذلك بسهولة لجميع المواطنين والمواطنات. يوجب الدستور نشر القوانين في الجريدة الرسمية كشرط لصحة سريانها، ويتحقق العلم المفترض بهذه القوانين تجاه المواطنين بمجرد نشرها في الجريدة الرسمية، والتي تعد مطبوعة متاحة للبيع لدى هيئة المطابع الأميرية، لمن يملك المقدرة على الوصول الميسر لمقرها بالعاصمة، ومتاحة أيضا إلكترونيًا على موقع الهيئة نفسه. ولكن  يتطلب الاشتراك بالموقع دفع رسم مالي بشكل دوري، ربع سنوي أو نصف سنوي أو سنوي، وذلك رغم عدم وجود حقوق ملكية فكرية للجريدة الرسمية، فهي ملك الشعب. ويمكن لأي شخص إعادة نشر محتوى الجريدة الرسمية دون مساءلة، وهو ما تفعله بعض المواقع الإلكترونية الصحفية وموقع نقابة المحامين أحيانًا.

ضمن مبادرته لتسهيل الاطلاع على التشريعات، وأحدث تعديلاتها، بشكل ميسر على المختصين، أطلق مجلس الوزراء البوابة القانونية للتشريعات المصرية لتضم إلى جانب التشريعات مواد قانونية وأحكام محاكم وغيرها. وبدلًا من أن تكون هذه البوابة نافذة مجانية لتعويض تقديم المطابع الأميرية هذه الخدمات بشكل مدفوع، جاءت الخدمة الجديدة مدفوعة أيضًا وبقيمة مالية تمثل أضعاف قيمة الاشتراك في موقع المطابع الأميرية. تبلغ قيمة الاشتراك السنوي في البوابة القانونية التابعة لمجلس الوزراء 5267 جنيه.[32] وبغض النظر عن القيمة المالية لهذه الخدمة أو تلك، فلا يفترض أن يدفع المواطن مالًا للاطلاع على القوانين التي يفرض عليه الدستور الالتزام بها، خصوصًا في ظل ارتفاع نسبة الفقراء بين المصريين في السنوات الأخيرة.

 

رابعًا: توصيات لتغيير السياسة العامة المتعلقة بتداول المعلومات

يُعد إصدار قانون منظم لحرية تداول المعلومات ركنا أساسيًا في أي منظومة ناجحة للتعامل مع الأخبار والشائعات الكاذبة، وبالتالي هو التوصية الأساسية – والأهم- في هذا السياق. وحتى تتوافر الإرادة السياسية والتشريعية لإقرار هذا القانون، يمكن للحكومة بمكوناتها المختلفة، المبادرة بمجموعة من الإجراءات والتدابير الخاصة بالنشر وإتاحة المعلومات عبر ما هو موجود بالفعل من مواقع رسمية، وجهات حكومية معلوماتية، والحسابات الرسمية للجهات الحكومية على منصات التواصل الإجتماعي، كسياسة عامة بديلة للتعامل مع الشائعات أو الأخبار الكاذبة.

وإذا ما توقفت الحكومة المصرية عن إنفاق الموارد على رصد الشائعات والرد، ووجهت مواردها ماليًا وبشريًا إلى نشر المعلومات الرسمية وإتاحتها، سيحقق ذلك التغيير أمرين، الأول هو ضمان الحق الدستوري للمواطنين في حرية تداول المعلومات، والثاني هو الإسهام الفعلي في الحد من الشائعات والمعلومات المضللة.

وفي هذا الإطار، يمكن قراءة التوصيات التالية:

