مسارات جديدة لحجب الحقيقة.. قيم الأسرة المصرية كمبرر لحظر النشر

تاريخ النشر : الخميس, 18 يونيو, 2026
Facebook
Twitter

ورقة بحثية أعدها: محمود عبد الظاهر

المحتويات

منهجية

مقدمة

أولًا: حظر النشر المرتبط بإجراءات التحقيق والمحاكمة في القانون المصري

ثانيًا: قيم الأسرة المصرية كمبرر “جديد” لقرارات حظر النشر

ثالثًا: كيف تنتهك قرارات حظر النشر حقوقًا أساسية؟

خاتمة وتوصيات

منهجية

تحلل الورقة النصوص التشريعية ذات الصلة بتنظيم حظر النشر المرتبط بإجراءات التحقيق والمحاكمة في قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية، وكذلك المادة 25 من قانون جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وتقارن بين مضمون هذه النصوص بممارسات القضاء والنيابة، متخذة قرارات حظر النشر الصادرة عن النائب العام بدعوى “حماية القيم الأسرية”، نموذجًا للدراسة، ثم تقارن نهج النيابة العامة بنماذج محلية وعربية تعاملت مع هذه القضايا الحساسة بطريقة تحفظ حق الإعلام في النشر وحق المواطنين في المعرفة وفي نفس الوقت تحمي خصوصية وكرامة الضحايا.

تعتمد الورقة مصادر أولية هي نصوص القوانين المشار إليها، ونصوص قرارات النيابة العامة بحظر النشر، إضافة لعدد من المصادر الثانوية مثل الدراسات القانونية، والتقارير والدراسات الحقوقية ذات الصلة بموضوع الورقة.

 

مقدمة

في منتصف شهر أبريل 2026، أعلنت النيابة العامة عبر صفحتها الرسمية على موقع فيسبوك، إصدارها قرارًا بضبط وإحضار عدد غير محدد من الأشخاص، على خلفية مخالفتهم لقرار حظر النشر الذي أصدرته النيابة نفسها قبل عدة أيام من أمر الضبط والإحضار، فيما يخص التحقيقات الجارية في أربعة قضايا يجري التحقيق فيها. تتعلق القضية الأولى والثانية بواقعة تعرض فتاتين شقيقتين للاغتصاب على يد عمهن، وتحمل القضية الأولى رقم 2094 لسنة 2026 جنايات مركز شبين الكوم، وتحمل القضية الثانية رقم 3743 لسنة 2026 جنح مركز شبين الكوم. بينما تتعلق القضية الثالثة بواقعة تعدي الأب والجد جنسياً على طفلةٍ قبل قتلها، وتحمل رقم 3015 لسنة 2026 جنح مركز الشهداء. أما القضية الأخيرة فتحمل رقم 3764 لسنة 2026 إداري سيدي جابر، والمتعلقة بانتحار سيدة ألقت بنفسها من شرفة أحد العقارات بمنطقة سيدي جابر بالإسكندرية.

عللت النيابة العامة في منشور على صفحتها الرسمية على موقع فيسبوك، حظر النشر في هذه القضايا قائلة إن تداولها الواسع على وسائل ومنصات التواصل الاجتماعي “يسيء إلى صورة المجتمع المصري، ولا يعبر عن الواقع الإحصائي لنسب ارتكاب تلك الجرائم، وما يلقيه ذلك من آثار وتبعات سلبية على قيم الأسرة المصرية[1]، في الاستخدام الأول من نوعه لهذا اللفظ كمبرر معلن لقرارات حظر النشر في القضايا الجاري التحقيق بشأنها.

تنطلق الورقة من أن الأصل في الأعمال القضائية هو العلانية كما ينص الدستور، وإخفاء أو حجب شيء من هذه المعلومات يستلزم مبررًا قانونيًا. وتسعى هذه الورقة لمناقشة حظر النشر المرتبط بإجراءات التحقيق والمحاكمة في القانون المصري، مع التركيز على المبررات التي ساقتها النيابة لحظر النشر في هذه الوقائع وعلاقتها بالمبررات التي ينص عليها قانون العقوبات، كما تناقش اتجاه النيابة العامة المصرية للتوسع في إصدار قرارات بحظر النشر في القضايا المرتبطة بجرائم عنف جسيمة ضد النساء والفتيات، استنادًا لمبرر (جديد)، غير منصوص عليه في قانون العقوبات، وهو حماية “قيم الأسرة المصرية”. تتّبع الورقة لفظ “قيم الأسرة” داخل البنية التشريعية في مصر، منذ ظهوره لأول مرة في المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وصولاً لتصدي المحاكم المختلفة لتعريف هذا اللفظ أثناء نظرها لقضايا الاعتداء على قيم الأسرة، خلال السنوات السابقة. كما تتضمن الورقة نقدًا لهذا المسار الذي يكبح النقاش العام في قضايا العنف ضد النساء، وما تمثله مثل هذه القرارات التعسفية من انتهاك لحقوق المواطنين والمواطنات الإنسانية والدستورية.

تقدم الورقة في نهايتها إطارًا مقترحًا لتنظيم قرارات حظر النشر خلال مرحلتي التحقيق والمحاكمة، مع التأكيد على ما يمكن حظر نشره بشكل مطلق في القضايا المرتبطة بجرائم العنف ضد النساء، حمايةً لسلامتهن الشخصية ولحقهن كضحايا في الخصوصية.

 

أولاً: حظر النشر المرتبط بإجراءات التحقيق والمحاكمة في القانون المصري

قبل أن نتحدث عن حظر النشر المرتبط بإجراءات التحقيق والمحاكمة، من المهم أن نفرق ما بين نوعين لحظر النشر: النوع الأول هو حظر النشر بحكم القانون، أي المنصوص عليه داخل قوانين معينة، تفرض هذه القوانين حظرًا شاملاً ومطلقًا على نشر بيانات أو معلومات أو وثائق معينة. وتنظم القوانين نفسها كيفية الحصول على تصريح خاص لتجاوز هذا الحظر، ونظر خبر أو بيان بعينه، أو المدة الزمنية التي يصبح بعدها نشر الوثائق مسموحًا.