  • إطلاق خطة حكومية موحدة تحدد الخطوط الرئيسية لمسؤولية كل وزارة، وجهة حكومية، تجاه نشر وإتاحة ما يتعلق بعمل هذه الجهات من معلومات وبيانات للمواطنين والمواطنات.
  • الاهتمام بتطوير المنصات والآليات التي تتولى توفير المعلومات والبيانات الدقيقة حول عمل الحكومة، وحول جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بما يحقق تجربة وصول سهلة للمعلومة. وعلى الأخص ما يلي: موقع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وموقع مجلس الوزراء، موقع مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، وموقع بوابة معلومات مصر التابع له، وموقع الهيئة العامة للاستعلامات.
  • تصميم وتقديم برامج بناء قدرات للعاملين والعاملات في الجهات الحكومية لاسيما المتعلقة منها بجمع وتحليل وحفظ البيانات والمعلومات، بهدف تطوير قدرتهم على التحول الرقمي، ونشر وإتاحة البيانات بصور ميسرة.
  • تطوير آليات النشر والإفصاح الحكومي بما يدعم نشر مركزي دوري ومحدث عبر منصات المعلومات الرئيسية مثل موقع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وموقع مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، وكذلك نشر لا مركزي دوري ومحدث عبر الوزارات والمحافظات، والجهات الحكومية المختلفة، وما تملكه هذه الجهات من منصات رقمية وغير رقمية.
  • تعديل طريقة عمل المواقع الرسمية التي تقدم معلومات وبيانات بصورة مدفوعة، مثل موقع البوابة القانونية للتشريعات، موقع المطابع الأميرية، لتقدم هذه المواقع خدماتها بالكامل بصورة مجانية.
  • دعوة منظمات المجتمع المدني، والمراكز البحثية والأكاديمية، والنقابات، والأحزاب السياسية، ووسائل الإعلام، والخبراء، وباقي أصحاب المصلحة، للانخراط في آليات حوار مستمرة تستهدف تحسين عملية النشر وإتاحة المعلومات والبيانات، مع الاستجابة للتوصيات التي صدرت خلال جلسات الحوار الوطني عام 2023 في هذا الشأن.

 

 خاتمة

تناولت هذه الورقة بالتحليل الآليات التي تتعامل بها السلطات الرسمية مع الأخبار والشائعات الكاذبة، وتعاطي الحكومة مع الحق الدستوري في الوصول للمعلومات والبيانات الموجودة بحوزة السلطات العامة. ويتضح من ذلك أن السياسة العامة الحالية للتعامل مع الأخبار والشائعات الكاذبة تحتاج لتصحيح بوصلتها، بحيث يتم إيلاء الأولوية لنقاشات وخطط عمل تضمن نشر وإتاحة المعلومات الرسمية بشكل مجاني وسهل الوصول إليه من قِبل المواطنين والمواطنات. ويساهم ذلك في تجنب زيادة مساحات الشك وعدم اليقين لدى الناس فيما يتعلق بالقضايا العامة. وعلى الحكومة المصرية أن تدرك أن الدوران في فلك الرد على الشائعات لن يحقق النتيجة المرجوة، طالما استمرت سياسة حجب المعلومات الرسمية.

 

[1] مادة 80 د من القانون رقم 58 لسنة 1937 (قانون العقوبات):
https://manshurat.org/node/14677

[2] اللجنة المعنية بحقوق الإنسان هي احد الآليات التعاقدية لحماية حقوق الإنسان داخل منظومة الأمم المتحدة، وهي منشأة بموجب المادة 28 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وتقوم بمراقبة مدى التزام الدول الأطراف في العهد بمواده حيث تتلقى اللجنة تقارير دورية من هذه الدول حول تطبيق مواد العهد داخليًا في هذه الدول، وتضطلع اللجنة أيضا بمهمة تفسير مواد العهد وإصدار توصيات استرشادية للدول لمساعدتها في تطبيقه بأفضل شكل ممكن.

[3] اللجنة المعنية بحقوق الإنسان: التعليق العام رقم 34 الصادر في جنيف عام 2011.

https://digitallibrary.un.org/record/715606?ln=ar&v=pdf

[4] القانون رقم 25 لسنة 2023 والخاص إعادة تنظيم الهيئة العامة للأرصاد الجوية. متاح عبر موقع منشورات قانونية:
https://manshurat.org/content/sdr-qnwn-d-tnzym-lhyy-lm-llrsd-ljwy

[5] المادة 19 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 180 لسنة 2018. متاح عبر موقع منشورات قانونية:
https://manshurat.org/node/31481

[6] موقع اليوم السابع: خبر "الحكومة تتصدى للشائعات والأخبار الكاذبة.. إعداد مشروع قانون لتشديد الغرامات بالجرائم ذات الصلة.. والإسراع فى استكمال وإصدار مشروع قانون تنظيم تداول البيانات والمعلومات الرسمية"، نشر في 10 ديسمبر 2025.
https://www.youm7.com/7229382

[7] الصفحة الرسمية لرئاسة مجلس الوزراء على فيس بوك: منشور بعنوان "جهود مواجهة الشائعات في 2025"، نُشر في 12 يناير 2026.
https://www.facebook.com/photo/?fbid=1449403943896688&set=pcb.1449404373896645

[8] المرجع السابق.

[9] المرجع السابق.