تحتوي التشريعات المصرية المختلفة على عشرات التطبيقات لمثل هذا النوع من حظر النشر، الذي لا يحتاج لصدور قرار خاص من جهة ما لسريانه، بل هو سارٍ بشكل تلقائي منذ صدور المادة أو المواد القانونية التي تنص عليه. المثال الأشهر لهذا النوع هو حظر النشر العام لكل ما يخص شؤون القوات المسلحة، فلا يجوز نشر أي أخبار أو بيانات أو وثائق تخص القوات المسلحة، إلا بإذن مسبق من إدارة المخابرات الحربية بالقوات المسلحة.[2] كما يحظر قانون العقوبات، مطلقًا، نشر أي أخبار حول التحقيقات أو المرافعات في دعاوى الطلاق أو التفريق أو الزنا.[3]

يحظر قانون العقوبات أيضًا في مادته رقم 186 مكرر، تصوير أو تسجيل جلسات المحاكمات دون إذن من رئيس المحكمة. والحظر هنا لا يخص النشر بشكل عام، لكنه يركز على التصوير والتسجيل داخل جلسات المحاكم دون إذن مسبق من القاضي، ونشر وإذاعة هذه التسجيلات، حيث تنص المادة “مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد، يُعاقب بغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تزيد على ثلاثمائة ألف جنيه، كل من صوّر أو سجّل كلمات أو مقاطع، أو بث أو نشر أو عرض بأي طريق من طرق العلانية، لوقائع جلسة محاكمة مُخصصة لنظر دعوى جنائية بدون تصريح من رئيس المحكمة المختصة، وبعد أخذ رأي النيابة العامة. ويُحكم فضلاً عن ذلك بمصادرة الأجهزة أو غيرها مما يكون قد استُخدم في الجريمة، أو ما نتج عنها، أو محو محتواها، أو إعدامه، بحسب الأحوال، وتُضاعف الغرامة في حالة العود”.[4]

يحظر قانون العقوبات أيضًا نشر “أمور من شأنها التأثير في القضاة الذين يناط بهم الفصل في دعوى مطروحة أمام أية جهة من جهات القضاء في البلاد، أو في رجال القضاء، أو النيابة، أو غيرهم من الموظفين المكلفين بتحقيق، أو التأثير في الشهود الذين قد يطلبون لأداء الشهادة في تلك الدعوى أو في ذلك التحقيق، أو أمورًا من شأنها منع شخص من الإفضاء بمعلومات لأولي الأمر، أو التأثير في الرأي العام لمصلحة طرف في الدعوى أو التحقيق أو ضده”.[5] ويعاقب على مخالفة ذلك بالغرامة التي لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تزيد على ثلاثمائة ألف جنيه. ويحظر أيضًا “نشر ما جرى في المداولات السرية بالمحاكم، أو نشر بغير أمانة وبسوء قصد ما جرى في الجلسات العلنية بالمحاكم”[6] ويعاقب على مخالفة ذلك بالحبس مدة لا تجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

النوع الثاني هو حظر النشر المرتبط بالتحقيقات والمحاكمات، وهو حظر نشر يصدر به قرار من جهة التحقيق (النيابة العامة أو قاضي التحقيق أو المحكمة التي تنظر القضية)، ويمكن تعريف هذا النوع من حظر النشر بأنه “قرار يصدر من سلطة التحقيق أو المحكمة بمنع تناول الواقعة المعروضة عليها في كافة وسائل الإعلام”.[7]

يُظهر هذا التعريف كيف تعاملت الأدبيات القانونية مع موضوع حظر النشر، باعتباره قيدًا يخص وسائل الإعلام والصحافة، بوصفها قنوات النشر المعتادة، لكن القرارات الصادرة عن النيابة العامة وقضاة التحقيق في السنوات الأخيرة، نصت بشكل واضح على امتداد حظر النشر ليشمل شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، متفاعلةً مع حقيقة أن تأثير هذه المواقع وانتشارها ووصولها إلى الناس، يفوق تأثير وسائل الإعلام والصحافة التقليدية.

تُنظم المادة 190 من قانون العقوبات، حق هيئات المحاكم المختلفة في فرض فرض حظر استثنائي للنشر فتقول: “يجوز للمحاكم نظرًا لنوع وقائع الدعوى، أن تحظر، في سبيل المحافظة على النظام العام أو الآداب، نشر المرافعات القضائية أو الأحكام كلها أو بعضها…”. أما حق جهات التحقيق والنيابة العامة في ممارسة هذا النوع من الصلاحيات الاستثنائية فقد نص عليه قانون العقوبات بشكل ضمني وليس صريح، حين أقر عقوبات على مخالفة قرارات سلطة التحقيق بحظر نشر اجزاء من التحقيقات، أو إجرائه في غيبة الخصوم ( المجني عليه/م والمتهم/ين). تقول المادة 193 من قانون العقوبات: “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة شهور وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد عن عشرة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من نشر بإحدى الطرق المتقدم ذكرها: (أ) أخباراً بشأن تحقيق جنائي قائم إذا كانت سلطة التحقيق قد قررت إجراءه في غيبة الخصوم أو كانت قد حظرت إذاعة شيء منه مراعاة للنظام العام أو للآداب أو لظهور الحقيقة. …”

 

إلى جانب قرارات حظر النشر التي تصدر من المحاكم أو النيابة العامة، متضمنة الإشارة إلى مبرر لحظر النشر، فهناك طائفة أخرى من القرارات لا تتضمن تبريرًا. في بعض الأحيان تكون طبيعة القضية، وشخصية المتهمين/ات، هي الأسباب الحقيقة وراء صدور قرارات حظر النشر، دون أن ترتبط هذه القرارات بحماية سلامة التحقيقات. وخلال الفترة بين 2013 و2016 وثّقت مؤسسة حرية الفكر والتعبير صدور قرارات حظر النشر في 37 قضية، من بينها 13 قضية تتعلق بوقائع فساد، و11 قضية إرهاب، وأربع قضايا متهم فيها رجال شرطة أو أعضاء بالهيئات القضائية.[8]

نشير في هذا الإطار أيضًا لإمكانية صدور قرارات حظر النشر فيما يتعلق بالتحقيقات والمحاكمات من القضاء العسكري أيضًا. ففي عام 2012 أصدر رئيس هيئة القضاء العسكري، اللواء عادل محمود المرسي، قرارًا بحظر النشر في القضية المعروفة إعلاميًّا بقضية “كشوف العذرية”، رغم أن الاعتداء الجنسي الذي قام به ضباط وجنود بالقوات المسلحة على مواطنات مصريات بإخضاعهن للكشف على عذريتهن قسرًا، على خلفية احتجازهن تعسفيًّا في المتحف المصري، بعد تظاهرهن.[9]

ينظم قانون العقوبات معاملة مخالفي قرارات حظر النشر في عدة مواد، فيعاقب في المادة 190 كل من خالف قرارات المحاكم بحظر النشر، بالحبس مدة لا تجاوز سنة، وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين. وفي المادة 189 يعاقب أيضًا بنفس العقوبات كل من نشر بإحدى الطرق المتقدم ذكرها ما جرى في الدعاوى المدنية أو الجنائية التي قررت المحاكم سماعها في جلسة سرية”. ويعاقب في المادة 193 بالحبس مدة لا تزيد على ستة شهور، وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد عن عشرة آلاف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من نشر بإحدى طرق النشر المبينة في القانون، أخبارًا بشأن تحقيق جنائي قائم، إذا كانت سلطة التحقيق قد قررت إجراءه في غيبة الخصوم، أو كانت قد حظرت إذاعة شيء منه “مراعاة للنظام العام أو للآداب أو لظهور الحقيقة.”

 

 

ثانيًا: قيم الأسرة المصرية كمبرر “جديد” لقرارات حظر النشر

تسمح الألفاظ المطاطة وغير المحددة الواردة في المادة 190، والمادة 193 من قانون العقوبات، مثل “النظام العام” والآداب”، بالتوسع في تحديد نطاق الحالات التي يجوز فيها إصدار قرارات حظر النشر، بشكل يجعل هذه القرارات قيودًا تعسفية على حرية التعبير والحريات الصحفية. لكن وبرغم هذا الإطار (المعيب) الذي يوسع مبررات قرارات حظر النشر، فلا يمكن اعتبار قرار النائب العام بحظر النشر كونه “يسيء إلى صورة المجتمع المصري”[10]، وله “آثار وتبعات سلبية على قيم الأسرة المصرية”[11]، داخلاً في إطار المحافظة على النظام العام أو الآداب.

يظهر ذلك جليًا في سلوك المشرع عند صياغته لنصوص قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وهو التشريع الأول والوحيد الذي ورد فيه لفظ القيم الأسرية، حيث اعتبر أن الاعتداء على القيم الأسرية جريمة تستوجب العقوبة، بموجب نص المادة 25 من القانون، ثم عاد وتحدث في المادة 26 من القانون نفسه عن جريمة معالجة معطيات شخصية للغير لربطها بمحتوى مناف للآداب العامة، وقرر لها عقوبة مختلفة، فلو كانت القيم الأسرية والآداب العامة شيئًا واحدًا، أو كانت القيم الأسرية جزءًا من الآداب العامة لما احتاج المشرع للتعامل معها بشكل منفصل.[12]

ومن ناحية أخرى، لا تنسجم المحاولات الفقهية والقضائية لتعريف “قيم الأسرة المصرية” مع استخدامها كمبرر لحظر النشر بدعوى ارتباطها بالآداب العامة أو النظام العام، فقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 يخلو من تعريف للقيم الأسرية التي يريد المشرع حمايتها من الاعتداء، وهو ما دفع المحاكم المختلفة للتصدي لمهمة استظهار هذا التعريف، وبمطالعة عدد من الأحكام القضائية ذات الصلة، والصادرة خلال السنوات التي تلت إصدار هذا القانون، نجد أن بعض الأحكام قد ذهب إلى الإقرار بوقوع الجريمة واكتمال أركانها، دون تفصيل.[13]

في حين ذهبت أحكام أخرى[14] لسرد مفصل لمكونات “جريمة” الاعتداء على القيم الأسرة، اتفقت أربع من هذه الأحكام[15] على استخدام التعريف الذي وضعه المستشار بهاء المري، رئيس محكمة الجنايات المستأنفة بالمنصورة، في كتابه “شرح قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات وحجية الدليل الرقمي في الإثبات” الصادر عام 2019. لا يشير هذا التعريف الشائع قضائيًا، لارتباط ما بين “قيم الأسرة المصرية” وبين النظام العام أو الآداب العامة، وهي المبررات التي يمكن لجهات التحقيق استخدامها لإصدار قرارات بحظر النشر.