[10] موقع الوطن: خبر "خطة مواجهة الشائعات: فِرق لـ«سرعة الرد».. وتفنيد المنصات المعادية"، نُشر في 4 فبراير 2026.
https://www.elwatannews.com/news/details/8219332

[11] مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء: "7 سنوات من الإنجازات، التنمية المجتمعية، قطاع رعاية الشباب والرياضة"، 2022.
https://tinyurl.com/4vxhdezx

[12] الصفحة الرسمية لوزارة الشباب والرياضة على موقع فيس بوك: خبر "وزير الشباب يشهد ختام المرحلة الأولى للبرنامج القومي "تصدوا معنا" لإعداد مدربي مواجهة الشائعات وتأثيرها على الأمن القومي."، نُشر في 19 نوفمبر 2020.
https://tinyurl.com/yejm9pzs

[13] مداخلة تلفزيونية لد. محمد حسن نادي، مساعد وزير الشباب والرياضة، مع برنامج صباح الخير يا مصر، القناة الأولى المصرية. في 25 نوفمبر 2011. متاحة عبر موقع يوتيوب:
https://www.youtube.com/watch?v=PDcdZkNYE4Y

[14] الهيئة العامة للاستعلامات: خبر "وزارة الشباب والرياضة تعلن تدشين مركز صُنّاع المحتوى التابع لوحدة "تصدّوا معنا)"، نُشر في 6 يناير 2026.
https://tinyurl.com/fhc95s2t

[15] الهيئة العامة للاستعلامات: خبر "وزارة الشباب والرياضة تعلن تدشين مركز صُنّاع المحتوى التابع لوحدة «تصدّوا معنا»"، نُشر في 6 يناير 2026.
https://tinyurl.com/fhc95s2t

[16] المرجع السابق.

[17] مقابلة شخصية عبر الإنترنت مع باحثة سابقة في أحد الآليات الحكومية للتعامل مع الشائعات، أجريت في فبراير 2026. 

[18] المادة 68 من الدستور المصري الحالي. متاح عبر موقع الهيئة العامة للاستعلامات.
https://tinyurl.com/3ux7njy9 

[19] موقع الشروق: خبر " بركات: إطلاق الموقع الإلكترونى المطوّر للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء"، نُشر بتاريخ 27 أكتوبر 2025.
https://tinyurl.com/mrxtrjdf

[20] موقع بوابة معلومات مصر:
https://eip.gov.eg/IDSC/StaticContent/View.aspx?ID=3

[21] موقع اليوم السابع: خبر "إلغاء وزارة قطاع الأعمال بعد 10 سنوات وبحث نقل الشركات للوزارات المختصة"، نُشر في 10 فبراير 2026.
https://www.youm7.com/7300691

[22] المصدر: مقابلة شخصية عبر الإنترنت مع د. محمد فريد. أجريت في فبراير 2026.

[23] أسامة بديع عبد الحميد، رسالة ماجستير بعنوان: "تأثير الشائعات على الاستقرار السياسي في مصر 2011-2023". غير منشورة.

[24] مشروع حرية تداول المعلومات المقدم من مؤسسة حرية الفكر والتعبير إلى الحوار الوطني:
https://afteegypt.org/legislations/2023/06/11/34634-afteegypt.html

[25] مؤسسة حرية الفكر والتعبير: دليل المشرع في إعداد قانون تداول المعلومات، صدر في 31 ديسمبر 2021.
https://afteegypt.org/advocacy/manuals/2021/12/31/27891-afteegypt.html

[26] مؤسسة حرية الفكر والتعبير: الطبعة الثانية من دراسة حرية تداول المعلومات، صدرت في 5 مارس 2013.
https://afteegypt.org/legislations/legislative-analysis/2014/03/05/6430-afteegypt.html

[27] موقع الشروق: خبر "ضم قناة «صوت الشعب» إلى «النيل للأخبار»"، نُشر بتاريخ 31 يوليو 2017.
https://bit.ly/3OAO6P0

[28] موقع الوطن: خبر "برلمانية تُطالب بإذاعة جلسات «النواب» على الهواء: «عاوزين الناس تشوف شغلنا»"، نُشر في 25 ديسمبر 2021.
https://www.elwatannews.com/news/details/5875912

[29] المصدر: اتصال تليفوني مع النائبة أميرة صابرـ عضوة مجلس الشيوخ.

[30] مقابلة شخصية أجريت عبر الإنترنت مع د. محمد فريد في فبراير 2026.

[31] المصدر السابق.

[32] البوابة القانونية للتشريعات المصرية: 
https://elpai.idsc.gov.eg/Bundles

للإشتراك في نشرة مؤسسة حرية الفكر والتعبير الشهرية

برجاء ترك بريدك الالكتروني أدناه.