ويشير أحد هذه الأحكام إلى أن: “صور الركن المادي لجريمة الاعتداء على أي من المبادئ والقيم الأسرية في المجتمع المصري، تتمثل في استخدام تقنية المعلومات أو الشبكات المعلوماتية أو شبكة الإنترنت، لبث أو إرسال أو مخاطبة الأفراد، على نحو يهدم الترابط الأسرى أو يقلل من شأن العمل الإيجابي من أجل الاسرة أو الحث على التنافي بين أفرادها أو النيل من الضوابط والمبادئ التي تحكمه. كما يقع السلوك المادي في هذه الصورة بالنشر عبر شبكة الإنترنت أو مواقع التواصل الاجتماعي أو البريد الإلكتروني أو بأي طريقة إلكترونية، ما يحبذ أو يدعو لعدم الصدق والأمانة واحترام الوالدين والعفة، أو ما يدعو لهدم قيمة العلم والتدين، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وسواء بمقال أو رسالة إلكترونية أو مادة مرئية أو مسموعة أو برسم أو كاريكاتير أو مسلسل أو فيلم، ما دام النشر عن طريق تقنية المعلومات. ويستوي أن يقع هذا السلوك والتخاطب والتواصل الصوتي والمرئي، [عبر] الهاتف المحمول أو البريد الإلكتروني أو المواقع وصفحات التواصل الاجتماعي أو التغريدات، سواء كان ذلك بالصور أو الرسوم أو الإرسال التلفزيوني أو الإرسال المسموع أو الألعاب الإلكترونية، أو كان في صورة مقال أو مسلسل أو فيلم، ما دام الجاني قد استخدم فى توصيلها للأفراد تقنية المعلومات أو شبكة الإنترنت. ومسألة ما إذا كان سلوك الجاني يعد اعتداء على المبادئ والقيم الأسرية من عدمه، فذلك مما يخضع لتقدير قاضي الموضوع، يستخلصه في ضوء قيم الأسرة المصرية ومبادئها التي استقرت في أذهان الناس وتعارفوا عليها”.[16]

استخدم بيان النائب العام الـ”تبعات سلبية على قيم الأسرة المصرية” مبررًا لحظر النشر في القضايا المشار إليها، وهو المبرر (الجديد) الذي نرصده لأول مرة في قرارات حظر النشر الصادرة من الجهات القضائية. يطرح استخدام “قيم الأسرة المصرية” في هذا البيان، المتعلق بثلاث وقائع، جميع ضحاياها من النساء والفتيات تحديدًا، أسئلة متعددة حول السياق الذي يتم استدعاء هذا المصطلح فيه، أمام النيابة العامة في تحقيقاتها، وأمام المحاكم، منذ وروده لأول مرة في البنية التشريعية المصرية، في المادة رقم 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.

تنص المادة 25 على أن “يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من اعتدى على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري…”[17]. لم يحدد المشرع ماذا يقصد بالاعتداء هنا؟ وما هي القيم الأسرية للمجتمع المصري التي يريد حمايتها؟ فهل “مثلاً إذا دعت ناشطة نسوية في منشور على شبكة الفيس بوك لتغيير الإجراءات المعمول بها في الطلاق أو الزوج لتكون أكثر إنصافًا للنساء، فهل تصبح هذه الناشطة بذلك قد قامت بالاعتداء على القيم الأسرية في المجتمع المصري؟ الحقيقة أن هذا اللفظ هو أكثر الألفاظ الواردة في قانون جرائم تقنية المعلومات غموضًا، فإذا كنا نعاني مع التشريعات المصرية عامة من استخدام ألفاظ الأمن القومي واستقرار البلاد، كمدخل لتقرير عقوبات تهدد حرية المواطنين، فكيف سيكون الحال إذا تم اعتبار القيم الأسرية هي الأخرى مدخلاً جديدًا لحبس المواطنين من مستخدمي الإنترنت؟”[18]

استخدمت النيابة العامة هذه المادة، خلال السنوات التالية، بدءًا من العام 2020، في الملاحقة القضائية لعشرات الفتيات المؤثرات على منصات التواصل الاجتماعي، وتحديدًا تطبيق تيك توك. ففي إبريل 2020، أصدرت النيابة العامة أمر ضبط وإحضار لحنين حسام لاتهامها بالاعتداء على المبادئ والقيم الأسرية في المجتمع المصري، وإنشائها وإدارتها واستخدامها مواقع وحسابات خاصة عبر تطبيقات للتواصل الاجتماعي بشبكة المعلومات الدولية، بهدف ارتكاب وتسهيل ارتكاب تلك الجريمة.[19] شابت هذه القضية مخالفات قانونية عديدة،[20] لكنها انتهت بإدانة حنين وأخريات، وحُكم على حنين بالسجن لمدة 10 سنوات،[21] خُففت فيما بعد لثلاث سنوات من السجن، مع غرامة قيمتها 200 ألف جنيه.[22]

يتقاطع نهج النيابة العامة في استخدام “الاعتداء على القيم الأسرية للمجتمع المصري” كذريعة لملاحقة وحبس العديد من النساء والفتيات -والرجال في بعض الأحيان- مع القرار الأخير بحظر النشر في بعض القضايا بدعوى حماية القيم الأسرية من التبعات السلبية، في أمر واحد وهو حضور النساء والفتيات في صلب هذه القرارات، في المرة الأولى بوصفهن جناة، وفي المرة الثانية بوصفهن ضحايا!

هذا الاستخدام يدفعنا للتساؤل عن سبب استدعاء “القيم الأسرية للمجتمع المصري” فقط حين يتعلق الأمر بالنساء وحقوقهن وقضاياهن؟ في النهج الأول اعتبرت النيابة العامة أن ظهور شابات على منصة تيك توك، بمظهر اعتبرته النيابة العامة مخالفًا لقيم الأسرة المصرية، ذريعة لملاحقتهن، وفي المرة الثانية عندما تصاعد الجدل حول جرائم اعتداء جنسي وقتل ضحاياها من الطفلات في إحدى الجرائم، وحول حادث انتحار لسيدة انتحرت في بث مباشر عبر الإنترنت، على خلفية تعرضها لصور مختلفة من العنف من زوجها السابق، استدعيت “قيم الأسرة المصرية” مرة أخرى، لكن هذه المرة بهدف قمع النقاشات[23] التي توسعت عبر منصات التواصل الاجتماعي وفي بعض وسائل الإعلام التقليدية، حول أوضاع الفتيات والنساء المزرية في مصر، وما يواجهن من صور العنف والتمييز المختلفة.

يتوسع قرار النيابة العامة بحظر النشر في الوقائع الثلاثة، ليشمل وسائل التواصل الاجتماعي، التي يمكن اعتبارها المساحة الأخيرة للنقاش العام غير المُسيطر عليها بشكل كامل في مصر، بعد السيطرة بالملكية وغيرها، على معظم المنصات الإعلامية الرئيسية[24]، والتضييق على التنظيمات المدنية كالأحزاب ومنظمات المجتمع المدني[25]، التي كانت تستوعب جزءًا من هذه النقاشات. يشمل قرار النائب العام “جميع وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، وكذلك جميع الصحف والمجلات القومية والحزبية اليومية والأسبوعية، المحلية والأجنبية، أيًا كانت، وكذلك المواقع الإلكترونية وغيرها من النشرات، والشبكات الخاصة بالتواصل الاجتماعي عبر شبكتي المعلومات الدولية والمحلية، وذلك لحين انتهاء التحقيقات فيها، عدا البيانات التي تصدر عن مكتب النائب العام.”[26]

تابعت النيابة العامة تنفيذ قرارها بحظر النشر في الوقائع الثلاث بجدية، فعقب صدور قرار حظر النشر بعدة أيام، نشرت الصفحة الرسمية للنيابة العامة على موقع فيس بوك، بيانًا قصيرًا يتضمن قرار النيابة العامة بضبط وإحضار عدد -غير محدد- من الأشخاص على خلفية مخالفتهم لقرار حظر النشر السابق الإشارة إليه، كما أكدت النيابة العامة في البيان نفسه على “أنها ستتصدى بكل حزم لأية مخالفة لقرار حظر النشر، وستتخذ الإجراءات القانونية المقررة حيال مرتكبيها.”[27]

 

ثالثًا: كيف تنتهك قرارات حظر النشر حقوقًا أساسية؟

تنص المادة 68 من الدستور المصري على أن “المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة، حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية …”[28]. تتحدث المادة السابقة عن “الدولة” وليس عن سلطة واحدة من سلطاتها، فالحق في الوصول للبيانات والمعلومات يشمل سلطات الدولة الثلاث، التنفيذية، والتشريعية، والقضائية. وقيام إحدى السلطات بحجب ما لديها من بيانات ووثائق بشكل تعسفي يُعطل جزئيًا تمتع المواطنين والمواطنات بهذا الحق الدستوري.

يوضح التفصيل السابق أن التنظيم الحالي لقرارات حظر النشر في القضايا أثناء مرحلتي التحقيق والمحاكمة يتضمن تعسفًا في استخدام سلطة إصدار قرارات حظر النشر، إذ يخالف “الحكمة المقصودة فلسفيًا وقانونيًا للقرار الذي يصدر بحظر النشر، وهي الرغبة في الحيلولة دون التأثير على سير الدعوى[29]. فإذا كنا نقر بضرورة وجود تنظيم قانوني يسمح بحظر النشر في بعض الأحيان، فهذا الإقرار مرتبط بضرورة مفادها حماية العدالة وسلامة التحقيق. لكن لا يجوز استغلال الألفاظ العامة والمطاطة، المشار إليها سابقًا في التوسع في إصدار قرارات حظر النشر لأسباب لا علاقة لها بسلامة التحقيقات والمحاكمات.

هذا الاستخدام المتعسف لقرارات حظر النشر ينتهك جملة من الحقوق الإنسانية والدستورية الأساسية للمواطنين والمواطنات، وفي مقدمتها الحق في حرية التعبير، والحق في حرية تداول المعلومات، وكذلك مبادئ المحاكمات العادلة وعلى رأسها مبدأ علانية المحاكمات.

يطرح المسار الجديد للنيابة العامة في استدعاء “قيم الأسرة المصرية” كمبرر لقرارات حظر النشر مخاوف متعددة، فبشكل ما يمكن النظر لهذه القرارات على أنها حظرٌ للنقاش العام، خصوصًا وأن هذه القرارات شملت أيضًا شبكات التواصل الاجتماعي ولم تقتصر على وسائل الصحافة والإعلام التقليدية. فإذا ما وضعنا ذلك إلى جانب أن استخدام سيف “قيم الأسرة المصرية” قد جاء في ثلاثة وقائع تتضمن جرائم عنف جسيمة ومتنوعة ضد النساء والفتيات، فهل يكون ذلك مقدمة لقرارات مماثلة تستهدف جرائم العنف ضد النساء تحديدًا كمحاولة لإظهار صورة غير حقيقية عن أوضاع النساء في مصر، حيث تجتهد مؤسسات رسمية عديدة في التسويق لملف حقوق النساء بوصفه أحد الملفات التي شهدت نجاحات وتقدمًا استثنائيًا خلال السنوات القليلة الماضية.[30]

أشار بيان النيابة صراحة إلى أن حماية هذه الصورة هو أحد مبررات حظر النشر، حيث اعتبر قرار النائب العام أن الحديث عن تلك الجرائم “لا يعبر عن الواقع الإحصائي لنسب ارتكاب تلك الجرائم”، بشكل يوحي بأن الحديث عن تلك الجرائم بشكل كثيف لا يتناسب مع “الواقع الإحصائي” لها، دون أن يشركنا القرار في هذا الواقع الإحصائي، حيث تنفرد النيابة العامة بوصفها جهة التحقيق صاحبة الاختصاص، والأجهزة الأمنية بوصفها السلطة التنفيذية المعنية بامتلاك مثل هذه الإحصائيات، فلا يتم مشاركة الأرقام الإحصائية التي تخص معظم أنواع الجرائم مع الرأي العام في مصر منذ سنوات طويلة.[31] وإنما يقتصر الأمر على نشر معلومات متناثرة حول مجهودات وزارة الداخلية في التعامل مع عدد بعينه من الجرائم، دون منهجية واضحة في طبيعة البيانات المنشورة، أو في دورية نشرها.

كذلك فالحديث عن جريمة بشكل مكثف في وسائل الإعلام التقليدية، أو على شبكات التواصل الاجتماعي، لا يعد مؤشرًا على انتشارها؛ فاهتمام الرأي العام بقضية مُعينة قد يكون له أسباب أخرى، منها جسامة الجريمة، أو حجم الضرر الناتج عنها، أو شخصية الضحية أو شخصية الجاني، أو حتى غرابة وطرافة طريقة تنفيذ الجريمة.

يضيف بيان النائب العام مبررًا حقوقيًا لحظر النشر، حيث اعتبر أن النقاش حول تلك الوقائع يمس خصوصية ومشاعر أُسر الضحايا، وهو أمر منطقي، لكن السؤال هنا هل هناك تناسب ما بين المصلحة المراد حمايتها “خصوصية ومشاعر أسر الضحايا” وما بين الإجراء المقرر من قِبل سلطات التحقيق؟ والذي جاء مُصادرًا لحق جميع المواطنين والمواطنات، والمنصات الإعلامية، في تداول والنقاش حول هذه الوقائع من الأساس!

يفتقد قرار النائب العام مراعاته لمبدأي التناسب والضرورة[32]؛ تفرض مراعاة هذين المبدأين عند اللجوء لتقييد حق إنساني أساسي مثل الحق في حرية التعبير، اختيار أقل الإجراءات مساسًا بهذا الحق. وهو ما راعاه قرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بإلزام جميع الوسائل الإعلامية الخاضعة لأحكام القانون رقم 180 لسنة 2018، بعدم نشر أي مقاطع مصورة تتعلق بواقعة إلقاء سيدة لنفسها من الطابق الثالث عشر بمدينة الإسكندرية، كما شدد المجلس على حظر نشر أي أخبار تتضمن التصريح باسم المتوفاة، صونًا لحرمة وفاتها،[33] كذلك قرر المجلس مخاطبة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحذف هذه المقاطع المصورة من جميع منصات التواصل الاجتماعي.[34]

قرار المجلس الأعلى، الذي نُشر قبل ساعات قليلة من قرار النائب العام بحظر النشر في نفس الواقعة، نجح في تحقيق حماية خصوصية الضحية وأسرتها وأطفالها، دون أن يصادر النقاش العام في القضية. يدفعنا النظر في كلٍ من التدخلين، للتفكير في الباعث الرئيس لقرار النائب العام، وهل كان الأمر يتعلق بحماية الخصوصية، أم بمصادرة حق المواطنين/ات في التعبير ومناقشة هذه الوقائع؟

ثمة نماذج أخرى عربية ودولية لكيفية تنظيم عمليات النشر المرتبطة بالتحقيق في القضايا المرتبطة ببعض صور جرائم العنف ضد النساء، فالقانون التونسي مثلا ينظم في الفصل رقم 60 من المرسوم المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر، عقوبة لمن يقوم بنشر أي معلومات تحدد شخصية الضحايا، أو تساعد في تحديدها، في جرائم الاغتصاب والتحرش الجنسي ضد الأطفال. ينص الفصل على: “يعاقب بالسجن من عام إلى ثلاثة أعوام وبخطية من ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف دينار كل من يتولى نقل معلومات عن جرائم الاغتصاب أو التحرّش الجنسي ضد القصّر بأي وسيلة كانت متعمدًا ذكر اسم الضحية أو تسريب أية معلومات قد تسمح بالتعرف عليها”.

وحول نشر وثائق التحقيق في مختلف أنواع الدعاوى، ينص الفصل رقم 61 من المرسوم نفسه على أن “يحجّر نشر وثائق التحقيق قبل تلاوتها في جلسة علنية، ويعاقب مرتكب ذلك بخطية تتراوح بين ألف وألفي دينار…”.

يحاول المشرع التونسي من خلال هذه النصوص الموازنة ما بين حرية التعبير، وحرية تداول المعلومات، وما بين حماية الضحايا، وحماية مجريات التحقيق. فيحظر بشكل مطلق نشر أسماء الضحايا، أو أي معلومات شخصية تساعد في تحديد شخصياتهن، دون أن يمتد هذا الحظر لوقائع الدعوى نفسها. كذلك وبالنسبة للتحقيقات، يحظر القانون نشر وثائق التحقيق ولكن لا يمنع نشر أو الحديث عن مجرياته، فالحماية هنا للوثائق الرسمية، وهي حماية مؤقتة، تنتهي بتلاوة نص هذه الوثائق في جلسة محاكمة علنية.

إن السعي لكتم أصوات الضحايا -بقرارات حظر النشر وغيرها- لا يضر قضايا النساء ويهدر حقوق الضحايا فحسب، لكنه يمس أيضًا السلم المجتمعي بشكل عام؛ فالحديث عن الجرائم -سواء كانت جسيمة أو بسيطة- بشكل شفاف وموضوعي، وملاحقة الجناة في محاكمات عادلة، يحقق الدور المحوري الذي يلعبه القانون في المجتمع بتحقيق الردع العام، فلا يقدم أشخاص آخرون على اقتراف نفس الجرائم، كذلك يحقق الردع الخاص، بتخويف المجرم نفسه من العودة لتكرار جريمته. فضلاً عن أهمية النشر والشفافية في ضمان نزاهة وعدالة المحاكمات بجميع مراحلها، بدءًا من مرحلة الضبط والتحقيق، وصولاً إلى صدور الحكم، وتوقيع العقوبة.

 

خاتمة وتوصيات

نودّ في نهاية هذه الورقة التأكيد على مبدأ التكامل بين حقوق الإنسان، فكل الحقوق مرتبطة ببعضها، بشكل يصعب معه نزع أحد هذه الحقوق دون أن تتأثر باقي الحقوق. ومن ناحية أخرى، لا يجوز تفسير أحد الحقوق الأساسية كحماية الخصوصية، وحماية قواعد المحاكمات العادلة، بطريقة تتضمن انتهاكًا لحقوق أخرى، مثل الحق في المعرفة، والحق في حرية التعبير، وحرية الإعلام.

أما ما يتعلق بحماية “القيم الأسرية”، و”سمعة البلاد”، و”صورة المجتمع” فما هي إلا مبررات تُستخدم غطاءً لانتهاك الحقوق الإنسانية والدستورية الأساسية. فمثل هذه الجرائم واردة الحدوث في كل المجتمعات، والتعتيم على الجرائم بأنواعها لا يخدم صورة أي بلد، ولكن ملاحقة ومعاقبة الجناة في محاكمات عادلة، وجبر ضرر الضحايا وذويهم، واتخاذ تدابير استباقية لمنع تكرار مثل هذه الجرائم مرة أخرى في المستقبل، هو ما يصنع المجتمع الجيد فعلا بحيث لا يضطر إلى إخفاء الحقائق ليزيف صورة مثالية.

في هذا السياق نطرح النقاط التالية، لتُشكّل معًا إطارًا مقترحًا متوازنًا، يُنظم ما ينبغي حظر نشره فيما يتعلق بجرائم العنف ضد النساء بشكل عام، سواء بتوجيهات من النيابة العامة أو بدمجها في مواثيق الشرف الصحفي والإعلامي:

  1. البيانات الشخصية للضحايا وأسرهم، وتشمل الأسماء والعناوين التفصيلية ومكان العمل والانتماء الديني والقبلي.
  2. صور الضحايا، سواء كانت هذه الصور صورًا شخصية عادية، أو صورًا أثناء أو بعد تعرضهن للجريمة.
  3. صور الأوراق الرسمية والوثائق الشخصية للضحايا، مثل صور البطاقات الشخصية وجوازات السفر وشهادات الميلاد ووثائق الزواج.
  4. صور الأطفال من أبناء وبنات الضحايا، أو أبناء وبنات المتهمين.
  5. البيانات الشخصية التي تخص أُسر المتهمين وتشمل الأسماء والعناوين التفصيلية ومكان العمل والانتماء الديني والقبلي.

إضافة إلى ذلك، توصي هذه الورقة بإعادة التنظيم التشريعي لقرارات حظر النشر المرتبطة بالتحقيقات والمحاكمات بما يتضمن:

  1. إلزام النيابة العامة، وقضاة التحقيق، ورؤساء المحاكم، بتسبيب دقيق وموضوعي لقرارات حظر النشر، مع توضيح توافر الضرورة التي تستدعي إصدار مثل هذا القرار.
  2. تقييد قرارات حظر النشر بإطار زمني لا يزيد عن شهر، ويجوز تجديده لمرتين فقط في ذات القضية/الواقعة.
  3. اضطلاع مكتب النائب العام بنشر بيان إعلامي أسبوعي حول مجريات التحقيق أو المحاكمات، في القضايا الساري بشأنها حظر للنشر.
  4. استحداث آلية قضائية للطعن على قرارات حظر النشر الصادرة من النائب العام أو القضاة، على أن يكون لهذه الآلية صفة النظر المعجل للطعون المقدمة إليها، على أن يكون الطعن على قرارات حظر النشر متاحًا لأي مواطن، بوصفه صاحب مصلحة، انطلاقًا من الحق الدستوري الخاص بحرية تداول المعلومات، وملكية المواطنين للوثائق والبيانات الموجودة بحوزة السلطات العامة.
  5. إلغاء حظر النشر المطلق المرتبط بدعاوى الطلاق أو التفريق أو الزنا (المادة 193 عقوبات)، وحظر النشر في دعاوى الجرائم الماسة بأمن الدولة من جهة الخارج (المادة 85 عقوبات).
  6. حصر أسباب إصدار قرارات حظر النشر في مرحلة التحقيقات في الأسباب المرتبطة بحماية العدالة، مثل التأثير السلبي للنشر على الحقيقة، أو خشية ضياع الأدلة، أو تنبيه المتورطين المحتملين الذين يخشى هروبهم، مع حذف الألفاظ غير المحددة من مبررات إصدار قرارات حظر النشر، مثل الآداب العامة، والنظام العام.

 

[1] بيان منشور على الصفحة الرسمية للنيابة العامة على موقع فيس بوك، بتاريخ 12 إبريل 2026:

https://tinyurl.com/nhcmp3h7

[2] ينظم القانون رقم 313 لسنة 1956، وتعديلاته بالقانون رقم 14 لسنة 
1967 حظر نشر كل ما يتعلق بالقوات المسلحة. يُمكن الاطلاع على نصوص القانونين من هنا: 
https://manshurat.org/node/7440 
https://manshurat.org/node/7441

[3]  المادة 93 من قانون العقوبات.

[4] اضيفت هذه المادة لقانون العقوبات بالقانون رقم 71 لسنة 2021.
https://manshurat.org/node/72657

[5] مادة 187 من قانون العقوبات.

[6] مادة 191 من قانون العقوبات.

[7] د. أسامة أحمد عبد النعيم، الضوابط القانونية
 لقرار حظر النشر، بحث مقدم للمؤتمر العلمي الرابع "القانون والإعلام" بجامعة طنطا.
https://tinyurl.com/2ppaftk3

[8] جيهان فادي، لدينا ما نخفيه!.. ورقة عن حظر النشر في
 القضايا المتهم فيها موظفون رسميون في مصر، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، 2021.

https://afteegypt.org/research/research-papers/2021/04/08/21462-afteegypt.html#_ftn5

[9]  جيهان فادي، لدينا ما نخفيه!.. ورقة عن حظر النشر في
 القضايا المتهم فيها موظفون رسميون في مصر، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، 2021.
https://afteegypt.org/research/research-papers/2021/04/08/21462-afteegypt.html#_ftn5

[10] بيان منشور على الصفحة الرسمية للنيابة العامة على موقع فيس بوك، بتاريخ 12 أبريل 2026:

https://tinyurl.com/nhcmp3h7

[11] المرجع السابق.

[12] مسار للتقنية والقانون: 
مذكرة إيضاحية: الأثر التشريعي لجريمة الاعتداء على قيم الأسرة المصرية، 2024.
https://bit.ly/3SpGfWk

[13] مثل الحكم في الدعوى رقم 12235 لسنة 93 ق نقض جنائي، والصادر في 4 يوليو 2024.

https://tinyurl.com/y7wm563j

[14] مثل الحكم في الجنحة رقم 315 لسنة 2024 جنح اقتصادية القاهرة، والصادر في 24 فبراير 2024:
https://bit.ly/4fv4wUB

[15] حكم محكمة القاهرة الاقتصادية في الجنحة رقم 315 لسنة 2024  https://bit.ly/4fv4wUB 
، وحكم محكمة جنايات وجنح الطفل بشمال القاهرة في الدعوى رقم 2451 لسنة 2024: https://bit.ly/3QnrpiE ،
 وحكم محكمة القاهرة الاقتصادية في الدعوى رقم 447 لسنة 2024 https://bit.ly/4viVxet ، 

حكم إضافي صادر عن محكمة الجنح الاقتصادية بالمنصورة عام 2021: https://bit.ly/43O0Ki2

[16] الحكم في الجنحة رقم 315 لسنة 2024 جنح اقتصادية القاهرة، والصادر في 24 فبراير 2024:
https://bit.ly/4fv4wUB

[17] قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018:
https://manshurat.org/node/31487

[18] محمود عبد الظاهر، انترنت تحت الحصار..
 حول التقنين الأول لجرائم تقنية المعلومات في مصر، مركز هردو لدعم التعبير الرقمي، 2018.
https://drive.google.com/file/d/16vjjlKGY0KmvtgzzGkjaFB-U1mtehDvD/view?usp=sharing

[19] مؤسسة حرية الفكر والتعبير: قضية حنين ومودة (1)، نُشر في 18 مايو 2021. 
https://afteegypt.org/read-tiktok-case-papers/2021/05/18/22152-afteegypt.html

[20]  المرجع السابق.

[21] مؤسسة حرية الفكر والتعبير: قضية حنين ومودة (2)، نُشر في 18 أغسطس 2021. 
https://afteegypt.org/read-tiktok-case-papers/2021/08/19/24455-afteegypt.html  

[22] اندبندنت عربية: خبر "إسدال الستار على قضية "فتاة تيك توك" بحكم مخفف في مصر، 
السجن 3 سنوات لحنين حسام وغرامة تزيد على 10 آلاف دولار بتهمة الاتجار بالبشر"، نُشر في 19 أبريل 2022.
https://tinyurl.com/yfdaja37

[23] DWعربي: "واقعة سيدة الإسكندرية، صرخة صادمة للمجتمع ضد منظومة القوانين"، نُشر في 16 ابريل 2026.
https://tinyurl.com/3kt6jync

[24] مراسلون بلا حدود: "مصر، وسائل الإعلام تحت سيطرة شبه كاملة". نُشر في 25 يناير 2019
https://rsf.org/s/35727

[25] هيومينا لحقوق الإنسان والمشاركة
 المدنية: تقرير "سنوات الحصار، وضع الفضاء المدني في مصر في الفترة من 2013- 2025"، 2026.
 https://humena.org/wp-content/uploads/2026/02/Egypt_YearsOfSiege_AR_0226.pdf

[26] بيان منشور على الصفحة الرسمية للنيابة العامة على موقع فيس بوك، بتاريخ 12 ابريل 2026:

https://tinyurl.com/nhcmp3h7

[27] بيان منشور على الصفحة الرسمية للنيابة العامة على موقع فيس بوك، بتاريخ 16 ابريل 2026.
https://tinyurl.com/2jfn368m

[28] الدستور المصري الصادر عام 2014 والمعدل في عام 2019.
https://manshurat.org/node/14675

[29] د. أسامة أحمد عبد النعيم، 
الضوابط القانونية لقرار حظر النشر، بحث مقدم للمؤتمر العلمي الرابع "القانون والإعلام" بجامعة طنطا.
https://tinyurl.com/2ppaftk3

[30]  موقع اليوم السابع: ""العصر الذهبي".. المرأة المصرية تتمتع بحقوق
 ومكتسبات في عهد القيادة السياسية لم تشهدها منذ عصور.. أعلى تمثيل في الحياة البرلمانية نائبة: 
نتمتع بتمكين حقيقي.. حواء تثبت كفاءة كبيرة في عملها وهي أساس المجتمع"، نُشر في  24 سبتمبر 2019.
https://www.youm7.com/4428180

[31] عرفت مصر في سنوات سابقة قيام وزارة الداخلية بإعداد تقرير سنوي حول الجرائم المختلفة يحمل اسم تقرير 
الأمن العام السنوي، والذي كان متاحًا للخبراء والباحثين للاطلاع عليه، قبل أن يُصبح هذا التقرير سريًا في تسعينيات
 القرن الماضي، مع تضارب الأقوال حول إذا ما كانت وزارة الداخلية لا تزال تقوم بإعداده دون أن يُتاح الاطلاع عليه 
إلا للقيادة السياسية والقيادات الأمنية، أم أنها توقفت عن إعداده من الأصل. يُمكن مراجعة شهادة د. ماجد عثمان،
وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات السابق في حكومة تسيير الأعمال من فبراير 2011 حتى يوليو 2011، 
والمدير الأسبق لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري، من هنا: https://tinyurl.com/4b2t9k92

[32] للتعرف على مضمون هذه المبادئ المرتبطة بالقيود الجائز فرضها على الحق في حرية التعبير، 
يمكن الإطلاع على الفقرات 33،
 و 34 من التعليق العام رقم 34 على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، 
والصادر عن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، في يوليو 2011.
https://elhak.org/wp-content/uploads/2022/12/CCPR_C_GC_34-AR.pdf

[33] بيان منشور على الصفحة الرسمية للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام على موقع فيس بوك،
 بتاريخ 12 إبريل 2026:
https://tinyurl.com/mtwj7tfx

[34]  المرجع السابق.

للإشتراك في نشرة مؤسسة حرية الفكر والتعبير الشهرية

برجاء ترك بريدك الالكتروني أدناه.